• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل العاشر) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

الفصل العاشر

 

يحكي أنه انتزع فخذ دجاجة من فم أحد رجال الأعمال أثناء مأدبة رسمية قائلاً له بجدية:هل تعطينا ثمن القطن بالشمال لتستعيده باليمين!وكان يعلن دائماً أن المعدة غير مهيأة وظيفياً من أجل هضم اللحم الذي ينحيه جانباً كلما جلس ليتناول الطعام أثناء اجتماعات مجلس الوزراء والحفلات الرسمية ويعلق قائلاً: هذا طعام الحيوانات المفترسة!، وكان يوصي دائماً بشرب الماء قبل وأثناء الأكل لكبح جماح الشهية.

للمرة الأولى منذ وفاة الدكتور عز الدين الزين وزير المالية الراحل، استعاد رغبته الأزلية في العراك مع اكتسابه لعادة أخرى أكثر هدوءاً: النوم أثناء اجتماعات مجلس الوزراء، العادة التي بذرها فيه حاج الأمين حسن ساتي وزير المالية الأسبق الذي باع الوطن بالتقسيط المريح ولم يترك خلفه شيئاً بعد هروبه سوى عشرة جوالات مليئة بالنقود المزورة، كان ينوي بها رشوة عمال السكة الحديد المضربين.

استيقظ في اللحظة التي كان يتأهب فيها الوزراء لمغادرة المكان، بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء، نظر حواليه بحقد وانهال بلكماته الصاعقة عليهم، بدأ بوزير المالية الجديد الدكتور عبد المجيد عبد الرحمن فأطاح به أرضاً، ثم غادر المكان، وفي المساء تلقى التقرير الأسوأ من العقيد مصطفى سراج الدين :

سيدي الرئيس، الأمن مستتب، لكن الفاصل المداري تراجع، بعد أمطار يوم الثلاثاء الرابع من مايو والتي اعتقدنا أنها مقدمة لخريف مبشر هذا العام، لكنها لم تخلف شيئاً سوى مستنقعات البعوض فانتشرت الملاريا في الوطن بصورة وبائية، وانتشرت الأوبئة في كل مكان، حتى الأبقار أصيبت بالالتهاب الرئوي البلوري والحمى الفحمية، والحمير والخيول أصيبت بمرض النجمة، والكلاب والثعالب والقطط أصيبت بداء الكلب، والدواجن أصيبت بمرض النيوكاسل، وتشكيلات الجراد قضت على الكميات القليلة التي نمت من محصول الذرة.

شعر بنفسه واقعاً في مصيدة لا فكاك منها، بحث حوله عن شخص يصلح ليلعب دور متآمر، ليفرغ فيه شحنة غضبه، فلم يعثر إلا على الأخ وزير الصحة الذي ساقه حظه السيئ للقاء السيد الرئيس في ساعة نحسه، واجهه والغضب يتطاير من عينيه:

الوطن كله مريض وأنت الوحيد الذي لا يشكو شيئاً، ما الذي تسرقه حتى انتفخ جسمك مثل العجل، ذهل الدكتور الفاتح عبد الرحيم من ضراوة الاستقبال وتراجع على أعقابه حتى غادر المكان وفي نشرة الساعة الثالثة سمع نبأ إقالته .

أصدر أمراً جمهورياً بأن يتولى هو شخصياً وزارة الصحة، وبدأ عمله بتفقد مرضى الملاريا، وساهم بنفسه في توزيع حبوب عقار الكلوروكوين على المواطنين في الشوارع، عشر حبات للوقاية من الملاريا، بمعدل حبتين كل يوم لمدة خمسة أيام. وشارك مع الأطباء البيطريين في تطعيم الأبقار ضد مرض الالتهاب الرئوي البلوري وتطعيم الدواجن ضد مرض النيوكاسل وحقن الدجاجات المريضة بزهري الطيور بالزرنيخ وقاد بنفسه حملةً قومية للقضاء على الكلاب المسعورة على امتداد الوطن.

وبعد أسابيع من العمل الشاق بدأت الأحوال تتحسن وبدأت الأوبئة تنحسر، استمع بأعصاب هادئة إلى تقارير رجال أمنه: وتحسن موقف الخريف سيدي الرئيس، والجراد طاردناه بطائرات الرش حتى غادر حدود الوطن!.

كانت الأخبار طيبة حتى اعتقد أنهم سيكملون: وعثرنا على الدكتورة صفاء وزيرة الرعاية الاجتماعية وهي على وشك أن تغادر الوطن على ظهر سنبوك من مرفأ خليج فلامنقو على ساحل البحر الأحمر متجهةً إلى الأراضي المقدسة.

لكن أحداً لم يجرؤ على ذكر اسمها، لا خوفاً من إثارة غضبه، بل أشواقه، ورغم شعوره بتحسن موقف فراغ ذاكرته، وأنه لم يعد يجد مصاعب تذكر في التعرف على أسماء معاونيه، وعلى أماكن أشيائه الشخصية التي يحفظها في مكان ما ثم ينساها، إلا أنه لاحظ وجود مخطط مواز لإفراغ ذاكرته، كان يدبر بهدوء من حوله، لاحظ أن مقعد وزيرة الرعاية الاجتماعية الشاغر قد سحب من اجتماعات مجلس الوزراء وجلس مكانها وزير الخارجية الأنيق تفوح منه رائحة عطر أراميس، وحتى صوت الطلق الناري الذي دوى في القصر وأردى المرحوم الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية الأسبق قتيلاً، بدأ صوته يتلاشى في دوامة هائلة من ضوضاء غناء عصافير بدا له مفتعلاً، مفتقداً للتناغم الموسمي الطبيعي، وشاهد حتى لافتات التأييد التي يحملها المنافقون للترحيب به لدى دمعقولة بسه إلى حزب الوطن بيضاء دون أي كتابة عليها، ولاحظ أنه يلتقي أثناء اجتماعاته التي يرتبها القصر مع ممثلي النقابات والفعاليات الشعبية، لاحظ أنه يلتقي أشخاصاً باهتي الوجوه، دون هوية، يصعب تذكرهم مرةً أخرى حتى أثناء وجودهم، حتى أنه شعر بعد بضعة اجتماعات أنه عاد يكتسب مقدرة عدم التمييز بين الناس، لأن سحنات كل من يلتق بهم كانت متشابهة، ولا تبدأ ملامح الوجوه تدب فيها الحياة من حوله، إلا بحلول المساء، مع مهرجانات الفرح الصاخبة التي انتظمت الوطن والتي لم يلاحظ أبداً أنها كانت تستهدف مسح ذاكرته.

أبقى إحدى أذنيه مفتوحة لتلتقط حتى همس معاونيه، وأسلم قلبه للطرب، كانت مغنية بدينة مثل المدفع تغني أغاني البنات، وتعزف لها الفرقة الموسيقية، فيما تتمايل الراقصات الأثيوبيات في ليلة ذكرته بليالي الوزير الهارب حاج الأمين حسن ساتي الذي باع الوطن بالتقسيط المريح، وباع محصول القطن قبل جنيه، ومحصول الصمغ العربي قبل جمعه، وباع حتى الأبقار المصابة بمرض الجفار المملوكة لشركات تتبع للدولة، وباع أشجار المهوقني و البودو.

يستمع إلى المغنية البدينة تغني أغنيات جافة لا تتناسب مع بدانتها المفرطة، التي رجح أن تكون أصابتها نتيجة مرض، لا نتيجة رخاء في وطن يتراجع فيه الفاصل المداري كل يوم جنوباً، وحينما يتقدم الفاصل المداري شمالاً، يتقدم الجراد جنوباً !، إستمع لصوتها الذي بدا كأنه لا يصدر عنها :

" أنا ما بدور المزارعية .. بدور البركب العربية ! " .

فشعر فجأةً أنه ينسى الدكتورة صفاء في خضم هذا الانحدار الفني، شعر بأنها تتلاشى من ذاكرته كأن لم تكن، لدرجة أنه بدأ ينقب في ذاكرته عن صورتها، ليتأكد من أنه رآها بالفعل يوماً ما، وأنها كانت تجلس في إحدى غرف القصر في الأيام الخوالي، تؤدي عملها بانضباط عسكري، تاركةً الخريف يتسرب منها مع رائحة عطرها .

بدأ يبحث عنها في ذاكرته، ليتأكد من أنه رآها بالفعل يوماً ما، وأنها لم تكن إحدى ألاعيب الوزير حاج الأمين حسن ساتي، بحث عنها بين صفوف الموتى الذين رآهم يقفون في طوابير طويلة في عتمة الذاكرة بنفس هيئتهم لحظة إطلاق الرصاص عليهم، تعرف على بعضهم ولم يتعرف على أكثرهم.

بحث بينهم عن الدكتورة صفاء فلم يعثر لها على أثر، وفجأة رأى وجهاً يكرهه وانتبه إلى أنه يراه في جهاز التلفزيون لا في الذاكرة، كان وجه مذيع ذائع الصيت يقدم سهرةً على الهواء من حدائق التلفزيون، وللمرة الأولى اكتشف حقده الشخصي عليه حينما قربت الكاميرا وجه المذيع، حتى لم يعد هناك أي حاجز بينه وبين العيون الذئبية التي تنطوي على وقاحة يغلفها بإدعاء التهذيب، والعمامة الضخمة التي تخفي رأسه الأصلع، والأنف الشبيه بأنف شمبانزي، أغلق جهاز التلفزيون وغادر البيت على عجل دون حراسة.

توقف أمام حدائق التلفزيون واقتحم المكان، كان المذيع يواصل تقديم فقرات برنامجه حينما تقدم منه ولكمه على الهواء لكمةً دوت في أرجاء الوطن، وتركه طريحاً بين المقاعد وكومة الأحذية والساعات والحلي الذهبية التي خلفها حضور البرنامج، لكمةً دوت في أرجاء الوطن حتى أن العمدة خالد بدر الدين المزارع في جزيرة نائية في شمال الوطن، وكان قد ترك جهاز التلفزيون الصغير الذي يعمل بالبطارية والذي أرسله له شقيقه الذي يعمل في المملكة العربية السعودية ليراقب فيضان نهر النيل، عاد ليكتشف أن الجهاز كان ملقىً أرضاً من فرط قوة اللكمة التي دوت في أرجاء الوطن كله.

في اليوم التالي ظهر في جهاز التلفزيون ليعلن أن الثورة ستضرب بيد من حديد كل من يحاول تعويق مسيرتها، وكان بيانه بمناسبة إضراب عمال السكة الحديد في مدينة عطبرة الذي شل حركة نقل الوقود والبضائع في الوطن كله.

وللمرة الأولى منذ سنوات شاهد الناس وجهه في جهاز التلفزيون، فبسبب الإجراءات التقشفية التي تبناها الدكتور عز الدين الزين وزير المالية الراحل، توقفت الاحتفالات في الوطن حتى أن الناس نسوا صخب أعياد الثورة والاستقلال والوحدة، أما في عهد الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي فقد تبدلت الأحوال، كان شعاره الأوحد : نحن نقفز فوق البيروقراطية، وظل يقفز حتى قفز في النهاية خارج الوطن، كان يصرف لكل من يطلب مالاً على الفور ومن جيبه دون الالتزام بروتين تقديم طلبات أو الحصول على إمضاءات وكان يقول: هذه الإجراءات البيروقراطية هي الشيء الوحيد الذي ورثناه عن الاستعمار الإنجليزي، لم نرث منهم انضباطهم في العمل ولا انضباطهم في الالتزام بالمواعيد .

وفي اجتماعات مجلس الوزراء كان يبدأ الاجتماع –قبل أن يخلد للنوم – بإفراغ ما في جيبه من الأشياء التي يشتريها للسيد الرئيس، فيبدأ في استعراضها غير عابئ بالوزراء المنتظرين بدء الاجتماع : هذه زجاجة عقار فولتارين إنه ممتاز لعلاج الروماتيزم، وهذه زجاجة فيتامينات مقوية، وهذا دواء لخفض حمض اليوريك في البول ولكن المهم ألا تأكل الحمام، وأن تقلل من أكل اللحوم الحمراء.

ثم يعرض عليه سلسلة الكتب الملونة الأنيقة التي كانت تصدر عن حزب الوطن تبين إنجازات الثورة في كل المجالات، ويسلمه نسخة من الكتاب الأول في السلسلة والذي خصص لنفي الإشاعة التي روجها الشيوعيون بأن السيد الرئيس حينما قبل في الكلية الحربية لم تكن معه من الشهادات سوى شهادة الجنسية، فأثبت الكتاب بالوثائق وبشهادات بعض المعلمين المتقاعدين أن السيد الرئيس حينما قبل في الكلية تم استثناءه من كل شروط الدمعقولة بس بسبب تفوقه في الشهادة الثانوية، ولأنه أحرز في اللغة الإنجليزية درجة لم يحرزها أي طالب من قبله.

طمأنه الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي حينما وجده منزعجاً بسبب إضراب عمال السكة الحديد: لا تنزعج سيدي الرئيس، لا توجد معضلة في هذا العالم لا يمكن حلها بالمال، وأشرف بنفسه على مطبعة النقود التي ظلت تعمل طوال الليل حتى التهمت كل كمية الورق المتوفرة لطباعة النقود، وفي الصباح شحنت عشرة جوالات من النقود وهي لا تزال ساخنة في الطائرة العسكرية التي أقلت الأخ الوزير إلى مدينة عطبرة، الأخ الوزير الذي عاد بخفي حنين، ليعلن: ما يطلبونه ليس متوفراً عندي سيدي الرئيس، إذ أنهم يطلبون الحرية، يطالبون بعودة النظام الديموقراطي .

يتضورون جوعاً سيدي الرئيس، ويسكنون في أكواخ من القش، يأكلون شيئاً شبيهاً بالغائط، ورغم ذلك يطالبون بالحرية، عودة الحريات العامة وإلغاء قانون الاعتقال التحفظي.

ورغم صخب الاجتماع أخلد الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي للنوم، وقبل أن يخلد للنوم أخرج من حقيبته مسحوقاً أصفر في مظروف من ورق شفاف وقدمه للسيد الرئيس: هذا مسحوق الحنظل سيدي الرئيس لعلاج النقرس، تصنع منه لبخة توضع فوق المفاصل.

أصدر السيد الرئيس قراراً في ختام جلسة مجلس الوزراء التي انسحب منها الوزير حاج الأمين حسن ساتي متعذراً بمهام يتعين عليه إنجازها لأنه مسافر في مساء نفس اليوم، أصدر السيد الرئيس قراره بأن يخلي عمال السكة الحديد منازلهم الحكومية ويفصلوا من العمل خلال ثلاثة أيام إذا لم يعودوا للعمل، ثم قام بتكليف العقيد مصطفى سراج الدين بالسفر إلى عطبرة لمتابعة الموقف.

ومنذ لحظة وصوله بدأت تقاريره تصل عن طريق الهاتف: وجدنا الموقف متأزماً سيدي الرئيس واضطررنا للاستعانة بالجيش لمحاولة تهدئة الموقف، وجدنا الإضراب محكماً للغاية حتى أننا فشلنا في تحديد قادته، وكلما القينا القبض على مجموعة تحل محلها بنفس السرعة مجموعة أخرى أكثر قدرةً على إدارة العصيان، حتى امتلأت السجون سيدي الرئيس، ولم نجد بداً من إطلاق سراح اللصوص والمجرمين وإخلاء السجون من أجل إفراغ أماكن لقادة العصيان المدني، ورغم ذلك لا يزال الإضراب مستمراً، فاستعنا بجنود من الجيش لتحريك القطارات التي بدأت تصدأ، لنقل البضائع المكدسة في ميناء بورت سودان، ونقل الوقود إلى مختلف أرجاء الوطن فيما بدا السيد المشير لاهياً عن الاحتفال بقياس الأرض مستخدماً حبلاً ومتراً معدنياً ليحاول تقدير أبعاد الخلل الذي حدث في المكان، وفي المرة الأولى حينما سمعوه يتكلم، أرهف الجميع آذانهم للاستماع إلى تصريحه الأول فسمع يقول بصوت أجش هامس، لم تكن فيه نبرة السلطة، بل نبرة الموت:

يجب أن يكون هناك حجر من الاسمنت يوضح حدود الارض في مكان ما هنا، وشاهدوه يزيح التراب وأوراق أشجار النيم والجميز الصفراء بحثاً عن حجر الاسمنت دون جدوى، رأوا وجهه الخالي من أي تعبير، تماماً مثل ذاكرته التي بدأت في الانحلال منذ اللحظة التي اكتشف فيها أنه أقال وزير المالية حسن عبد الرحمن الزين بقرار صدر منه شخصياً، وبعد لحظات قليلة من آخر لقاء له بالوزير، منحه خلاله تفويضاً كاملاً ليواصل برنامجه الإصلاحي ووعده بوضع كل اقتراحاته موضع التنفيذ .

عرف لاحقاً بعد عدة أشهر وإثر مرور شريط لذكريات منفية من ذاكرته أنه أصدر ذلك القرار شخصياً رغم أنه نسيه في نفس اللحظة، وأنه كان مستسلماً حتى وهو يوقع القرار لفكرة أن الوطن كان بين أيد أمينة في ظل وجود الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين في وزارة المالية .

في تلك الحقبة التي بدأ يفقد فيها الأشياء الخاصة به، يقول فجأةً أثناء اجتماع مجلس الوزراء : أنا متأكد أنني وضعت ذلك الحذاء فوق المنضدة !، يقول

فجأةً أثناء اجتماعه مع السفير الياباني لتسلم دعم دولته لضحايا الجفاف و التصحر: اليوم فقدت زوج جوارب، يبدو أن لصاً استطاع الدمعقولة بس إلى البيت وسرقتهما فقد غسلتهما بنفسي ونشرتهما على حبل الغسيل .

وأثناء بحثه عن أشيائه المفقودة بدأ يكتشف للمرة الأولى خيوطاً مفقودة، لا لإنجازات عهود سابقة، بل لأخطاء منسية، واكتشف أنه في ذلك الزمان لم يكن أفضل كثيراً من الدكتور عثمان محمد صالح وزير الرعاية الاجتماعية الراحل، الذي كان يحمل لافتات يعلن فيها الإتجاه الذي يسلكه.

فقد إكتشف في أوراقه القديمة أنه كان يكتب إسم الدكتورة صفاء في مفكرته اليومية، ويعيد كتابته يومياً كلما إنتقل لصفحة جديدة، ورغم أنه شعر بأنه يتذكر صورتها بوضوح أفضل حتى من الأيام التي كان يراها فيها يومياً، إلا أنه إكتشف أنه نسي كل تفاصيل محاولاته للتقرب منها.

وأثناء بحثه عثر على الأشياء التي كان يحضرها له حاج الأمين حسن ساتي وزير مالية عصر الجفاف الأسبق، وجد قوارير عقار فولتارين الفارغة، وقوارير عقار جوفلون المقوي، واكتشف لعب الأطفال التي كان يحضرها له : العربة الصغيرة التي تملأ بزمبرك، والأفعى المصنوعة من المطاط، والساعات الكثيرة التي كان يحضرها له يومياً، ساعات تصدح بموسيقى كلاسيكية، وأخرى تؤذن خمس مرات يومياً وواحدة يعلن عصفورها البلاستيكي الوقت بصوت كهربائي مخنوق .

وعثر على بطاقات البريد التي كان يبعث بها الوزير السابق من كل مكان في العالم كان يحط فيه بحثاً عن القروض الأجنبية لتمويل المشروعات الوهمية التي لم ير الناس منها سوى مشهد وضع حجر الأساس والأطفال الذين يظهرون في واجهة الإحتفال وهم يحملون باقات الزهور.

يستغرقه البحث في أكوام مقتنياته القديمة دون أن يتسنى له أن يلاحظ أنه كان في الواقع ينقب في ذاكرته، فجأةً سقطت في حمى واجهة ذاكرته صورة مشهد أسطوري عرف أنه بقايا حلم ليلي، رأى نفسه راكعاً في طوفان ضوئي ماداً يده بوردة بيضاء لملكة سوداء رائعة الجمال متوجة على عرش من الأبنوس وانتبه للمرة الأولى إلى أنه ظل طوال ثلاث ليالي يرى نفس هذا المشهد أثناء نومه.

أزاح المشهد الغريب جانباً محاولاً أن يحدد مكان ظهوره في متاهة الذاكرة، وجد نفسه يغوص في جرف رملي على حافة هاوية دون قرار، فعرف أن المشهد الغريب أنتقل إلى واجهة وعيه عبر تبادل غير واعٍ للذكريات، إنتزع نفسه من هاوية الذاكرة ماراً بغابات الأحراش المطيرة في خط إستواء الذاكرة حيث عصافير الحب تغرد فوق أشجار الباباي في قيظ شوارع مدينة نائية أبواب منازلها مشرعة للرياح.

حتى بدأ وعيه يتفتح تدريجياً، وبدأ الصوت يعود تدريجياً لشفاه رجال أمنه الجالسين في حضرته:… والأمن مستتب سيدي الرئيس، وقاطرات السكة الحديد التي يقودها الجنود تنقل البضائع والمواد البترولية إلى كل أرجاء الوطن، والعمال المضربين أخرجناهم من المنازل الحكومية بأعقاب البنادق.

كما أحبطنا خطة لمحاولة إنقلابية رصدناها منذ إجتماع المتآمرين الأول، فلم نعطهم ولا حتى فرصة إختيار قائد للإنقلاب الذي كانوا يزمعون أن يطلقوا عليه اسم ثورة السابع عشر من سبتمبر سيدي الرئيس، لأنه التأريخ الوحيد الذي عثروا عليه خالياً من الإرتباط باسم ثورة أو إنقلاب عسكري.

كما إعتقلنا عدداً من الطلاب كانوا يخططون لتسيير مظاهرة من جامعة الخرطوم، والأمن مستتب سيدي الرئيس.

فيبتسم ويقول : وماذا لو لم يكن مستتباً !، يشعر بفراغ إعصاري يتسرب الي روحه، أشبه بذلك الفراغ الذي كان يداهمه في أزمان غابرة، أيام الدكتورة صفاء التي ذابت في الوطن كأنها لم تكن موجودة أصلاً، والتي بسببها تم إحصاء سكان الوطن ثلاثة مرات خلال عام واحد لكي يتسنى لرجال الأمن البحث عنها في كل بيت في الوطن.

عثروا على كل سكان الوطن، عدا الدكتورة صفاء، عثروا على لصوص هاربين، وموتى منسيين من قبل إشتعال الحرب الأهلية الأولى، تجار ومزارعين مختبئين منذ سنوات من ملاحقات البنوك والضرائب، شيوعيين وحزبيين قدامى.

وكانت حصيلة الإحصاء كمية ضخمة من المنشورات المناوئة للنظام، وعشرات من مطابع الرونيو التي تدار باليد، وقنابل تكفي لنسف الوطن كله.

يستمع دون حماسة لتقارير رجال أمنه، ثم يقرأ أسماء ثلاثة مرشحين لوزارة المالية رفعها له معاونوه، وأجرى قرعةً سرية وقعت على الإسم الثالث : عبد العزيز سعيد خير الله، فأصدر قراراً بتعيينه.

ورغم تحديد ميعاد أداء القسم للوزير الجديد وإذاعة خبر التعيين في كل نشرات الأخبار، إلا أن الوزير الجديد لم يظهر وفي اليوم الثالث جاءه النبأ:

الدكتور عبد العزيز سعيد خير الله مات سيدي الرئيس، توفي قبل ستة أعوام، أيام الرخاء الزائف الذي شهدناه في عهد الوزير حاج الأمين حسن ساتي!.

أجرى تحقيقاً سرياً حول الشخص الذي قام بترشيح الوزير الميت فعرف أنهم :

أعضاء حزب الوطن سيدي الرئيس، لم يعودوا يفرقون بين الموتى والأحياء، طالما أنهم مستمرون في إقتسام حصص السكر والوقود ومناصب السلك الدبلوماسي، يقول أحدهم: سوف أذهب هذا العام سفيراً إلى براغ ..فيترجاه أحد الحاضرين : كلا أترك لي براغ، فأنا مصاب بالروماتيزم، أريد أن أتداوى بالمياه المعدنية في كارلو فيفاري، فيترك له براغ عن طيب خاطر ويقول: لابأس سأذهب إلى القاهرة، فيترجاه آخر : كلا أرجوك أترك لي القاهرة .. أن لدي بنتاً صغيرة قبلت هذا العام في كلية طب القصر العيني وأريد أن أكون بجانبها.

فيترك له القاهرة عن طيب خاطر، ولأنهم مشغولون طوال اليوم بالنميمة سيدي الرئيس، حيث يتحدثون عن فلان الذي تزوج سراً للمرة الثانية حتى لا تطرده زوجته الأولى من البيت الذي يخص والدها، وعن فلان الذي تركته زوجته يقضي الليل واقفاً في الشارع بسبب تكرار عودته مخموراً في آخر الليل، ولم يستطع جيرانهم النوم طوال الليل بسبب ازعاج صوت نواحه وهو يستجدي زوجته عبر نافذة المطبخ لتسمح له بالدمعقولة بس ! . لذلك لم يسمعوا سيدي الرئيس بوفاة الدكتور عبد العزيز سعيد خير الله، فعرف أنه حتى معاونيه الذين لم يعد قادراً على إحصاء عددهم، كانوا يعانون مثله من آفة النسيان رغم أنه لم يصل بعد لمرحلة ترشيح الموتى لشغل مناصب وزارية.

عمد إلى تحريات سرية تأكد بعدها أن صاحبي الإسمين الباقيين كانا على قيد الحياة، ثم أجرى قرعةً أخيرة، وفور إصدار قراره وصل وزير المالية الجديد، أفسح له الحرس الطريق وتعين فتح الأبواب على مصاريعها من أجل دمعقولة بسه : رجل بدين، حتى أن السيد الرئيس لم يكتم خيبة أمله وقال ضاحكاً: إن تناولك العادي للطعام سيكون سرقةً أخي الوزير!.

للمرة الأولى استخدم السيد الرئيس عبارة أخي الوزير، فقد شعر للمرة الأولى منذ أيام حاج الأمين حسن ساتي الذي باع كل شئ ولم يترك وراءه سوى عشرة جوالات من النقود التي كان ينوي رشوة عمال السكة الحديد المضربين بها، والتي اكتشفوا بعد هروبه أنها كانت نقوداً مزورة.

للمرة الأولى منذ ذلك الزمان شعر السيد الرئيس بخوف غامض في حضور الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين لم يتسن له مطلقاً أن يلاحظ أنه شعور متقدم بالذنب بسبب خلل ذاكرته الذي سيكون وزير المالية الجديد أول ضحاياه.

شعر بخوف غامض في حضور الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين الذي ابتدر بالقول: ليست هناك مشكلة سيدي الرئيس، كان يبدو في بنطاله الأزرق الضخم، وقميصه الأبيض المعجون بالعرق، ووجهه الضخم على ثقة لا من موقفه، بل من موقف الوطن، وكان واضحاً أنه قرأ جيداً وأنه يعرف حتى أرقام الديون السرية وأنه يحمل في جيبه خطةً للإنهيار الإقتصادي، ولم يكن يبدو عليه أنه يخلو من ميل طفيف للبهجة، رغم بدانته المفرطة التي بدا للسيد الرئيس أنها لا تتيح له فرصةً للمرح، ففي أثناء بحث السيد الرئيس عن مستندات الإنهيار الإقتصادي في خزانة مكتبه، كان الأخ الوزير يغني: "الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر".

سلمه السيد الرئيس تقارير البنك الدولي، وصندوق النقد، ونادي باريس، وصور العقودات التي باع حاج الأمين حسن ساتي بموجبها الوطن كله، وصور إقرارات الأمانة التي قدمها التجار الذين باع لهم محصول الذرة حتى قبل أن تهطل قطرة واحدة من أمطار ذلك الموسم الذي باع محصوله، وتقارير حول أداء مشروعات التنمية، وطريق أسفلت بورتسودان الذي تم إنشاءه للحد من خطورة مرفق السكة حديد أو كما أوضح السيد الرئيس :

حتى لا يستطيع كائناً من كان أن يلوي ذراعنا! .

بدت أفكار الوزير الأولى تقشفية لا تتناسب مع رخاء جسمه، فقد اقترح إيقاف إستيراد السلع الكمالية لوقف تدهور العملة الوطنية، وتخفيض الإنفاق الحكومي، وتقليص البعثات الدبلوماسية بالخارج، ورفع الدعم تدريجياً عن سلع الوقود والخبز والسكر، فاقترح السيد الرئيس مبتسماً: هذه خطة للثورة لا للإصلاح!!

كان السيد الرئيس يفكر فيما الأخ الوزير يغني : "الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر"، وكان يدق بأصبعه على مكتب السيد الرئيس أثناء غنائه : " الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر"، مبروك، قال السيد الرئيس أخيراً : فلتبدأ العمل فوراً، وأردف مبتسماً : أرجو ألا يكون مستوى أداءك الإقتصادي بنفس مستوى غناءك!

تأبط الأخ الوزير أوراقه وخرج وهو يغني : الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر، ورغم أن السيد الرئيس أصبح منذ هروب حاج الأمين حسن ساتي يشعر بالخوف كلما قام بتسليم خزانة الوطن إلى وزير جديد، إلا أنه شعر للمرة الأولى براحة هائلة فيما الوزير الجديد يغادر مكتبه وهو يغني، حتى أن السيد الرئيس وجد نفسه يغني أيضاً : الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر، ويدق بأصابعه على مكتبه وهو يستمع إلى التقارير التي بدأت تنهمر عليه منذ اللحظة التي غادر فيها الأخ الوزير مكتبه : هذا الرجل قدمه خضراء سيدي الرئيس، ففي اللحظة التي كان يؤدي فيها القسم، بدأت الأمطار تهطل وتقدم الفاصل المداري حتى تجاوز مدينة وادي حلفا، وبدأت زهور القطن في التفتح، وحتى أسراب الجراد التي تحاصر الوطن بدأت فجأةً في التراجع.

كأنه ساحر سيدي الرئيس، فرغم الأستعدادات الأمنية المكثفة التي أعددناها لمواجهة الموقف إثر قراره بزيادة أسعار الخبز بعد رفع الدعم عنه، إلا أن أحداً في الشارع لم يحتج كأن القرار لا يخص أحداً في الوطن سيدي الرئيس، واصل الجميع أعمالهم ولم تخرج سوى مظاهرة صغيرة من جامعة الخرطوم وقبل أن تغادر المدخل الرئيسي، تولى العقيد مصطفى سراج الدين أمرها.

 

فيشعر بخواء روحه يتفاقم في مقابل إرتياحه الإقتصادي، يستمع إلى تقارير رجال أمنه: الأمن مستتب سيدي الرئيس، والوطن كله في حالة إنتعاش، بعد أمطار كثيفة غسلت حتى صحراء العتمور النائية، والدينكا يرقصون رقصة ملوال والمسيرية يرقصون على إيقاع المردوم، ونوبة الجبال يرقصون الكمبلا، ونوبة الشمال يرقصون كوركين أرجيد، والشايقية يرقصون الدليب.

فيما السيد الرئيس يشعر بتفاقم فراغ روحه، فيقرر السفر إلى جنوب الوطن لحضور إحتفالات عيد الوحدة، وأثناء رقصة النجبانديلي التي أداها شباب من قبيلتي الزاندي والشلك، وفي حمى الرقص أشار السيد الرئيس إلى فتاةٍ رشيقة القوام، رائعة الجمال، فهمس أحد مرافقيه محذراً : حذار سيدي الرئيس، الفتاة من سلالة الملك المقدس نيكانج العظيم الذي لم يمت بنفس الطريقة الكلاسيكية حينما انتقل إلى الدار الآخرة، بل تحول إلى ريح واختفى، ومن يقترب من الفتاة سيدي الرئيس قد يصاب بمرض الجذام.

لدى نهاية العرض قام بمصافحة الفرقة واحداً واحداً، وحاول أن يبدو متماسكاً أمامها وهو يسأل عن اسمها : إسمها الأميرة مينيساري سيدي الرئيس، أمسك بيدها مسافة أطول ولم يكن في حاجة ليدقق في وجهها ليتأكد من أنها نفس الملكة المتوجة على عرش الأبنوس التي ظل يراها أثناء نومه في مشهدٍ واحدٍ لا يتغير طوال ثلاثة ليال.

وللمرة الأولى منذ إختفاء الدكتورة صفاء، شعر بحمى القلب، دون أن تؤرقه الآثار الجانبية المحتملة لهذا الوجد المقدس، وإن أقدم على إجراء إحترازي؛ فحص جلد يديه بعد مصافحتها ليتأكد من عدم إصابته بالجذام، ثم دعا الفرقة للحضور إلى العاصمة للمشاركة في مهرجان الثقافة والفنون الذي سيبدأ بعد أسابيع وأمر مرافقيه بتنظيم سفر المجموعة وصرف تذاكر السفر لهم.

في نفس الليلة رأى الأميرة في نفس المشهد الأسطوري الذي ظل يراه لثلاث ليالٍ متتالية، رأى الملكة في عرشها الأسطوري المشيد من أشجار الأبنوس ترتدي ملابس بيضاء باهرة فيما هو راكعُ أمامها يمد يده لها بوردةٍ بيضاء في طوفان الضوء الذي يتدفق من حول المشهد الرهيب.

فصل جديد

للمرة الأولى منذ وفاة زوجها، أقدمت سعاد بت خير الله، أم بتول الجميلة، على تفتيش مقتنيات زوجها الراحل التي حفظتها طوال سنوات في حقيبة حديدية، ورغم آلام الحمى في مفاصلها إلا أنها قامت بسحب الحقيبة الثقيلة من أسفل السرير في غرفة نومها المهجورة ونظفتها من التراب وأنسجة العنكبوت قبل أن تفتح قفلها الصدئ بسبب مرور السنوات.

إنفتح القفل بعد أن صبت عليه قليلاً من الكيروسين، رفعت غطاء الحقيبة فرأته يحدق فيها عاتباً بسبب سنوات الإهمال، وارتجفت أمام يقين ومضة حنين مكثفة انطلقت من سكون عينيه، تأملت الصورة الملونة ثم وضعتها جانباً، فحصت بدلته العسكرية فوجدتها سليمة تماماً، تفحصت النياشين والأوسمة والميداليات التي حصل عليها منذ أن كان طالباً متفوقاً في الكلية الحربية.

وفجأةً عثرت على ما تبحث عنه، مسدس صغير عثرت عليه بعد مقتل زوجها في جيب بذلته العسكرية التي تركها في البيت قبل خروجه الأخير، أخرجت المسدس ثم أعادت ترتيب الأشياء كما كانت وفجأةً سمعت صوت زغاريد تنطلق في الشارع، شعرت بإرتباك حينما إكتشفت المسدس في يدها قبل أن تخفيه أسفل فراشها وتتسلل على أطراف أصابعها لتشاهد ما يدور في الخارج من خلال ثقب في باب البيت.

شاهدت أهل القرية يصطحبونه إلى بيت الزين ود حاج النور، رغم أنه لم يكن راغباً في الذهاب معهم، وكان يلتفت أثناء سيره بحثاً عن حجر الاسمنت الذي وجده في الخريطة دون أن يكون له وجود على الأرض.

لم يبد ولا حتى على سبيل المجاملة، أدنى إهتمام بمظاهرة الإحتفال به، حتى أنه سقط أرضاً حينما طلب منه أن يقفز فوق ثور ذُبح له خصيصاً، وللمرة الأولى حينما امتدت الأيدي ترفعه من على الأرض، لاحظ أنه بدون سلطة، وأن سقوطه لم يكن رسمياً، وأن هذا الإحتفال الخاص به كان دافعه العطف لا الوفاء، رغم أنه حينما حدق في وجوه مستقبليه حينما رفعوه من على الأرض لم ير إشارات الحب بل الخوف.

وفجأةً رأى بين وجوه مستقبليه وجهاً ضخماً نشط لديه شريطاً منسياً في الذاكرة، فرأى وزير المالية الأسبق حسن عبد الرحمن الزين، لم يتعرف عليه لكنه عرف من هالات المجد المصاحبة في ذاكرته أن الرجل كان واسع النفوذ دون أن يتمكن من تحديد عصر الجفاف الذي ظهر فيه الأخ الوزير، رغم أنه رآه يغني في عتمة الذاكرة وهو يدق على خشب مكتبه: (الليلة مسافر ما جبر الخاطر )، ورآه يعمل في دأب منقطع النظير، يواصل الليل بالنهار، يعيش على القهوة وسندوتشات الفول، ورأى حقيبة ملابسه وزوج حذاء ضخم ملقى بجانبها في غرفة مكتبه بالوزارة.

رآه بوجهه الضخم الطيب يشارك في لقيط القطن في مشروع الجزيرة، ورآه يمسك الواسوق في بقعةٍ نائية في شمال الوطن مشاركاً المزارعين في عمليات زراعة القمح،وكان يمسك الواسوق كأنه وَلد مزارعاً، رآه يرقص الكيرنق في جبال النوبة مشاركاً في إحتفالات حصاد الذرة، ورآه يعزف على ربابة أم كيكي مع رعاة المسيرية،ورآه في منطقة الأنقسنا يشارك الشباب في عزف أبواق الوازا في موسم الحصاد، رآه جالساً على الأرض يأكل الكجيك مع اللاجئين الأثيوبيين في القضارف مشاركاً في عمليات الكديب.

شعر ببعض الانتعاش الذي أنساه لحظة فقدان السلطة الحاضرة، شعر ببعض الانتعاش الذي كان يحس به في عصر الجفاف الوسيط، فيخفف عليه ذلك الشعور فراغ روحه الذي تفاقم منذ أن رأى الأميرة مينيساري تعزف على آلة قبادوليو في جوبا، منذ أن رآها في الحلم ملكة متوجة على عرش أشجار الأبنوس وهو راكعٌ أمامها يقدم لها وردةً بيضاء.

رأى ضباب الزمن الحاضر ينزاح من فوق صورته وهو جالس في مكتبه في أحد أزمنة سلطته، غارقُ في ضوء القيلولة الشفاف المتسرب من النافذة من خلال الوردات الحمراء لأشجار التاهيتي مصحوباً برائحة رطوبة قيظ الساعة الثالثة بعد الظهر، وهو يستمع لتقارير رجال أمنه حول "الوزير الوحيد الذي يعمل في حكومتي" كما كان يسمي الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين:

إلا أنه يسبب لنا مضايقات كثيرة سيدي الرئيس، فقد شاهدناه يتتبع بنفسه مصدر البضائع الممنوع إستيرادها والتي تغرق الأسواق، ويتتبع أرقام النقود التي تخرج من المطبعة الخاصة بالقصر، وفجأةً انهار العالم كله من حوله لدى إستماعه للخبر الصاعق:

سيدي الرئيس العقيد مصطفى سراج الدين قتل في تبادل لإطلاق النار لدى مداهمته لوكرٍ لبعض المتآمرين على السلطة.

شعر بنفسه جالساً فوق ركام بيت منهار، وبأول أعراض شيخوخة مفاجئة : إلفة خارقة مع الموت كأنهما توأم، وجده مسجىً في المستشفى العسكري وقد استعاد بريق براءته الأولى، هدوءُ خارقُ كأن صفاء وجهه لم يكن يوماً مرآةً لوجدان مضطرب، لحياةٍ كانت منذ نشأتها الأولى أشبه بالموت وفق تواز مكتمل ووحدة ديناميكية.

فور دمعقولة بسه، اختبر السيد الرئيس إحساساً غريباً، التقطه من أنفاس الأشخاص الذين تقاطروا لإلقاء نظرة أخيرة على العقيد الراحل، لم ير دمعة واحدة تسقط ولو على سبيل المجاملة، فعرف أن كل الذين تقاطروا لإلقاء النظرة الأخيرة على العقيد مصطفى سراج الدين، جاءوا في الواقع ليتأكدوا بأنفسهم بأنه إنتقل إلى العالم الآخر، وأن رفيقه الراحل لم يجد صديقاً لا في الحياة ولا حتى في الموت، بادر السيد الرئيس برفع يديه وأمر: الفاتحة.

أمر أن يلف الجثمان بالعلم الوطني، وينقل على عربة عسكرية، وأم بنفسه الصلاة على جنازة العقيد الراحل حتى يتأكد من أن كل موظفي الدولة سيقفون في عشرة صفوف خلفه، حتى وإن كانوا سوف يقفون في الصلاة دون وضوء.

وفور فراغ إجراءات الدفن باشر بنفسه تحقيقاً سرياً حول علاقة العقيد مصطفى بزملائه ومرؤوسيه فعرف أنه لم يكن يثق في أيٍ من الذين يعملون معه وأنه كان يتعمد إهانة الضباط أمام الجنود، وأنه في اليوم السابق لمقتله وبسبب بعض أوراق الشجر المبعثرة في الفناء انهال ضرباً على كل من صادفه من الضباط و الجنود.

وأثناء التحقيق الذي أجراه السيد الرئيس قام بزيارة مكاتب الجهاز السرية التابعة للعقيد مصطفى سراج الدين، فشاهد آلات التعذيب البدائية مرصوصة بنظام وبينها قصارى الورد الإنجليزي والنباتات الظلية، وشاهد سماعات الصوت المبثوثة بين النباتات الظلية وعرف أن العقيد مصطفى سراج الدين كان يهوى الإستماع إلى أغنيات الحقيبة أثناء حفلات إنتزاع الإعترافات.

شاهد بقايا آثار إهمال نظافة التعذيب: بقع دم متناثرة وأظافر اقتلعت من جذورها، لم يقشعر بدنه من آثار المشاهد المحزنة لذلك الجحيم الوطني بقدر ما أدهشته مقدرة العقيد الراحل على الجمع بين الحب والتعذيب . وفي نفس اليوم تلقى أخباراً مبهجة : وصلت الفرقة الزاندية سيدي الرئيس، وفور وصولهم قام بإستقبالهم في مكتبه بالقصر الجمهوري وصافحهم واحداً .. واحداً، وبعد أن أكمل مصافحة الفرقة التي وقف أفرادها في صفٍ واحد، شعر بخلل ما فقام بإعادة المصافحة من حيث إنتهى، ولدى وصوله نهاية الصف اكتشف أن الأميرة مينيساري لم تكن ضمن الفرقة، سأل عنها فعرف أنها : لم تكن أصلاً في الفرقة سيدي الرئيس وإنما شاركت في إحتفالات عيد الوحدة بصفة خاصة.

قدمت الفرقة عرضاً خاصاً ضمن فعاليات مهرجان الثقافة والفنون، لرقصة المانجنجي مصحوباً بعزف على آلة قبادوليو، شاهد السيد الرئيس العرض دون إكتراث، وبسبب رداءته غادر المكان فجأةً دون أن يعطي حتى مرافقيه الفرصة للخروج معه.

وطوال أسبوع عاوده فراغ روحه، وفاقم ذلك عدم مقدرته على إشهار إفلاسه الوجداني، ولم يخرجه من تلك الدوامة سوى ورود أخبار متوسطة الإثارة من قبيل : إنقلاب عسكري سيدي الرئيس، وكانت تلك أولى بركات رحيل العقيد مصطفى سراج الدين الذي أحصى على الوطن أنفاسه، ولم يخرجه من تلك الدوامة سوى : إضراب عمال السكة الحديد لا يزال مستمراً بعد مضي أكثر من خمسة أعوام سيدي الرئيس، فيشعر بفراغ روحه يتحول إلى ذاكرته وهو يتساءل مندهشاً:

ألا يزال عمال السكة حديد مضربين عن العمل !

فيأتيه الرد : نعم سيدي الرئيس، نفس العمال الذين حاول الوزير الهارب حاج الأمين حسن ساتي رشوتهم بعشرة جوالات من النقود المزيفة، فيطرق، يشعر بخجل طفيف، رغم بدء تعالي أصوات الرصاص في الخارج، لأنه اكتشف للمرة الأولى أن الحياة يمكن أن تمضي أو تتوقف دون علمه، تساءل بحذر:

ألم يفرغ بعد إنشاء طريق الأسفلت الذي يربط ميناء بورتسودان بالعاصمة، جاءه الرد: اكتمل الطريق سيدي الرئيس.

فقال دون إكتراث: إذن فليستمروا في إضرابهم!

 

ويسحب جسده الضخم من أسفل السرير حينما يستمع إلى صوت آخر طلقة تعلن إندحار المتآمرين، يعود للبحث عن شخص يتولى مسئولية حماية ظهره، يفكر: لو أن هذا الوغد يعود من الموت‍، وقال أمام‌ رجال أمنه بعد أن أكمل استعراض المتآمرين وأشرف على إعترافاتهم على آلات التعذيب:

لو كان مصطفى سراج الدين حياً، لجلب لي هذه الأميرة على طبق من الفضة!

قالها بنبرة يأسٍ، لا أمل، فاعتبر رجال أمنه المتنافسون على مقعد مصطفى سراج الدين الشاغر كلامه إشارةً لبدء السباق.

وبعد أسبوع حينما وصل إلى البيت وجدها في البهو، تجلس داخل طبق ضخم من الألمونيوم بسبب تعذر الحصول على طبقٍ من الفضة، ترتدي فستاناً من الدمور المصبوغ باللون الأحمر وحول عنقها قلادة تيقو، كانت الفتاة لاتزال نائمة فيما هو يستمع لتقرير رجال أمنه عن العملية:

خطفناها أثناء إحتفالات تنصيب رث الشلك الجديد سيدي الرئيس بالقرب من خور أريبارجو، وعلمنا أنها كانت سوف تتزوج هذا الأسبوع مباشرةً بعد نهاية إحتفالات تنصيب الرث، كانت تغني مع مجموعة من الشباب:

أجاك أقرع الطبل قرعاً ليدوي

على أرواح جدودنا.

فيأمر بتعيين ثلاث خادمات لها، وأن تنقل للإقامة في بيت الضيافة، وللمرة الأولى منذ مقتل العقيد مصطفى سراج الدين شعر بأن الزمن بدأ يمر من حوله بوتيرةٍ عادية، فقرأ بعض التقارير التي رفعها الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين وزير المالية الذي يغني وهو يعمل، وبفضله بدأ الوطن يقف على قدميه، وقرأ تقارير حول الجهود التي يبذلها بعض معاونوه من أجل عودة المعارضة من خارج الوطن، وظهر في جهاز التلفزيون في نفس اليوم ليعلن إستعداده لإقتسام كعكة السلطة مع المعارضة.

بعد ذلك اتجه إلى قصر الضيافة حيث تقيم الأميرة مينيساري، وجدها جالسة على مقعد أبيض، ملكةً حقيقة، تبدو في نفس الهيئة التي رآها فيها في الحلم: ملكة جمال متوجة على عرشٍ أسطوري من أشجار الأبنوس، ملكةُ سوداء مثل الجوهرة، لم يؤثر على جمالها الخارق، حزن عينيها، الذي كان يثير في المكان من حولها كآبة السافنا، شعر بأنه يختنق في مرجل هذا الحزن الاستوائي الخارق فجلس أمامها دون أن يجرؤ على أن ينبس بكلمةٍ واحدة، وتلمس في سطوة جمالها الأبنوسي الرهيب، عظمة أخطائه التي اعتقد أن النسيان تجاوزها.

شعر بنفسه يتلاشى في حضرتها حتى أنه تحسس رأسه ليتأكد من أنه لا يزال موجوداً، واكتشف للمرة الأولى حينما سحب أقدامه بصعوبة وتسلل خارجاً شاعراً بتلاشي ذكرى أخطائه العظيمة من ذاكرته بمجرد خروجه من قصر الضيافة، اكتشف أن سطوة أخطائه كانت تتداعى في ذاكرته لا بسبب الزمن، بل بسبب بدء نشوء ضعف في ذاكرته، حتى أنه كان يضطر لقراءة تقارير الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين عدة مرات ليفهم أن الحالة الإقتصادية في الوطن تحسنت قليلاً لكن الوضع لايزال سيئاً، وأن الديون الوطنية تزداد بسبب فوائدها الكبيرة، التي تتضاعف مع مرور كل يوم.

يستمع لتقارير رجال أمنه حول ممارسات رجال المعارضة: التي فتحت لها أبواب حزب الوطن تمارس فيه صراعاتها المقيتة سيدي الرئيس، يمارسون نقداً حائطياً للنظام، في صحفٍ معلقة على الجدران، يحررونها بنفس الخط المتعجل الذي كانت تكتب به المنشورات السرية المعادية للنظام، يكتبون مقالات طويلة لا يقرأها أحد، وحتى إن قرأها شخصاً ما فإنه لن يفهم شيئاً بسبب كثرة الأخطاء الإملائية سيدي الرئيس، فقد نسوا بسبب جراحات المنفى وأيام الكفاح الطويلة في الأحراش وفي الفنادق المعتمة الرخيصة حيث لا سلوى في قيظ سبتمبر سوى إجترار أحقاد أحلام العودة، نسوا حتى الحروف الأبجدية سيدي الرئيس.

يطلب صوراً لصحفهم الحائطية فيحضرونها له على مضض لأنها: كلها أكاذيب سيدي الرئيس، فيلتقط ما بين أسطر المقالات، خيوط فساد معاونيه، ويقرأ تفاصيل أخطاء عهده مموهة في أخطاء إملائية متعمدة، فلا ترهقه الآثار الجانبية المحتملة لهذه الحرية الحائطية بقدر ما يؤرقه إتساع رقعة فساد معاونيه.

ومن المعلومات التي استقاها من صحف المعارضة الحائطية، طلب معلومات عن شركات وهمية فاكتشف أنها مسجلة بأسماء مستعارة له، ومن صحف المعارضة الحائطية عرف للمرة الأولى بأنه سوف يتزوج الأميرة مينيساري يوم الثامن والعشرين من أغسطس وأن هذا اليوم تم إختياره بواسطة الشيخ الحسين الضرير، شيخه الذي أهداه العصا العاصمة من الموت، ليوافق السابع عشر من شهر مسرى الذي يوافق ذروة موسم الدميرة.

لم تربكه فكرة ربط مصيره شخصياً بموقف موسم محتمل للجفاف، بقدر ما أربكته فكرة تدخل محتمل في حياته الشخصية من صحيفةٍ حائطية، حتى تنتزعه من مخاوفه أصوات رجال أمنه يقدمون له التقرير اليومي حول ممارسات معارضة حزب الوطن:

يطالبون بزيادة المقاعد المخصصة لهم في البرلمان سيدي الرئيس، وبتعيين رئيس للوزراء من التكنوقراط، يكون متخصصاً في إدارة الكوارث .. لإدارة الوطن ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!، وبستة مقاعد على الأقل في مجلس الوزراء، رغم أنهم لا يفعلون شيئاً سوى النوم سيدي الرئيس، حتى تحول حزب الوطن إلى شئ أشبه بعنبر لمرضى مرض النوم، يستنفدون كل قواهم الخطابية في شجارٍ صباحي ثم يخلدون لنومٍ جماعي بعد أن يتناولوا الفول المصري في أطباق ضخمة تصلح لغسيل الملابس سيدي الرئيس، وهم أول من اقترح تصنيف الفول بإعتباره كارثة وطنية، لأن الوطن كله حسب زعمهم يخلد للنوم بعد طعام الإفطار، ورغم أن الثورة التي فجرتها سيدي الرئيس بدأت فجراً، إلا أنهم يجزمون أن الفول كان السبب الرئيسي وراء استيلاءكم على السلطة، لأن الوطن كله كان يغط في النوم حينما وقع ما أسموه بإنقلاب الحادية عشرة والربع سيدي الرئيس !.

تجعله هذه الترهات يستغرق في التفكير: يشككون في شرعية سرقة الوطن !، ويعزي نفسه عن الآثار الجانبية لهذه الحرية الفولية بالحب، رغم الخوف الغامض الذي يجتاح قلبه كلما جلس في حضرة الأميرة مينيساري، يقرأ في سحر عينيها وفي صمتها الثقيل الذي يبدو له وكأنه يزحف على الوطن كله، صمتُ مشوبُ بالموت، حتى أنه كان يضطر ليطرقع بأصابعه بجانب أذنيه ليتأكد من أنهما كانتا لا تزالا تعملان.

يقرأ في سحر هذا الصمت الأبدي، كل أخطاءه العظيمة، كأنها أخطاء إله، ويرى كل ضحايا عهده الزاهر، حتى الموتى يفرضون وجوداً كثيفاً في حمى هذا الصخب الإستوائي الصامت، حيث يعبق الجو برائحة أشجار الباباي والأبنوس التي تذكره بالحرب الأهلية الأولى، وبسبب وطأة أخطاء الذكريات كان يغرق في حمى عرقٍ كثيف رغم أجهزة التكييف، ولتخفيف سطوة هذا الحب القاتل، توقف عن زيارتها منفرداً وأصبح يصطحب معه خمسة حراس مدججين بالسلاح من حرسه الخاص، كانوا يحضرون معه العرض اليومي الصامت، لا للحب، بل لعدم الثقة.

غرق في أتون هذا الحب المسلح، حتى أنه أهمل قراءة تقارير معارضة حزب الوطن الحائطية، واكتفى فقط بالتوقيع على قرارات لم يقرأها، وبسبب إرهاق حبه الجماعي المسلح، أصبح يخلد للنوم في إجتماعات مجلس الوزراء ولم يستيقظ إلا فجأةً بعد عدة أشهر .

تفرس في وجوه الجالسين كأنه يراهم للمرة الأولى، وكان أول ما اكتشفه هو غياب الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين، وجد في مكانه شخصاً غريباً ذكره بريق عينيه المراوغ بالأستاذ حاج الأمين حسن ساتي، ودون أن يسأل عن هويته وجّه إليه لكمةً صاعقة أطاحت به أرضاً.

سأل عن الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين فووجه بذهول وزرائه: الأستاذ حسن أقيل من منصبه قبل عدة أشهر بقرار جمهوري أذيع في نشرة أخبار الساعة الثالثة ونَشر في الصحف الرسمية وفي نشرة أخبار الساعة التاسعة بالتلفزيون !.

تمالك نفسه حذراً مخافة أن يكون اتخذ القرار أثناء إحدى نوبات الحب لا النسيان، أثناء إحدى نوبات الحب الجماعي المسلح، التي فرضت عليه إلفة مشتركة مع حراسه قوامها مواجهة حائطية لجفاءٍ إستوائي مقدس، حتى أنه ظهرت عليهم بعد شهور نفس أعراض الحب من طرف واحد التي تؤرقه.

استدرك نفسه وتساءل بحذر: ومن الذي عين هذا الوغد ؟ وأشار نحوه حيث كان لا يزال ملقىً أرضاً يئن من وطأة الضربة الصاعقة، فجاءه الرد الجماعي الساحق:

صدر قرار تعيينه بتوقيعكم شخصياً سيدي الرئيس وأَذيع القرار في كل نشرات الأخبار، فاستعاد دفعةً واحدة كل خيبات سلطة الحب، أدرك أنه كان واجهه حتى في الحب، وأن حراسه كانوا غارقين معه في الحب بإخلاص يفوق إخلاصه، فأصدر قراراً باستبدالهم يوميا، ثم أجرى تحقيقاً سرياً ليحدد الجهة التي أصدرت قرار إقالة الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين.

إلا أن اللجنة التي كونها من بعض الضباط المقربين منه قدمت له تقريراً مبهماً لم يلق بمسئولية القرار على أحد، فظهر في جهاز التلفزيون مساءً ليؤكد على المسار الديمقراطي للثورة وأن أبواب المشاركة مفتوحة في حزب الوطن لكل من يرغب في التعبير عن رأيه متجاهلاً تقارير رجال أمنه اليومية ذات التفاصيل المتكررة:

أصبح حزب الوطن مثل الهايد بارك سيدي الرئيس، الجميع يتحدثون في نفس الوقت، وباعة الليمون المثلج يتصايحون في الزحام كأننا في سوق الجمعة، وتلاميذ مدارس يصفقون، ورجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ جئن للثأر السماعي، في عيونهن آخر بقايا خجل العزلة التي عشن فيها منذ إعدام أزواجهن الذين شاركوا في مؤامرات إنقلابية ضد النظام سيدي الرئيس، يزغردن كلما أبرز أحد أقطاب المعارضة وثيقةً تثبت أرقام فساد الثورة، إضافةً إلى عشرات الألوف ممن أقصتهم الثورة من مناصبهم في الخدمة العامة للصالح العام. فيصدر قراراً جمهورياً بتعيين أثنين من أقطاب المعارضة في مناصب وزارية: الدكتور التجاني عبد العظيم وزيراً للرعاية الاجتماعية، في الوزارة التي لم يدخلها أحد منذ وفاة البروفيسور عثمان محمد صالح، والدكتور كمال الدين حسن أحمد وزيراً للمالية، وفور تسلمهما للعمل بدأت التقارير عنهما ترد إليه:

سيدي الرئيس الدكتور التجاني عبد العظيم شرع منذ لحظة أداء القسم في العمل وشارك العمال في إزالة أنسجة العنكبوت من المكاتب التي لم يدخلها أحد منذ وفاة الوزير الراحل عثمان محمد صالح.

وأثناء عمليات النظافة وترتيب الأوراق عثرنا في درج مكتب الوزير الراحل على صورة له في حديقة منزله مع ابنته الدكتورة صفاء سيدي الرئيس، وما أن شاهد الدكتور التجاني عبد العظيم الصورة حتى أوقف عمليات النظافة وقرأ الفاتحة على روح الوزير الراحل، الذي كان أستاذاً له في الجامعة كما ذكر، ثم جفف دموعه وأمر بوضع الصورة داخل إطار وتعليقها على جدار مكتبه سيدي الرئيس.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان