• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل الثالث عشر) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل الثالث عشر)

 

لقد أفادته هذه الكراهية الحائطية في تذكر الوقائع غير المكتملة لأكثر قصص الحب الرسمي فشلاً في التاريخ، دون أن يعي أنه تخلص من نسيان شامل في مقابل خلطٍ للوقائع، فقد رأى الدكتورة صفاء في ملابس أميرة من الزاندي وفي عينيها البراءة المتأخرة لطالبة صغيرة ولإستنباط مزيد من التفاصيل بحث عنها داخل ذاكرته في الأماكن الأقل توقعاً.

فرأى نفسه في مرآة الذاكرة، كهلُ يتقدم نحو الشيخوخة، دون أن يجرؤ على الإعتراف أن تقدمه نحو الشيخوخة كان هو التقدم الوحيد الذي يحرزه خلال نصف قرن، رأى نفسه معزولاً عن تفاصيل الحياة في وطن لا يزال يلعق جراحاته، رأى نفسه معزولاً عن إحتفالات أول موسم للحصاد، بعد نهاية عصر الجفاف، رأى نفسه معزولاً عن إحتفالات أول أيام عيد الفطر المبارك، وعن أعشاب السدود في بحر الجبل حيث أفراس البحر تتفرس في وجوه الغرباء الذين يعبرون في قيظ السافنا، وعن إيقاعات الحياة في مدينة يامبيو حيث يقيم صديقنا منقو، وعن أمسيات الخريف الوليد في ود سلفاب حيث نشأ مطرب الشعب مصطفى سيدأحمد .وعن أحزان الأمهات اللائي يكافحن من أجل إبقاء نفس إيقاع الحياة داخل بيوتهن لحين عودة المفقودين.

يكافحن الأرضة في جزوع السقوف وخزائن الثياب التي لم تمس منذ أن أحضرها الأبناء كأول خطوة لإتمام مشروع الزواج، يقمن بطلاء الجدران بالجير الأبيض كل عام بعد إنجلاء الخريف، يمضين في الإنتطار دون ان يلاحظن أنهن كن في الواقع يمارسن إنتظار الموت، وأن إنتظار الموت كان شبيهاً بإنتظار الحياة التي وضعن لها أدق التفاصيل لإستئنافها لحظة وصول الغائبين، وبحانب الحفاظ الشكلي على مظاهر الإنتظار، بوقف إستئناف الحياة منذ لحظة غياب المفقودين، فإنهن كن يمارسن كإجراءٍ إحترازي إستئنافا مؤقتاً لطقوس الحياة لحفظ صور الأولاد التي بدأت تذوب داخل الذاكرة، فيضعن صورهم الباهتة غير واضحة المعالم في المواقع الأفضل إضاءةً داخل البيت لتساعدهن على إعادة تأهيل الذاكرة كلما توغلت فيها عتمة الشيخوخة.

يحاولن رعايتها بفرحٍ مؤقت لأبعاد الشؤم عنها : صورُ تحمل زهو أول إبتسامة بعد التخرج، وعلى الكتفين أول شارات المجد القاتل، وعلى العيون أول بريقٍ للموت، يحاولن عن طريق اعطاء مظهر أليف للموت، نقل دوره إلى صفة مراقب، وتحييده حياداً إيجابياً، يحيث يمارسن تحت مراقبته الأليفة نفس الإجراءات البديلة للموت.

فصل جديد

وفي الليلة الخامسة وبعد أن أفرط في المريسة بدأ يجتر دون أدنى شعور بالخجل، الوقائع الأكثر مرارة التي ميزت عصور جفافه، وللمرة الأولى تحمل دون شعورٍ بالذنب تبعة التسبب في موت مئات الآلاف من جراء المجاعة التي اجتاحت غرب وأواسط الوطن، لأن نظامه لم يشأ الإعتراف بها علناً لتجنب إتهام عالمي للنظام بالإهمال.

ورغم أنه لاحظ أنه كان يخلط ذكريات عصور متفاوتة من الجفاف، إلا أنه إكتشف للمرة الأولى أنه كان عاجزاً عن تمييز هذه الفوضى التذكارية.

وفجأةً رأى الأميرة مينيساري، وفي البداية إرتجف أمام يقين أنه كان يراها في الواقع لا في الذاكرة، رآها تنتصب في ذاكرته مع مظاهرة إحتفالات مفتوحة في مدينة جوبا، ترقى إلى عصر الجفاف الأول، رغم وجود مؤشرات ثانوية أكثر قوة على أنها ظهرت كواقعة مؤكدة في عصر الجفاف الثاني.

ودون أن يشعر وجد نفسه يغرق في متاهة سرد تفاصيل صورتها المشوقة، وجلسات الحب الصامت بحراسة خمسة حراس مدججين بالسلاح، ورغم أن طريقته غير المشوقة في السرد أعطت الواقعة بعداً ترفيهياً، إلا أنها لاقت إستحساناً حذراً بسبب أبعادها الإنسانية، لأنه وفي خضم المآسي التي قام بسردها، لم يكن قد تبقى أدنى شك في أن هذا الرجل الذي جاءهم بالصدفة بعد عدة سنوات من إنتظاره، وإستهلاك كل الأفكار المستحدثة من أجل وضع خطة لإستقباله بشكلٍ يليق بأمجاده الوهمية، كان في الواقع بلا قلب، بلا هوية وبلا عواطف، لدرجة أن أهل القرية الذين احتشدوا جميعاً في الليلة الأولى لإعترافاته حتى ضاق بهم فناء بيت الزين ود حاج النور حتى إضطر البعض للجلوس فوق الجدران، بدءوا بالتناقص منذ الليلة الثانية دون حتى أن يلاحظ أكثرهم حرصاً على أن إندفاعه المتهور في سرد أدق تفاصيل أخطائه، لم يكن محاولة لتكفير متأخر عن ذنوب لم يعد في مقدور بشر تحمل تبعتها كما إعتقدوا، ولكن بسبب إصراره على إرتكاب جرم أخير، بمحاولة تحميل مستمعيه عبء تقاسم مسئولية أخطائه معه، كمقابل لأوهام المجد التي حلموا بها طوال سنوات وشيدوا على أساسها أوهاماً تفصيلية، دون موافقته شخصياً من أجل إستخدام صورته في الأحلام.

وفجأةً حينما كانت المجموعة التي بقيت من مستمعيه تشعر بالذهول من سيل إعترافاته العاطفية، لا بسبب غرابتها، ولكن بسبب عدم تصديقهم أن شخصاً واحداً يمكن أن يرتكب ذكرياتاً بمثل هذا التناقض، أخلد إلى النوم، العادة التي إكتسبها منذ اللحظة التي سقط فيها سوط الكمبلا الذي كان العقيد خليفة إبراهيم قد علقه في مكتب السيد الرئيس.

سقط السوط ليعلن العقيد خليفة إبراهيم بركات : أن المعركة قد حان موعدها سيدي الرئيس من أجل القضاء على هذه الفوضى، سقط السوط في نفس اللحظة التي انفجرت فيها الطائرة العسكرية التي كانت تقل الوزير الحزبي محمد عثمان الزين والوزير عبدالرحمن الطيب، وكانا عائدين بعد أن وقعا مع فصائل التمرد العسكري إتفاقية من أجل إنهاء الحرب الأهلية.

سقط السوط أرضاً وفي لحظات كان تلاميذ العقيد خليفة إبراهيم بركات يستولون على الوطن كله، وتبدأ تقاريرهم تتوالى:

أغلقنا حزب الوطن سيدي الرئيس وسحبنا رجال الأحزاب الذين كانوا لا يزالون يتشاجرون، سحبناهم إلى السجون ليكملوا شجارهم هناك، حتى إمتلأت كل السجون الوطنية، وبضربة لازب أستعدنا هيبة الحكم.

وظهر السيد الرئيس في جهاز التلفزيون للمرة الأولى منذ نهاية عصر الجفاف الثاني، كان صوته جافاً بسبب سنوات الإهمال، أعلن أنه ظل طوال سنوات يرقب هذه الفوضى التي انتظمت الوطن أملاً في أن تستفيد الأحزاب المحلولة من تجارب الماضي وتتصدى لحل مشاكل الوطن، إلا أن الأحزاب لم تعد للواجهة إلا لتمارس نفس لعبة الصراع القديم على كراسي الحكم، فأصبح الوطن كله مثل سوق الجمعة، الجميع يتكلمون ولا أحد يعمل، الجميع يتشاجرون ولا أحد يعمل.

وفجأةً لاحظ المشاهدون أن السيد الرئيس إستغرق في النوم قبل أن يكمل بيانه الأول، إرتفع شخيره الرسمي على الهواء مباشرةً فعبر الأثير إلى أقاصي الوطن، فشاهد الناس السلطة النائمة في أقصى الشمال في كرمة النزل وفي وادي حلفا، حيث توقف صخب القادمين من مصر عبر بحيرة النوبة للحظةٍ قبل أن يَستأنف مرةً أخرى.

وفي سهول البطانة في أواسط الوطن، وفي غرب الوطن في بابنوسة وفي الأبيّض وفي سفوح جبل مرة، وفجأةً إنقطع الأرسال وظهرت على جهاز التلفزيون لوحةُ مكتوب عليها : لحظات ونواصل الإرسال، وفهمها الناس في كل أرجاء الوطن هكذا : لحظات ونواصل الإستبداد.

وفجأةً ظهر السيد الرئيس منتعشاً ونشيطاً، ولتعويض أثر عدم الثقة بسبب إستغراقه المفاجئ في النوم، ضرب المنضدة أمامه بقبضة يده حتى تحطمت، وهدد بضرب الخونة والعملاء في كل مكان، وأن عربة الثورة سوف تمضي الي الامام ومن يجازف بإعتراض طريقها سوف تعبر فوق جثته .

بدا عجوزاً وبائساً حتى أن الكثيرين ممن شاهدوا وجهه المتيبس بسبب آثار عصر الجفاف، عرفوا أنه إستهل حقبةً جديدة من الإستبداد رغم أنه بدا وكأنه يمسك على مقبض السلطة بيدين لا تخصانه، قبضة حديدية لا تتناسب مع مظهر هذا الشيخ الهرم الذي يستغرق في النوم أثناء الإجتماعات الرسمية.

يجلس العقيد خليفة إبراهيم بركات على شماله بإعتباره مستشار رئيس الجمهورية أثناء إجتماعات مجلس الوزراء، يشعر بأنهم ينافقونه حينما يقولون له بعد إستيقاظه من النوم: الوطن كله يستغرق في النوم حينما تخلد أنت للنوم سيدي الرئيس، الحياة تتوقف وحتى الكهرباء تنقطع من إشارات المرور سيدي الرئيس يتوقف الوطن كله، إلا أنه يعرف أن الحياة تمضي حتى وهو مستغرقُ في النوم، وأن تقارير مستشاريه كانت كاذبة، وأن الكهرباء لا تنقطع عن إشارات المرور بسبب نومه، لأن الكهرباء مقطوعة أساساً عن الوطن كله، وأن العربات تقف في صفوف طويلة، لا لأن الوطن كله في حالة توقف بسبب إستغراقكم في النوم سيدي الرئيس كما يقول له منافقوه الجدد، بل بسبب إنعدام الوقود.

واكتشف كذب مستشاريه الذين أكدوا له بأن الأمن مستتبُ في ربوع الوطن كله، وأن الشارع تعاطف مع قراره الحكيم بإغلاق حزب الوطن، حينما عرف أن مظاهرةً عاصفة عبرت شارع الجمهورية، حطمت كل شئ في طريقها ولم يتسن القضاء عليها إلا بإستخدام مدافع الهاون وحصيلة القتلى تسع وثمانون.

عرف كذب مستشاريه الذين أكدوا له أن عجلة الحياة تدور في الوطن بشكل عادي حينما عرف أن عمال مصلحة السكة الحديد أضربوا عن العمل وأن إضرابهم شلّ الحياة في الوطن كله.

ورغم أن إضراب عمال السكة الحديد أذاعته وكالات الأنباء العالمية إلا أن العقيد خليفة إبراهيم بركات نفى له الخبر وقال وهو يجلس على الأرض بجانب السيد الرئيس: لا تصدق هذه الشائعات سيدي الرئيس إنها لا ترمي إلا إلى تثبيط هممنا وتوجهاتنا الحضارية الرشيدة.

وليتأكد بنفسه تم إصطحابه في جولة تفقدية فشاهد صفوف العربات المنسابة أمام محطات الوقود، وجعلوه يقترب ليرى عداد طلمبة الوقود ليتأكد أنه كان يتم إعطاء أي مواطن أية كمية يطلبها من الوقود وليس جالوناً واحداً كما تزعم الشائعات، دون أن يلاحظ السيد الرئيس أن صف العربات ذلك كان مفتعلاً وأنها كانت مجموعة من العربات التابعة لجهاز العقيد خليفة إبراهيم بركات.

شاهد العشاق يغنون في شارع النيل كما كانوا يفعلون في أيام عصر الجفاف الأول، يغنون أغنية مرت الأيام، لم يشعر السيد الرئيس بالإرتياح لغنائهم الذي بدا له مفتعلاً، دون أن يساوره أدنى شك في حقيقة كونهم عشاقاً مزيفين وأنه تم إستئجارهم من الشباب الواقفين في صفوف السفارات الأجنبية بحثاً عن سراب تأشيرة خروج من الوطن، وتفقد محطة السكة الحديد الرئيسية محاولاً أن يجد بعينيه تفسيراً للخلل الذي يشعر به تجاه كل الأشياء دون أن يراه، محاولاً أن يبعد عينيه عن تأثير أذنيه الواقعتين تحت تأثير حديث العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي أشار بيديه إلى العمال المنهمكين في العمل قائلاً : هؤلاء هم العمال الذين تزعم وكالات الأنباء العالمية أنهم مضربون عن العمل سيدي الرئيس.

شاهد قاطرات السكة الحديد تعمل حسب جداولها المعلنة، تنقل الوقود من بورتسودان إلى الوطن كله، ورأي مكاتب الادارة نظيفةً كأن أرضياتها غسلت بالزجاج وكل موظف يؤدي عمله في مكانه وأصص الظليات مرصوصة بنظام بحذاء الجدران، واستفسر عن القاطرات التي رآها متوقفة في الأرصفة فعرف أنها : في حاجة إلى قطع غيار سيدي الرئيس وقد قمنا بطلبها من الخارج ونتوقع وصولها خلال أيام.

دون أن يعلم أن هذه القاطرات المحملة بالركاب والبضائع كانت أيضاً إحدي إستعراضات رجال العقيد خليفة إبراهيم بركات لإيهامه بأن عجلة الحياة تدور في الوطن، لكنه لايشعر بالإطمئنان، يحاول إبقاء عين واحدة مستيقظة أثناء نومه، يعود لإرتداء ملابس بائع اللبن ليتجول ليلاً.

يعرف بخبرته أن العيون التي ترقبه من على البعد ليست سوى عيون السلطة، يحاول تلمس نبض الحياة فيفاجئه ملمسها الشبيه بملمس الموت، يكتشف أن أيادٍ خفية كانت تقوم بهدم الوطن وإعادة بنائه، شاهد الجرافات تعمل ليلاً بعد حلول ميعاد حظر التجول، وفي مزادات يوم الجمعة إكتشف أن الوطن كان معروضاً كله للبيع لشركات قطاع خاص ظهرت فجأةً على الواجهة.

وفي إجتماع مجلس الوزراء التالي إكتشف إختفاء الوزراء الذين قام بتعيينهم، جلس مكانهم وزراء متعجلون ،لهم ملامح السماسرة، حتى أنه عاد لينظر حواليه ليتأكد من أنه كان لا يزال في القصر الجمهوري وليس في سوق الكرين، وزراء متعجلون يقف خلفهم مساعدوهم يحملون أدوات القياس وأجهزة الكمبيوتر الشخصي لحساب أرباح الصفقات المتوقعة، وأثناء النقاش إكتشف السيد الرئيس أنه كان معزولاً تماماً ولا يفهم شيئاً من كلامهم الذي كان يتم بلغة أرقامٍ هندسية دَهش لأن أحداً منهم لم يناقش مشكلة نقص الخبز، أو أزمة الوقود والكهرباء، أو المظاهرات التي إندلعت تطالب بالحرية ولا مشكلة التضخم الذي سمع من زائرٍ عابر أنه اذداد حتى : أننا كنا نجلس في السوق العربي سيدي الرئيس كل يوم صباحاً لنتسلى ونحن نشرب القهوة وندخن سجائر البرنجي، لنتسلى بمراقبة أسعار السلع وهي ترتفع في كل لحظة بسرعة صاروخية حتى راجت قصة المواطن الجنوبي الذي جاء في وقت متأخر من المساء لشراء شئ ما واكتشف أن نقوده لم تكن كافية فعاد في الصباح التالي بعد أن أكمل نقوده ليكتشف أن السلعة إرتفع سعرها مرةً أخرى فقال: يعني ما ننوم ولاّ أيه!

لم يفهم السيد الرئيس شيئاً من ذلك الإجتماع الرقمي، ولتعويض فشله في تحقيق إختراق لهذه الضجة الإحصائية، إختبر قوة عضلاته داخل ملابسه فاكتشف سريعاً أنها إنهارت بسبب الشيخوخة، وأنه لن يكون بإمكانه تحطيم هذه المشاورات الرقمية بلكمةٍ صاعقة مثلما كان يفعل أيام عصر الجفاف الثاني حينما كان فض إجتماع مجلس الوزراء يتم بإستخدام قبضة اليد.

إستغرق في النوم كبديل إحترازي عن إستيقاظ مهين، حينما إستيقظ وجد المكان خالياً وموحشاً، رحل الوزراء ومساعدوهم بأجهزة قياسهم وأجهزة الكمبيوتر الشخصي وأجهزة التليفون النقال، هاله الصمت الموحش في المكان، لا وجود ولا حتى لضوضاء عصافير عصر الجفاف الثاني.

تجول في حديقة القصر فلم يسمع صوتاً سوى ضجة العربات في السوق الأفرنجي وضوضاء الباعة الذين يفترشون الأرض في أزقة السوق العربي، وجد حاجباً صغيراً لا يذكر أنه رآه من قبل سأله : ألا تعرف ياولدي أين ذهبت العصافير ؟ أشار الحاجب نحو نافورة القصر الجافة : لقد رحلت سيدي الرئيس منذ أن تعطلت هذه النافورة، تلك النافورة التي كان يسمع في هديرها هدير الوطن: أصوات باعة الماء في ميدان أبوجنزير وباعة الخضر في السوق العربي وباعة كل شئ في سوق الجمعة، جلبة تجار الصمغ العربي في سوق الأَبيّض، وتجار الأخشاب في مدينة ييي، وضوضاء وصول الباخرة التي تقطع بحيرة النوبة لتصل للمرسى النهري في مدينة وادي حلفا، وجلبة المهربين في ميناء سواكن المهجور.

في اليوم التالي زار دون مرافقين المستشفى العسكري فوجد الجرحى بالعشرات يرقدون أرضاً في صفوف طويلة مثل علب السردين، رغم أن الصحف الرسمية كانت تعلن أن الحرب الأهلية إنتهت وأنه تم تنظيف كل حدود الوطن من الخونة والعملاء.

صباح اليوم التالي أرسل أحد الموظفين القلائل الذين تبقوا في القصر لإستدعاء العقيد خليفة إبراهيم بركات، فجاء مساءً بصحبة طبيب، أجرى الطبيب عليه كشفاً طبياً، فاكتشف إرتفاعاً في ضغط الدم، فاستبدل له عقار الأدلفان أذدريكس بعقار أدالات وأوصاه بإستعمال حبة ثلاث مرات يومياً، ونصحه بتقليل الملح في طعامه وبشرب عصير القريب فروت وقال قبل أن يستأذن خارجاً : لا تفكر ولا تقلق كثيراً سيدي الرئيس.

شعر بوهن في صحته لم يكن يشعر به قبل وصول الطبيب، فيما العقيد خليفة إبراهيم بركات يقف إلى جواره مستعداً لأية سؤال، كان يبدو مرتاحاً، إختبر السيد الرئيس تعابير وجهه فلم يجد أثراً لسيماء المؤامرة، بدا أنيقاً تفوح منه رائحة عطر فخم، يرتدي بدلة زرقاء أنيقة وحذاءً إيطالياً ويحمل في يده عصا من الأبنوس لها مقبض من العاج، وكان من الصعب التصديق أن هذا الرجل الأنيق كان هو نفس الرجل الذي جاء قبل عدة أشهر مرتدياً ملابس كجور كاملة.

رد بهدوء على كل إستفسارات السيد الرئيس: لا تقلق سيدي الرئيس، الوطن بين أيدٍ أمينة، طوال الليل أظل أنا مستيقظاً ساهراً على راحة الوطن ويردف ليطمئنه قائلاً: كل التقارير ستكون أمامك سيدي الرئيس قبل إجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي لتكون على علم بأرقام النمو المتزايد في الوطن، والآن أنت تحتاج للراحة سيدي الرئيس،ويمسك بيده ويقوده إلى الفراش، يناوله كوب اللبن الدافئ الذي يحضره الخادم، وبعد أن يشرب كوب اللبن يشعر بخدرٍ لطيف يسري في جسده كله فيسحب العقيد خليفة إبراهيم بركات الغطاء فوقه بعد أن يضبط جهاز التكييف ليعمل بهدوء ويقول: تصبح على خير سيدي الرئيس.

يرى نفسه في الرؤيا في صورة معتوه يطارده صبية الأزقة ويقذفونه بالحجارة، تصبح على خير سيدي الرئيس، يسحب العقيد خليفة إبراهيم بركات الغطاء فوقه فيستغرق الوطن كله في النوم، لأنه وفي نفس اللحظة تدق ساعة الجدار معلنةً تمام العاشرة ميعاد حظر التجول، فتتوقف الحركة في الوطن، تتوقف قطارات السكة الحديد في الأرصفة المهجورة في المحطات النائية حيث لا يوجد كائن لإستقبالها في منتصف الليل سوى رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ الساعة السادسة والنصف المنسيات منذ عصر الجفاف الثاني، يجلسن القرفصاء في ملابس الحداد في إنتظار عودة المفقودين ، يمارسن الحد الأدنى للحياة من خلف واجهة إنتظار دون أمل.

يعرفن بمرور الأيام أنهن كن في الواقع يمكثن في إنتظار عقيم لإستئناف الموت لا الحياة، رغم ذلك يشعرن بأن من الأفضل إنتظاره في حمى هذا الصخب اليومي ، حيث يشاهدن الغرباء يعبرون في القطارات المنهكة دون أن تبدو عليهم سيماء من يسير إلى هدفه، يفضلن إنتظار الموت في الصخب المؤقت لهذه المحطات بدلاً من توقع وصوله أثناء ممارسة طقوس الحداد العادية داخل البيوت.

تدق ساعة الجدار معلنة تمام العاشرة، فتتوقف الحياة في وطن المليون ميل مربع، وتتوقف السفن النهرية التي تعبر أواسط الوطن من ميناء كوستي.

وفي إجتماع مجلس الوزراء التالي يصافح السيد الرئيس الوزراء المتعجلين الذين لم يعينهم، يجلس في مقعده ليسمع التقارير الرقمية التي يناقشها وزراؤه دون أن يفهم منها شيئاً، قبل أن يستغرق في النوم مبقياً إحدى أذنيه مفتوحةً فتسجل لغطهم الذي يستمع إليه حينما يستيقظ ويجد المكان خالياً وموحشاً، يعيد الإستماع إلى لغطهم أثناء نومه فيكتشف أنهم يتركون أسلوب الأرقام الذي يتحدثون به حينما يكون مستيقظاً وبدلاً من ذلك تبدأ مناقشات صاخبة بلهجة أشبه بلهجة تجار الماشية.

يتشاجرون علي إقتسام كعكة الوطن أثناء نومه، يوزعون على أنفسهم وعلى أشخاص محسوبين عليهم مشروعات الزراعة المطرية في شرق الوطن، ومراعي السافنا الفقيرة في أواسط الوطن، ويقتسمون أشجار المهوقني والتيك في نطاق السافنا البستانية جنوب الوطن، ويضعون خطةً لإعادة الحيوانات البرية وطيور النعام التي رحلت من أرض الوطن بعد تجدد الحرب الأهلية.

يكتشف في كلامهم لهجة سماسرة العربات، لهجةً أشبه بلهجة التجار في الاسواق الشعبية، وفجأة تبدأ الحقيقة في التكشف له: الوطن تم تأجيره بأكمله إلى شركة مقاولات عامة، الوطن كله من إقليم الصحراء شمالاً وحتى أقاليم السافنا جنوباً، وأن الشركة تقوم بدفع مرتبه ودفع تكلفة المآدب الرسمية في القصر وإحتفالات تقديم أوراق إعتماد السفراء الجدد، وأن العقيد خليفة إبراهيم بركات واقعُ تحت سيطرة الشركات التي تدفع له خمسة في المائة من أرباح كل عمليات إستثمار الوطن . ولتكتمل له الصورة تساءل: وأين قوات شعبي المسلحة ؟فجاءه الرد الرهيب : قوات الشعب المسلحة تم تفكيكها سيدي الرئيس، هل سمعت منذ سنوات بخبر إنقلاب عسكري ؟ ولم يتم الإبقاء إلا على بضعة مئات من الجنود عهدت لهم مهمة تنظيف الوطن من آثار الحرب الأهلية، يتسلمون مرتباتهم وتعييناتهم من مندوب الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة سيدي الرئيس.

ويتساءل : وأين الشركات التي كانت تعمل لحسابي في تجارة القطن والجلود والصمغ العربي فيأتيه الرد: افلست سيدي الرئيس وأغلقنا أبوابها في نفس اللحظة التي أَغلقت فيها أبواب حزب الوطن، ويتساءل مندهشاً وأين مصنع تجفيف الألبان الذي أملك كل أسهمه وأرأس مجلس إدارته ؟ فيعرف أنه توقف عن العمل سيدي الرئيس منذ زمان المجاعة حيث نفقت كل أبقار الفرزيان التابعة لسيادتكم وتم بيع الأبقار القليلة التي تبقت لدفع المتأخرات الضريبية الضخمة المترتبة على المصنع بأثرٍ رجعي منذ لحظة إنشائه، ويتساءل وأين مطبعة النقود الخاصة بالقصر؟

فيشعر بإطمئنان متعجل قبل أن يستمع إلى تفاصيل الرد الذي يأتيه بأنها: موجودة سيدي الرئيس، إلا أنها لم تعد تصلح لأي شئ منذ أن إنتهى زمن النقود سيدي الرئيس، فبسبب التضخم الشديد الذي ضرب إقتصاد الوطن حتى أصبح تجار المحاصيل في السوق العربي يشحنون النقود في جوالات ويقومون بترحيلها بالشاحنات الضخمة إلى البنوك، ولم يعد هناك في البنوك شئ إسمه خزينة يمكن أن تسع النقود، هل تصدق أنهم يخزنون النقود في الفناء سيدي الرئيس في تلالٍ من الجوالات ترص فوق بعضها،كأنها بالات قطن تعد للتصدير.

وفي الخريف ولحمايتها من ماء المطر ينصبون فوقها سرادقاً ضخماً كأنه بيت بكاء سيدي الرئيس! ولتحاشي أن تقضي الأرضة أو الفئران على جوالات النقود المرصوصة في الأفنية الضخمة يتم رشها شهرياً بالمبيدات الحشرية بواسطة طائرات الرش !.

وحين اذداد الوضع سوءا وأصبحنا نستأجر عربات الكارو التي كنا نستعملها في الزمن الغابر لنقل الماء، أصبحنا نستأجرها لنقل جوالات النقود حينما نكون ذاهبين لشراء اللحم والخضروات من الاسواق.

قامت الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة بإلغاء العملة واستعاضت عنها في التداول ببطاقات مصرفية تصدرها البنوك التابعة للشركة، فأصبح الناس يشترون الخبز واللحم والسعوط بالبطاقات، بل إننا رأينا الناس يشترون مساويك شجر الأراك بالبطاقات المصرفية من الباعة الذين يفترشون الأرض جوار الجامع الكبير سيدي الرئيس!.

فيخرج متلصصاً يحاول قياس إتجاهات الشارع مثلما كان يفعل في أيام عصر الجفاف الوطني، فيكتشف الملامح الآلية للناس الذين يلتقيهم متعجلين في شارع القصر، العيون ثابتة لا تنبض كأنها عيون عميان، ووقع الخطوات ثابت، ولا أحد ينظر إلى الآخرين، الكل مشغولُ بهمومه الآلية وفي شارع النيل شاهد العشاق الآليين، أرخى أذنيه ليستمع لحديث العاطفة، ففاجأه حديث عاطفة رقمية دون رصيد من الأشواق، كلام رقمي مثل حديث وزرائه في إجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي .

وفي الإحتفال الذي حضره بعض السفراء الأجانب بمناسبة عيد الإستقلال إستعرض حرس الشرف ملاحظاً أن إنضباطهم كان متعجلاً وغير واثق ولم يصدق أذنيه حينما علم فيما بعد أن:

حرس الشرف الذي قدم لكم التحية مستأجر سيدي الرئيس، يتم التعاقد معهم قبل يومين من موعد أية إحتفال رسمي وينالون تدريباً جماعياً متعجلاً بإشراف ضابط متقاعد، تدريب متعجل لا يستغرق سوى بضعة دقائق أشبه ببروفة لأداء أغنية !، يشعر بالذهول من حكاية حرس الشرف الذي يعمل باليومية ! .

ويشاهد نفسه في الصحيفة الرسمية في صورةٍ باهتة ترقى إلى عصر الجفاف الأول لا يبدو فيها واضحاً للعيان سوى بريق عينيه المرتبك لأول أيام الإستبداد، وبريق الشرائط العسكرية في كتفيه والأوسمة والأنواط في صدره، ويقرأ التصريحات التي لم يدل بها معلناً إنتهاء عصر الجفاف الوطني وأن الدماء عادت تتدفق في شرايين الوطن.

وفجأةً سمع هدير نافورة القصر التي تم إصلاحها:بناءً على توجيهاتك المتكررة سيدي الرئيس، وعلى الفور عادت العصافير تزقزق في ردهات القصر وفوق أشجار المانجو والمهوقني في الحديقة، إستمع إلى هدير النافورة ومن خلاله بدأ صوت الحياة في الوطن يهدر في أذنيه.

فرأى مشروعات التننمية التي إشترتها شركات خاصة انتشرت مثل نبت شيطاني في أرجاء الوطن، رأى رجال الضرائب يطاردون الباعة في الأسواق النائية حيث لا شئ سوى الغبار من مخلفات عصور متلاحقة من الجفاف، رأى رجال الضرائب يطاردون النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائي يفترشن الأرض في أسواقٍ بعيدة يعرضن للبيع للمسافرين والغرباء الطعمية والزلابية والفول السوداني ومسحوق عشب الحرجل المستخدم لعلاج عسر الهضم شاهد المعتقلات المنسية في أرجاء الوطن مكدسة بمعتقلين كانوا يكتبون أسماءهم يومياً على جدران الزنازين حتى لا ينسون أسماءهم، شاهد الحرب الأهلية تتجدد في جنوب الوطن رغم أن جهاز التلفزيون كان بعلن يومياَ توقف الحرب الأهلية وأن السلام حلّ في كل ربوع الوطن، وأن الجميع يعملون من أجل إعادة التنمية وإعادة تأهيل المشروعات التي دمرتها الحرب، فعرف أن الصور التي يبثها جهاز التلفزيون لإحتفالات السلام التي تعم جنوب الوطن كانت في الواقع صوراً من أرشيف عصر الجفاف الأول، رأى عشرات الآلاف من المواطنين المحزونين يشاركون في تشييع جثمان ميتٍ حدس عظمته فسأل الحاجب الصغير فعرف أنه:

مصطفى سيد أحمد، فنان الشعب العظيم سيدي الرئيس الذي توفي في مدينة الدوحة ونقل جثمانه إلى مثواه الأخير في قرية ود سلفاب، يزدحم رأسه بالصور فيطمئنه العقيد خليفة إبراهيم بركات:

لا تصدق الشائعات سيدي الرئيس، الوطن بخير ويكررها عدة مرات كأنما ليصدقها هو نفسه، الوطن بخير ويناوله حبة من دواء الضغط، هدئ من روعك سيدي الرئيس، الوطن بخير.

ويمد له الملعقة ليأكل قليلاً من اللبن الزبادي، ثم يسحب الغطاء فوقه ويتمتم بصوتٍ أقرب للهمس: تصبح على خير سيدي الرئيس، فيستسلم الوطن كله للنوم، يسحب الغطاء فوقه وينسحب من الغرفة بهدوء.

فيرفع السيد الرئيس الغطاء من فوق وجهه يرى الوطن كله بجراحاته النازفة نائماً من نيمولي وحتى وادي حلفا، يري الوطن في صورة وحيد قرن ضخم الجثة يتقلب فوق بساطٍ من أشواك الضريس، يرى أعراض حياة موازية تنمو في ظلام حظر التجول، أسواقُ جديدة تنشأ وأسواقُ قديمة تندثر، مبانٍ جديدة تبرز فجأةً في الظلمة لا أحد يفهم كيف بنيت بتلك السرعة، شاحناتُ ضخمة تابعة للسلطة تعبر القفار البعيدة بينما تبدو عليها إشارات عربات المهربين.

فيسحب السيد الرئيس الغطاء فوق وجهه مرةً أخرى ويستسلم للنوم.

فصل جديد

وفي الليلة السادسة حاولنا أن نجعله يعترف ببعض إنجازات عصره في مواجهة الأخطاء العظيمة التي مضى يسردها والتي كان أقلها شأناً كفيل بجعل شعر رؤوسنا يقف من هول المصيبة، لقد بدا أشبه بطفلٍ يلعب في بركةٍ من الطين كلما سحبناه خارجاً كان يعود ليغطس فيها مرةً أخرى، حتى أننا وبدلاً من المريسة التي جعلته يغرق في الأخطاء، قدمنا له في الليلة السادسة كوباً من القهوة الكثيفة بالجنزبيل، جرعةُ مركزة كافية لإيقاظ فيل.

إلا إنه حينما شرع في سرد الأخطاء، اكتشفنا أن أخطاء المريسة كانت أخف وطأةً من أخطاء القهوة، لدرجة أن أكثرنا ثباتاً في مواجهة الكوارث، انخرطوا في نحيب بدون عزاء، وفيما انخرطنا نحن في نحيبٍ جماعي، لاحظنا أنه بدا سعيداً، واكتشفنا أنه فقد منذ عصر جفافه الثاني القدرة على التعامل مع الأحزان اليومية، لذلك بدا سعيداً بانتحابنا نيابةً عنه، بسبب الجفاف الذي امتد حتى إلى منابع دموعه.

مضى يسرد قصص الموتى الذين قضوا في مختبرات تعذيب العقيد مصطفى سراج الدين السرية، وإستعرض بأدق التفاصيل قصص العشرات الذين دفنوا أحياءً في الحزام الأخضر والذين علقوا في المشانق بعد موتهم بسبب التعذيب، لتفادي إتهامات منظمات حقوق الإنسان حول ملابسات موتهم.

ورغم أننا لاحظنا أن حزنه كان متعمداً لإثارة مزيد من مشاعر النحيب بيننا وإلقاء مزيد من الوقود الجاف على نار نحيبنا لضمان إستمرارها، إلا أننا فشلنا في مقاومة إغراء النحيب، بل أننا سمعنا نحيباً نسائياً يتصاعد في نفس اللحظة من داخل أجمة الحلفاء المواجهة لبيت الزين ود حاج النور.

وفجأةً ساد المكان صمتُ عميق، حتى حفيف أوراق أشجار النيم تلاشى في الصمت المثقل بدموعنا التي بدأت في التراجع إلى منابعها، صمتُ شبيه بالصمت الذي ساد الوطن في العهد الذي تسلمت فيه إدارة الوطن الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة، حيث أصبح الوطن مثل محطة قطارات، الكل يهرب منه بعيداً، لا أحد يتوقف ولا حتى ليستمع لأحزان الاخرين.

إكتفى السيد الرئيس بتسلم أوراق إعتماد السفراء والجلوس في بهو القصر في أيام عيد الفطر المبارك لتلقي التهنئة وإستعراض حرس الشرف في ذكرى عيد الإستقلال المجيد، إلى جانب حضور إجتماعات مجلس الوزراء الأسبوعية بصفة مراقب، حيث الجميع يتحدثون بلغة الأرقام عن أخطاء عهده الأول، يستمع إليهم ساهماً بسبب عجزه عن متابعة أحاديثهم الرقمية، وبسبب تغير وجوههم أسبوعياً رغم أنهم يتحدثون نفس الكلام ويستخدمون نفس الأرقام.

يقولون له : وجدنا البنيات الأساسية للوطن كلها منهارة سيدي الرئيس، حتى شوارع الأسفلت طوتها الشركات الأجنبية التي أنشأتها مثل السجاد وحملتها على الشاحنات الضخمة ورحلت بها خارج الوطن بسبب عجز الحكومات السابقة عن دفع تكلفة إقامة هذه الطرق، قمنا بإعادة التعاقد مع هذه الشركات ودفعنا لهم التكلفة كاملة بالعملة الصعبة، فأعادوا الطرق نفسها وبسطوها في أرجاء الوطن.

وإثر ذلك، دبّت الحياة مرةً أخرى في جسم الوطن سيدي الرئيس، واكتشفنا حينما وصلت السيارات إلى بعض المناطق النائية أن أهلها كانوا لا يزالون يعيشون في العصر المروي سيدي الرئيس، ووجدناهم لا يزالون يعبدون الإله أبادماك ويحكمهم ملك زعم أنه من سلالة الملك العظيم أرنكاماني الذي توفي قبل أكثر من قرنين من ميلاد السيد المسيح.

وحينما شاهد الأهالي العربات الأولى التي حملت العمال الكوريين الذين قاموا بإنشاء الطريق، لاذوا بالفرار خوفاً من هذه الشياطين المعدنية وكانوا يتجمعون ليتفرجوا على مهندس كوري معتقدين أنه لعبة بلاستيكية تملأ بزنبرك.

كل البنيات الأساسية كانت منهارة سيدي الرئيس ، عربات السكة الحديد وجدناها في مناطق صحراوية نائية، ولم نستطع أن نتبين أن كانت هذه العربات تخص العهد الوطني أم أنها نفس العربات التي إستخدمها اللورد كتشنر لنقل جنوده لغزو الوطن أواخر القرن التاسع عشر.

وفي غرب الوطن وجدنا العربات مغطاة بطبقة كثيفة من أنسجة العنكبوت وطبقة سميكة من غبار خريف أصفر يرقى إلى العهد السناري، وحين إقتربنا من إحدى العربات وجدنا ثعبان الأصلة نائماً داخلها منذ عدة سنوات ولإيقاظه تعين إستخدام الديناميت.

ويستغرق في النوم قبل أن يستمع إلى بقية التقارير التي تحمله مسئولية الفشل، يترك أذنيه مفتوحتين ليستمع بعد إستيقاظه من النوم إلى لغطهم، يتركون لغة الأرقام بمجرد إرتفاع صوت شخيره ويتحدثون بلهجة السماسرة، كأنهم في مزاد علني، فيعرف حينما يستيقظ ويعيد الإستماع إلى كلامهم، يعرف الأسعار الحقيقية لمحصول الصمغ العربي والسمسم ومحصول القوار، يعرف أنهم يكذبون عليه حينما يقولون:

الحرب الأهلية إنتهت منذ سنوات سيدي الرئيس، والسلام يرفرف فوق الوطن من أقصى جنوبه وحتى أقصى شماله، يعرف زيف الصور الأرشيفية التي يعرضها جهاز التلفزيون والتي تصور الوطن كله غارقاً في إحتفالات أعياد الحصاد، حيث النوبة في جبالهم يرقصون رقصة تيوكوبو والدينكا يرقصون رقصة ملوال والشايقية يرقصون الدليب والبرتا يرقصون الهوكي.

يكتشف حينما يستمع إلى تفاصيل نقاشهم أثناء نومه أن الحرب الأهلية لا تزال مشتعلة وأن الغلاء يطحن الوطن وأن الأهالي في المناطق النائية عادوا لإعتماد أسلوب المقايضة مثل أجدادنا القدماء في إتمام عمليات البيع والشراء بسبب عدم وجود عملة وطنية. وأنهم يستبدلون قماش الدمور المنسوج محلياً في مغازل يدوية بزيت الطعام والصابون، ويستبدلون محصول الذرة بالملابس والأحذية ويستبدلون طيور الحمام والدجاج بمكعبات مرقة الدجاج.

وأثناء إستماعه لتفاصيل نقاشهم سمع كلاماً مختصراً مبهماً حول مظاهرة ضخمة عبرت وسط العاصمة وقام المتظاهرون خلالها بتدمير بعض المنشآت قبل أن يتم إحتواء المظاهرة، لاحظ أنهم تحدثوا عن المظاهرة بخوفٍ وحذر ودون أية تفاصيل.

أثارت قصة المظاهرة فضوله فسعى لمزيد من المعلومات عبر وسائله البدائية الخاصة رغم أنه كان يعلم بأن كل تحركاته كانت مراقبة، فعرف أن مظاهرة حاشدة عبرت شارع القصر يوم الأحد السابع عشر من سبتمبر وأنها كانت تهتف مطالبة بعودة الحريات العامة وبسقوط إستبداد عصر الشركات ورغم أن المظاهرة بدأت في منتصف النهار، إلا أنه كان لافتاً أن أحداً لم يتعرض لها منذ خروجها من جامعة الخرطوم وإنخراط أعداد كبيرة من المواطنين فيها، رغم أنها تضخمت بسرعة حتى بدا وكأن الوطن كله كان في داخلها، ولم يتعرض لها أحد حتى بعد أن عبرت مثل الإعصار فدمرت أثناء مرورها سيارات اللاندكروزر الفاخرة التي يستخدمها أعضاء مجلس إدارة الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة.

لم يتعرض لها أحد، بالعكس تماماً كانت الطرقات تخلى لها وإشارات المرور تفتح خضراء لمرورها، ومع بدء حلول الظلام بدأ الحشد الكبير يترهل وبدا كما لو أن قوة مجهولة كانت تمتلك خاصية التحكم فيه من بعد.

كان الطلاب والمواطنون المنهكون يسيرون آلياً كأنهم منومين مغناطيسياً، لا أحد ينبس بكلمة ولا يَسمع سوى صوت بكاء الأطفال الذين فقدوا ذويهم، وبدا واضحاً أن المسيرة فقدت خطها الإرتجالي الأول وأنها أصبحت تسير على هدى إشارات المرور الخضراء التي تحدد خط مسيرها.

وفجأةً إنفتحت إشارة خضراء أخيرة في شارع النيل وسمع الجميع صوت هدير النيل الأزرق المتوحش وهو على وشك إقتلاع ضفتيه بسبب موسم الدميرة.

مباشرةً ودون أدنى تردد توجهت المظاهرة المنهكة لتسقط كلها في النيل الأزرق وتعالى لبرهةٍ قصيرة صراخ الأطفال الذين جرفتهم المياه المتوحشة قبل أن يخيم على المكان كله صمت القبور.

في الصباح التالي إستمع إلى نشرة أخبار الساعة السادسة والنصف متوقعاً أن يعلن فيها نبأ الكارثة، لكنه لم يجد شيئاً جديداً، سوى نفس الأخبار اليومية حول إفتتاح منشآت جديدة وحول وضع حجر الأساس لمشروعات أخرى، واستمع إلى تصريحات منسوبة له شخصياً عن تحقق السلام في الوطن وبدء التنمية الشاملة لكل مناطق البلاد التي تأثرت بالحرب الأهلية، واستمع لنفسه وهو ينفي مزاعم تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية حول وجود إنتهاكات لحقوق الإنسان في الوطن.

واستمع لنفسه وهو يعلن بصوته عدم وجود سجين سياسي واحد في الوطن، وفي نشرة المساء في التلفزيون شاهد نفسه يكرر نفس تصريحات الصباح، وشاهد نفسه وهو يقوم بزيارة سجن كوبر لدحض دعاوي وجود معتقلين سياسيين في الوطن.

رأى نفسه يتفقد السجناء وهم يعملون في ورش الحدادة والنجارة وتربية الزهور، وشاهد أحد السجناء يشرح أمامه أسباب اعتقاله حيث أنه شارك في عملية لسرقة بنك الوطن، ورغم أن المجموعة وجدت البنك خالياً تماماً مغلفاً من الداخل بأنسجة العنكبوت إلا أنه تم إيقافهم، وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أعوام، وتحدث عن توبته من السرقة وأنه تعلم مهنة النجارة داخل السجن وأصبح صاحب مهنة سوف يعتمد عليها لتأمين نفقات معيشة أسرته بعد إنتهاء مدة عقوبته، ثم عرض أمام المشاهدين خزانة خشبية تصلح لحفظ الأواني المنزلية من الخشب الموسكي أعلن أنه صنعها بنفسه.

وظهر شخصُ آخر شرح للسيد الرئيس أسباب سجنه إذ أنه إختلس بضعة ملايين من الجنيهات من الشركة التابعة للقطاع العام التي كان يتولى أمر حساباتها وأنه كفّر الآن عن جريمته.

وظهر أشخاص آخرون شرحوا أسباب إرتكابهم لجرائمهم الوطنية وعرض كل منهم مصنوعات يدوية أنجزت في فترة إعتقالهم، ثم تقدم كل منهم بالشكر لإدارة السجن لأنها ساعدتهم على إحراز إكتشاف متأخر لمواهبهم.

تعرف عليهم السيد الرئيس جميعاً، بدءاً من ذلك الذي أعلن أنه شارك في عملية سرقة بنك الوطن، عرف أنهم يكذبون تحت تهديد السلاح، فقد رآهم من قبل في أروقة حزب الوطن وكانوا الأكثر تطرفاً بين كل الذين رآهم يتحدثون داخل باحات المبنى أيام سطوة رجال الأحزاب، أيام فوضى الحرية التي حوّلت الوطن إلى شئ أشبه بسوق الجمعة، الجميع يتحدثون ولا أحد يعمل ولا أحد يتوقف حتى عن الكلام ليستمع لما يقوله الآخرون، ولا حتى ليلتقط أنفاسه في الصباح خرج متخفياً ليزور مكان الحادثة، إكتشف أن الشوارع كانت خالية تماماً من المواطنين، طاف كل شوارع السوق العربي فوجد المحلات مفتوحة الأبواب على مصراعيها ولا أثر لأنسان، وجد أجهزة التسجيل تصدح في المقاهي الخالية من البشر، لم يجد أثراً لأنسان فشعر فجأةً بخوف أنه كان وحيداً في الوطن كله، لولا أنه رأى فجأةً أشباحاً تتحرك بخفة أمام واجهات المباني فعرف أنهم رجال الأمن التابعين للشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة.

سار ببطء في شوارع الوطن الخالية وبجوار سينما كلوزيوم شاهد أول إشارة تنبئ عن وجود حياة، ثلاث نسوة متشحات بالسواد، جلسن أرضاً وأمامهن أكوام صغيرة من الفول السوداني والتسالي، إكتشف أنه لا يحمل في جيبه أية نقود ليشتري منهن شيئاً، ورغم ذلك إقترب منهن فاكتشف في العيون الحزينة الساهمة قهر الوحدة والحزن المميز للثكالى.

في المساء إستدعى العقيد خليفة إبراهيم بركات عن طريق حراسه، وقبل أن يبدأ العقيد في ترديد مواله اليومي: الوطن بخير، فاجأه السيد الرئيس: أخي العقيد أين الناس ؟

بدا العقيد مندهشاً لسؤاله واستفسر وهو يجلس :ماذا تعني بالناس سيدي الرئيس. فكرر سؤاله : أين سكان الوطن ؟، لقد طفت اليوم شوارع العاصمة فوجدت الوطن خالياً، ويبتسم العقيد خليفة إبراهيم بركات، يمد له ملعقة من دواء كولدال لعلاج السعال:

لا عليك سيدي الرئيس، اليوم كان عطلة رسمية بمناسبة عيد الثورة، غداً صباحاً سوف نخرج سوياً لنرى الناس، ويسحب الغطاء فوقه: نوماً هانئاً سيدي الرئيس، يضع له وسادة الماء الساخن بجانب قدميه لتخفيف آلام الرطوبة، نوماً هانئاً سيدي الرئيس ويسحب الغطاء فوقه فيستغرق الوطن كله في النوم.

في ضحى اليوم التالي تفقد مع العقيد خليفة إبراهيم بركات شوارع الوطن، فشاهد المواطنين يعبرون في شوارع شمس سبتمبر، ومنذ النظرة الأولى قرأ التعابير المزيفة في الوجوه، رأى وجوهاً جديدة لأشخاصٍ يجلسون أمام محلات المحاصيل في السوق العربي، ليست نفس الوجوه التي يذكرها جيداً رغم وهن الذاكرة، بل وجوها جديدة، حتى السعاة الذين شاهدهم يجلسون أمام البنوك، عرف أنهم ليسوا نفس السعاة الذين كانوا يجلسون في نفس الأماكن.

حتى المتسولين من مرضى الجزام والعميان بجانب الجامع الكبير عرف أنهم مزيفون وأنهم ليسوا نفس المتسولين الذين كانوا يتحلقون حوله في الزمان الغابر حينما كان يتنكر في ثياب بائع لبن ويخرج متجولاً لقياس نبض الشارع أيام ديمقشاهد عشاق شارع النيل يأكلون الترمس والفول السوداني ويغنون كأنهم آلات دون بريق مصاحب للأشواق في العيون التي خمد حماسها الغابر رغم أن الحب اصبح هو النشاط الوحيد المسموح بممارسته في الوطن دون دفع ضرائب باهظة.

وفجأةً تساءل السيد الرئيس: وأين حديقة الحيوان ؟أجفل العقيد خليفة إبراهيم بركات قبل أن يجيب: لم يبق فيها سوى فيل هرم سيدي الرئيس أرسلناه إلى موطنه ليموت مثلما هي عادة الأفيال التي تفضل الموت في موطنها الأصلي، أما بقية الحيوانات فقد عرفنا أن الوزير السابق حاج الأمين حسن ساتي الذي شغل وزارة المالية قبل عدة سنوات، كان قد تصرف فيها إما بالبيع لحدائق حيوان في أوروبا أو أنه قام بتأجيرها لفرق متجولة كان يحصل منها على خمسين بالمائة من دخل عروضها المتجولة، وعرفنا أن الأسد توفى أثناء نقله في قعر سفينة نقل يونانية إلى إيطاليا حيث كان الوزير حاج الأمين حسن ساتي قد قام بتأجيره إلى فرقة سيرك إيطالية مقابل مائة زوج من الأحذية الإيطالية سنوياً.

فصل جديد

وفي الليلة السابعة لاحظنا أنه لم يحضر سوى ثلاثة أشخاص، حتى النسوة الثلاثة اللائي حضرن الليالي الماضية كلها بدافع رغبة جماعية في الإنتقام منه لم يحضرن في الليلة السابعة.

حضر سليمان ود حاج علي الأعرج بدافع الفضول، كان واضحاً أنه لا يضع أية إعتبار خاص للضيف الكبير، وأنه لم يكن بإمكانه رؤية أيٍ من أمجاد ماضيه، فقد جلس القرفصاء أمام السيد المشير وإنهمك في لف سيجارة القمشة دون أن يكترث لمحاولاتنا لتنبيهه لمداراة الفضيحة دون أن يلاحظ المشير ذلك، لكنه تجاهل كل إشاراتنا ومضى في لف سيجارته بكل عناية ثم ألصقها بلعابه ووضعها على زاوية فمه ناظراً لها بإحدى عينيه ثم مد كفه نحو السيد المشير طالباً بنفس الطريقة السوقية : هل معك كبريت أيها الأخ ؟.

بالنسبة إلى سليمان ود حاج على الأعرج كان السؤال حاسماً ففي تلك اللحظة لم يعنه من أمجاد القادم الكبير التي سمع أطرافاً منها في القرية منذ طفولته، وحتى تلك الأخبار التي كانت لبضعة عقود جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في القرية، كان سليمان ود حاج على الأعرج يتعامل معها بإهمال.

حتى أنه حينما قدم فكرته لصورة المشير قبل سنوات أثناء سمرٍ ليلي فوق كثبان الرمال شرق القرية تبارى فيه الحضور حول تقديم أفضل وصف لصورة السيد المشير تبين أن الصورة التي نجح سليمان ود حاج علي الأعرج في إنجازها بعد جهدٍ لم تكن سوى صورة جندي في قوات الشرطة الشعبية وأنه أعطاه سمات فتوة في طور التقاعد وعضلات مترهلة لملاكم معتزل.

سليمان ود حاج علي الأعرج لم يكن من السهل عليه أن يقتنع بأن رجلاً إمتلك شهرة بين الناس حتي قبل أن يتسني لأحد رؤيته يمكن أن يسير دون علبة ثقاب، لكن السيد المشير لم يرد عليه ولم يعر يده الممدوده أدنى إهتمام، وكانت تلك المرة الأولى التي نشعر فيها بأنه لم يكن موجوداً معنا رغم أنه كان ماثلاً أمامنا، وأنه بدأ يدخل مرحلة غيبوبة ذهنية ينسب فيها أمجاد وقائع غير موجودة في ذاكرته إلى عصر جفافه الأول، لقد جلسنا في حضرته دون أية مظاهر للحفاوة سوى صحن ضخم من الألمونيوم به قراصة ساخنة مع ملاح الويكة.

مدّ السيد المشير يده وتناول منها بضعة لقيمات قبل أن يخلد للنوم فجأةً أثناء الأكل وتراخت يده وهبطت بجانبه بينما كانت قبضة يده لا تزال تمسك بقطعة من القراصة الساخنة وعرفنا أية متاعب كان يتحملها مساعدوه لإبقائه مستيقظاً أثناء المآدب الرسمية في عهده الأخير الذي قام فيه بتسليم إدارة الوطن إلى الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة ، مكتفياً بتسلّم أوراق إعتماد السفراء وموقعاً على مراسيم جمهورية لم يكن يقرأها ليس فقط لأن ذلك لم يكن يعنيه كثيراً ، ولكن لأنه إكتشف فجأةً أنه أصبح عاجزاً عن القراءة وأن سطور الكلمات أصبحت تختلط أمام عينيه.

أحضر له العقيد خليفة إبراهيم بركات نظارة طبية للقراءة لكن الكلمات إستمرت في الإختلاط أمام عينيه، حتى أنه توقف عن قراءة التقارير الملفقة التي ترفع له مدعمة بأرقام الرخاء الإقتصادي الذي إنتظم الوطن، مكتفياً بقراءة الصحف الرسمية التي تصدرها الشركة الوطنية فيشاهد صورته تتصدر الصفحة الأولى في الصحف الثلاث، يقارن بينها فيكتشف أنها تنتمي لعهودٍ مختلفة من الإستبداد وأن هذه الصور إنتقيت بكل دقة لتناسب إشاعة عدم إستقرار نظامه الذي تقلب في فراش الوطن من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.

فيبدو في الصورة الأولى في هيئةٍ ستالينية: شاربُ ضخم يغطي نصف الوجه وشعر خفيف في مقدمة الرأس، وفي صورة الصحيفة الثانية يبدو زائغ النظرات مرتبكاً أيديولوجياً بدون مبادئ سوى رغبةً لا تقهر في التسلط الكامل، وفي الصورة الثالثة تبدو عليه سيماء ورع دنيوي : مسحة حزن مزيف في العينين ولحية خفيفة نمت بإهمال، يقرأ العناوين الجانبية فيكتشف أن الصحف الثلاث لم تكن سوى صورة واحدة مع بعض التغيير الإخراجي، يزيح النظارة الطبية عن وجهه ويضعها بجانبه، بنفس الطريقة التي يضعها بجانبه في إجتماعات مجلس الوزراء ليوحي للحاضرين بأنه يقرأ كل شئ بدءاً من صحف المعارضة الخارجية التي تصدر خارج الوطن وتتسرب إلى الداخل في حقائب المسافرين وإنتهاءً بالصحيفة الرسمية التي يدقق في قراءتها لا ليتتبع تصريحاته المزعومة عن الرخاء الإقتصادي وتحسن الإنتاج الزراعي وإنخفاض التضخم الوطني بل بحثاً عن حقيقة المظاهرة الضخمة التي ألقيت في نهر النيل.

ويحاول أن يبحث عن خيوط الحقيقة وهو يستمع إلى هدير الوطن في هدير نافورة القصر فيرى في مرآة الذاكرة على ضوء الجلبة التي تخترق واجهة ذاكرته يرى المواطنين المنهكين في القرى المنسية خلف تخوم الصحراء وهم يفترشون الأرض بمتاعهم القليل الذي إستطاعوا إنقاذه بعد أن إجتاح نهر النيل الهائج قراهم في أسوأ فيضان للنهر خلال القرن العشرين، رأى مرضى الملاريا يترنحون في طرقات الوطن، رأى يتامى الحرب الأهلية المستمرة يجلسون في طرقات ضوء القمر المشحونة برطوبة رائحة الدميرة تفوح من ثيابهم رائحة سمك الكور النتن الرائحة، في إنتظار عودة آبائهم.

ولعدة أيام ظل يقرأ الصحف الثلاث كلها دون أن يترك حتى إعلانات المحاكم التي لاحظ أنها كلها تحوي أحكاماً بتطليق نساء من أزواجهن بسبب الإعسار أو الغيبة، وفي أثناء بحثه دقق حتى في إعلانات الوفيات فلاحظ أيضاً كثرتها ولاحظ أن معظم المتوفين تذكر مع أسمائهم عبارة :الذي إنتقل إلى الدار الآخرة إثر علة لم تمهله طويلاً، وقرأ إعلاناً ينعي فيه رئيس إتحاد الكرة عدداً من اللاعبين الذين إنتقلوا إلى الدار الآخرة إثر علة لم تمهلهم طويلاً.

إكتشف أن الجميع إنتقلوا إلى الدار الآخرة يوم الأحد السابع عشر من سبتمبر، وطوال شهر كامل ظل يرصد أرقام الطلاق والموت، حتى توصل الي وضع قائمة بأسماء تسعمائة وستين شخصاً توفوا جميعاً يوم الأحد السابع عشر من سبتمبر دون أن تذكر أية تفاصيل حول أسباب وفاتهم.

يضع النظارة الطبية بجانبه في إجتماعات مجلس الوزراء ليوحي بأنه يقرأ كل شئ، حتى لا يهزأ به دكاترة الأرقام هؤلاء حيث الجذر التربيعي ل س = مائة مليون دولار وحيث جتا س= ظتا ص.

يستغرق في النوم تحت سحر هذا التنويم الرقمي تاركا أذنيه تسجلان حديثهم بلهجة تجار الماشية بمجرد تعالي صوت شخيره، ليستمع لهم فيما بعد وهم يقتسمون عائد الصفقات السرية ويوزعون عائدات مشروعات مجهولة، ويوزعون فيما بينهم علي اتباعهم المناصب الحكومية ومناصب السلك الدبلوماسي.

يعيد الاستماع الي حديثهم عدة مرات بحثا عن خيط يقوده الي تفاصيل مجزرة يوم الاحد السابع عشر من سبتمبر التي ألقي فيها الوطن كله في النيل الازرق، فيكتشف فراغا في حديثهم حينما يقفزون فوق الواقعة متجنبين الخوض في تفاصيلها.

يبحث عن مستشاريه القدامى الذين اختفوا تدريجيا مع ظهور مستشاري عصر الشركات المتعجلين، يرتدون ملابسا غالية الثمن، قمصان فان هيوزن وربطات عنق من كريستيان ديور، وينتعلون الاحذية الايطالية الفاخرة، لا يدلون بأية تصريحات يتحدثون بكلمات مقتضبة ودون تفاصيل في أجهزة الهاتف النقال، ينظرون في كل لحظة الي ساعات الرولكس الغالية ثم يعلنون ان الوقت قد انتهي ويهرولون للحاق بمواعيد مجهولة.

يستأنفون في وجوده إيقاع حياة ميك****ية جافة بدون عواطف حتى أن السيد الرئيس كان يشتاق في وجودهم لمستشاريه القدامى، مستشاري عصور الجفاف الاولي الذين كانوا ينفذون تعليماته حرفيا، يتعاملون بعفوية ومرح ومستعدون لإضاعة اليوم كله في سرد قصة مملة، يهملون حتى ملابسهم، يرتدون سراويل الجينز حتى تلتصق بجلودهم، وأحذيتهم الرياضية كانت تبدو كأنها من مخلفات معركة، يعرف أنهم كانوا يخدعونه أحيانا ويسرقون بإسمه في أحيان كثيرة ومستعدون لقبول أي رشوة تأتي من أي مكان.

كان يعلم انهم يخدعونه، وأنهم يحملون خريطة تبين الاتجاه اليومي لجدول نزواته لكي يستمروا في خداعه في كل الاوقات، كان يعرف أنهم كانوا مستعدين في كل لحظة للتخلي عنه في لحظات الخطر وإستبداله بأول قادم جديد الي سدة الحكم بمجرد ان ينقشع دخان أول انقلاب عسكري.

ورغم كل ذلك كان يشعر بالشوق الي أيامهم السعيدة، يشعر بالأسف لأنه كان يسئ معاملتهم أحيانا ويتأفف من نتانة ملابسهم لدرجة أنه دفع احدهم يوما بكامل ملابسه في حمام السباحة واضطر أن يسقط خلفه في الماء لأنقاذه، حينما اكتشف أنه لا يجيد السباحة، سحبه للخارج وهو يحتضر وقام بنفسه بعمل الاسعافات الاولية لاخراج الماء من جوفه .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان