• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
aminomar

إيسكي آراب

عدد ردود الموضوع : 1

ثمة قرى عديدة حول مصب نهر ميستا يعيش عبها زنوج. تقول أسطورة غير قديمة العهد إن شخصا يدعى حسين باشا كان يملك مزارع واسعة هنا. لم يحتمل عماله وأجراؤه المسلمون البلغار الجبليون الذين في منطقة رودوبي القيظ والملاريا حول قره سو. مات بعضهم وهرب الآخرون فاستقدم الباشا زنوجا من مكان ما. ليس ثمة وجود للمزارع في أيامنا. لكن أحفاد الزنوج ما زالوا مقيمين هنا. بيوتهم واطئة رمادية اللون، تختفي بين أشجار التين. وتنمو أجفان الصبار، إلى الأعلى عند الأسيجة الطينية بأزهارها الصفر والحمر. الجوقائظ إلى درجة لا تطاق صيفا. لا نسمة تحرك قصب المستنقع. ثمة محاريث تجرها جواميس ضخمة، يسير وراءها فلاحون سود في مثل لونها. وثمة شبان جميلون حقا: أجسام معافاة ممشوقة، وأطراف مفتولة صلبة فكأنما هم من برونز أسود. إنهم أناس طيبون سذج بسطاء يتكلمون ويبتسمون من القلب كالأطفال، ابتسامات تكشف عن أسنان بيض كالثلج.

 

مركز خفارة الحدود مقام في مزرعة مهجورة. كل تذكارات الشرق وغوامضه باقية في ذلك البناء القديم الضخم: الأطناف العريضة، والنوافذ المشبكة، والسرادقات، والجدران المغطاة تماما بحشيشة الدينار، وعاشق الشجر، وغيرها من النباتات المتسلقة. وتقوم حوله أسوار حجرية عالية كأسوار حصن.

 

المزرعة بعيدة جدا عن القرى، وبالرغم من ذلك، كان جيراننا السود يأتون لزيارتنا أحيانا. كان اثنان منهم يزوراننا أكثر مما يفعل الآخرون.. وهما إيسكي آراب، وتاتا تيتا.

 

إيسكي آراب أكبر الزنوج سنا هو الوحيد الذي لم يولد هنا بل في السودان، وقد حكى لي في أول لقاء بيننا: "هناك صيادون يصطادون على الجياد في نواحينا. وهم لا يخرجون للصيد البري بل لصيد الأطفال. يطوفون حول القرى ويخطفون الطفل الذي يبتعد ويبيعونه" وهكذا اقتيد إيسكي آراب. كان حينذاك في الرابعة عشرة من عمره. ولهذا يتذكر أشياء كثيرة من وطنه.

 

ليس ثمة ما يجمع بين تاتا تيتا وبين شخصيات برنارد شو. كان شابا خلاسيا جميلا وكان اسمه الحقيقي شوكت. خدم في الجيش التركي نافخ بوق. كان الجنود يتسلون معه ويرغمونه على أن يعزف لهم المارشات السكرية التركية. ما كان تاتا تيتا يمانع بتاتا. وكان يعزف تلك الإشارات بفمه بطريقة واحدة: تا - تا. تي- تا. فصار هذا لقبه. لم تكن له حرفة، ولم يمارس أي عمل تقريبا. كان يعمل فيما مضى على إحدى العوامات التي تنقل الناس والعربات عبر النهر لقاء مبلغ زهيد. ولهذا كان تاتا تيتا يعرف قره سووالغابات المجاورة أفضل مما يعرفها حيوان بري. كان ماكرا نشيطا، يشرب الكثير من الخمر، ويمارس التهريب سرا.

 

يأتي إيسكي آراب إلى المركز دائما ومعه طلب ما: راجيا إعفاء مواشيه من السخرة أو طالبا السماح له باقتطاع القليل من حطب من الغابة على مقربة من الحدود. لكنه ما كان أبدا يبدأ الحديث مباشرة. كنا نبدأ وإياه الحديث نفسه دائما. يقول:

 

-يا رئيس أفندي ! أنت دائما تقرأ وتدخن، تقرأ وتدخن.

 

- أنت تحن إلى مملكتك دون ريب !

 

- طبعا يا عبدالله، إنني أحن وأنت، ألا تحن إلى السودان ؟

 

- أحن، كيف لا أحن.

 

- ألا تريد الذهاب إلى هناك ؟

 

- إيه، أريد.. إنه الوطن. جذاب لكنه بعيد جدا يا رئيس أفندي. على بعد ستة أشهر، وعلي أن أحصل على سبع تذاكر، إذ يجب أن أجتاز سبع ممالك. وهي: اسطنبول، أزمير، مصر..

 

ويعد على أصابعه ويذكر بضعة أسماء أخرى. هي ليست ممالك بتاتا، ولا معنى لها، على الأغلب. ولكونه واثقا من أن هذا كله سوف يدهشني ويذهلني حتما فإنه كان يبتسم في النهاية بطيبة وغبطة. وإيسكي آراب هرم جدا، ووجه منفر مخيف: جلد أسود وشفتان سوداوان وحتى بياض عينيه أسود. أسنانه وحدها بيضاء وليس ثمة ما هو إنساني في هذا الوجه سوى الابتسامة.

 

ويردف:

 

- وهناك بحر، ثمة بحر يجب عبوره.

 

ثم يسألني بعد وهلة قصيرة بسذاجة تامة:

 

- أحقا، يا رئيس أفندي، وأنت رجل متعلم، أنه توجد في البحر أفاع كبيرة تستطيع حتى إيقاف البواخر ؟

 

ومن ثم نغير سريعا مواضيع حديثنا.

 

ويذهب آخر الأمر سعيدا فرحا، لأن الإذن الذي أعطيته له بقطع ما يريد من الحطب من منطقة الحدود يلمع أبيض في يده السوداء. لكن الجنود يستوقفونه طويلا في الخارج ويمازحونه ويضحكون حوله.

 

هكذا كان يأتي إلى المخفر مرارا. وكان تاتا تيتا يأتي أيضا. لكنه كثعلب يطوف بالخم حذرا ودون ضجة. كنت أراه على غير انتظار بين الجنود. دون أن أعرف متى جاء ودون أن أراه عندما يذهب. لاحظت مرة، صداقة حميمة بين معاوني المساعد وإيسكي آراب وتاتا تيتا. وخيل لي أنني لاحظت ذلك متأخرا جدا. كان تاتا تيتا يتحاشى الالتقاء بي، وإذا ما التقينا راح ينظر إلي بمكر وارتياب. وأدركت أن شيئا يتم خفية عني.

 

كانت غرفة المساعد منتحية جانبا في مكان من الطبقة الأولى. مررت يوما مساء قربها ونظرت عبر النافذة. كان الأصدقاء الثلاثة هناك.. المساعد، وإيسكي آراب، وتاتا تيتا. تضطرم نار في الموقد وثمة أقداح وزجاجة عرق (راكيا). كان ضابط الصف من بانديرما، وهو شاب مثقف جدا، يجيد اللغة التركية أحسن من الأتراك أنفسهم. يتكلم عن إفريقيا. ويبدوأنه قرأ ليفنغستون، وبريم، وماين ريد. دار الحديث حول كل شيئ: حول الغابات الإستوائية المتشابكة بالعرائش والمزدحمة بالضواري، والأفاعي، وحول الصحراء والسراب الذي يخدع القوافل الضالة، وحول نخيل الواحات وزئير الأسد المخيف حين تغيب الشمس. ومن ثم أسهب في وصف المساكن الصغيرة المقامة من عيدان الخيزران. الذين يعيشون هناك سود البشرة، لكنهم أحرار ودون هموم، متوقدون، شبقون في الحب، قساة عنيفون في الانتقام وفي المعارك. يعرفون كيف يفرحون: يشربون الخمر بقشور جوز الهند، موسيقاهم تنيم الأفاعي وتلهب دماء النساء، اللواتي يرقصن شبه عاريات. الخرز والنقود القديمة، وحدها، ترن على أذرعهن وصدورهن. صرخ تاتا تيتا لدى سماعه الكلمات الأخيرة ثم تناول كأسه، وصفر لحن شارة الهجوم. تلك هي الشارة التي تعلن أن وقت الشرب قد حان. وتاتا تيتا يصفر هذه الشارة كثيرا. إنه يشرب مستمتعا، يرفع الزجاجة ليرى كم بقي فيها، ولا يأبه كثيرا بالحديث. أما العجوز إيسكي آراب فكان يستمع ذاهلا عن كل شيئ وهو يرتعش تأثرا. وكان يكتفي بأن يردد:

 

- هكذا، تماما، يا شاويش أفندي. أذكر ! إيهيه !

 

ومن ثم غنى بصوت أجش.

 

منعت هذه اللقاءات. لكن مرض الزنجي استفحل. كان، علاوة على ذلك، مصابا بخرف الشيخوخة الطبيعي، لكنه صار الآن لا يتحدث إلا عن السودان وعن شبابه. كلامه لا معنى له تقريبا وغير مترابط. فكه يرتجف وكذلك يداه. عيناه ترسلان نظرات زائغة بلهاء. زوجته تشكوه لي، وهي عجوز حادة الطبع شريرة، رجتني أن أمنع المساعد وشوكت من الجلوس مع عجوزها. إنهما يفقدانه صوابه. كان فيما مضى فطنا وديعا. وهو الآن يخاصمها دائما. ويتوعدها بأنه سيبيع كل شيء ويذهب إلى السودان. يكاد لا يأكل شيئا ولا يستطيع إلى النوم سبيلا، وإذا ما أغفى راح يلغط في بلغة غريبة غير مفهومة. وتبكي العجوز.

 

دعوت إيسكي آراب إلى المخفر. صادف هذه المرة أنه كان ثائبا إلى رشده. جهدت كي أقنعه بالنكوص. قال بإذعان أسيان:

 

يا رئيس أفندي، مات أطفالي، وأنا هرم، ويخاصمونني في البيت دائما. لا أستطيع، سوف أذهب، المكان الذي يولد فيه الإنسان هو المكان الذي يناسبه.

 

وروى لي هذه الطرفة:

 

في قديم الزمان رأى الملك سليمان طائرا صغيرا. كان تغريد الطائر فائق العذوبة. أمرهم أن يمسكوه ويضعوه في قفص من ذهب.

 

ولأنه ملك، تحقق ما أمر به. لكن الطائر صمت حينئذ. أحني رأسه وما عاد يردد سوى: "وطن ! وطن !" أشفق الملك وأمر بإطلاقه. انطلق الطائر من القفص وحط على جفنة شوك قمئة وعاود التغريد. لكن، هناك، في وكنه.

 

رجعت ذاك المساء نفسه متأخرا من جولتي عند الحدود. كانت القرية ساكنة، والمساكن تختفي تحت قباب أشجار التين، ثمة نافذة واحدة مستديرة تضيء في الظلام كعين صفراء. تناهت إلى سمعي أصوات متفرقة باهتة تشبه وقع قطرات المطر فوق حوض.

 

هناك بيت إيسكي آراب. دنوت وأو قفت جوادي، ثمة في الداخل من ينقر على الطبلة ويغني، الصوت موهن أجش. إنه رنات صماء غلظة. إنه إيسكي آراب يغني. سمعت في البداية لحنا هادئا مفخما يتكرر طويلا، لكن فيه الكثير من الحب والدموع والذكريات. ثم تسارعت النقرات على الطبلة وتسارعت الأغنية واستحال اللحن إلى إيقاع مرقص ممراح. ورنت الصنوج بدلا من الطبلة.

 

وتعالى صوت نسوي زاعق حقود:

 

- اسكت، اسكت، أيها الخرف الملعون ! ياي، ياالله، ياالله ! صمتت الأغنية. رد إيسكي آراب بشيء لم أسمع فحواه. وعادت المرأة إلى الصياح بقنوط:

 

طن ! وطن ! هذا الوطن دوما ! أضعت صوابك أيها الرجل، فلتخجل !

 

مضى بعض الوقت، ثم بدأ نقر الطبلة وبدأت الأغنية من جديد. اللحن المفخم البطيء في البداية، أصوات غليظة صماء من الخلف، لكنها مفعمة بالرقة والحب والأسى القانط.

 

إنه إيسكي آراب يحن إلى السودان.

 

للكاتب البلغاري: يوردان يوفكوف

ترجمة: ميخائيل عيد

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان