• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل الثاني عشر) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل الثاني عشر)

 

لأنه ومنذ ذلك الزمان كان هو نفسه قد أصبح يعاني من إزدواجية مفرطة في الذكريات، حتى أنه إحتفظ في ذاكرته بتفاصيل مختلفة لنفس الوقائع، وكان ذلك هو السبب الذي أدى به إلى تعيين أحد معاونيه: عبد الله عبد الرحمن، وزيراً للمالية في قرار جمهوري أذيع في نشرة أخبار الساعة الثالثة دون أن يكلف نفسه عناء إقالة الوزير الدكتور الطيب محمد عثمان الذي اصطدمت أفكاره الإصلاحية بمصالح معاونيه المقربين، لأن ذاكرته عادت به في اللحظة التي اتخذ فيها قرار تعيين وزير جديد للمالية إلى أيام كارثة أمطار الخامس من يوليو الوطنية، التي هدمت أكثر من نصف بيوت الوطن كما جاء في تقارير رجال أمنه الذين أعلنوا له : كما عثرنا أثناء تفقدنا لآثار الكارثة سيدي الرئيس على رجال الأحزاب الذين هربوا وإختبأوا في أماكن مجهولة عقب إغلاق حزب الوطن، أخرجتهم الأمطار مثل العقارب، ووجدنا بعضهم ضمن الموتى المفقودين تحت الأنقاض.

وعثرنا مع الموتى على منشورات كانت جاهزة للتوزيع تدعو الشعب للعصيان المدني، وعثرنا على مجموعة من مطابع الرونيو البدائية تستخدم لطباعة المنشورات، كما أجبرت الأمطار على الظهور رجالاً مختبئين من زوجاتهم منذ سنوات، بسبب غلاء المعيشة والتضخم الوطني، ولأن الأمطار أجبرت أعداداً مضاعفة من البشر على الظهور فإننا فكرنا في العودة إلى تطبيق أفكار المرحوم مصطفى سراج الدين بإعادة تفريغ العاصمة.

وفي ذلك الزمان إستقبل وزير المالية الجديد الذي أختاره العقيد خليفة إبراهيم بركات بالقرعة من بين أربعة أسماء قدمها معاونوه.

استقبل في مكتبه الأستاذ عبد الله عبد الرحمن، وسلمه ملفات الإنهيار الإقتصادي التي تضخمت حتى إحتاج الأمر إلى ستة رجال من أجل ترحيلها إلى وزارة المالية، رغم أن الوزير الجديد لم يبد بها إهتماماً ولا حتى على سبيل المجاملة، ولدى دمعقولة بسه الوزارة تبين أنه يتحلى بفضيلة واحدة هي الصبر، فلم يذرف دمعةً واحدة على سابقيه من الوزراء الموتى، لم يكلف نفسه وقفة عزاء على أطلال ذكرى الموت الجاثمة في المكان، وبدلاً من ذلك إستهل طوافاً هادئاً على أقسام الوزارة، سيكون الأخير، لأنه تفرغ منذ لحظة تسلمه مقاليد الوزارة، لمطاردة القروض وكان يبدو في أفضل أحواله لحظة توقيعه علي اتفاقية قرض جديد، حتى غرق الوطن كله في الديون.

وكانت تقارير فشله تنهمر على القصر كل يوم : " إنه صورةً أخرى من الوزير الهارب حاج الأمين حسن ساتي سيدي الرئيس، يتعامل بكل بساطة مع الكوارث اليومية كأنها تقع في وطن آخر لا يخصه، ويعلق بكلمة واحدة لا تتغير على كل التقارير التي ترد إليه عن إنهيار مشروعات التنمية وتراجع قيمة العملة الوطنية ونبوءة قسم الفيزياء بالجامعة عن إحتمالات مواسم طويلة قادمة من الجفاف، يقرأ بضعة أسطر من كل تقرير ثم يكتب عليه : يَحفظ، حتى أنه علق على طلب قدمه أحد زملائنا يلتمس فيه الحصول على إجازة عارضة بسبب وفاة والده، علق عليه بكلمة : يحفظ، حتى أننا أطلقنا عليه في الوزارة د. يحفظ.

وتدحرجت العملة الوطنية حتى أننا أصبحنا حينما نخرج من البيت للتسوق صباح كل جمعة، أصبحنا نحمل على ظهورنا جوالاً من العملة الوطنية، لنعود الي البيت بربطتين من الجرجير، وربطتين من الملوخية، وبضعة حبات من الطماطم .

أصدر قراراً جمهورياً لا بإعفاء وزير المالية، بل بتعيين وزير جديد إختارته قرعة العقيد خليفة إبراهيم بركات : الدكتور محمد الأمين عبد الرحمن، رجل أعمال بالغ التهذيب، شديد الأناقة، يفرض من حوله بمظهره هدوءاً خارقاً، وأثناء حفل تسليمه ملفات الإنهيار الإقتصادي التي تضخمت حتى إحتاجت إلى عشرة رجال لنقلها إلى عربة النقل التي سوف تنقلها إلى وزارة المالية، منذ اللحظة الأولى حاول الوزير الجديد أن يتلمس جراحات الوطن، بقسوة جراح، قال : سيدي الرئيس ينبغي إيقاف الحرب الأهلية أولاً وقبل أن نحاول إجراء أية معالجات للإقتصاد المنهار.

بدأ بملفات الفساد الوطني، والمجاعة التي كانت لا تزال تضرب أواسط وغرب الوطن، وتفقد بنفسه آثار الكارثة فشاهد القرى مهجورةً والمراعي جافةً مقفرة كأن المطر لم يهطل منذ مائة عام، لم يشاهد سوى بقايا عظام الأبقار وقطعان الضأن والابل التي نفقت بسبب الجفاف، تفقد مشروعات التنمية واكتشف أن معظمها كان متوقفاً بسبب مشاكل إدارية أو أعطال فنية نجمت عن نقص قطع غيار الماكينات.

وعلى إمتداد النيل الأبيض تفقد مشروعات إعاشة النازحين من نطاق المجاعة، وبعد جهود مكثفة بدأت عجلة التنمية تدور ببطء، وتتبع القروض التي ذكر أنها صرفت على إعادة تأهيل مشرعات التنمية، فلم يعثر لها علي أثر.

وقاد بنفسه مبادرةً لوقف الحرب الاهلية الدائرة في جنوب الوطن، فبدأ إتصالاته عبر وسطاء من منظمة الوحدة الإفريقية مع فصائل التمرد في نيروبي.

فيما بدأ السيد المشير يشعر ببعض الإستقرار حتى أن فراغ روحه عاوده مرةً أخرى، فعاد مرةً أخرى يتسقط نزوات الشيخوخة التي تبخرت من عقله منذ أن تحولت الأميرة مينيساري إلى ريح واختفت.

رقص العرضة في مهرجانٍ للفنون الشعبية مع فتاةٍ من قبيلة البجة، ورقص الدليب مع مجموعة من شباب قبيلة الشايقية، وللمرة الأولى اكتشف أن نزوات القلب كانت قابلة للشم، حينما التقط رائحة تعفن الوطن تفوح من حوله دون أن يلاحظ أنه كان يلتقط رائحة عفونة الذكريات التي بدأت في التحلل في ذاكرته.

ولإعادة شحن ذاكرته بذكريات جديدة عاد ليطوف أرجاء الوطن، رغم أنه حينما شاهد صورته في المرآة عرف أن الذي تغير لم يكن الوطن كما تخيل، بل كان هو شخصياُ، طاف في ملابس بائع لبن، فشاهد السكارى يغنون في شوارع الواحدة والنصف صباح الأثنين، لا عن رخاء، بل عن حزن، وشاهد نازحي الحرب الأهلية يبيعون الماء في ميدان أبو جنزير، والأحذية المسروقة في شارع الجمهورية، وشاهد ضحايا المجاعة التي نفتها وسائل إعلامه بإعتبارها إحدى مكائد الإعلام الغربي، شاهدهم بالآلاف يتسولون لقمة العيش في ميدان الأمم المتحدة.

وفجأة تجمد الدم في عروقه حينما توقف الوطن كله على صوت زئير رهيب عرف من الأحاديث التي إلتقطها من حوله أثناء سيره في أزقة السوق العربي إنه : أسد حديقة الحيوانات العجوز الذي ورثناه من الإستعمار الإنجليزي يتضور جوعاً، إلا أنه حينما سأل رجال أمنه حينما عاد من جولته قالوا له إنه: أسد حديقة الحيوان الهرم سيدي الرئيس يزأر متألماً بسبب وفاة خليلته.

فتساءل دون إهتمام : وما سبب وفاة خليلته ؟

_ ماتت بالشيخوخة سيدي الرئيس .

وفي اليوم التالي شاهد صفوف الخبز التي تمتد بطول الوطن حتى أنه فشل في تتبع نهاية الصف، حينما إكتشف أثناء محاولته تحديد نهاية الصف طوال الليل ان الطقس بدأ يتغير إلى مناخ أكثر رطوبة، ولاحظ شجيرات إقليم السافنا الفقيرة تحل محل جفاف إقليم الصحراء، فيما تقارير معاونيه تؤكد أن الخبز متوفرُ في كل الأسواق، وأن الأمن مستتب في ربوع الوطن، وأن قوات الحكومة وجهت للمتمردين ضربات موجعة تراجعوا على أثرها إلى داخل حدود الدول المجاورة، فيشعر بتزايد ضراوة فراغ روحه إثر هذا التناقص المزعوم للكوارث الوطنية، فعاد يبحث عن عزاءٍ للروح في إحتفالات الوطن.

بحث عن عزاء محتمل في مهرجانات الفنون الشعبية التي يقيمها الأخ وزير الثقافة، شاهد عرضاً لرقصة الهوكي مصحوباً بعزفٍ جماعي على أبواق الوازا، وشاهد فتيات من قبيلة الهوسا يرقصن على أنغام مزمار الكيتا، وتفحص الوجوه أثناء إفتتاح معرض خيري لدعم ضحايا موجة الجفاف والتصحر، وشاهد رسماً توضيحياً يوضح الأرقام الحقيقية لضحايا المجاعة، فذهل للأرقام الحقيقية حتى أنه عاد يحدق في وجوه زوار المعرض ليتأكد من أن أحداً غيره قد بقي على قيد الحياة في وطن المجاعة.

وشهد في نهاية الأسبوع حفلاً لتخريج طالبات كلية الأحفاد الجامعية، لفت نظره مشهد الفتاة التي كانت تقوم بتقديم البرنامج، أكثر من البرنامج نفسه، رآها ملكةً حقيقية في فستان من الساتان الأزرق، يبضاء ورشيقة القوام مثل غزال، لم يصدق أن ينشأ مثل هذا الجمال الخارق في زمان المجاع ، سأل عنها فعرف : إسمها فاطمة عبد الرحمن سيدي الرئيس، من سلالة ملوك مملكة أرقو القديمة، طالبة في السنة الأولى في الكلية، والدها ضابط متقاعد طَرد من الخدمة بعد الإشتباه في إشتراكه في مؤامرة ضد النظام .

بحث في ذاكرته عن تفاصيل تلك المؤامرة المزعومة، فلم يعثر لها على أثر، وبعد تحقيق سري عرف أن والدها أقيل في أيام العقيد مصطفى سراج الدين الذي كان ينفذ قراراته ثم يعرضها على السيد الرئيس ليوافق عليها، فأصدر قراراً ليس فقط بإعادته للخدمة العسكرية، بل وتعيينه أيضاً وزيراً للرعاية الإجتماعية، وبعد أداء القسم قاده من يده إلى الوزارة المعتمة التي أَغلقت منذ إقالة الدكتور التجاني عبد العظيم في نهاية عهد التصالح مع الأحزاب التي أسماها معاونوه فترة ديمقراطية الجدران.

إكتشفا أن أنسجة العنكبوت كانت تغطي المكان كله، حتى الصورة الوحيدة المعلقة في المكان، التي يظهر فيها المرحوم البروفسور عثمان محمد صالح وزير الرعاية الإجتماعية الأسبق وإبنته الدكتورة صفاء التي ذابت في الوطن كأنها لم تكن، حتى أن كل من يأتي على ذكرها، كان يطالب بإبراز الأدلة التي تثبت أكاذيبه.

وإكراماً للطالبة الصغيرة التي إستهلت الحفل بأبيات للشاعر الشعبي محمد أحمد عوض الكريم أبو سن الشهير بالحردلو وإختتمته بأبيات للشاعر الشعبي المعاصر عبد الله ود شوراني، إكراماً لها إبتدع القصر تقليداً جديداً يقضي بإقامة حفل إستقبال لكل وزير جديد تَدعى في الحفل أسرته وأصدقاءه المقربين، برغم الإعتراض المهذب للدكتور محمد الأمين عبد الرحمن من إحتمال تزايد نفقات القصر لأن هناك وزراء جدد كثيرون يظهرون كل فترة.

ورغم أنه لم يكن يمزح إلا أن السيد الرئيس غلّف تجاهله للإعتراض بابتسامة، تذكر أيام الدكتور عز الدين الزين، الذي أوقف كل الإحتفالات إقتصاداً للنفقات، حتى أن رجال السلطة نسوا بعد سنوات من القمع الإحتفالي تأريخ الثورة المجيدة التي أتت بهم إلى السلطة.

تجاهل السيد الرئيس إعتراضه، وحوّل الموضوع ليسأل عن نتائج آخر الجهود التي يبذلها الدكتور محمد الأمين من أجل إيقاف الحرب الأهلية، تحدث الأخ الوزير عن إحراز بعض التقدم، وأنه سوف يشارك مع بعض الوسطاء في إجتماع يعقد منتصف الشهر القادم مع بعض ممثلي المتمردين على الحدود اليوغندية، شعر السيد الرئيس بقلق خفي من عقد الإجتماع في تلك المنطقة الاستوائية التي ينتشر فيها المسلحون وتكثر فيها حقول الألغام، عبر عن قلقه قائلاً : السفر الي هذه المنطقة لن يكون آمناً، من الأفضل تغيير مكان الإجتماع ليَعقد إما في إحدى مدن الجنوب الكبرى أو في يوغندا نفسها.

إلا أنه لم يبد على الدكتور محمد الأمين عبدالرحمن أنه إقتنع برأي السيد الرئيس، وفي إحتفال إستقبال الوزير الجديد العميد عبد الرحمن ساتي ونتيجة خطأ بروتوكولي متعمد جلس السيد الرئيس بين الوزير الجديد وإبنته الطالبة التي تجاذب معها السيد الرئيس الحديث، وبعكس الدكتورة صفاء التي كان يضطر أحياناً للتسلل إلى وزارة الرعاية الإجتماعية المغطاة بالتراب، ليعيد تخزين ملامح وجهها في ذاكرته من صورتها المعلقة في المكتب المنسي لوزير الرعاية الإجتماعية، محاولاً تأجيل ضياع وجهها النهائي في النسيان، بعكس الدكتورة صفاء التي كانت متجهمة الوجه طوال الوقت وغير ميالة للمرح وحتى في أقصى لحظات الصفاء لم يكن يشاهد على وجهها سوى وميض إبتسامة أكاديمية صارمة سرعان ما كانت تختفي.

بعكس الدكتورة صفاء فإن الطالبة فاطمة عبد الرحمن ساتي كانت ذات مزاج طفولي ساحر، حتى أن السيد الرئيس خشي أن يكّون تجاهها عواطف الأبوة، كانت تتحدث بسرعة وبمرح عفوي، حتى أنها مدت يدها وأزالت خيط عنكبوت علق على شعر السيد الرئيس أثناء تفقد وزارة الشئون الإجتماعية المهجورة

شعر بتراجع فراغ روحه وبتقدم الفاصل المداري لأشواقه حتى تجاوز كل إقليم صحراء عواطفه، ففي حين كان يضطر ليجلس يوماً كاملاً أمام الدكتورة صفاء يتسول كلمة حنان واحدة فيما هي تبدو منهمكةً في عملها لا تعير وجوده أدنى إهتمام، على العكس بدت الطالبة فاطمة عبد الرحمن ساتي على إستعداد لتوزيع عواطفها على العالم كله دون تردد ودون حتى أن يتأثر مخزونها الإستراتيجي الهائل من العواطف.

استأنف مع الطالبة الصغيرة رباطاً ثقافياً هشاً، حينما إكتشف أنها قارئة نهمة وأنها تقرأ كل ما يقع تحت يدها بدءاً من كتب ميكي ماوس مروراً بأية صحيفة أو كتاب تقع عليه، إستعرض معها السيد الرئيس ثقافته، لم يستغرق ذلك وقتاً طويلاً، دون أن يلاحظ أنه كان يعيد أمامها مقاطعاً من ذكريات قهره الثقافي قبل سنوات طويلة أيام مجلس قيادة الثورة، وللمرة الأولى لاحظ أن إجترار الذكريات كان أكثر مرارةً حتى من تذوقها الأول.

شعر بتراجع خواء روحه وبأنه يستعيد جزءاً من نشاطه السابق، فأصبح يستيقظ مبكراً ليقرأ التقارير التي تصله تباعاً من وزير المالية الدكتور محمد الأمين عبدالرحمن ووزير الزراعة الدكتور ويليام قرنق، ونفض الغبار عن رغباته الغابرة في معرفة العالم، فاشترى سراً عدداً من الكتب التي كان يأمل أن يجد في صفحاتها الأولى مقدمات موضوعات تصلح للنقاش مع الطالبة فاطمة عبدالرحمن ساتي.

وبسبب عجلته لإكتناز المعلومات، كانت قراءته مشوشة، قرأ جزءاً من رواية قصة مدينتين لشارلز ديكينز وقرأ جزءاً من أشعار أبي الطيب المتنبئ وقرأ مقاطعاً من أشعار الحردلو، ولتدعيم الاساس المتداعي لعواطف، بأساسٍ ثقافي موازٍ، غاص في مستنقع بدون شاطئ من قصاصات صحفية ترقى إلى عهد الإستعمار الإنجليزي وقرأ جزءاً من مذكرات السير قاوين بل، وقصاصات مصورة لموضوعات نشرت في صحافة حزب الوطن الحائطية التي تولى تحريرها رجالات الأحزاب القدامى الذين فتح من أجلهم أبواب حزب الوطن على مصاريعها بعد أن طرد منه أقرب معاونيه الذين لم يكن لهم عمل سوى التسبيح بإسمه والتشاجر حول حصص الوقود والسكر ومناصب السلك الدبلوماسي.

فخرجوا منه وهم يواصلون شجارهم لأنهم عرفوا ومنذ اللحظة الأولى لطردهم من خدمة الفساد، أنهم سوف يعودون قريباً إلى حزب الوطن لأنهم كانوا يعرفون أن هذا الباب الذي فتحه السيد الرئيس على فضاء الحرية لن يجلب له سوى الريح .

خرج معاونوه الأقربون من حزب الوطن بعد أن لملموا مستندات شجارهم وآخر التصاديق التي حصلوا عليها من أجل إستلام حصة أخيرة من السكر والوقود لضخها إلى السوق السوداء، ودخل رجال الأحزاب يتلفتون حولهم حذرين من وجود مكيدة مدبرة، وفي قلوبهم لا تزال تنزف الجراحات الأخيرة للمنفى، في عيونهم رهق الخنادق، دخلوا إلى حزب الوطن، فحولوه إلى شئ أشبه بسوق الجمعة كما كانت تقول تقارير رحال أمنه، الجميع يتحدثون في نفس الوقت، لا أحد لديه وقت ليصغي لما يقوله الآخرون، كأنهم يفرغون شحنة عدة سنوات من الضجيج المكبوت أثناء تجوالهم لسنوات على إمتداد القارة السوداء، كلما ألقوا عصا الترحال في بلد مجاور للوطن. يخدعون أنفسهم في أمسيات الغابات المطيرة كلما هبت أول أنسام الرياح التجارية الجنوبية الغربية، بأنهم يشمون دعاش الوطن.

يشاهدون غروب الشمس في المحيط في ميناء مومباسا في درجة حرارةٍ أشبه بالجحيم، وعلى شاطئ نهر الكونغو في برازافيل وعلى ضفاف بحيرة فكتوريا، ويقنعون أنفسهم بأنه نفس الغروب الذي يشاهدونه من فوق كوبري النيل الأزرق وعلى شاطئ نهر القاش في كسلا.

قرأ في قصاصات مصورة من صحف حزب الوطن الحائطية فاكتشف فيها بدايات إنهيار وشيك يتلمس خطاه من حوله، حتى أنه فتح جهاز الراديو ليتأكد من أن المارشات العسكرية لم تنطلق من الإذاعة، واتصل بالعقيد خليفة إبراهيم بركات فطمأنه إلى أن الأمن مستتبُ في الوطن كله، وأن الوطن كله نائم في هذه الساعة، فعاد لينقب في قصاصاته مرتبكاً من يقين أن البحث عن الحب وعن الإنهيار الشامل لسلطته يبدأ من نفس الطريق، وأن أعراض تحققهما النهائي كانت مَتشابهة.

وليتحسس موضع مكان سليم بين جراحات القلب يحتمل جرحاً أخيراً، أوقد شمعةً صغيرة في عتمة قلبه ليستكشف إمكانات إحتماله لمضاعفات حبٍ متأخر، إنطفأت شمعته لا من وطأة ريح الشوق كما حسب في البداية، بل بسبب إعصار آخر خريف منسي في ذاكرته.

واكتشف في حواف مستنقعات النسيان الراكدة في قلبه بدء تكون وردة منسية، ذات ملمس حجري، بين أحراش نبات الحلفاء والتين الشوكي، وللمرة الأولى أثناء تجواله في متاهات القلب، اكتشف بدء سطوة نسيان كان يعبر في شكل إعصار إستوائي شبيه بإعصار الهارمتان، مقتلعاً من طريقه حتى أقل الأشارات أهميةً لذكريات وقائع مندثرة في ذاكرته، فجازف بمحاولة تثبيت بعض الوقائع ضد إعصار النسيان، بربطها بإستخدام أوتاد صغيرة من شجر المسكيت.

وأثناء محاولاته المضنية لإعادة تأهيل قلبه، بإعادة شحن بطارياته المتهالكة وإضافة منافذ إضافية للطوارئ وتحسين مستوى خدمات الحزن في مواجهة بدء هبوب إعصار النسيان، جاءه النبأ الصاعق : الدكتور محمد الأمين عبد الرحمن والدكتور ويليام قرنق قتلا مع عدد من المرافقين في كمين بالقرب من نيمولي أثناء توجههم إلى الإجتماع الذي كان مقرراً مع بعض ممثلي المتمردين على الحدود اليوغندية.

فصل جديد

وفي الليلة الثالثة اعترف ببعض تجاوزاته أيام عمله في الخدمة العسكرية في مناطق العمليات جنوب الوطن أثناء الحرب الأهلية الأولى، وغرق في متاهة تفاصيل محاولات تخريبية قادها من خلف واجهة القضاء على التمرد، واعترف بعمليات إعدام نفذت دون التحقق حتى من أن الذين أطلق عليهم الرصاص بعد ربطهم في أشجار الباباي، كانوا هم نفس الذين حكمت عليهم محاكم عسكرية ميدانية بالإعدام غيابياً بعد إثبات وجود شبهة إتصال بينهم وبين المتمردين، وأنه أشعل النار في غابة من أشجار المهوقني والباباي للإشتباه في وجود متمرد يختبئ داخلها .

الحرب الأهلية التي حينما تجددت للمرة الثانية، كادت تخنق نظامه حينما تزامنت مع موجة الجفاف والتصحر التي حاصرت الوطن، مما اضطره لإعادة فتح أبواب حزب الوطن لرجال الأحزاب القدامى، بعد جهد إعلامي متواطئ لمحاولة غسل ذاكرة الوطن تلافياً لإتهام نظامه بالتخبط.

ومنذ لحظة إعلان قراره بإعادة فتح حزب الوطن أمام رجال الأحزاب بدأت تقارير رجال أمنه تتراكم أمامه:

جاءوا سيدي الرئيس بنفس يرنامج الفوضى السابقة، وفور إعلان القرار، ظهروا فجأةً داخل أروقة حزب الوطن وفي عيونهم بقايا أرق إنكسار الوحدة بعد سنوات الإختباء، وكانوا لا يزالوا ينظرون خلفهم وحواليهم خوفاً من وجود مجهول يتعقبهم، وواصلوا خطبهم المنبرية من نفس المكان الذي توقفوا فيه حينما فاجأهم رجال الأمن في المرة السابقة، وصدرت صحفهم الحائطية كأنها لم تتوقف لحظةً واحدة وبها حلول مسابقات الكلمات المتقاطعة للعدد الأخير الذي مزقه رجال الأمن لدى نهاية فترتهم السابقة في حزب الوطن.

ومنذ اللحظة الأولى شنوا هجوماً ضارياً على النظام سيدي الرئيس ودعوا لإقتلاعه من جذوره، وفي لحظات بدأ الوطن كله يتوافد لسماع خطبهم وقراءة صحفهم حتى إمتلأت بهم أروقة حزب الوطن، وأضطر الكثيرون للجلوس فوق الجدران.

وفي صفحة أسرار المجتمع في إحدى صحفهم الحائطية رأينا صورةً لكم سيدي الرئيس مرسومة بالقلم الرصاص ويبدو أنها رسمت من صورةٍ ترقى إلى أول أيام الثورة لأنه لا يوجد على الكتف سوى نجمة واحدة مع خبر مبتسر يقول أن مسئولاً كبيراً في الدولة ربما يتزوج من فتاةٍ صغيرة طالبة في إحدى الجامعات!.

فيرخي أذنيه ويخفق قلبه للخبر في الوقت الذي كان يعاني فيه تشويشاً شاملاً في علاقته مع الفتاة التي عين والدها وزيراً في وزارةٍ إكتسبت سمعةً سيئة كفخ لعواطفه منذ أيام الدكتورة صفاء فرغم أن الدعوات كانت تصل للفتاة تباعاً مرفقة بأعداد من الكتب التي كان السيد الرئيس يشتريها سراً، لحضور حفلات إستقبال في القصر، أو عروض خاصة لفرقة الفنون الشعبية بمناسبة عيد الوحدة، العيد الوحيد الذي لم يعد له مبرر سيدي الرئيس، كان يقول وزير المالية الجديد الذي يحمل أفكاراً تقتيرية مثل المرحوم الدكتور عزالدين الزين:

رغم أنه لم يعد في الوطن شئ لكيما نبخل به سيدي الرئيس إلا أن الإحتفال بعيد الوحدة لم تعد له أية مبررات لأن الحرب الأهلية اندلعت مرةً أخرى في جنوب الوطن، وإتفاقية إديس أبابا أصبحت كأنها لم تكن.

إلا أن السيد الرئيس بقي مشوشاً متأرجحاً ما بين أطماع القلب ومشاعر الأبوة التي نغصت عليه لحظات رقتها العفوية، شاعراً بأنه كان يضيع الوقت في إستبسال عاطفي لإثبات شيخوخته، التي واجه بها دون آثار جانبية سطوة ذكريات دون براهين.

لم يستفد من هذه العاطفة ذات الوجهين سوى هدوءُ خارق، إمتص فيه أية رغبات في العراك، حتى أنه بقي ساكناً أمام إحتجاجات معاونيه على إعادة فتح أبواب حزب الوطن أمام رجال الأحزاب : يريدون إقتسام كل شئ سيدي الرئيس، دون حتى أن يناقشوا مبدأ تقديم تنازلات أيديولوجية من جانبهم من أجل الإنخراط النهائي في ركب الثورة، فيستمع هادئاً ينقل بصره بإهتمام بين وجوه المعارضين لإنفتاحه الديمقراطي حتى لا يعطي إنطباعاً بأن أذنيه فقط كانتا تعملان في تلك اللحظة التي يجد نفسه فيها مستسلماً لقدرٍ لا يخصه، يستمع لمعاونيه هم يتابعون سرد مخاوفهم الديمقراطية:-

وعادوا لنفس اوهامهم السابقة سيدي الرئيس، ينادون بمحاسبة المفسدين وبتعيين رئيس للحكومة من التكنوقراط يكون متخصصاً في إدارة الكوارث، لإدارة الوطن ! وينادون بتأميم المشروعات العامة التي بيعت للقطاع الخاص، تصور سيدي الرئيس أن المعارضة التي وصمناها بالرجعية أول أيام الثورة، قد أصبحت تقدمية أكثر منا الآن!!.

يستمع لمخاوفهم بنصف إبتسامة ويختم النقاش بإشارة ترجيحية من يده يقول: اطمئنوا لايوجد شئ لإقتسامه معهم سوى المجاعة، ويصدر قراراً جمهورياً يتعيين ثلاثة من رجال الأحزاب وزراء للمالية والزراعة والداخلية، الدكتور محمد عثمان الزين والبروفيسور عبدالرحمن الطيب واللواء بيتر ملوال دينق، وزير المالية الجديد الدكتور محمد عثمان الزين بدأ العمل في وزارته مبكراً منذ لحظة أدائه للقسم ومنذ تلك اللحظة بدأت التقارير تسجل كل خطواته:

قبل أن يدخل إلى مكتبه سيدي الرئيس أوقف جميع الموظفين الذين هرعوا لإستقباله، وقرأ الفاتحة على روح المرحوم العقيد محمد النور عبدالهادي وزير المالية الأسبق الذي أعدم بعد إدانته بالمشاركة في مؤامرة إنقلابية.

وقرأ الفاتحة على روح العقيد الفاضل محمد عبدالكريم الذي قتلته طلقة رصاص لازال صداها يدوي في أرجاء القصر الجمهوري، رغم أن أحداً لم يعد يتذكر على من اطلقت تلك الطلقة وما مناسبة وجودها في النسيان، ثم قرأ الفاتحة على روح الدكتور محمد الأمين عبدالرحمن وعلى روح الدكتور ويليام قرنق اللذان قتلا أثناء محاولتهما التوسط لإنهاء الحرب الأهلية في جنوب الوطن.

ومنذ اللحظة الأولى قام بالتنسيق مع الدكتور عبد الرحمن الطيب وزير الزراعة لنفض الغبار عن جراحات الوطن، وقاما بتفقد مشروعات التنمية، زارا المناطق المتأثرة بالمجاعة في غرب الوطن، وأشرفا بنفسيهما على توزيع مواد الإغاثة علي النازحين في المعسكرات حول المدن، تفقدا آثار الدمار الذي أحدثته الحرب الأهلية ودون أدنى تباطؤ شاركا مع رجال الأحزاب القابعين في حزب الوطن في صراع على فوائد ما بعد المنفى، في صياغة مبادرة سلام لإنهاء الحرب الأهلية، وأثر هطول أمطار أبريل المبكرة بدأ النازحون العودة إلى ديارهم إستعداداً لموسم الخريف .

يصغي بهدوء إلى الجهود التي تعطي دوره صفة مراقب دون سلطةٍ فعلية على أية كارثة، فيجد عزاءً في الإستماع إلى العقيد خليفة إبراهيم بركات يشكو له عدم إرتياحه من إنقلاب الأحوال:

لقد تحولنا إلى مراقبين سيدي الرئيس، بالأمس قام رجالي بإعتقال أحد الذين يكتبون في صحف حزب الوطن الحائطية،كان قد طالب في مقاله بتحريك قضايا الفساد المزعوم ضدكم سيدي الرئيس، وفي لحظات وقبل أن نبدأ التحقيق معه قام وزير الداخلية بنفسه بإطلاق سراحه، واعتذر له عما حدث، ويتنهد العقيد خليفة إبراهيم بركات بألمٍ فيما تعبث أصابعه بالمسبحة، ويتمتم: لم تعد بنا حاجة للتنبؤ بمؤامرة، لأن المؤامرة موجودة الآن أمام أعيننا في الشارع وفي الوطن كله سيدي الرئيس، فيتعزى السيد الرئيس بسلطةٍ بديلة غير مؤكدة: سلطة الحب.

يشتري الكتب حتى فرغت كل مكتبات الوطن ليرسلها إلى الطالبة الصغيرة حتى إمتلأ بيتهم بكتب تحتاج إلى قرن من أجل قراءتها، حاول أن يشغل نفسه عن الآثار الجانبية للحب غير المؤكد حتى تبلغ الفتاة الصغيرة سن الرشد العاطفي، بالعودة للتنكر مثلما كان يفعل أيام الأزمات الغابرة، فتجول بملابس بائع لبن وتسلل إلى حزب الوطن، قرأ بنفسه صحف حزب الوطن الحائطية، فاكتشف تفاصيلاً كثيرة أغفلتها تقارير العقيد خليفة إبراهيم بركات، وتتبع بين مقالات أشواق جراحات المنفى في الفنادق المعتمة المنسية في ممباسا، حيث لاعزاء في قيظ المحيط سوى الصدى الضئيل للوطن في عيون عشرات المنفيين والنازحين بسبب الكوارث الوطنية المختلفة.

تتبع أرقام فساد أقرب معاونيه، فأحصى عشر مزارع للعقيد خليفة إبراهيم بركات، بها ثلاثمائة بقرة فريزيان، يشرب من حليبها الوطن كله، ومصنعاً للحلاوة الطحينية، ومصنعاً لإنتاج الصابون ومصنعاً لإنتاج زيت الطعام، إضافة لمصنع للأحذية المطاطية، وشاهد أسماءه المستعارة تظهر في كشف الشركات المشبوهة التي إحتكرت حركة البيع والشراء في الوطن كله دون أن تدفع مليماً لإدارات الضرائب والجمارك.

وأثناء قراءته لتفاصيل الفساد استخدم بقايا قوته الخارقة الغابرة، ليبقى في مكانه وسط المئات الذين كانوا يتدافعون لمتابعة أخبار فساد عصر جفافه الثاني، فيما كان هو يدقق النظر بين السطور بحثاً عن آخر عزاء في الإستبداد: سلطة الحب، فاكتشف بدايات حظه الكئيب في مسابقات الكلمات المتقاطعة التي قام بحلها دون رصيد متمكن من المعلومات، فاكتشف بين الكلمات الأفقية، بين نباتات السافنا البستانية ورياح الهبوب والرياح التجارية الجنوبية الشرقية، وأطلال أهرامات مدينة مروي القديمة حيث البقعة الأكثر جفافاً في العالم كله وبين وردات نبات اللانتانا، والأشعار المعذبة للشاعر الراحل التجاني يوسف بشير، إكتشف حروف إسم الطالبة فاطمة عبدالرحمن ساتي معكوسةً في هذه الفوضى الجغرافية.

وعرف بعد جهد فائق في حل المزيد من الكلمات المتقاطعة، أنه كان يصبح أفضل لا في تفهمه لمشاكله الشخصية فقط، بل في تفهمه أيضاً لمشاكل الوطن، فشاهد أسباب الحرب الأهلية في وضع رأسي بين موسم الدرت ودلتا طوكر، وعرف أن الفتاة لم يتعد عمرها بعد السادسة عشر.

وتتبع مصدر رياح الهبوب التي هبت في السابع عشر من مايو واقتلعت شجرة مهوقني في شارع النيل، واكتشف الأصول الجغرافية للجفاف الذي ضرب الوطن متزامناً مع بداية عهده، فعرف أن عهده ساهم فيه لأن بعض المستخدمين الجهلة ممن عَهد إليهم بالحفاظ على غابات الوطن التي تقع في نطاق السافنا الفقيرة وإقليم الصحراء قاموا إما ببيع تلك الغابات لتجار الأخشاب أو بحرقها وتحويلها إلى فحم نباتي للبيع فأصبح الوطن دون غطاء شجري سوى بضعة شجيرات من نبات الطندب والعشر تركت لأنها لا تصلح لأي إستخدام.

تنقل بين أرقام هذا الفساد الشجري من سهول البطانة وحتى غابات كدركة في شمال الوطن، حتى تأكد أن الفتاة لم يتجاوز عمرها الستة عشر عاماً، شعر بخيبة أمل، حتى أنه فكر في أن يبعث لها في المرة القادمة بمجموعة من كتب الأطفال، مستغرباً أن يكون رأسها قد إمتلأ بكل تلك المعلومات في هذه الفترة الوجيزة، شاعراً بوجود مؤامرة خفية من حوله تَدبر لإقصاء صورة الفتاة من ذاكرته تماماً مثلما حدث أيام الدكتورة صفاء.

فقد لاحظ أنها لم تلبي عدة دعوات وَجهت لها من القصر بإيعاز منه شخصياً، أما بدعوى أنها مريضة أو أنها مشغولة بأداء إمتحانات، حتى أن السيد الرئيس أضطر للقيام بزيارة رسمية إلى بيت الفتاة في حي الملازمين أحد أحياء مدينة أم درمان القديمة التي نشأت أحياؤها الشهيرة في عهد حكم الثورة المهدية في القرن التاسع عشر.

لم يكن والدها وزير الرعاية الإجتماعية موجوداً بالبيت، إستقبلته الطالبة فاطمة عبدالرحمن ساتي بترحاب في حديقة البيت الصغير المحاطة بسياج من أشجار الأركويت، شاهد السيد الرئيس من خلفه أضواء العربات تعبر في وحل أمطار أغسطس، واستمع الي زعيق الصيادين في نهر النيل.

أحضرت له الفتاة كوباً من عصير البرتقال، وبجانبه طبق صغير به بضعة حبات من بسكويت تفوح منه رائحة الجنزبيل، ومع أول رشفة من العصير شعر بإختناق رغباته الرسمية في القيظ الذي يسبق المطر فقال مفتتحاً حديثه: لا توجد ولا نسمة هواء واحدة.

كانت ترتدي بنطلوناً من الجينز وبلوزة بيضاء بأكمام قصيرة وحذاءً رياضياً، جلست بجانبه بعفوية رغم أن السيد الرئيس شعر للمرة الأولى بأنه يختنق في مرجل خوف رسمي، حتى أنه فكر في إعادة تسليح لقاءاته العاطفية، مثلما كان يحدث أيام الأميرة مينيساري حينما كانت تتم لقاءاته العاطفية الصامتة مع الأميرة التي تحولت إلى ريح واختفت، تحت حراسة ستة من رجال أمنه.

بعكس الأميرة مينيساري التي كان يشعر في وجودها بخيبات السلطة فإنه كان يشعر في حضور الطالبة فاطمة عبدالرحمن ساتي بأنه كان مجرداً من أية سلطة، ولا حتى خدعة سلطة الحب التي تعزى بها في أوقات فراغه، أثناء بحثه في صحف حزب الوطن الحائطية عن الخيوط المنسية لمتاهات وجدانه.

ملاحظاً أنه كان يزداد يأساً كلما إلتقى الطالبة الصغيرة، ليس فقط لإقتناعه بأن مشاعره نحوها كانت خليطاً من مشاعر الأبوة والحزن الذي تفرضه بدايات الشيخوخة، وإنما لتيقنه أيضاً من أن براءتها كانت تبدو وكأنها تخصَ وطناً آخر وأنه يصعب إثبات وجود علاقة بين هذه البراءة وبين المواسم الطويلة من الجفاف التي ضربت الوطن منذ بداية عهده.

ورغم ذلك لم يستسلم لليأس، بدلاً من ذلك إستسلم لنوبة سرية من الأمل، صورت له حلاً عاطفياً ضمن حل شامل لكل كوارث الوطن، فحسب تقارير معاونيه فإن: الخريف مبشرُ هذا العام سيدي الرئيس ورجال الأحزاب في حزب الوطن بمن فيهم ساسة من جنوب الوطن، كانوا يعكفون على صياغة مبادرة جديدة لإحلال السلام في جنوب الوطن ووقف الحرب الأهلية التي إستنزفت كل إقتصاد الوطن.

تبهجه تباشير إنفراج الأزمات حتى أنه يتجاهل إحتجاجات معاونيه القدامى: تمت إحالتنا للمعاش سيدي الرئيس دون حتى أن يكلفوا أنفسهم عناء إبلاغنا بذلك، فقد ذهبت إلى عملي مثلما كنت أفعل كل يوم طوال عشرين عاماً ووجدت شخصاً آخر يحتل مكتبي ولم يكلف نفسه ولا حتى برد تحيتي، وإنما أشار لبعض الذين حوله بطردي من المكان دون حتى أن يسمح لي يحمل أوراقي وأشيائي الخاصة.

فيشعر السيد الرئيس بالتشفي إزاء إخفاقه العاطفي، دون أن تؤرقه هذه الآثار الجانبية للحرية ما دام يملك مفاتيحها، يحاول أن يقنع نفسه بأن عدوى إنفراج أزمات الوطن الشامل تتسرب حتى إلى صحراء فراغ روحه، حتى أنه يستمع بوجه محايد دون أية إنفعالات إلى إحتجاجات العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي عاد إلى إرتداء جلبابه الأخضر ومسبحته الضخمة حول عنقه فبدا في نفس الهيئة التي وجده فيها في كرتالا قبل سنوات، حينما كان على وشك أن يتوج سلطاناً للمطر، فأغراه بإستبدال سلطته المؤكدة على الرياح التجارية الجنوبية الغربية، بسلطةٍ زمنية غير مؤكدة.

يستمع إليه يتمتم محزونا : لم يعد لنا عمل سيدي الرئيس، أصبحت رئيساً على جهاز غير موجود، بعد أن تم تسريح كل مستخدمي الجهاز من الخدمة حتى أنهم لم يتركوا ولا حتى الخفراء أحالوهم للصالح العام، والمبنى نفسه نقلوا أثاثاته تدريجياً، سحبوا المقاعد الوثيرة بحجة حاجتهم لها لإحتفال يحضره سفراء أجانب، حتى أنني كنت أجلس في مكتبي مع أحد أقربائي نتحادث في بعض مشاكلنا الأسرية حينما اقتحم المكان شخصان وقال لنا أحدهم : هل تسمحان، واعتقدت في البداية أنه سوف ينظف المقعد الذي أجلس عليه، إلا أنه ما أن وقفنا حتى حملا المقعدين وخرجا، فجلست مع ضيفي على مضض على الأرض، لكنهما عادا بعد قليل ومرةً أخرى قالا : هل تسمحان، ثم سحبا السجاد العجمي الذي كنا نجلس عليه وتركانا على البلاط.

وفي اليوم التالي قاموا بتفكيك أجهزة التكييف بحجة صيانتها ثم إعادتها مرةً أخرى، والكارثة أنهم يلمحون في صحفهم إلى وجود إقتراح بتحويل القسم المحتوي على آلات التعذيب الذي أنشأه العقيد مصطفى سراج الدين إلى متحفٍ للتعذيب.

فيصدر السيد الرئيس قراراً بتعيين العقيد خليفة إبراهيم بركات مستشاراً له، رغم أن العقيد خليفة حاول إقناع السيد الرئيس بالسماح له بالعودة إلى كرتالا، لكن السيد الرئيس أصر على بقائه بجانبه لحين إنجلاء الوضع، وفي الأيام التالية كانا يخرجان سوياً، في ثياب تنكرية، السيد الرئيس يرتدي جلباباً واسعاً مع عمامة ضخمة تخفي معظم تفاصيل وجهه والعقيد خليفة إبراهيم بركات في ثياب فقيه من الفولاني مخفياً داخل ثيابه مدفع كلاشنكوف.

كانا يتسكعان بجانب الجامع الكبير ليعرفا إتجاهات الشارع، ويتسللان وسط الجموع المتدافعة إلى حزب الوطن لقراءة الفضائح الحائطية، حيث يتتبع السيد الرئيس آخر نزوات قلبه بين مسابقات الكلمات المتقاطعة، التي يحاول حلها عن طريق دليل مبتكر للمعلومات، أعده بنفسه من بقايا قصاصات الصحف القديمة التي ترقى إلى عهود مختلفة، مستثمراً أوقات فراغ الحب، مستمتعاً بكسل قيلولة أول أيام الشتاء في وطن لا يزال يلعق بقايا جراحات عصر الجفاف.

ورأى صورته في جهاز التلفزيون وهو يتسلم أوراق إعتماد سفير دولة الهند، وهو يتسلم أوراق إعتماد سفير الولايات المتحدة، ولم يستطع أن يميز إن كانت هذه الوقائع معاصرة أم ترقى إلى سلطة العصر الأول للجفاف، لأنه رأى نفسه بنفس البذلة العسكرية التي كان يرتديها أيام مجلس قيادة الثورة.

وشاهد نفسه يضع أحجار الأثاث لمشروعات منسية، وهو يقص الشريط التقليدي مفتتحاً مهرجاناتٍ وإحتفالاتٍ ضائعة في قفر ذاكرته، وللمرة الأولى لاحظ أنه لم يكن يلعق جراحات الوطن كما يتوجب عليه رسمياً، بل أنه كان منكفئاً على جراحه شخصياً، واكتشف للمرة الأولى أن جراحه لم تكن في القلب، كما مضى يعتقد طوال سنوات عصر الجفاف، بل كانت في الذاكرة.

وأثناء بحثه في أحراش الذاكرة عن أصول جراحه، وجد نفسه في مركز إعصار إستوائي يحاول تثبيت أقدامه في طوفان الغبار، واكتشف للمرة الأولى أن الجفاف الذي ضرب الوطن طوال سنوات حكمه بدأ من ذاكرته حينما غاص في متاهةٍ سحيقة لصحراء دون نهاية تغطي حتى أقصى النطاق الإستوائي للوطن وفي الليلة الرابعة إعترف أن معظم شارات مجده الأصلية كانت مزيفة وأنه شارك في الحرب الأهلية الأولى، لا كمناضل من أجل وحدة الوطن كما ظلت وسائل إعلامه تؤكد طوال أكثر من أربعة عقود بل كمرتزق، وأن الحملة التي أرسلها شخصياً للأقاليم الإستوائية، بدعوى محاربة وباء دودة الفرنديد، كان الهدف الحقيقي من وراء إرسالها هو إجبار المعارضة المسلحة على التراجع نحو نطاق وباء إيبولا.

وأنه لم يفتح أبواب حزب الوطن لرجالات الأحزاب ليمارسوا من داخله ديمقراطية حائطية لا لشئ إلا لأنه حاول إقصاء صورته من ذاكرة الوطن بسبب إرتباطها بوقائع المجاعة والجفاف، تمهيداً لعودته نهائياً للواجهة، لا كمستبد، بل كمنقذ، حتى أنه كان يغذي بنفسه عملية التعتيم على أخباره بالتعليمات السرية التي أصدرها بإقصاء صورته من الصحف القومية وإستبدالها برسم غير مؤكد يرقى إلى أيام مجلس قيادة الثورة، واستغل التعتيم الذي مضي ينزلق إليه في ترتيب شئون القلب، ومكافحة أمراض الشيخوخة، منفذاً تعليمات طبيبه حرفياً، بإتباع نظام غذائي صارم لمكافحة مرض النقرس ومرض إلتهاب المصران العصبي.

حتى أنه إكتسب عادة جديدة كلما جلس إلى مائدة الطعام كان يخرج من جيبه قائمة بالأطعمة التي يمنعه الطبيب من تناولها، فيستبعد طبق الحمام المشوي الذي كان يعشقه في الزمان الغابر، ويستبعد طبق الملوخية، ويستبعد حتى طبق السلطة حينما يكتشف أنه ملئ بالبصل الأخضر، وفي النهاية يكتفي بقطعة خبز مع بضعة ملاعق من الحساء وشرائح البطاطس والجزر المسلوقة.

ولأنه إكتشف أن صورته بدأت تنزلق إلى عتمة النسيان، فقد عرف بأنه لم يكن بحاجة للتنكر حينما يخرج في جولاته كما كان يفعل في الأيام الخوالي، حتى ينفذ تعليمات طبيبه بالمشي ساعة كل يوم، يسير في شارع النيل بين عشاق الساعة الرابعة والربع الذين طردهم يوماً العقيد مصطفى سراج الدين خارج الوطن، بدعوى إعادة العاطلين إلى مناطق التنمية تحقيقاً لشعار الإنفتاح علي الريف الذي رفعته الثورة.

يسير بين الصبية الذين يطاردون فراشات موسم الدميرة في حدائق الشعب، ويلاحظ دون أدنى شعور بالذنب، أن دقات قلب الوطن بدأت تنتظم، وأن الأطفال في شمال الوطن يلعبون شليل في أمسيات قمر أغسطس، وأن الصبية على ضفاف النيل الأبيض كانوا يلعبون بسمك التامبيرة، والدادينجا يرقصون فوق جبل لاتيكيه للإله لوريبو كي ينزل عليهم المطر وأن أصوات المفاوضين كانت تعلو على صوت إطلاق الرصاص في جنوب الوطن.

رغم أنه اكتشف أن صفوف الخبز كانت لا تزال تمتد، واكتشف أن السكارى الذين اصطدم بهم يغنون في شارع النيل كانوا يغنون بسبب الأمل لا اليأس، واكتشف أنه لم تكن هناك ضجة في الوطن كله إلا داخل حزب الوطن حيث الصحف الحائطية تمارس ديمقراطية موثقة للفضائح، فقرأ فيها أسرار التنظيمات السياسية التي شاركته كعكة السلطة.

وبحث دون جدوى بين حلول مسابقات الكلمات المتقاطعة عن أسرار نزوات قلبه فلم يجد لها أثراً أثناء بحث شاق بين وردات عباد الشمس وأشجار السنط وأطلال الدفوفة في مدينة كرمة النزل فعرف أنه يغرق ضمن مخطط للنسيان، لأنه فوجئ أثناء بحثه أنه نسي ما كان يبحث عنه شخصياً، حتى أنه توقف عن البحث لأنه لاحظ أنه كان يتوغل في النسيان طردياً، كلما توغل في البحث، شاعراً بالضياع في هذه الفوضى الخطابية حيث الجميع يتحدثون في وقتٍ واحد، ملاحظاً بدء تحرر نبراتهم الخطابية من جراحات المنفى وأحقاد السجون.

عند ذلك تراجع محاولاً ترتيب شئون ذاكرته للحفاظ على أهم ذكرياته دون تلف، وعاد لمحاولة ضبط إتجاه عواطفه تجاه الطالبة الصغيرة لتجنب تحولها نحو مشاعر الأبوة، ملاحظاً أن وقائع القلب كانت الوحيدة التي لم يتسرب إليها النسيان الذي ضرب واجهة ذاكرته، حتى أنه لم يتعرف في البداية على العقيد خليفة إبراهيم بركات حينما ظهر امامه في مكتبه بالقصر بعد غياب دام عدة أشهر قضاها في مسقط رأسه في جبال النوبة.

جاء بملابس كجور كاملة : أربعة أسورة من الحديد في كل يد، وخاتم نحاس أحمر في كل اصبع وحلقة من النحاس في كل اذن، وخرزةً كبيرة بيضاء معلقة على العنق، ويحمل في يده سوط الكمبلا بحلقات النحاس حول مقبضه.

كان قد أحرز مرتبة كونا داكيدي، ولم تبق له سوى بضعة شعائر تتم بمباركة أباديا، روح الجد الأكبر ليصبح كجوراً ويستأنف سلطةً موسمية على المطر، وكدليل على صدق مبادرته إنحنى فوق السيد الرئيس الذي حاول أن يتراجع قليلاً من مدى نتانة هذا الكجور الذي جاء من جبال النوبة ماشياً على قدميه طوال ستة أسابيع لم يتوقف خلالها إلا ليتناول طبقاً من حساء لحم الرأس في مطعم على قارعة الطريق في تندلتي، عابراً دون أدنى شعور بالأسى النطاق الأسوأ لبقايا آثار المجاعة وموجة الجفاف التي ضربت غرب الوطن وأواسطه قبل سنوات.

كدليل على صدق مبادرته قام بالعرض الذي اسماه التنظيف: أمسك بيد السيد الرئيس وأخرج أمام دهشته من جسده ثلاثة أحجار وعصا صغيرة من الأبنوس ومجموعة من العظام النخرة والفردة اليسرى لبوت عسكري وعنكبوتا صغيرا ولّى هارباً بمجرد أن خرج من جسد السيد الرئيس.

لقد كانت عملية علي درجة من الدقة والصرامة بحيث أن السيد الرئيس شعر براحة جسد خفيف بدون عوائق، قام العقيد خليفة ابراهيم بركات بتعليق سوط الكمبلا في مسمار في مكتب السيد الرئيس، معلناً : حينما يسقط السوط أرضاً سيكون الوقت قد حان من أجل القضاء علي هذه الفوضي.

ثم تعزيا بتبادل الذكريات، فسرد السيد الرئيس تفاصيل طفولة مبكرة في بلدة بعيدة على حافة الصحراء، في قيلولة نبات الحلفاء وأشجار النيم وعبير أشجار دقن الباشا، وللمرة الأولى اكتشف في نفسه مقدرةً غير عادية على إجترار وقائع طفولته المبكرة، حتى أنه وصف بدقة المداخل الأمامية للبيت القديم المهجور وأشجار الهبيل في فنائه وبيوت الدبابير في جذوع النخيل في سقوفه، وبوابته الضخمة المبنية على الطراز النوبي وأطباق الخزف البيضاء المثبتة عليها، واسترجع صدى صوته من بين أصوات الصبية يلعبون شليل في أمسيات قمر رمادي كان ينبت فجأةً من بين الأجمة الكثيفة لنبات الحلفاء، وللمرة الأولى رأى جدته التي لم يرها في الواقع.

رآها في الذاكرة تعبر فناء البيت في أمسية السابع والعشرين من رمضان عائدةً من المسيد بعد أن أدت صلاة التراويح، رآها للمرة الأولى عجوزاً ناحلة كانت ترتدي ثوباً أسود من قماش الكرب وحذاءً خشناً من جلد الماعز، وفي وجهها شاهد للمرة الأولى البدايات الحزينة لا للموت بل للنسيان، حينما غرقت بعد ذلك في متاهة خرف الشيخوخة.

رآها تعبر بين شجيرات الهبيل وأشجار الحناء وهي تتوكأ على عصا من الخيزران، كانت الصور حقيقية لدرجة أنه شعر أنها رأته يحدق فيها وهي تعبر الفناء، وأنها لوحت له بعصاها، كانت الصورة من الدقة والنزاهة لدرجة أنه بدأ يعتقد أن العقيد خليفة إبراهيم بركات إمتلك مقدرة إخراج الذكريات المنسية بنفس طريقة إخراجه للأشياء غير المرغوب فيها من داخل الجسد.

بحث عن والده، لم يعثر عليه في البداية بجانب نهر النيل في رائحة الرطوبة الكثيفة لأشجار الصفصاف في قارب الصيد الصغير الذي يملكه، ولا نائماً على عنقريب صغير تحت شجرة الجميز أمام مدخل البيت كما كان يفعل في ساعات القيلولة.

وجده يلعب الورق مع الشاعر حمزة الملك طمبل في شرفة القصر القديم في نفس المكان الذي استقبل فيه الملك طمبل الثالث الرحالة الفرنسي بوانسيه قبل ثلاثة قرون، كانا يجلسان أرضاً على سجاد عجمي وكان والده يرتدي جلباباً بسيطاً من قماش الدمور ويضع على رأسه طاقية حمراء صغيرة، تفوح منه نتانة أسماك الكور، فيما يرتدي الشاعر حمزة الملك طمبل الزي الكامل لنائب مأمور، رغم القيظ الخانق.

وشاهد التماسيح تزحف بين سيقان نبات البردي في وضح النهار، وشاهد المراكب الشراعية تعبر في ريحٍ مواتية إلى مدينة وادي حلفا، وللمرة الأولى لاحظ أن الزمن يمضي في الذاكرة بصورةٍ أوضح منه في الواقع، حينما لاحظ مقدمات شهر مسرى ثم رأى موسم الجفاف يحل بعد قليل، وشاهد أول أسراب الرهو المهاجرة تصل فعرف حلول شهر توت.

وسرد العقيد خليفة إبراهيم بركات التفاصيل المشوهة لطفولةٍ بائسة مع والدٍ مات وهو في بطن أمه، رغم أنه يتذكر صورته التي وجدها محفوظةً في ذاكرته، وكان حينما يصف والده وهو طفلُ صغير يصفها أفضل حتى من الذين رأوه، وكان ذلك سبب بحثه عن والده بعد سنوات طويلة، لأن صورة والده المحفوظة في ذاكرته أعطته إيحاءً أن والده لم يمت لأنه لا يمكن أن يموت والده وهو في بطن أمه ثم يكون قد رآه في صورةٍ بذلك الوضوح تظهر حتى أدق تجاعيد وجهه.

ثم وصف صورة أمه المنخرطة في حداد أبيض دام لمدة أربع سنوات بل أنه وصف صورته شخصياً وهو طفل رضيع غارقاً في البكاء في فناءٍ صغير تملأه الدجاجات بروثها وبيضها، بينما أقاربه يبدأون طقوس جي يردو، بحلاقة شعور كل أقارب والده الكجور من الجنسين.

ثم تحسس بدايات فراغ صحراوي في ذاكرته لم يتبين في عتمته إلا مشهد العربة التي تسلل إليها في تالودي وهرب بها دون وجهة ودون هدف، فشاهد دون أدنى شعور بالحنين الأبقار المصابة بمرض أبوقنيت في رحلتها نحو المراعي البعيدة لدى بدء موسم الجفاف، وشاهد صفاً من المواطنين بالقرب من بحيرة نو يعبرون داخل أعشاب السافنا فيما يتقدمهم عازفُ علىآلة الكوندي في مغيب شهر نوفمبر، وشباب من قبيلة الكريش يرقصون الكاما على ضفاف بحر الزراف، حتى توقفت العربة في جوبا، فشاهد أوراق المانجو تذرف آخر دموع آخر أمطار موسم الخريف وشاهد فتيان موسم التوج يعبرون الهواء الأخير لزمان لم يره، بل أحسه لا عن طريق الذاكرة بل عن طريق تداعيات الأشواق، في هذه المدينة التي تعج بالأجانب، الذين لم يحمل تجاههم بعد سنوات سوى شعور مبهم ومحايد، رغم أنهم تلقفوه مجرد فتى صغير، يرتدي أسمالاً لا تستر منه سوى العري الضروري.

دون حتى رصيد من أسوأ الذكريات، سوى كوابيس ليلية مفزعة، عرف بعد سنوات أنها لم تكن سوى دعوة مبكرة من روح والده من أجل إعداده لخلافته في مهنة الكجور، بعد سبع ليالٍ قضاها في العراء إقتات خلالها على ثمار المانجو والباباي وجد عملاً لدى تاجر إغريقي، ينظف البيت ويعتني بحديقته.

تسليا بإجترار ذكريات لم يلاحظا أن مرارتها كانت عادية إلا متأخراً، وأن أحقادهما المعاصرة لم يكن لها أية رصيد تاريخي سوى مبررات معاناة متوسطة، معترفان ضمناً بخجل أن أحقادهما لم تكن أحقاد الذاكرة، بل الحقد الرسمي للرغبة في التسلط الكامل.

شاهدا سلطتهما تضمحل كلما تفتحت وردات إضافية لشجرة الحرية التي تغطي الوطن كله، والتي بدت لهما أقرب للفوضى، فمضيا يحاولان تتبع أدق خيوطها الخفية، يتجولان متنكرين في أروقة حزب الوطن، في عرين الفوضي، حيث الجميع يتحدثون في نفس الوقت، يقاطعون بعضهم بعضا، وحيث كل خطيب يدين كل الآخرين. يتتبعان خيوطها في مقالات الصحافة الحائطية حيث الرسوم الكاريكوتورية التي تصور السيد الرئيس في صورٍ أقرب للخلاعة، بديناً بدانةً مفرطة في وطن تعد السَمنة فيه إما عرضاً لمرض أو شروعاً في السرقة.

يرتدي سروالاً قصيراً يصل حتى ركبتيه وعضلات يديه بارزة ووجهه الضخم شبيه بكلاب الرسوم المتحركة : هيئة ملا كم، ولإضفاء صبغة إنسانية على مظهره المتوحش وضعوا في يده مجموعة من كتب المدرسة، وعلى قدميه حذاءً مدرسياً، لم يفهم السيد الرئيس في البداية المبادرة الإستفزازية، لكن العقيد خليفة إبراهيم بركات تطوع بشرحها : إنها إشارة خبيثة لحبه المستحيل لطالبة صغيرة !، فوجئ هو نفسه بأنه لم يستشط غضباً، لا لأنه تعود على تمرير الإستفزازات الصغيرة لصحافة حزب الوطن الحائطية، ولكن لأنه كان قد بدأ يغرق في وحل نسيان مصائبه الشخصية.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان