• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل الحادي عشر) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل الحادي عشر)

 

وبعد أن شرب كأساً من شراب المريسة المحلي المصنوع من الذرة، بدأ يستعيد صفاءه وحدّق حواليه للمرة الأولى منذ وصوله فرأى العلامات الأخيرة لعصر جفافه تكاد لا ترى بالعين المجردة، رأى عصافير السمان المهاجرة تقفز فوق سنابل الذرة فعرف أن مواسم الجفاف التي ميزت عصره بدأت في الإنحسار.

رأى حتى إشارات الحزن تنحسر من حوله فعرف أن لا دوام ولا حتى للحزن أمام سطوة مرور الزمان، رأى الحزن يتلاشى حتى في ذاكرته، حتى في وجوه النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى كان يراهن في محطات الشمس المحرقة، جالسات على الأرصفة، يتآكلن بمرور الزمن دون أن تتأثر رغبتهن في إنتظار الغائبين، أثناء تفقده لآثار الجفاف الذي ضرب الوطن متزامنا مع حقبة استبداده بالسلطة.

بعد أن شرب المريسة بدأ يستعيد صفاءه، وبدأ أكثر إستعداداً لتبادل الذكريات، رغم أن ذكرياته بدت تالفة، ليس بسبب سوء الإستعمال، بل بسبب سوء التخزين، منذ أن اكتشف أن ذاكرته باتت تمارس تلاعبا تدميريا بالصور حتى أنه كان يضطر في ذلك الزمان إلى حمل صور شمسية لمعاونيه ووزرائه، لأنه اكتشف أن صور بعض الأشخاص في ذاكرته كانت بدون رؤوس رغم أن تفاصيل الجسد الأخرى كانت موجودة بأدق علاماتها المميزة.

حتى أنه أقدم على التسلل إلى وزارة الرعاية الإجتماعية قبل سنوات ليدقق في صورة البروفيسور عثمان محمد صالح وإبنته الدكتورة صفاء التي علم أن الوزير الجديد الدكتور التجاني عبد العظيم قام بتعليقها على جدار مكتبه وفاءً لذكرى أستاذه الراحل.

رأى الوزير الراحل واقفاً في حديقة بيته مرتدياً جلباباً أبيض واسعاً وعلى رأسه طاقية بيضاء وبجانبه وقفت إبنته الدكتورة صفاء، كانت تحمل بين يديها كراسة محاضرات وقلماً ورأى ضفيرة شعرها الطويل تتدلى من خلف رقبتها،كان الاثنان مبتسمين، إبتسامةً رآها عميقة على وجهيهما فعرف أنها لم تكن وليدة تلك اللحظة وأن السعادة كانت طابع حياتهما قبل أن يظهر فيها.

دقق في الصورة لا لينشط أحقاده، بل ذاكرته، وأحصى كل شئ فيها حتى وردات شجرة الجهنمية في خلفية الصورة ووردات الفل في مقدمة الصورة، حتى شعر برائحة الفل تفوح من حوله، واكتشف لدى إستعادته صورة وجه الدكتورة صفاء بتخزين ملامح الصورة في ذاكرته أنه يستعيد معها صورة عدة وجوه ووقائع كانت قد بدأت في التحلل من ذاكرته.

رأى العقيد الفاضل محمد عبد الكريم يجلس في قيظ قيلولة نائية تحت شجرة مانجو وارفة وبجانبه جهاز راديو، رأى الملازم أكرم محمد نور الدين مربوطاً في عمود الإعدام في ضوضاء مغيب أرجواني فلم يصدق أن شخصاً بذلك الحضور وتلك الوسامة يمكن أن يكون ميتاً.

حتى تبدأ أضواء الذاكرة تغيب تدريجياً ويتفتح وعيه من ضوضاء نفايات الذاكرة على أصوات رجال أمنه :

سيدي الرئيس الدكتور كمال الدين حسن أحمد بدأ العمل في وزارة المالية مبكرا قبل شروق الشمس، بدأ عمله بقراءة الفاتحة على روح العقيد الراحل الفاضل محمد عبد الكريم الذي لايزال صوت الطلقة التي أردته قتيلاً يدوي في أرجاء القصر الجمهوري، وشاهدنا الدموع تنساب على وجهه، ثم قرأ الفاتحة مرة أخرى ولم نعرف إن كان قد رفعها على أحد الموتى أم على الوطن نفسه سيدي الرئيس، لأنه قرأ الفاتحة بعد ذلك ثلاث مرات وهو يقرأ تقارير الإنهيار الإقتصادي التي خلّفها الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين الذي كان يغني وهو يعمل سيدي الرئيس.

فيشعر بانحسار فراغ روحه، رغم تزايد وطأة فراغ ذاكرته في اللحظة التي يسمع فيها إسم الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين وزير المالية السابق، بسبب عجزه عن تفسير أسباب إقالته للوزير رغم أنه تذكر أنه أمضى القرار بنفسه وأبلغه للاذاعة تليفونياً قبل دقيقة واحدة من نشرة الساعة الثالثة، وبعد بضعة دقائق من لقائه بالوزير الذي كان على موعد مع مندوب صندوق النقد الدولي.

ترك الواقعة تنزلق لتسقط في قاع ذاكرته محاولاً طمرها بأوهامه اليومية في إنتظار يوم الثامن والعشرين من أغسطس، اليوم الذي حددته صحافة حزب الوطن الحائطية لإتمام زواجه من الأميرة مينيساري، فيقلل من نوبات الحب الجماعي المسلح، يكتفي بممارسته في الذاكرة، وهو يستسلم لرطوبة أشجار المانجو في حديقة بيته، ولرطوبة خريف كان يشعر بوقع قدومه في عظامه، يرخي أذنيه لتقارير رجال أمنه:

سيدي الرئيس الدكتور كمال الدين حسن أحمد الوزير الحزبي، استطاع إقناع عمال السكة الحديد بالعودة إلى العمل بعد إضراب استمر عشرة أعوام، دون حتى أن يحاول رشوتهم كما فعل الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي، وقد عادوا إلى العمل بهمةٍ مضاعفة، وفي أقل من يوم قاموا بنظافة المكاتب كلها من التراب وقاموا بتنظيف القاطرات وتشحيمها، وأزالوا أنسجة العنكبوت من عربات الدرجة الأولى والثانية ولم يطلبوا في المقابل أي شئ، سوى إطلاق سراح قادتهم المحتجزين في السجون والذين لم نتمكن من إطلاق سراحهم، لأننا نجهل مكان إعتقالهم، لأن هناك معتقلين كثيرين نجهل مكانهم منذ وفاة المرحوم مصطفى سراج الدين .

يرخي أذنيه فيعرف أن : الفاصل المداري تقدم سيدي الرئيس حتى وصل إلى أسوان، وارتوت بمياه الأمطار حتى أشجار الطندب والسلم في صحراء بيوضة وإنتاج القطن فاق كل التوقعات، ومحصول الذرة في مناطق الزراعة المطرية تَرك نهباً للطيور بعد أن امتلأت كل مخازن الوطن، يصيبه قلقُ من الإنفراج الشامل لأزمات الوطن، يشعر بأن الأزمات بدأت تتسرب من يديه، وللمرة الأولى منذ بداية عهده شعر بأنه معزولُ عن كوارث الوطن.

فتعزى عن سلطة الكوارث الضائعة بسلطة الحب، وللمرة الأولى لاحظ أن صورته لم تكن باهتة فقط في المرآة، بل أيضاً في الصحيفة الرسمية، التي قرأ فيها تصريحات رسمية منسوبة له رغم أنه لم يدل بها.

خرج متنكراً في زي بائع لبن مع عمامة ضخمة تخفي كل ملامح وجهه، كانت المرة الأولى التي يخرج فيها متنكراً منذ إختفاء الدكتورة صفاء لا في الوطن، بل في الذاكرة، فشاهد عودة زحام المارة في السوق العربي، نفس الزحام الذي قضى عليه المرحوم مصطفى سراج الدين، بتفريغ العاصمة، فاكتشف عودة جميع المطرودين بأعداد مضاعفة، وشاهد حلقة من المستمعين حول خطيب مجنون كان يشتم الحكومة، واكتشف للمرة الأولى غَربته لا عن الوطن، بل عن السلطة، لأن الخطيب لم يكن يشتمه، بل كان يشتم العهد.

واكتشف بعض مظاهر الرخاء في وجوه المارة وأن أحداً لم يكن يكترث لنبأ زواجه رغم نشره في صحافة حزب الوطن الحائطية التي أصبحت حسب تقارير رجال أمنه تجتذب الوطن كله حتى أن الناس كانوا يقفون في صفوفٍ طويلة ليجدوا فرصةً لقراءة ما يصفه رجاله المقربون بالأكاذيب الحائطية، وفي المقابل فإن الصحيفة الرسمية لم تكن توزع ولا نسخة واحدة سوى النسخ التي كانت توزع مجاناً على بعض المصالح الحكومية ولم يكن يقبل على شرائها سوى باعة سندوتشات الطعمية والفول بسبب رخص ثمنها .

ترك الهموم الجانبية للحرية تتلاشى في ضباب الذاكرة وإنشغل بإستعداداته لإكمال مراسيم زواجه بهدوء، لتجنب نفقات ترهق كاهل الوطن، كما ألمح إلى ذلك الدكتور كمال الدين حسن أحمد، وزير المالية الجديد الذي يَذكره كلما رآه بأيام الدكتور عز الدين الزين رحمه الله، الذي كان ينصحه بإتباع نظام غذائي، لا لتقليل نسبه الكوليسترول في الدم، ولكن لتوفير قيمة اللحوم الحمراء في خزينة الدولة.

لم يكن قد تبقى سوى ثلاثة أيام على موعد زواجه حينما جاءه النبأ الصاعق :

الأميرة مينيساري سيدي الرئيس، كنا نتجول معها في سوق أم درمان لشراء لوازم الزواج، وبعد أن أشترينا عشرة أرطال من خشب الصندل وستة عبوات من مسحوق الحناء، وثمانية عقود من الخرز وعقدين من الأبنوس وزوجا من أساور الفضة، وفجأةً فيما كنا نتجول أمام محلات المصنوعات الجلدية في سوق الجلود بحثاً عن حذاءٍ من جلد ثعبان الأصلة يطابق قياس قدمها، شاهدنا الأميرة مينيساري تتحول إلى ريح وتختفي تماماً كما حدث لجدها الملك نيكانج العظيم.

فصل جديد

وبعد تقديم العرائض التي تفحصها السيد المشير على عجل قبل أن يضعها جانباً، رغم أنه توقف قليلاً أمام العرائض التي تتحدث عن طلباتٍ للحصول على أراضٍ زراعية من الأراضي الحكومية المخصصة للغابات، محاولاً أن يجد في الأرقام المقترحة للقطع الزراعية المطلوب الحصول عليها، خيطاً يقوده إلى موقع البيت الوحيد في العالم الذي شعر أنه سيجد فيه لحظة عزاء، وسوف يتلاشى فيه شعوره بالوحدة الذي ظل يؤرقه طوال أكثر من أربعة عقود، رغم جيش معاونيه الذي كان يحيط به طوال يومه وعلى مدى عصور إستبداده الثلاثة.

وفي النهاية جازف الزين ود حاج النور بأن عرض عليه تفاصيلاً حذرة للصورة التي رسموها له قبل ظهوره مكللةً بأمجاد ثورية لم تتوفر لبشر من قبله، عرض تفاصيل الصورة بدءاً بالقبعة العسكرية بشريطها الأحمر، ونياشين البطولة وأنواط الخدمة الطويلة الممتازة التي زينوا بها صدره وكتفيه، ووسام إبن الوطن البار فوق جيب سترته العسكرية.

ورغم أن تقاطيع الوجه في الصورة التي رسموها له في خيالهم الجماعي كانت واضحة، إلا أنها بدت له باهتة أشبه بصورته التي كانت تنشر في الصحيفة الرسمية في أيام إنحسار عصر جفافه الوسيط، أيام ديمقراطية الجدران، التي عاد فيها رجال الأحزاب لنفس ممارساتهم السابقة، وحاولوا أن يسحبوا بساط السلطة من تحت قدميه ببطء، وكادوا ينجحون لولا يقظة العقيد خليفة إبراهيم بركات، الذي بحث عنه السيد الرئيس لعدة شهور في كل أرجاء الوطن بوحي شعور يقيني بأنه الوحيد القادر على إغلاق الثغرة التي انفتحت بوفاة العقيد مصطفى سراج الدين.

بحث عنه أثناء زياراته التفقدية التي جاب فيها الوطن من أقصى شرقه وحتى أقصى غربه، زياراتٍ تفقدية إفتقدت طابع الفخامة الذي ميّز زياراته الرسمية إبان عصري الجفاف الأول والثاني.

لأن حكومة التكنوقراط التي وافق على تشكيلها اكتفت حينما أعلن رغبته في التجوال، بربط عربته الرئاسية في قطار السكة الحديد مع ساعٍ واحد لخدمته وحارس واحد، عندها تعرف للمرة الأولى على معاناة وطن الجفاف والمجاعة حينما شاهد من خلف زجاج مقطورته الرئاسية الآثار الأكثر دماراً لمخلفات موجة الجفاف الأسوأ التي تضرب الوطن خلال تاريخه.

شاهد آلاف القطعان النافقة وبقايا جثث الموتى الذين لم يجدوا حتى من يدفنهم، شاهد آثار المجاعة من خلف زجاج مقطورته الرئاسية في قطار كان يسير بسرعة سلحفاة، واستمع إلى لغط العامة يطبخون طعامهم فوق أسطح عربات القطار واستمع من الساعي لقصة المرأة التي وضعت مولوداً علي سطح هذا القطار وحينما إستجوبها أحد رجال الشرطة عن سبب ركوبها للقطار وهي حبلى، ردت بأنها حبلت بمولودها داخل القطار وفي نفس الرحلة !.

كاد رجال الأحزاب أن يسحبوا بساط السلطة من تحت قدميه لولا يقظة العقيد خليفة إبراهيم بركات، الذي بحث عنه السيد الرئيس من أقصى شرق الوطن حتى أقصى غربه، حتى عثر عليه في كرتالا مرتدياً جلباباً من الدمور وحول جسمه مسبحة من اللالوب طولها عشرون متراً، فقد كان على وشك أن ينصب كجوراً، فأعاده إلى الخدمة التي طرد منها في أول أيام الثورة، وأضطر أن يعيد على مسامعه بدهيات العمل العسكري التي تسربت من ذاكرته في رحلته الطويلة التي بدأها منذ اللحظة التي أَحيل فيها للمعاش، بحثاً عن والده الذي لم يره طوال حياته.

بحث عنه في سهول البطانة وفي حلفا القديمة، وفي أطلال مدينة سواكن حيث لا عزاء في قيظ يوليو سوى غناء جنيات الشاطئ المرجاني، وبحث عنه في حدود الكنغو رغم الحرب التي كانت دائرة بين الجيش الحكومي وثوار السمبا، وكان يستوقف الهاربين من نطاق وباء إيبولا ليطلب منهم أن يصفوا له والده، ليتأكد من أن صورته كانت تشبه الصورة المحفوظة في ذاكرته والتي يظهر فيها بلحيةٍ بيضاء طويلة تكاد تصل إلى الأرض، وبرأس أصلع ووجه نحيل جامد لا تتحرك فيه سوى عينان صغيرتان كأنهما ثقبين.

وفي النهاية عثر على قبره في كرتالا، اكتشف أن والده كان كجوراً، وأن قدره كان أن يرث امجاد هذا الميت الذي لم يره إلا في الحلم.

العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي كان يقرأ أفكار الناس جميعاً، وفي اللحظة التي تسلم عمله، وقبل أن يدخل الي غرفة مكتبه، قدم للسيد الرئيس تقريراً وافياً حول المؤامرة الدنيئة التي كان يدبرها رجال الأحزاب من أجل وراثة الحكم بسحب بساط السلطة من تحت أقدامه تدريجياً، وإقصاء صورته عن ذاكرة الوطن بردمها بنسيان متعمد، حتى أن أحداً لم يتذكره حينما ظهر في جهاز التلفزيون ليعلن قراره بنهاية عهد الفوضى.

كما أن المؤامرة استهدفت أيضاً التشكيك في مقدراته العقلية بالتركيز في نشرات الأخبار على إذاعة قرارات يصدرها بإقالة وزراء من الموتى ثم إعادة تعيينهم بقرارات مضادة في نفس اليوم، إضافة لنشر وثائق مزورة في صحف حزب الوطن الحائطية تثبت أنه يمتلك كل أسهم الشركات المسجلة بأسماء معاونيه والمعفاة من دفع الضرائب ورسوم الجمارك على منتجاتها المستوردة من الخارج، إضافةً لنشر وثيقة تثبت أن وزير مالية عصر الجفاف حاج الأمين حسن ساتي مارس عملياته المشبوهة بإتفاق مسبق معه لقاء خمسين في المائة من الأرباح توضع في حساب خاص في أحد البنوك السويسرية.

وضع العقيد خليفة إبراهيم بركات خطته المضادة التي إعتمدت المفاجأة كعنصر أساسي، فقد تم الهجوم المفاجئ على مباني حزب الوطن في الثانية صباحاً بينما كان رجال الأحزاب يغطون في النوم، بعد أن فرغوا من إعداد صحف اليوم التالي وعلقوها على الجدران وكان الوزراء الحزبيون قد وصلوا منازلهم في نفس الوقت بعد إجتماع مطول لمجلس الوزراء .

فصل جديد

وفي البداية لم يبد السيد المشير تجاوباً مع الصورة التي رسمها له مستقبلوه، فقد كان مسكوناً بهواجس البحث عن بيته، إلا أنه ومع تقدم الليل ومع تزايد وطأة المريسة على مقدرة ذاكرته ضبط إنسياب الذكريات، بدأ يحكي تفاصيل قصة حياته وبسبب الخلل الذي أصاب ذاكرته منذ اللحظة التي سمع فيها نبأ إختفاء الأميرة مينيساري التي تحولت إلى ريح، حتى أنه بات يعتمد ولعدة أشهر على لافتات شبيهة بتلك التي كان يستعملها البروفيسور عثمان محمد صالح وزير الرعاية الإجتماعية الراحل، يَعدها له العقيد خليفة إبراهيم بركات، وحينما يقرأها السيد الرئيس يتذكر ما إذا كان ذاهباً إلى دورة المياه أو إلى مكتبه للقاء السفير الإنجليزي.

بسبب آثار ذلك الخلل بدأ يحكي قصة حياته، دون أن يلتزم بترتيب زمني للأحزان، محاولاً تجنب ذكر الكوارث الوطنية في عهده الزاهر، فحكى قصة عمله لفترة وجيزة في صباه، كبحار على مركب إنجليزي بين موانئ القرن الإفريقي ومرفأ ليفربول.

وحكى تفاصيل لقاءه في لندن قبل سنوات بالدكتور مصطفى سعيد، في حانة معتمة في تشيلسي ووصف بدقة متناهية تقاطيع وجه فتاة إسمها جين مورس كانت برفقته، ولإثبات قوة ذاكرته بأدلة مادية، أخرج من جيبه عقداً مقدساً من خشب الصندل أهدته له في ميناء ممباسا فتاة من عشيرة الأباكاما المقدسة في غرب أفريقيا، بجانب حجاب واقٍ من الجروح، وصورة فوتغرافية يظهر فيها في أول أيام الإستبداد بالسلطة محاطاً بأصدقائه الموتى، وصورة أخرى يظهر فيها وهو يضع حجر الأساس لأحد المشروعات الوهمية في الوطن الذي عاد الهدوء يكتنفه بعد القضاء على مؤامرة الأحزاب ونهاية تجربة الديمقراطية الحائطية، التي وقف الوطن كله في فترتها في صفوف طويلة لقراءة الصحف الحائطية التي تصدرها المعارضة الحزبية وتعلقها في أروقة حزب الوطن، الذي صدر قرار بإعادة فتحه، فعاد إليه أعضاءه القدامى، بعد أن نفضوا عن أنفسهم غبار الإهمال.

وكتعبيرٍ أولي عن فرحتهم بعودتهم ذبحوا أمام الباب عجلاً ضخماً قبل أن يستأنفوا شجاراتهم القديمة على حصص السكر والوقود ومناصب السلك الدبلوماسي، وعادت القبضة الحديدية تمتد فوق الوطن كله بفضل العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي كان يكشف المؤامرات مقدماً بواسطة مسبحته التي يبلغ طولها عشرون متراً تحملها سيارة خاصة كل صباح إلى مكتبه وتعيدها إلى بيته في المساء، وكان يكشف الطالع للسيد الرئيس ويشرح له الأسباب الفلكية للنحس الذي لازمه إبان عصر الجفاف الأول، وكان السيد الرئيس يرشح بضعة أسماء لشغل المناصب الوزارية ويسحب العقيد خليفة إبراهيم بركات مسبحته ويختار أحد الأسماء.

فجاء الأمين خير السيد لوزارة المالية، جاء لا يحمل برنامجاً معيناً سوى أنه كان يتأبط زجاجة ويسكي، وقام بأداء القسم فيما اليد الأخرى تقبض بقوة على زجاجة الويسكي، وقال ضاحكاً حينما أشار السيد الرئيس إلى الزجاجة التي كان يتشبث بها مثل غريق، قال : لا يمكن لكائن من يكون أن يواجه أزمات هذا الوطن، بوعيٍ كامل، دون أن يسقط ميتاً من فرط الحزن !.

ومنذ لحظة إستلامه لعمله بدأت التقارير تنهمر :

قبل دمعقولة بسه إلى مكتبه طلب كوباً من القهوة بدون سكر سيدي الرئيس طلبها وقال ضاحكاً : حتى نرى أمامنا، وكان يترنح سيدي الرئيس حتى إننا إضطررنا لمساعدته حتى لايسقط أرضاً رغم أنه كان يشتمنا طوال الوقت ويقول لنا: أنتم مجموعة من اللصوص المحترفين!، وحينما قدمنا له محفظته التي سقطت منه أثناء ترنحه أصر على أن يحصي النقود عدة مرات ليتأكد من أننا لم نسرق منها شيئاً ثم ضحك وأعادها إلى جيبه بصعوبة وهو يقول تذكرت أنكم لا تكترثون لمثل هذه المبالغ الصغيرة .. لأنكم معتادون على الضربات الكبيرة!.

وكان يغني سيدي الرئيس تماماً مثل الوزير السابق الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين، ولكن الفرق أن الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين كان يغني وهو يعمل بينما الأمين خير السيد كان يغني ولا يعمل، كان يقوم بالتوقيع علىكل الأوراق التي تظهر أمامه، وبسبب كثرة إحتجاجات سكرتيره من عدم تطابق توقيعاته كل مرة أصبح يكتفي بأن يبصم على كل الاوراق التي تظهر أمامه وغالباً ما كان يترك يده أمامه حتى يتسنى لكل من يجده نائماً إستخدام أصابعه للبصم على الأوراق دون الحاجة لإيقاظه من النوم!. وحتى مندوب صندوق النقد الدولي، الذي زاره بميعاد محدد سلفاً، وجده مخموراً ولم يبذل هو أية مجهود لإستقبال الزائر الكبير سوى أنه مد يده معتقداً أنه شخص يريد الحصول على بصمته في طلبٍ ما‍ !.

 

وأضطررنا من أجل تلافي فضيحة دولية إلى أخذه للحمام وتركناه بعد أن جردناه من الثياب تحت دش الماء البارد لعدة دقائق قبل أن يستعيد وعيه، ويبدأ مفاوضاته مع مندوب الصندوق، ورغم أنه كان مخموراً طوال الوقت إلا أننا اكتشفنا أنه يمتلك معلومات موسوعية عن المصاعب التي يعاني منها إقتصادنا الوطني.

يبتسم لا مبالياً وهو يستمع إلى تفاصيل هذه الفضائح الصباحية المخففة حتى تصله الأنباء الأسوأ: سيدي الرئيس عمال السكة الحديد الذين كانوا قد عادوا إلى العمل بعد إضراب استمر أكثر من عشرة أعوام، عادوا مرةً أخرى للإضراب، أصدر أمراً بتنفيذ نصيحة العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي أوصى بأن يطلب من العمال تكوين وفد للحضور للعاصمة للتفاوض مع السلطة، شاعراً بتزايد فراغ روحه، رغم المهرجانات الفنية التي كان ينظمها الأخ وزير الثقافة ويمولها دون تردد الأخ وزير المالية، شعر بتزايد فراغ روحه، حتى أنه عاد لإرتداء ملابسه التنكرية، لا ليطمئن على أحوال الوطن، بل بحثاً عن أصول لفراغ روحه.

عبر شارع النيل، فشاهد عشاق الساعة السابعة والنصف يجلسون على ظلال أشجار اللبخ، نفس العشاق الذين طردهم العقيد مصطفى سراج الدين ذات يوم من الوطن، عادوا يواصلون الحب، يتناولون كلمات العشق كغذاء روحي هو الغذاء الوحيد الذي يمكن الحصول عليه في الوطن دون الحاجة لبطاقة تموين.

عادوا يواصلون الحب مستخدمين نفس أبيات الشعر المرتجل الردئ الذي يفضح عدم الرغبة في تقديم أية تضحيات عدا هذه التنازلات الرمزية، وشاهد أعداد الشحاذين الهائلة في السوق العربي حتى استحال عليه المرور، ملاحظاً أن أعدادهم تضاعفت عدة مرات برغم الرخاء المعلن، فأجرى تحقيقاً سرياً عرف من خلاله أن معظم نازحي الشوارع الذين امتلأت بهم العاصمة جاءوا من غرب الوطن.

إقتحم مكتب الأخ وزير المالية، وجد الأمين خير السيد نائماً فوق مكتبه وقد سال عرقه الكثيف فوق تقارير إنهيار إقتصاد الوطن، أفرغ فوق رأسه جردلاً من الماء، فاستيقظ مذعوراً، حدق في السيد الرئيس الجاثم أمامه، قبل أن يعود للنوم مرةً أخرى فأيقظته لكمة قوية طرحته أرضاً، قال دون أن يكلف نفسه مشقة الوقوف:

نعم توجد مجاعة في غرب الوطن أخفاها عنك معاونوك. فاستهل رحلةً لتفقد الكارثة، شاهد جثث الموتى تغطي الوطن كله فعرف أنه لم يعد ممكناً إعلان الكارثة دون إصابة سمعة النظام عالمياً، في وقت كانت تشن فيه منظمات حقوق الإنسان في الخارج حملات ضارية ضد نظامه، فأصدر أمراً بإغلاق جراح الوطن المتعفنة.

واصل رحلته التفقدية نحو جنوب الوطن وشهد هناك إحتفالات عيد الوحدة للمرة الأولى منذ إختفاء الأميرة مينيساري التي تحولت إلى ريح، فشاهد بقية آثار رخاء أخير في نطاق الأبقار المصابة بمرض الجفار التي كانت تعبر في مغيب نهر السوباط خارج نطاق وباء مرض النوم الذي ضرب النطاق الإستوائي البعيد للوطن، شاهد الخراب في مشروعات التنمية، ودون وعي وجد خواطره تنساق نحو نبوءة إحتمال تجدد الحرب الأهلية التي لم تندمل جراحها بعد، حاول طرد الخاطرة الغريبة من أفكاره، لكنه عاد يلمحها تطل ببطء مع مظاهر الخراب من حوله، وفي منظر المواطنين الطيبين الذين جلسوا أمام أكواخهم في طرقات السافنا، في إنتظار الخريف.

كانت الأمطار تهطل في كل مكان عدا الوطن، حتى أن الفاصل المداري كان يمتد بمحاذاة حدود الوطن، وفي العاصمة إنفجرت مظاهرات الخبز والكهرباء التي انقطعت عن الوطن تماماً بسبب تدني منسوب النيل الأزرق ولدى عودته للعاصمة، وجد كل شئ محطماً، العربات والمتاجر وحتى الأشجار، بحث عن ضحية من حوله، يقدمها قرباناً في محراب هذه الفوضى فلم يجد غير وزير ماليته المخمور .

وجده نائماً فوق تقارير الجفاف الذي ضرب الوطن من أقصى جنوبه وحتى أقصى شماله، حتى أشجار العشر جفت،حتى أشجار السلم في صحراء الشمال البعيدة، وجده نائماً وأسفل مكتبه بركةً من البول الذي كان لا يزال يتساقط من سرواله، فأصدر قراراً بتحميله مسئولية الإنهيار، وأنه ظل طوال عدة أشهر منذ تعيينه وزيراً للمالية لا يفعل شيئاً سوى تعاطي الخمر، وأنه لم يستعد وعيه ولا للحظة واحدة منذ تعيينه وحتى إقالته، وأنه لم يفتح حتى واحداً من ملفات الإنهيار الإقتصادي المتراكمة في مكتبه لأنه دخل مكتبه مخموراً وخرج منه مخموراً.

إستدعى العقيد خليفة إبراهيم بركات، فدلف في جبة شيخ وخلفه رجلان يحملان مسبحة اللالوب، أصدر أمره دون حتى أن يصافحه : أريد مطراً، طلب العقيد خليفة إبراهيم بركات إمهاله ثلاثة أيام، لكن السيد الرئيس أنهى المناقشة بكلمتين: يوما واحدا.

أصدر العقيد خليفة إبراهيم بركات أمراً سرياً لرجاله بإستخدام الذخيرة الحية لتفريق المظاهرات التي إندلعت في الوطن كله، لحين هطول المطر، وفي صباح اليوم التالي سقط عشرات القتلى لكن المظاهرات لم تتوقف، وفي منتصف النهار بدأت تتكون فجأةً سحب سوداء فوق سماء العاصمة ثم بدأت الأمطار تهطل مصحوبةً بعواصف ترابية، أمطارُ هائلة حتى أن العاصفة الإستوائية الترابية جرفت العربات في الشوارع، واضطر المتظاهرون للتفرق.

أمطارُ هائلة استمرت لمدة أسبوع كامل حتى أن السيد الرئيس أَحتجز داخل القصر الجمهوري فقرأ بسبب السأم كل ملفات الإنهيار الإقتصادي من أيام المرحوم العقيد محمد النور عبد الهادي، وحاول أن يشغل نفسه بالعناية بالنباتات الظلية التي غرستها الدكتورة صفاء في الزمن الغابر، الدكتورة صفاء عثمان محمد صالح التي نزعها من ذاكرته بقرار جمهوري، حتى أنه لم يتعرف عليها حينما شاهد صورتها مع والدها المعلقة في مكتب وزير الرعاية الإجتماعية .

كانت الصورة هي الشئ الوحيد الظاهر للعيان، في القسم المغطى كله بالتراب وأنسجة العنكبوت، واكتشف في أدراج المكاتب أوراقاً مكتوب عليها بخط يشبه خط الأطفال: أنا ذاهبُ لدورة المياه، أو أنا ذاهبُ لشراء زجاجة كولونيا من سوق سعد قشرة، وقرأ لافتة أخرى كَتب عليها: الرجاء إعادتي إلى البيت إذا كانت الساعة قد تجاوزت السابعة مساءً، فحاول أن يشغل نفسه بالتنقيب في مخلفات النسيان.

فتفحص مئات الأعداد القديمة من الصحيفة الرسمية وتتبع بنفسه خلل التصريحات والتصريحات المضادة، واكتشف أنه حتى أكاذيب الماضي لها آثار معاصرة، حينما شعر بإرتياح شديد وهو يقرأ الخطط التي لم تنفذ والتي وضعت لتحقيق الإنتعاش الإقتصادي بتوسعة زراعة القمح لتحقيق الإكتفاء الذاتي من هذه السلعة الإستراتيجية، واستخراج البترول لتصديره وتقليل تكلفة الزراعة في الوطن، ولمحاولة جذب أموال الإستثمار الأجنبي بسن قوانين تشجع المستثمرين الأجانب على إقتحام سوق الإستثمار الوطني.

تستغرقه رفاهية أحلام الماضي فلا يفيق منها إلا على أصوات رجال أمنه:سيدي الرئيس الأمطار على وشك أن تمسح العاصمة كلها من على وجه الوطن، يشعر ببعض الإرتياح للكارثة البديلة وهو يرقب من خلف زجاج مكتبه مواسير السماء المفتوحة فوق رأس الوطن، حينما اقتحم عليه المكان اللواء الزبير سليمان، صديق طفولته، والرجل الذي أنقذ حياته مرتين أيام الحرب الأهلية الأولى حينما كان على وشك ان يسقط في كمين لمتمردي الأنانيا.

قال اللواء الزبير وكان يرتجف من شدة الغضب، وكان جسمه كله مبتلاً من شعره وحتى أخمص قدميه، وكان حافياً ويحمل في يديه حذائه العسكري الملطخ بالوحل: لست هنا لأذكرك بمخازيك سيدي الرئيس بل لأحذرك من مغبة الطريق الذي تسير فيه، والذي لم يصل شخص سلكه منذ بداية الخليقة، نصف نساء الوطن رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ والنصف الآخر ثكالى، والوطن تحول إلى مقبرةٍ جماعية، ومن لم يمت بالتعذيب في معتقلات أمنك، مات رمياً بالرصاص أو بسبب المجاعة التي تصر على إنكارها حتى أطبقت على الوطن كله.

والمشكلة أنك تعتقد سيدي الرئيس أن بالأمكان خداع كل الناس كل الوقت، بينما الجميع يعلمون كل شئ، حتى أطفال المدارس الذين أقنعتهم من خلال المقررات المدرسية أن الأحزاب شر مستطير وأنهم سبب كل مصائب الوطن، وفجأةً فتحت لهم أبواب حزب الوطن، وأعطيتهم بضعة وزارات، وانكفأت لا على جراحات الوطن كما إعتقدنا، بل على جراحاتك، تحاول وأنت تخطو نحو متاهة الشيخوخة، وبعد إنتهاء الوقت الأصلي، أن تعلم قلبك الحب في الوقت بدل الضائع، رغم أنه لم يعتد على عاطفة سوى الصد.

ورغم أنك حينما تنازلت قليلاً للأحزاب مرت نسمة رخاء على الوطن، كانت النسمة الأولى التي تعبر منذ حوالي قرن، إلا أنك لم تلبث أن إنقلبت عليهم وحملتهم مسئولية فساد معاونيك وأخطاء نزواتك الرسمية سيدي الرئيس، كأنهم هم الذين أخفوا الدكتورة صفاء عثمان محمد صالح، كأنهم هم الذين أقنعوا الأميرة مينيساري بأن تتحول إلى ريح.

والوطن كله يعلم بأنك لم تحرم شرب الخمر بوحي قرار إلهي، كما أعلنت في حديث الصراحة الشهري، لأن أحد الأولياء رآك في الحلم متوجاً بنفس مراسيم تتويج ملوك سنار وأنك ظهرت جالساً على الككر فيما اصطف حولك أربعون من أولياء الله الصالحين، ولكن لأسباب صحية يسندها حقدُ رسمي، لأن الأطباء منعوك من تعاطي الخمر بسبب بدء تليف كبدك!.

والجميع يعلمون سخف دعاوي أجهزة إعلامك بأن حملة الإعلام الغربي ضد الوطن هي مَجرد حملة ضد التوجهات الرشيدة للثورة، لأن الوطن لم يدخل دائرة إهتمام وكالات الأنباء الغربية إلا لأنه الوطن الوحيد الذي عَرض للبيع بالتقسيط المريح، وأن التعزيزات العسكرية التي أرسلت إلى المديرية الإستوائية لم تكن من أجل القضاء على وباء دودة الفرنديد كما أشارت أجهزة الإعلام، بل من أجل القضاء على التمرد الناشئ الذي بدأ في الظهور منذ صدور قرارك الجمهوري رغم واحد بتقسيم جنوب الوطن إلى خمسة أقاليم، بمحاولة إجبار المتمردين على التراجع نحو نطاق وباء إيبولا في الكونقو.

ولا تحاول خداع نفسك سيدي الرئيس بالرقص بثوبٍ من ريش النعام مع دينكا بور تحت أشجار الباباي، أو الغناء مع الشلك في إحتفالات تتويج رث الشلك:

أجاك أقرع الطبل قرعاً ليدوي .. على أرواح جدودنا..

وتشارك الرث طعامه، تأكل معه المنجاكيلو، فيما أنت تشارك في تلك الإحتفالات لا لأسباب وطنية كما أعلنت، بل إنجراراً وراء أحقاد القلب، لأنه في الوقت الذي كنت تغني فيه : أجاك أقرع الطبل قرعاً ليدوي .. كان رجال أمنك ينقبون كل كوخ وكل أجمة أشجار وكل لواك للبقر، وحقول عيش الأقونو، وحتى قبة الملك المقدس نيكانج قاموا بتفتيشها بحثاً عن الأميرة مينيساري.

دون أن تشعر وجدت سعاد بت خير الله نفسها جالسة داخل أجمة نبات العلق أمام بيت الزين ود حاج النور، ترقب صخب الإحتفال بقاتل زوجها، دون أن تعرف كيف وصلت إلى هذا المكان منذ اللحظة التي وضعت فيها مسدس زوجها في صدرها، فلم يتسن لها أن تلاحظ إشارات الفجر الوليد تتفتح من حولها في عتمة رطوبة الليل التي قطعتها وسط حقول الذرة، والورود الحمراء والبيضاء المجهولة التي كانت تتفتح من حولها، لم تلاحظ أن تلك لم تكن سوى أول الإشارات لإنحسار عصر الجفاف الذي صاحب أمجاده، وأن الرجل الهرم الضخم الجثة الذي رأت أهل القرية يدفعونه دفعاً ليشارك في الإحتفال المتأخر لم يكن سوى حطام إنسان غير مسئول ليس فقط عن تصرفاته السابقة بل حتى عن تصرفاته في اللحظة الحاضرة .

كان انتباهها كله مركزاً فيه فلم تجفل حتى حينما سقط شئ ما فوقها من خلف أشجار المسكيت، حتى انتبهت فجأةً إلى صوت يناديها، فنظرت خلفها للمرة الأولى منذ أن علمت بأن قاتل زوجها موجودٌ في القرية، فرأت فاطمة بت الزين والأرملة دار المقام تجلسان خلفها وقد اتخذتا نفس وضع الحقد .

تفاهمن بسرعة دون كلام، وشعرن بأنهن استطعن رؤية عدوهن المشترك بصورة أفضل من خلال نظرةٍ ثلاثية خارقة جردته حتى من ملابسه، فلاحظن دون أسى جراح قلبه الثلاثة واكتشفن أنها كانت لا تزال تنزف رغم مضي الزمان .

شاهدن آثار الجراح الغائرة في ظهره إثر إصابته في الحرب الأهلية الأولى، وشاهدن حتى شريط الذكريات الذي عبر في تلك اللحظة في لاوعي ذاكرته، وظهر فيه وهو جالسٌ في بهو القصر الجمهوري في أوج سلطة مطرية يستمع إلىتقارير رجال أمنه : سيدي الرئيس توقفت الأمطار بعد أن أعادت تشكيل خريطة العاصمة، وقد كونا لجنة قومية لمواجهة الكارثة، لأن مئات الألوف باتوا في العراء.

يداعب حبات مسبحته وهو يستمع إلى العقيد خليفة إبراهيم بركات: أشعر بقلقٍ غامض سيدي الرئيس، فالأمطار الكثيفة عطلت قدرتي على التنبؤ بالمؤامرات، لكنني أشعر بقلق شديد، لذلك أمرت برفع درجة الإستعداد بين أفراد قوات الأمن، والتمس أن يتخذ سيادتكم قراراً مماثلاً بوصفكم القائد الأعلى للقوات المسلحة، لرفع درجة الإستعداد في صفوف القوات المسلحة.

تجاهل السيد الرئيس الطلب وقال مازحاً وهو يحدق في أرقام ضحايا امطار تهدئة المظاهرات: لن يجازف أحد بمحاولة الأستيلاء على السلطة، لأن ذلك لن يكون سوى استيلاء على الكارثة.

تناولا إفطاراً خفيفاً في القصر الجمهوري، فيما العقيد خليفة إبراهيم بركات يتابع على الهاتف إستعدادات جهاز أمنه فيما السيد الرئيس يردد : لا أحد يجرؤ على الإستيلاء على السلطة في وطن مسحته الأمطار من الوجود، وبعد قليل غفا السيد الرئيس وهو جالسٌ على مقعده دون أن يمس كوب الشاي الموضوع أمامه وسمع العقيد خليفة إبراهيم بركات هدير طائرة هيليوكوبتر فعلم أنهم رجاله، فخف قلقه قليلاً، وأجرى إتصالاً لإعداد طائرة هليوكوبتر ليطوف بها السيد الرئيس فوق العاصمة التي دمرتها الأمطار العاصفة، ثم جلس في مواجهة السيد الرئيس وأغفى وعينيه مفتوحتين حتى أنه كان يشاهد السيد الرئيس جالساً أمامه وهو نائم.

وفجأةً أيقظته طلقات الرصاص، قام بإيقاظ السيد الرئيس برفق وانسحبا إلى غرفةٍ تحت الأرض أجرى من داخلها العقيد خليفة إبراهيم بركات إتصالاً لتقدير الموقف، فعرف أن قائد المحاولة كان اللواء الزبير سليمان شيخ الدين، قائد سلاح المهندسين السابق، وتلقى تقريراً أولياً مطمئناً أن الإنقلاب رغم قوته كان محدوداً، لأن رجال أمنه نجحوا في قطع خطوط الإتصال بين الوحدات العسكرية قبل بدء المحاولة بعدة ساعات مما أدى لنشؤ إرتباك تنسيقي بين الإنقلابيين.

ورغم ذلك فإن المحاولة كانت بالغة الخطورة، فقد استولى الإنقلابيون على القيادة العامة للقوات المسلحة بسهولة.

استرخى السيد الرئيس في مقعده وغرق في صفحات الصحيفة الرسمية فيما كان العقيد خليفة إبراهيم بركات يتابع الموقف عبر الهاتف فعرف أن قواته تستخدم المدافع المضادة للدبابات في الشوارع لمواجهة دبابات الإنقلابيين التي تحاول الخروج من القيادة العامة فيما جرى تأمين الوطن كله.

بعد القضاء على المحاولة الإنقلابية وبعد أن تأكد من أن آخر أعدائه قد إنتقلوا إلى الدار الآخرة، شعر بتحسن طفيف في مزاجه رغم أنه عانى لعدة أشهر شعوراً خفياً بالذنب بسبب إعدامه للواء الزبير سليمان شيخ الدين، الذي أنقذ حياته مرتين.

يشعر بأنه عاد يترهل بأوهامه في محيط رتابة يومية لا تقطعها سوى الرتابة المفتعلة للتقرير اليومي الذي يقدمه رجال أمنه فيستمع لهم محاولاً دون جدوى أن يجد في حديثهم مخرجاً من وحل كآبته:

سيدي الرئيس الأمن مستتب في الوطن كله، والمظاهرات توقفت ولم يبق من آثارها سوى إطارات العربات المحترقة التي أطفأت الأمطار الغزيرة نيرانها، وأكوام الحجارة التي قذفها المتظاهرون على رجال الأمن في ميدان أبوجنزير وبعض الشعارات الباهتة المكتوبة على جدران بعض الشوارع الجانبية والتي يكتبها صبية حزب البعث سراً، والتي لم تفلح أمطار الخامس من يوليو الكارثية في محوها.

والخبز متوافرُ في الأسواق ومخازن الوطن عادت لتمتلئ بمواد الإغاثة التي وصلتنا من الخارج، فقط هناك مشكلة واحدة طرأت سيدي الرئيس، ويرخي أذنيه لإحتمال إنفجار قنبلة تطيح بإستقرار مستنقع كآبته : الحرب الأهلية إندلعت في جنوب الوطن مرة أخرى سيدي الرئيس.

فيشعر بوطأة بداية الحريق، تحرق حتى قلبه، يشعر بوطأة فراغ روحه، فيما الجرافات تعيد تسوية الوطن، وعربات الدفاع المدني تسحب المياه الراكدة من الشوارع وترفع أنقاض المنازل المتهدمة، بحثاً عن الموتى المفقودين، وأطفال المدارس يعبرون في ملابسهم الزرقاء في قيظ سبتمبر، فيشعر بوطأة فراغ القلب، فيما كانت الحياة الطبيعية تعود بإيقاعٍ بطئ إلى أرجاء الوطن، وأسراب طائر النعام التي هربت من حدود الوطن إثر أمطار الخامس من يوليو الكارثية، بدأت في العودة، وتشكيلات طائر الرهو بدأت في الظهور في سماء الوطن، فيعرف المزارعون حلول شهر توت الذي يعقب شهر مسرى ذروة فيضان نهر النيل.

يشعر بوطأة فراغ روحه، رغم بدء إنتظام إيقاع الحياة الذي لم يكن محتاجاً لينبض بإنتظام إلا إلى كارثة من نوع الخامس من يوليو : أمطارُ تهطل ضمن حدود الوطن دون هوادة لمدة شهرٍ كامل، وقاد جولةً لتفقد آثار الكارثة، فشاهد رهق الصبر في وجوه النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى هرعن لإستقبال السلطة.

رأى طقوس الإنتظار على أرصفة الصبر تبدو وكأنها تمضي دون هدف، دون سند في الذاكرة، وأن أياً من هؤلاء النسوة اللائى اهترأت في أجسادهن ملابس الحداد لن تستطيع ولا حتى وصف ملامح الشخص الذي أفنت عمرها في إنتظاره، فهمس بتشاؤم في أذن العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي رافقه في الرحلة التفقدية : الحرب الأهلية تجددت دون أن نعلم مصير مفقودي الحرب الأهلية الأولى في وقت أصبحنا نجهل فيه حتى مصيرنا.

شاهد الزحف الصحراوي يغرق جدران المنازل، وشاهد الأحياء يزحفون في شوارع ضوء الشمس المحرقة بملابس الموتى، وشاهد قضبان آخر قطار عبر صحراء الوطن، ناقلاً جنود اللورد كتشنر أواخر القرن التاسع عشر، وشاهد أحجار الأساس لمشروعات التنمية المنسية وقد طمرتها رمال الزحف الصحراوي، ولم تبق لأحد ولا حتى الرغبة في تنظيف هذه الأحجار التذكارية التي يصعب تحديد العصر الذي شيدت فيه إعتماداً على الكلمات المكتوبة عليها والتي محيت بفعل عوامل التعرية.

إنتهى إلى القول فيما كان العقيد خليفة إبراهيم بركات يسحب قرعة إختيار وزير المالية الجديد بعد عودتهما إلى العاصمة: نحن نتعفن فيما الوطن كله يحتضر من الجفاف.

لأن أمطار الخامس من يوليو المفزعة التي دمرت الوطن، لم تهطل إلا داخل حدود العاصمة، فعبر زجاج مقطورته الرئاسية شاهد المراعي المقفرة في سهول غرب الوطن، شاهد البيوت المقفرة من سكانها، والهياكل العظمية التي لا تحصى لقطعان الماشية التي نفقت، وفي سماء جنوب الوطن شاهد أسراباً من صقر الجديان تحوم عالياً بحثاً عن فرائس.

وهو يستمع إلى تقرير حول تجدد الحرب الأهلية التي : بدأت بتمرد محدود سيدي الرئيس، لكنه مرشحُ للإنتشار، خاصةً وأن معظم المتمردين فروا من الوطن وتمركزوا في غابات الدول المجاورة، فأمر بإغلاق الوطن، لا أحد يدخل، لا أحد يخرج، فأحضروا له في اليوم التالي عشرة مفاتيح وأعلنوا : أغلقنا حدود الوطن كلها سيدي الرئيس، لا تستطيع ولا حتى نملة عبور حائط الأسلاك الشائكة، فاطمئن قلبه قليلاً ووضع المفاتيح في جيبه واستقل الطائرة عائداً للعاصمة.

في اليوم التالي إستقبل وزير المالية الجديد في مكتبه عقب أدائه القسم، ليسلمه مثلما يحدث عند كل تعيين وزير جديد، مستندات الإنهيار الإقتصادي والملف السري للمجاعة، إستقبل الدكتور الطيب محمد عثمان : أكاديمي مهذب، جلس يستمع للسيد الرئيس دون أن تصدر عنه أية كلمة أو حركة سوى أنه كان يمد يده بين الفينة والأخرى ليثبت بها النظارة الطبية على وجهه.

تأمل الدكتور الطيب محمد عثمان أرقام الكوارث أمامه بإهتمام، وحينما تحدث أخيراً، طلب تفويضاً يمكنه من محاربة الفساد، ثم وضع الملفات التي سلمها له السيد الرئيس في حقيبته واستأذن خارجا ، وفور تسلمه للعمل بدأت التقارير ترد عنه للسيد الرئيس: بدأ عمله في الوزارة سيدي الرئيس بقراءة الفاتحة على روح العقيد محمد النور عبد الهادي، كما قرأ الفاتحة للمرة الثانية على روح العقيد الفاضل محمد عبد الكريم الذي لا زالت آثار صوت الطلقة التي أردته قتيلاً على سلالم القصر الجمهوري، تتردد ليس فقط في أرجاء القصر بل في أرجاء الوطن، حتى بعد أن غرق الوطن.

وشاهدناه يبكي سيدي الرئيس ولم نستطع أن نميز إن كان يبكي على العقيد محمد النور عبد الهادي أم على العقيد الفاضل محمد عبد الكريم، أم على الوطن سيدي الرئيس لأنه استمر في البكاء بعد أن جلس على مقعده يقرأ ملفات الإنهيار الإقتصادي والتقارير المتراكمة حول الديون الوطنية التي تضخمت حتى لم يعد أحد يجرؤ على محاولة حسابها، وتقارير إضراب عمال السكة الحديد الذي استمر خمسة عشر عاماً ولم يتوقف إلا في الفترة التي هبت فيها على الوطن نسمة حرية أيام فتح حزب الوطن للأحزاب لتمارس من داخله سلطةً حائطية للفضائح.

واستمر يبكي سيدي الرئيس وهو يقرأ ملف المجاعة، حتى تكونت بركة صغيرة من الدموع أسفل مكتبه، لكنه توقف فجأةً عن البكاء وجفف دموعه واستهل طوافاً على أقسام الوزارة واجتمع مع كل موظفي وزارته، وبقي حتى منتصف الليل في مكتبه يضع الخطط من أجل إصلاح الإقتصاد مع مجموعة من المستشارين الذين إختارهم بنفسه من كلية الإقتصاد.

فصل جديد

وفي الليلة التالية، وبعد أن مرّ بنفس مراحل إستقبال الليلة الأولى، اعترف بأنه عمل أثناء الحرب الأهلية الأولى مهرباً للسلاح، وأنه باع السلاح لثوار السمبا أنصار الزعيم باتريس لوممبا، كما باع السلاح في نفس الوقت لحكومة الكونغو، وفي البداية شعر رجال القرية بالذهول أمام ذكريات هذا النضال التجاري، ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء تمحيص هذه الذكريات لإستبعاد الذكريات التالفة، اعتبروها مجرد أمجاد إضافية مكملة لمجده الأصلي، دون حتى أن يلاحظوا أنه عاد ليس فقط دون أمجاد، ولكن أيضاً دون حنين يبرر عودته إلى بيتٍ غادره وهو طفل صغير .

إكتشفوا من مقاطع تفاصيل ذكرياته، أنه لم يعد إلى مسقط رأسه بسبب دوافع إنسانية، بل بسبب الصدفة المحضة، وكشف عن ذاكرة دمرتها أعاصير النسيان لامكان فيها ولا حتى لأسوأ ومضات الوجدان، لأنه ومنذ زمان لم يكن قادراً على تحديد بداياته، ولم تبق منه في الذاكرة سوى صور مبهمة لعجوز يضع لافتات يوضح فيها إتجاه رغباته، وبقايا صور مبهمة لأميرةٍ إستوائية، تعبق بعطر السافنا، رآها في الحلم قبل أن يراها في الواقع، وهي متوجة على عرش أسطوري ملكةً لجمال أشجار الأبنوس، قبل أن تتحول إلى ريح وتختفي تماماً مثل جدها الملك المقدس .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان