• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل الثامن) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

الفصل الثامن

 

بدت له الظاهرة في النهاية جديرة بالاستنكار بسبب ما فيها من امتهان لكرامة الإنسان، لأنه بدا واثقا من انهما كانا لا يأكلان طوال اليوم ولا يقضيا حاجتهما، تسلم السيد الوزير وزارته من المستشار الذي بادره : هذه وزارتكم سيدي الوزير، ثلاثة مكاتب وبهو صغير ودورة مياه، سحب السيد الوزير نفسا طويلا، خليط من رائحة الطلاء ورائحة مطهر الديتول قبل أن يسأل : وأين الموظفين ؟ فجاءه الرد : سوف نعتمد عليك يا سيدي في تعيين كل موظفي وزارتك، وربما كان من الأفضل أن تبدأ بتعيين سكرتيرة لتنظم المواعيد، ويفضل أن تكون من أقربائك ، ابنتك مثلا، لأنها معتادة علي كل عادات سيادتكم .

في اليوم التالي جاءت صفاء، صفاء عثمان محمد صالح، الدكتورة صفاء كما سوف يطلق عليها السيد الرئيس، كريمة الوزير وسكرتيرته الخاصة، جاءت صفاء تسير بثقة وبنفس طريقتها في وضع قطع أثاث البيت، بنفس طريقة تنسيق زهورها، كل شئ ينبض في مكانه وفق إيقاعه الخاص، كل الأشياء تعمل وفق أبعاد ثلاثية لحركة ساكنة، واثقة ومنظمة .

في اللحظة التي خطت إلى داخل القصر تبدل الجو الداخلي مع هبة ريح غير منظورة، حملت إلى داخل القصر عبق رياحين خريف منسي، تفتح نبات صباح الخير فجأة عن زهور جديدة، وبدأت الضفادع النائمة في بياتها الشتوي تغني وظهرت تشكيلات من طيور الرهو والسمان المهاجرة، وبدأت تنمو في حديقة القصر نبتة السيكران التي تنمو في الخريف، واجتاح المكان كله شعور خارق بالخريف رغم الجفاف المخيم في الخارج.

عندها فقط شعر بفراغه الداخلي يبدأ في التلاشي، حينما اكتشف أن خريف الفتاة الخاص داخل القصر كان يخفف من ضراوة الجفاف الذي يضرب الوطن كله، يتظاهر وكأنه يقرأ تقارير الانهيار الاقتصادي وهو يرخي أذنيه مستمعا لتقارير رجال أمنه وفجأة أزاح الأوراق جانبا وقال : ولكن المشكلة تكمن في خطيبها، ثم قام بتغيير موضوع كلامه ليسأل عن احد مستشاريه الذي لم يظهر في القصر منذ عدة أيام، قالها مرة واحدة : ولكن المشكلة تكمن في خطيبها وتعمد أن يبدو ساهما وهو يعلن ذلك، فتم اعتقاله في نفس اليوم :

وجدنا في مكتبه سيدي الرئيس مطبعة رونيو صغيرة وكمية من منشورات الحزب الشيوعي، تحض المواطنين علي الثورة علي النظام القائم .

يتظاهر بأنه مستغرق في قراءة التقارير فيما هو غارق حتى أذنيه في وهم الحب، يقرأ السطر عشر مرات دون أن يفهم شيئا، يشعر بجسده الضخم يتلاشي في مظاهرة الخريف المخيم داخل القصر، فيسترد بعض نشاطه الغابر، يبدأ يومه مبكرا داخل القصر بشراب القهوة مع الأخ الوزير، رغم أنه يكتشف لدي دمعقولة بسه إلى مكتب الوزير انه يضع لافتة مكتوب عليها : لقد شربت القهوة، حتى لا ينسي ويشرب القهوة مرة أخرى بسبب إصابته بارتفاع ضغط الدم ومرض التهاب المصران .

لكنه يستجيب لرغبة السيد الرئيس الذي يمازحه قائلا : نحن الموظفون إذا لم نشرب القهوة في مكاتبنا ..فماذا سنفعل ؟، يتجاهل تحذيرات ابنته من الإفراط في شراب القهوة، ويقول للسيد الرئيس :

أنجزنا كل شئ، المكاتب جاهزة، اشترينا ثلاثة مقاعد ومنضدتين وستة منافض للسجائر، واشترينا ورقا ودفاتر وأقلاما، كما احضروا لنا قصارى من البلاستيك الأبيض من الأسواق الحرة لنغرس فيها النباتات الظلية، وقمنا بتعيين ثلاثة موظفين بعثهم لنا مكتب العمل، وسكرتيرة واحدة وساع واحد، واشترينا ساعة حائط وخزانة حديدية للأوراق، واحضروا لنا موكيت فرشناه علي أرضية المكاتب، واحضروا لنا أيضا أجهزة تكييف صحراوية .

كل شئ اكتمل تماما، لكن بقيت مشكلة أخيرة، هي أننا لا نعرف ماذا يجب علينا أن نفعل بعد ذلك ؟!، واثناء حديثه كان ينسي أحيانا أن السيد الرئيس يجلس بجانبه، يبطئ في شرب القهوة حتى يطيل من جلوسه في المكان، يشعر بجسده الضخم يسترخي داخل البزة العسكرية الضخمة فيما يتحول جسده إلى ماء .

ينسي أن السيد الرئيس جالس بجانبه، يغادر المكان دون مقدمات واضعا لافتة كتب عليها : أنا ذاهب إلى دورة المياه، ليعود بعد قليل واضعا علي صدره لافتة مكتوب عليها : أنا عائد إلى مكتبي، أحيانا كان يخطئ في حضرة السيد الرئيس ويضع لافتة مكتوب عليها : سوف اخلد قليلا للنوم، أو أرجو الامتناع عن الإزعاج، أو يضع خطأ لافتة مكتوب عليها : لم يحضر بائع اللبن اليوم، أو لافتة أخرى مكتوب عليها : اليوم لا نستقبل زوارا ! .

ويبتسم السيد الرئيس، فما كان له أن يحتمل هذه الإهانات المكتوبة، لولا وجود هذه الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف، فيسلم جسده اكثر لمتعة الاسترخاء الكسول في وهج هذا الخريف الداخلي، دون أن تؤرقه احتمالات أن يؤدي الانهيار المفاجئ للقلب لإحداث شرخ خطير في جدار وقار صرامته .

بل انه حدث ما هو أسوأ، ففي أحد الأيام كان السيد الرئيس يجلس بجانبه يقرأ الصحيفة الرسمية، فسمع الأخ وزير الرعاية الاجتماعية يخرج ريحا بصوت مرتفع من مؤخرته !، رفع رأسه ببطء من خلف الصحيفة حتى لا يشعره بأنه ابتلع الإهانة الرسمية فوجده يغط في النوم، تصوروا وزير يغط في النوم في حضرة رئيس الجمهورية ! لكن كل شئ يهون من اجل الفتاة التي تملك مفاتيح خريف خاص بها يحل دون الحاجة لفاصل مداري أو رياح تجارية جنوبية غربية .

ترك والدها يغط في النوم واقتحم مكتبها، وجدها منهمكة في عملها، رفعت رأسها فرأته جاثما أمامها، يغلق ليس فقط كل منافذ الهواء، بل أيضا كل أبواب الحياة، اشتكي من رداءة الطقس، فاندهشت لقدرة هذا الجسد الضخم علي التأثر بالقيظ، لاحظت حبات العرق تغطي وجهه ويديه، سحب كرسيا والقي عليه جسده الضخم، وللوهلة الأولى لاحظ أن ضراوة خريفها توارت قليلا، عرف السبب حينما لاحظ ذيول الحزن في عينيها، وطوال عشر دقائق لبث صامتا ولم يتمكن من النطق ولا بحرف واحد، فيما انهمكت هي في عملها، تجاهلت وجوده تماما .

سحب جسده بعد قليل وعاد إلى مكتب والدها فوجده لا يزال يغط في النوم، ولدي دمعقولة بس السيد الرئيس، استيقظ فجأة وقال مواصلا حديثه :

بقيت مشكلة واحدة هي أننا لا نعلم ماذا ينبغي علينا عمله، ثم قام بتثبيت النظارة التي انزلقت في وجهه قبل أن يتذكر : شئ آخر سيدي الرئيس، أود سؤالك معروفا، لقد اختفي خطيب صفاء ابنتي منذ أربعة أيام أهله لا يعلمون عنه شيئا، وجدوا مكتبه مفتوحا بعد أن تأخر عن العودة إلى البيت حتى وقت متأخر من المساء، واكتشفوا في المكتب آثار عراك، الكتب واوراق القضايا مبعثرة أرضا ووجدوا ربطة عنقه وفردة من حذائه وبعض أزرار قميصه، لم يعثروا له علي اثر حتى بعد أن طافوا علي كل المستشفيات وكل أقسام البوليس .

أجري السيد الرئيس اتصالا فوريا بوزير الداخلية أملاه الاسم : بهاء الدين عبد الرحيم، محام عمره ثلاثون عاما، ثم استجمع رباطة أوهامه ليعود يجلس أمامها، يشعر في حضرتها بنفس الشعور الذي كان يداهمه في حضرة المغفور له النقيب اكرم نور الدين أنه لا شئ، انه يتلاشي في لمح البصر بجسده الضخم، يشعر بأنه بحاجة إلى لافتة يحملها ويعلن فيها أنه موجود، لكي يثبت وجوده الضخم الذي يحجب حتى منافذ الضوء، يحاول أن يحادثها في موضوعات عادية، في تنسيق الزهور، في القراءة، يحاول أن يتذكر مطالعاته المرتبكة أيام مجلس قيادة الثورة، ليوهمها بأنه يعرف الكثير، لكنه يلاحظ أنها لا تكترث لوجوده، وأنها تعامله بنفس طريقة والدها والفرق الوحيد أنها لم تكن تخلد للنوم في وجوده، ولا ترفع لافتات تعلن فيها عن ضيقها من وجوده، رغم أنه كان يري ذلك واضحا في عينيها

 

بعد أن اكتشف السيد المشير أن الموقع الذي حدده بناءً على الخريطة القديمة التي يحملها، كان أرضاً فضاءً ولا توجد ولا حتى آثار قديمة لبيت في المكان، عاد مرةً أخرى ليراجع الخريطة التي كانت على وشك أن تتفتت، ثم خطرت له فكرة أن يكون هناك خطأ في السهم الذي يشير إلى اتجاه الشمال، فقرر أن يجرب تغيير اتجاه سهم الشمال.

وفي اللحظة التي كان يتهيأ فيها لإعادة حساباته بعد أن وجه سهم الشمال نحو الشرق، وصل الوفد الرسمي الذي يمثل أهل القرية يتقدمهم الزين ود حاج النور رئيس اللجنة الشعبية، واكتشفوا بذهول أن السيد المشير كان لا يزال يبحث عن بيته.

لم يكترث هو بهذه الجمهرة ومضى في عمله يفحص الأحجار والأشجار في الموقع مجرداً من خواء الروح الذي نغص عليه حياته في الزمن الغابر، دون أن يلاحظ أن خواء روحه لم يكن سوى ثرمومتر يقيس حرارة براكين رغبته في التسلط، مكتفياً طوال عدة سنوات، بمحاولة مكافحة هذا الفراغ باستخدام حشوات مؤقتة من ومضات الوجدان، دون أن تؤرقه حقيقة بدء خلطه لذكريات منسية مع ذكريات وقائع لم تحدث بعد، ولا شعوره اليقيني الذي كان يداهمه أثناء فترات انهيار نزوات القلب، من أن فراغ روحه لم يكن خوفاً من الحياة كما توهم، بل من الموت، حتى أنه شعر بتحسن شامل، وبانحسار نطاق خواء روحه بمجرد أن أهداه الشيخ الحسين الضرير، العصا التي عصمته من الموت .

عندها رأى وقائع ذكرياته واضحةً وناصعة كأن لم تمسسها يد الزمان، فشاهد تفاصيل أول يوم للاستبداد بالسلطة، وتدفقت في ذاكرته دماء أصدقائه التي أريقت من أجل أن يبقى هو في سدة الحكم .

عندها اكتشف محاسن فراغ روحه، وأن الماضي نفسه ليس مشرقاً بالضرورة، رأى الوقائع الأكثر حزناً لعصري الجفاف الأول والثاني، شاهد رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ محطات الشمس المحرقة يفترشن أثوابهن في أرصفة محطات الصحراء النائية في انتظار قطارات لن تأتي أبداً، في انتظار مفقودين لن يروهن مطلقاً، ورأى يتامى نشرة أخبار الساعة السادسة والنصف، رآهم منتشرين في أزقة وحواري الوطن، رآهم في مدينة أم درمان القديمة، وعلى شاطئ نهر النيل يطاردون العصافير بملابسهم المهلهلة في الجريف، رآهم في صحارى شمال الوطن يأكلون سمك الكور النتن الرائحة ويلعبون شليل في ليالي قمر أبريل يغنون : شليل وين راح .. أكلو التمساح، رآهم على ضفاف النيل الأبيض يلعبون بسمك التامبيرة ويغنون : التامبيرة بت عم الحوت .. لابتحيا ولابتموت، رأى الموتى في ظلمات القبور المجهولة المدفونين في قبور جماعية.

عندها جفف دموعه، وشعر للمرة الأولى أنه أصبح سيداً على فراغ روحه، وأنه لن يكون ضرورياً بالنسبة له لكي يتحكم فيه أن يضطر للانصياع لنير القلب، دون أن يجرؤ على الاعتراف بأنه كان قد تغلب على فراغ روحه لحظات التيه العاطفي، أيام الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف، حينما كان بالإمكان الاستمتاع بخريف خاص داخل القصر الجمهوري، فيما الجفاف يضرب الوطن كله من نيمولي وحتى وادي حلفا، في تلك الأيام كان الأمن مستتباً بفضل جهود العقيد مصطفى سراج الدين، رئيس جهاز الأمن الوطني الذي انتزعه من مقبرته التي يصنع فيها المناجل والسكاكين وهو يتعفن في وحدة لا صديق فيها سوى مرارة أحقاد الذكريات، ولا رفيق سوى لصوص المواشي الذين يتناول معهم عصيدة الدخن وملاح الكول في وهج الضياء الخفيف لشمس سبتمبر الباهتة على ضفاف النيل الأبيض في أواسط الوطن .

العقيد مصطفى سراج الدين الذي علمه السيد الرئيس كيف يتعامل في أوساط المجتمع الراقي، أوساط الدبلوماسيين ورجال الأعمال الأجانب، وكيف ينظف حذاءه، وكيف يزيل القمل من شعره الأكرت بدهنه بكميات قليلة من سم الجمكسين، وعلمه السيد الرئيس كيف يتعامل وفق البروتوكول في حفلات الاستقبال في السفارات الأجنبية، رغم أنه كان لا يتخلى أحياناً عن جلافة سارقي المواشي، فقد مضى يتجشأ مرةً في حضرة السفير الفرنسي، بصوت مفزع مثل صوت بغل ومن رائحة جشائه عرف السيد الرئيس أنه أفرط في شرب المريسة رغم أنه يحاول أن يعلمه شرب الويسكي، بدلاً من المريسة .

العقيد مصطفى سراج الدين الذي استتب الأمن تماماً في عهده، بسبب قدرته الخارقة على التنبؤ ببدء نشوء بذور الخيانة، حتى قبل أن يفكر فيها منفذوها وبناءً على تقاريره الموثوقة كان يتم يومياً اكتشاف أماكن المطابع السرية التي يستخدمها الشيوعيون في طباعة المنشورات وأماكن تخزين السلاح والاجتماعات السرية للمتآمرين .

وبفضل الأخ وزير المالية العقيد الفاضل محمد عبد الكريم سرت نسمة رخاء ارتجف لها جسد الوطن كله، تم تأهيل مشروعات التنمية، واستحدثت زراعة محصولات نقدية جديدة، زرع التبغ في راجا ووضعت الخطط لتنفيذ مشروعات زراعة الأرز في جنوب الوطن، وتم استخراج زجاجة نفط واحدة، عرضت على مشاهدي التلفزيون .

وتوقف تدهور العملة الوطنية، وأمكن التحكم في الفساد المالي في الوطن بسبب اللجنة التي شكلها الوزير من مجموعة من القانونيين أحصت على شركات القطاعين العام والخاص أنفاسها، ولم تترك مجالاً لأية تجاوزات أو إستثناءات في عملية استيراد السلع الممنوع استيرادها دعماً لاستقرار عملة الوطن .

أيام الفتاة التي كانت تملك مفاتيح الخريف والتي كانت الفتاة الوحيدة في العالم التي قالت له لا، رغم أنهم عرضوا أمامها شريط فيديو يظهر فيه خطيبها يحتضر من التعذيب متوسلاً إليها أن تقبل بالسيد الرئيس زوجاً حتى لا يفقد هو حياته.

ورغم ذلك لم تقبل، وخرجت من البيت المراقب من رجال أمنه، خرجت في ملابس رجل وفي منتصف النهار واستقلت القطار واختفت إلى الأبد، دون أن تخلف أثراً يقتفيه رجال أمنه الذين عادوا إليه بعد عدة أيام من اختفائها يجرجرون أذيال نصر زائف :

كأننا نبحث عن إبرة في كومة قش سيدي الرئيس، بحثنا عنها في مجاهل السافنا حيث غناء فتية الدينكا يتصاعد في ساعات القيلولة :

إنا لنصلي لأم الآلهة

من جمع سحري هادي

في أرض كواك لياث جوك .

وبحثنا عنها في سفوح جبال ناكاشوت حيث كنا قد علمنا أنها شوهدت ترقص رقصة الحصاد نياكورث مع فتية من قبيلة الدادينجا، بحثنا عنها بين فلول الهاربين من أواسط القارة بسبب انتشار وباء إيبولا في الكونغو، يحملون أطفالهم وطيورهم الداجنة وينطلقون دون هدف سوى الهروب من مخالب الوباء القاتل .

بحثنا عنها في كرتالا، في جبال النوبة حيث ذكر لنا بعض الأعراب الرحل أنها شوهدت تعزف على آلة الكيتا أثناء عرض لرقصة الكمبلا بمناسبة تتويج صانع جديد للمطر، واقتفينا خطواتها حتى نطاق رياح الهارمتان غرب القارة حيث فقدنا ذات يوم أثر أحد رموز المعارضة والذي لا يزال يتعفن في المنفى حتى اليوم سيدي الرئيس بعد أن مضت ذاكرته تذبل تدريجياً، حتى أصبح يربط نفسه بحبل حتى لا يخرج من البيت ويهيم على وجهه كما يفعل كل مساء .

بحثنا عنها في لوساكا وفي ساحل القارة الغربي، وفي لواندا اقتفينا خطواتها على ضفاف نهر الكوانزا بين أشجار الجاكارندا والباوباب وفي السهول الخضراء بالقرب من ميناء موسي ماديس، وفي شارع ميجيل دي بومباردا في مابوتو حيث زعمت أخبار غير مؤكدة بأنها شوهدت تتجول مساءً بين أشجار النارجيل والباوباب برفقة شاب من قبيلة البانتو، وبحثنا عنها في جوهانسبيرج في أحياء السود الفقراء المنسية، بحثنا عنها على عمق ألف متر في مناجم الذهب وكنا نحمل مصابيح الأستيلين الصغيرة وكدنا نفقد حياتنا إثر وقوع انهيار مفاجئ في المنجم .

وحينما فقدنا الأمل حاولنا العثور على بديل بنفس الصفات سيدي الرئيس، وبنفس خاصية إثارة الشعور بخريف خارج حدود الفاصل المداري، فقطعنا مسافة طويلة لنصل إلى ميناء سانت أنطونيو دوزايراس عند ملتقى نهر الكونغو بالمحيط، ورغم الحرارة الكثيفة والضباب الذي أخفى شهر سبتمبر، إلا أننا بحثنا في أرصفة الميناء بين السفن الراسية منذ عصور القراصنة.

وفي النهاية عثرنا عليها في جزيرة ساوتومية تعمل نادلة في كازينو صغير يطل علي المحيط، وحين صافحتنا اعتقدنا في البداية أنها نفس الفتاة التي نبحث عنها، ذلك أنها أيضاً تملك مفاتيح الخريف، ثم يزيحون ثوب القرمصيص عن وجهها، فتبدأ الضفادع في نفس اللحظة في أداء سيمفونية نقيق جماعي في حديقة القصر، وتهب أنسام الدعاش الخريفية في بهو القصر، ويشاهد الجميع رذاذاً خفيفاً يتساقط في الحديقة رغم أن الشمس كانت ساطعة ولا توجد ولا حتى سحابة واحدة شاردة في السماء، ويتعالى هدير رعد خاص داخل القصر.

يزيحون ثوب القرمصيص عن وجهها، فيشهق جميع الحاضرين حتى السيد الرئيس تكسو وجهه مسحة من الذهول، ليس فقط من دقة التشابه، ولكن بسبب امتلاكها لنفس مزايا حشد الخريف، رغم أن خريف الفتاة المزيفة كان فوضوياً، دون ترتيب : رعد في البداية ثم يأتي البرق، وحتى غناء الضفادع كان يفتقر إلى التناسق، يشير بيده لسحبها خارجاً، يشعر بتجدد فراغ ذاكرته حتى أنه يخلط في اجتماع مجلس الوزراء بين الأخ وزير المالية والأخ وزير شئون القصر، يحدق في الأخ وزير الرعاية الاجتماعية الجالس منزوياً في ركن بعيد وقد وضع على صدره لافتة كتب عليها : أنا أبحث عن صفاء، ويرد السيد الرئيس سراً: وأنا أيضاً، يعرف أن الرجل المسن ينظر إليه بحقد مشوب بالخوف، وأنه يحمله شخصياً مسئولية اختفاء ابنته، رغم أن السيد الرئيس هو الذي أصر على إبقائه ضمن التشكيل الوزاري فيما كان كل معاونيه يحبذون إقصاءه من الوزارة.

أصر على إبقائه بجانبه بسبب شعور يقيني أن صفاء سوف تظهر ذات يوم، تخطر في ردهات القصر بأعراض خريفها الخاص، يشعر في وجوده بالاطمئنان لوجود شخص واحد يتفوق عليه في الحزن على غياب الفتاة التي تملك مفاتيح المطر، والتي اختفت دون أن تترك أثرا واحدا يحدد وجهتها، نشروا دون جدوى إعلاناً في الصحف اليومية بإسم خطيبها ممهوراً بإمضائه رغم أنه كان قد انتقل إلى الدار الأخرى، وقام المارة الذين عثروا على جثته ملقاة على قارعة الطريق بالبحث عن ذويه دون جدوى، لأنه لم تبق في وجهه أية ملامح تكشف شخصيته وفي النهاية وبعد أن أبلغوا الشرطة قاموا بدفنه بعد الصلاة عليه.

ورغم ذلك لم تظهر الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف، بقي يردد دون وعي : كيف يفشلون في العثور عليها وهو يتنشق كل ذرة هواء من حوله، بحثاً عن رائحة خريفها، يشعر به يهب قريباً من أنفه حتى أنه ينتهي إلى حقيقة:

أشعر بها قريبة جداً، وأنها لم تتجاوز خط الاستواء كما زعم العرافون الدجالون، الذين أبرزوا من أجل إثبات مزاعمهم أدلة شفهية لا يرقى إليها الشك.

وفي النهاية أتى له معاونوه بعراف خبير أعلنوا أنه : لم يطلب سوى صحن به ماء سيدي الرئيس، لم يطلب زجاجة فلور دامور وقطعاً من قماش السكروتة بناءً على طلب خدامه من الجان كما طلب سابقوه، طلب فقط صحناً به ماء سيدي الرئيس، ورآها تستقل قطاراً متجهاً نحو السافنا، يتوقف في المحطات النائية التي يهبط فيها مئات المسافرين يشقون طريقهم بصعوبة وسط الباعة الجوالة والنسوة بائعات الزلابية والطعمية، وحين يصل القطار محطته النهائية في أقاصي السافنا، كانت هي الراكب الوحيد الذي لم يغادر القطار، لأنها عادت في نفس القطار سيدي الرئيس.

وفي الصورة التي وصفها كما تظهر في الماء تماماً صبي صغير سيدي الرئيس طلب العراف إحضاره لمشاهدة الصور المائية، واشترط ألا يكون قد بلغ الحلم وألا يكون قد تعرض مرة لصدمة خوف من كلب.

شاهدنا معه الصور التي وصفها لنا بدقة سيدي الرئيس، شاهدنا معه الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ المسنات يتفحصن وجوه المسافرين بحثاً عن وجوه المفقودين من أيام الحرب الأهلية، رغم أن الحرب توقفت منذ سنوات، وشاهدنا أطلال خريف كان يتراجع بسرعة توازي ضعف سرعة القطار، شاهدنا الشلك يرقصون البول، والجور يرقصون الأدو، ورأينا النوير يعودون إلى قراهم وهم يحملون معهم أواني جديدة من الفخار، ورأينا ضمن الوجوه التي تظهر بسرعة أثناء مرور القطار بعض المعارضين الذين نقبنا عنهم الأرض دون جدوى.

 

وحينما عاد القطار مرة أخرى إلى العاصمة، اقتفينا خطواتها وهي تعبر قلب العاصمة في عربة تاكسي صغيرة من نوع تويوتا كورولا اتجهت نحو كوبري النيل الأبيض، ثم اتجهت غرباً نحو ضاحية ام بدة سيدي الرئيس، حيث فقدنا أثرها، قمنا بتفتيش المنطقة شبراً شبراً دون جدوى.

بحثنا عنها في محلات سوق ليبيا بين باعة السجاد وباعة الأقمشة، وبين النسوة بائعات الشاي والمنتجات اليدوية، وفي حلقات المداحين على إيقاع الطار ودققنا في كل الوجوه التي تجمعت حول مجنون كان يشتم الحكومة في أغنيات قصيرة كان يعزفها على الربابة مثيراً أثناء استعداده الغريزي للفرار في أية لحظة، مثيراً من الغبار أكثر كثيراً مما يثير من أشواق مستمعيه، دون أن نعثر لها على أية أثر سيدي الرئيس .

و يطرق هو مفكراً لينتهي إلى: سأعرف كيف أجبرها على الظهور، أمر بإحضار العرافين الذين اقتفوا خطواتها، ورسم أمامه خريطة للمنطقة التي حامت الشكوك حول اختفاء الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف فيها، طالباً إحداث زلزال محدود في المنطقة لإجبارها على الظهور مشدداً على أن يتم الأمر: بأقل عدد ممكن من الضحايا.

طلبوا إمهالهم ساعة للتشاور مع خدامهم، وبعد ساعة عادوا للاجتماع معه مرة أخرى وأعلنوا استحالة إحداث زلزال أرضي لأنه خارج مدى قدرات خدامهم من الجن وأن أقصى إمكانياتهم سوف يسخرونها من أجل مطر كثيف سوف يجبر سكان المنطقة على النزوح يوم الأربعاء السادس والعشرين من أكتوبر في الساعة الحادية عشرة والربع صباحاً.

صباح يوم الجمعة التالي تلقى أول تقرير عن الكارثة : سيدي الرئيس هطلت أمطار رهيبة في نفس الميقات الذي حدده العرافون، بلغت قوتها أكثر من مائة وسبعين مليمتراً واستمرت طوال يومين كاملين ولم تتوقف إلا هذا الصباح بعد أن مسحت الضاحية كلها من الوجود تماماً، وحتى سوق ليبيا نفسه جرفته المياه الكثيفة وشاهدنا الأجهزة الكهربائية غارقة مع تلال من الموكيت والسجاد والحقائب الجلدية، فيما انهمك رجال الشرطة والدفاع المدني في مساعدة ضحايا الكارثة.

وفي نفس اليوم قام بنفسه بتفقد الكارثة، وأمر بسرعة صرف المواد الغذائية للمتأثرين ومساعدتهم لإعادة بناء منازلهم، وأثناء طوافه الجوي بطائرته العمودية، أمر الطيار بأن يهبط إلى أقل ارتفاع ممكن ليتفحص بنفسه وجوه عشرات المواطنين المنهمكين في محاولة إنقاذ أمتعتهم القليلة من تحت الجدران المنهارة، فيما رجال العقيد مصطفى سراج الدين يمشطون صفوف ضحايا الكارثة بحثاً عنها، وفي المساء جاءوا يجرجرون أذيال الخيبة : لم نعثر عليها سيدي الرئيس كأنها ذابت في ماء المطر، فيشعر بتفاقم فراغه الروحي لدرجة أنه يعجز حتى عن إصدار أي أمر، يرقب فقط محاولات رجال أمنه الذين أعلنوا في الصحف في اليوم التالي عن اعتقال وزير الرعاية الاجتماعية لاتهامه بالمشاركة في مؤامرة لقلب نظام الحكم .

وفي اليوم التالي نقل الأخ وزير الرعاية الاجتماعية من القصر مباشرةً إلى سجن كوبر وفي صدره كان لا يزال يضع اللافتة التي كتب عليها : أنا أبحث عن صفاء .

ولكن دون جدوى فلم يظهر لها أية أثر، فيشعر بتزايد وطأة فراغ روحه، لا تخفف عنه محاولات معاونيه التي تمهد لحمله على النسيان: كأن قلبها قد من حجر سيدي الرئيس، لم تظهر حتى قتل خطيبها والآن يبدو أنها لا تأبه أيضاً لمصير والدها !، يشعر بضراوة فراغ روحه يرفع الغطاء عن رغباته الأزلية في العراك حتى أنه ينهال ضرباً دون تمييز على كل من حوله.

وفي اجتماع مجلس الوزراء الذي أعقب الإعلان عن المحاولة الانقلابية الوهمية التي تمت بتدبير من وزير الرعاية الاجتماعية كما جاء في الإعلان الرسمي، انهال لكماً على الأخ وزير الداخلية الذي نفى أمام مراسلي وكالات الأنباء العالمية أن يكون لديه أية معلومات حول وجود مؤامرة انقلابية، واستهل تعليقه في اجتماع مجلس الوزراء على القضية بقوله:

يبدو أن رجال أمننا يكذبون ثم يصدقون أكاذيبهم نفسها !، لم يستمر اجتماع مجلس الوزراء طويلاً، وانتهى بعد دقائق عاصفة باستقالة الأخ وزير المالية الفاضل محمد عبد الكريم .

فصل جديد

في تلك اللحظة وصل الوفد الرسمي الذي يمثل أهل القرية، يتقدمهم الزين ود حاج النور رئيس اللجنة الشعبية، واكتشفوا بذهول أن السيد المشير كان لا يزال يبحث عن بيته، وللوهلة الأولى اكتشفوا أن الخريطة التي اعتمد عليها لتحديد موقع بيته كانت قديمة جدا، وأنها رسمت في زمان آخر، قبل إعادة تخطيط القرية بعد كارثة الزحف الصحراوي التي شلت الحياة في القرية طوال سنوات، ولتزويده بمعلومات معاصرة حول الكارثة بادر الزين ود حاج النور بالحديث :

واجهنا في البداية سيدي المشير كارثة الزحف الصحراوي التي غيرت وجه الحياة في قريتنا لسنوات، حتى أننا كنا نستيقظ من النوم صباحاً، لنجد أنفسنا مدفونين في الرمال، حتى أصبح كل من يخلد للنوم يثبت جوار عنقريبه شاهداً من فرع شجرة لتعثر عليه فيما بعد فرق الإنقاذ المحلية التي شكلناها من شباب القرية، واضطررنا في النهاية إلى نقل أبقارنا وأغنامنا إلى مناطق قريبة من نهر النيل .

وفجأة فاض النهر سيدي المشير فاضطررنا للنزوح من القرية وخرجنا بملابسنا التي كنا نرتديها فقط، وحينما انحسر نهر النيل بعد بضعة أسابيع، عدنا إلى منازلنا فوجدنا كل شئ في مكانه معلباً في الطمي الذي خلفه الفيضان .

وجدنا الدجاجات التي كانت تحضن بيضها وقد تجمدت مع البيض في قطع صلبة من الطمي، ووجدنا أواني الطبخ السوداء وصحون الطلس والألمونيوم وقد تجمدت في قطع الطمي ولا تزال عليها آثار عشاء يوم الخامس من أغسطس الأخير، واكتشفنا أن القرية كلها أصبحت قطعة واحدة ضخمة من الطمي وأن معالم البيوت قد اختفت تماماً، ولم نستطع الاستدلال على مواقع بيوتنا القديمة إلا بالأشجار.

بدأنا في إعادة تخطيط القرية وإعادة بناء المنازل، ولم يكن صعباً الاتفاق بعد الكارثة على نسيان خلافات الأراضي القديمة، بحيث لم يعترض أحد حينما حددنا قطعة أرض لإقامة سوق أسبوعي عليها، وقطعة أرض خصصناها للشباب ليلعبوا عليها الكرة، ورغم حمى الملاريا التي أصابت الجميع بسبب المستنقعات التي خلفها الطوفان والتي أدت لتوالد البعوض، ورغم ظهور مرض اللشمانيا الجلدي بسبب آفة الذبابة الرملية، إلا أننا وبعد عمل جماعي شاق استمر ثلاثة أشهر بدأنا نعيد الحياة إلى مجراها وبدأت معالم القرية تتضح مرة أخرى .

وفي اللحظة التي حملنا فيها أثاثاتنا القليلة التي خلفها الطوفان واتجهنا إلى بيوتنا منهكين من السهر وحمى الملاريا، وصلت قافلة حكومية تحمل بعض مواد الإغاثة سيدي المشير : جوالين من الذرة وجوال واحد من الذرة الشامية وعشرة آلاف قرص كلوروكوين لمعالجة الملاريا وسبع خيم ولا شئ آخر .

وفيما لم يبد السيد المشير تعاطفاً يذكر مع هذه الرواية الشعبية للكارثة وبدا لاهياً بالتدقيق في خريطته التي لم يقتنع بأنها لم تعد صالحة لتدل على أي شئ، بدأ الاستقبال الرسمي من حوله، ضرب النحاس الذي كان يخص الملك طمبل آخر ملوك مملكة أرقو، ثم رحب الزين ود حاج النور بالقادم لزيارة مسقط رأسه، ودون أن يشعر وجد المشير نفسه جالساً على مقعد في قلب احتفال لم يرغب في المشاركة فيه، وفجأة شاهد الوجوه تنساب وتذوب في مشهد سريالي أمام عينيه، وشاهد شخصاً يتحدث ولكن دون صوت، عندها أدرك للمرة الأولى أن فراغ روحه هزمه منذ اللحظة الأولى وقبل عدة سنوات، وأنه مضى يفرغه تدريجياً من الحياة حتى استحال عليه أن يلحظ أنها كانت تمر من حوله بنفس إيقاع مرورها حتى قبل أن يبدأ عصر الجفاف الأول.

وفي لحظة الفوضى التي اجتاحت وجدانه شاهد مرور شريط وقائع منسية تدافعت دون ترتيب إلى ذاكرته، فعرف للمرة الأولى أن رجال أمنه خدعوه في أيام الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف والتي اختفت فجأة ودون أن تترك أدنى أثر.

اكتشف أن رجال أمنه كانوا يكذبون عليه حينما كانوا يقدمون تقارير مليئة بالأكاذيب حول الجهود التي بذلوها من أجل العثور عليها، وأن الفواتير التي قدموها لمنصرفات السفر والإقامة في الفنادق كانت كلها مزورة وأنهم لم يغادروا حدود الوطن، واكتشف للمرة الأولى فضيحة أنهم اتفقوا مع راقصة أثيوبية لتمثل دور شبيهة الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف في محاولة أخيرة لخداعه بإيحاءات خريف مزيف.

وأنهم ضبطوا أجهزة التزييف لتعمل في نفس اللحظة التي يكشف فيها ثوب القرمصيص عن وجه الفتاة، فتردد أجهزة التسجيل صوت الرعد ونقيق الضفادع، ويعمل جهاز بدائي يدار باليد لضخ رذاذ خفيف من الماء في حديقة القصر ليشيع جواً خريفياً مزوراً.

وشاهد في الشريط الذي عبر في قفر ذاكرته حيث لم تبق من الذكريات سوى شواهد من الكرتون كأنها مقبرة في حلم، شاهد في الشريط العقيد الفاضل محمد عبد الكريم في اجتماع عاصف لمجلس الوزراء دون ان يتبين من الصور المصاحبة زمان ذلك الاجتماع الصاخب.

العقيد الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية الأسبق الذي قال في معرض استقالته وكان هو الوحيد من مجلس الوزراء الذي لم يجرؤ السيد الرئيس على ضربه، وفيما كان مجلس الوزراء كله ملقىً أرضاً، كان العقيد الفاضل محمد عبد الكريم هو الوحيد الذي بقى جالساً بهدوء في مواجهته، تحدث دون مقدمات:

كأن الوطن أصبح ضيعة تملكها سيدي الرئيس، الخراب يعم كل مكان والمؤسسات الحكومية كلها منهارة ينخرها الفساد، وخيرة أبناء الوطن إما تحت التراب أو في معتقلات الموت فيها أمنية غالية، وحتى المعتقلين في المحاولة الانقلابية الأخيرة الذين وعدت بإطلاق سراحهم، أمرت بترحيلهم سراً إلى وادي الحمار في الصحراء الشمالية حيث أعدموا ودفنوا هناك دون أن يمنحوا فرصة ليودعوا ذويهم.

والمعتقلين السياسيين الذين وعدت بإطلاق سراحهم، أطلقت بدلاً منهم سراح مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق الذين عرضهم التلفزيون على أنهم معتقلون سياسيون أخلى سبيلهم، وأعلنوا أنهم اقتنعوا بالنهج الرشيد للثورة وأنهم مستعدون للانخراط في ركب الثورة وخدمة الوطن من داخلها.

كانت مهزلة سيئة الإخراج، حتى الأطفال تعرفوا عليهم، وقالت طفلة في جوارنا لأمها : هذا الرجل يشبه الحرامي يا أماه !. ومن أجل خداع من ؟ وفي هذه الظروف السيئة، حيث الوطن لا يزال يلعق جراحات مواسم متكررة من الفشل، تدعو لانتخابات مكلفة لرئاسة الجمهورية، ولا تسمح لكائن من يكون بأن يحاول الترشيح ضدك رغم أن الدستور الذي فصله مستشاروك على مقاسك، يسمح بوجود مرشح آخر، فيدفع الوطن عشرات الملايين يحتاجها يتامى عهدك السعيد، يحتاجها الجوعى ومرضى الملاريا وضحايا التشريد الرسمي والكوارث الوطنية، من أجل مداواة جروحهم، في أجسام أصبحت كلها جروح، حتى أصبح كل جرح جديد ينشأ يصادف في مكانه جرحاً قديماً لم يلتئم بعد.

يدفع الوطن عشرات الملايين فيما مشروعات التنمية تحتاج لكل مليم لإعادة تأهيلها وبسبب توقفها وعدم وجود مشروعات بديلة بسبب الجفاف، هجر الناس قراهم فنفقت الحيوانات وتشتت شمل الأسر.

يدفع الوطن عشرات الملايين في انتخابات يحدد المنافقون نتيجتها سلفاً :99,99 % قالوا نعم سيدي الرئيس، بينما الموظفون الذين يقومون بالإشراف على عملية الاقتراع يقولون للمواطنين المساكين: لا داعي للحضور لمراكز التصويت لأننا قمنا بالتصويت لكم! وحتى قول كلمة لا غير مسموح به، لأن هذه الانتخابات الوحيدة في الدنيا، التي لا يوجد في لجان إقتراعها سوى صندوق واحد، صندوق مكتوب عليه نعم، وعليه صورتكم، نفس الصورة المطبوعة في عملة الوطن لتذكر الناس في كل لحظة وحتى في أسوأ لحظات المعاناة، حيث أصبح من الصعب تأمين لقمة العيش التي تقيم الأود، لتذّكر الناس مبتسماً بأن لا مهرب منك إلا إليك .

 

ألم تسمع قصة الأعرابي الذي اقتحم مركز الانتخابات في إحدى قرى الغرب النائية، شاهراً سيفه وطلب أن يرى ذلك المرشح: الذي يجرؤ علي منافسة سيدي الرئيس الذي أنقذنا من العطش فيما لسانه يتدلى خارجاً مثل كلب من العطش، ووفر لنا الكساء: فيما مواطن عورته واضحة للعيان من مزق سرواله، ووفر لنا الدواء: فيما رأسه يكاد يسقط من فرط إعياء حمى الملاريا، أين ذلك المرشح الذي يجرؤ على الوقوف ضد السيد الرئيس حتى أروي سيفي من دمه، قالوا له: بامكانك ان تطمئن، لا يوجد مرشح آخر! فقال وهو يعيد السيف إلى غمده: (طيب يا أولادي لماذا كل هذا التعب مادام لا يوجد مرشح آخر!

وفي حين يتضور الوطن كله جوعاً، ويموت العشرات كل يوم بسبب المجاعة الناجمة عن الجفاف وسوء الإدارة، يصرف جهاز أمنك عشرات الملايين في تجوال عبر القارة، بحثاً عن فتاة لا تبحث عنها بدافع الحب بل الحقد، لأنها جعلتك تتذكر دفعة واحدة كل هزائمك القديمة، حينما اعتقدت أنك تجاوزت كل آثار فشلك بالجلوس في قمة السلطة، وبسبب وفاءك الخفي للفشل، تحاول إذلال كل المتعلمين، وفوجئت وأنت في قمة السلطة بأحدهم يقول لك لا، فأيقظ ذلك فيك كل أحقاد فشل الماضي، ورأيت الحقيقة الواضحة مثل الشمس والتي يستحيل إخفاءها كل الوقت : أنك فاشل وسوف تظل فاشلاً حتى لو جلست على عرش إله.قال العقيد الفاضل محمد عبد الكريم ذلك ثم نهض من مقعده وجمع أوراقه التي تناثرت أمامه، دون أن يتمكن من سرد محتوياتها من تفاصيل الانهيار الاقتصادي، وضعها في حقيبته الجلدية، ثم كتب على ورقة بيضاء وهو لا يزال واقفاً استقالة من سطر واحد، دفعها بقوة فاصطدمت بوجه السيد الرئيس قبل أن تستقر على المنضدة.

نظر إلى ساعة الجدار فرآها تقترب ببضعة ثوان من الساعة الثانية عشرة منتصف النهار: الوقت الذي سيداهمه فيه ملك الموت، ثم استدار مغادراً القصر بخطوات واثقة، وقبل أن يصل باب الخروج من غرفة الاجتماعات الواسعة حيث لم يبق سوى السيد الرئيس في مكانه على رأس مائدة خشب التيك الطويلة، فيما كان مجلس الوزراء كله لا يزال منطرحاً أرضاً، وفي اللحظة التي وصل فيها العقيد الفاضل محمد عبد الكريم للباب، دوى طلق ناري، وفي نشرة الساعة الثالثة نعى السيد الرئيس العقيد الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية الذي توفي أثر نوبة قلبية حادة داهمته أثناء انعقاد جلسة مجلس الوزراء أثناء مناقشة تفاصيل الخطة الخمسية التي وضعها الأخ الوزير الراحل لمحاولة إنعاش اقتصاد الوطن.

دوى الطلق الناري في أرجاء القصر وسمعه المارة في شارع الجمهورية فتوقفوا لبرهة أمام قوة الطلق الناري الذي دوى في أرجاء الوطن، وسمعه باعة الحبوب في السوق العربي، وحائكو الملابس المنتشرون في فرندات السوق العربي، فتوقفت سمعه المواطنون وهم محشورون في بصات التاتا القديمة فوق كوبري النيل الأبيض، عيار ناري بلغ من قوته أن الجميع شعروا بالكوبري العتيق يهتز من تحت أقدامهم، وسمعته النسوة في أسواق الصمغ العربي في غرب الوطن، والقوافل التي تحمل العطرون في قلب الصحراء، وسمعته النسوة اللائى يجمعن الزنجبيل والحطب الذي حمله نهر القاش المنحسر، سمعه الصبية في مجاهل السافنا وهم يلعبون لعبة الأليبوك بين أشجار المانجو والباباي، وسمعه الصبية في صحراء الشمال وهم يلعبون شليل، لأن شليل نفسه اختفى في ذلك الزمان، حيث لا سلوى في ذلك القفر البعيد سوى النسيان.

ولإزالة أثار الطلق الناري الذي كان لا يزال صداه يدوي في أرجاء القصر، أمر بفتح الأبواب العتيقة المغلقة منذ العهد الاستعماري، واستقبل داخل القصر فرقة الفنون الشعبية التي قدمت عرضاً صاخباً لرقصة الكمبلا، وشاهد عرضاً لفرقة الأكروبات الوطنية التي تدرب أعضاءها في الصين، كان يشاهد مندهشاً الفتاة التي تسير على الحبل، فلا يصدق المعجزة يقول : كأن جسمها من عجين .

واستقبل فرقة أثيوبية غنت بمصاحبة المغنّية مريم ماكبا، أحدثت فرقة الفنون الشعبية على إيقاع النقارة ضجة اهتزت لها جدران القصر حتى أصمت أذنيه الأصوات العالية، ضجة كانت كافية ليس فقط لتنظيف القصر من دوي الطلق الناري، بل لتنظيف الوطن كله من الذكريات المرفوضة . ولكن بعد انسحاب الفرقة اكتشف أن صوت العيار الناري كان لا يزال يتردد بصوت مكتوم، بصدى موجي يزداد قوة كلما دقت الساعة الثانية عشرة منتصف النهار لحظة إطلاق العيار الناري على الوزير الراحل، يشعر بتفاقم فراغ روحه، يصل مداه في الثانية عشرة منتصف النهار حتى أنه يضطر لاستقبال العقيد مصطفى سراج الدين في حديقة القصر يستمع إليه بارتباك فيما زهور الجهنمية وورد الحمير وزهور الورد الإنجليزي واللانتانا تنكمش كلها لحظة أن تدق الساعة الثانية عشرة منتصف النهار، لحظة انطلاق العيار الناري، يستمع إلى العقيد مصطفى يقول : قمنا بإحباط مؤامرة لاغتيالك سيدي الرئيس أثناء مخاطبتك للاحتفال الحاشد بمناسبة عيد الاستقلال المجيد، واعتقلنا المتآمرين وصادرنا كمية من المتفجرات تكفي لنسف قطار، كانت معدة لنسف المنصة التي ستلقي فيها كلمتك سيدي الرئيس .

ويطرق السيد الرئيس مستمعاً بدون أدنى اهتمام فيما دوي العيار الذي أودى بحياة وزير المالية العقيد الفاضل محمد عبد الكريم لا يزال صداه يتردد في جوف ذاكرته، مصحوباً بصور المشهد الأخير لحياة الوزير الراحل، المشهد الذي كان يتكرر بإيقاع موجي ثابت في ذاكرته حتى أنه فشل في إقصائه من واجهة الذاكرة .

كان العقيد الفاضل محمد عبد الكريم يخطو خارجاً بعد أن ألقى باستقالته في وجهه، كان يخطو بخطوات واثقة، خطوات رجل، حينما اخترقته الطلقة من الظهر فلم يهتز جسمه، واصل سيره بنفس خطواته الواثقة، وحينما خطا في الخارج نحو أول درجة من درجات السلم انهار وسقط جسمه فوق درجات السلم وتناثرت الأوراق من حقيبة يده وتساقط جزء منها في مياه النافورة، وتبعثر آخر مشروع جدى من أجل إنقاذ الوطن .

انتبه السيد الرئيس حينما استمع فجأةً إلى أنين خافت من خلفه وهو يعيد مسدسه إلى جيبه إلى مجلس الوزراء الذي كان مبعثراً أرضاً، فانهال عليهم ضرباً وطاردهم حتى سلالم القصر الخارجية حيث لازالت جثة العقيد الفاضل محمد عبد الكريم تنزف دماً في شمس يناير .

يستمع دون اهتمام للتقرير اليومي للعقيد مصطفى سراج الدين : ضبطنا مائة ألف نسخة من هذا المنشور، يختلس نظرة عجلي إليه فيرى نفسه ببزته العسكرية يتبول واقفاً فوق خريطة الوطن .. يا للفضيحة !، وضبطنا خمسين ألف نسخة من هذا المنشور، يختلس نظرةً إليه فيشاهد الأرقام المفزعة لفساد عهده، وضبطنا سيدي الرئيس عشر مطابع رونيو تدار باليد وواحدة تدار بالكهرباء، وستة آلات كاتبة صغيرة، ثم يضع أمامه تقريراً من سبع وأربعين صفحة ويقول : هنا قمنا بتفريغ الشرائط التي سجلنا عليها اجتماعات مجلس نقابة المحامين، حيث أصبحت دارهم سيدي الرئيس مهداً مكشوفاً للتآمر، ورغم أننا اعتقلنا عدداً من رؤوسهم إلا أن اجتماعاتهم التآمرية تتواصل ليلاً ونهاراً ونصف المنشورات التي نصادرها صادرةً عنهم . ثم يختم العقيد مصطفى سراج الدين تقريره اليومي يقدم عصا سوداء من الأبنوس لها مقبض من العاج : هذه العصا أرسلها الشيخ الحسين ود عثمان الضرير ، ذكر أنها تحميك من الرصاص، ويتأبط السيد الرئيس العصا يشعر في وجودها في يده بأن فراغ ذاكرته يبدأ في الانحلال، ذلك الفراغ الذي ما كان له أن ينشأ لولا ظهور تلك الفتاة التي تمتلك مفاتيح الخريف ، يتأبط عصاه فيشعر بها تخفف من دوي الطلق الناري في ذاكرته ، رغم أن صداه لا يزال يتردد في ردهات القصر خاصةً كلما دقت الساعة الضخمة عند حلول الثانية عشرة منتصف النهار ، فيأمر بإيقاف الساعة ورغم ذلك يزداد إيقاع صدى العيار الناري عند حلول الساعة الثانية عشرة منتصف النهار.

يتأبط العصا فيشعر بها تخفف من فراغ ذاكرته حتى أنه يلمح بدايات بعض الوقائع المنسية تبدأ في النمو بين ثنايا خيوط العنكبوت على جدران ذاكرته، يصدر قراراً بتعيين أحد مستشاريه وزيراً للمالية: الدكتور عز الدين الزين، فيؤدي الأخ الوزير الجديد القسم فيما كان رجال الأمن يسحبون جثة العقيد الفاضل محمد عبد الكريم وينظفون الأرض من آثار الدماء، والإذاعة تذيع القرآن الكريم والموسيقى العسكرية، بعد إعلان الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام.

يؤدي الدكتور عز الدين الزين القسم وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني، الوزير الوحيد الذي استطاع أن يبقى في منصبه طوال خمس سنوات، والذي لولا مقتله بعد سنوات، (لوصل بنا الحال إلى بيع ملابسنا) كما أعلن السيد الرئيس مرةً والذي كان يمكن أن يستمر في منصبه إلى الأبد لولا عناية الله، لأنه ببساطة أمسك في يديه كل مفاتيح الوطن، حتى أن السيد الرئيس ووزرائه كانوا يقفون صفاً كل يوم ليتسلموا منه مصروفاتهم، فيفاصل معهم : تكفي خمسمائة جنيه سيدي الرئيس ,, يمكن أن تمشي بها حالك حتى تتحسن الأحوال!، حتى نتمكن من تشغيل ماكينة طباعة النقود التي تعطلت، حتى نتسلم إيراد القطن الذي بعناه بشيكات آجلة الدفع لنرفع من سعره قليلاً، حتى نتسلم قيمة حبوب عباد الشمس التي بعناها لتاجر عربي ولم يعطنا قرشاً واحداً بل أخذنا منه وصل أمانة سيدي الرئيس، وحتى نتسلم قيمة محصول الصمغ العربي الذي بعناه لشركة من جنوب شرق آسيا أعطتنا مقابله كمية من العربات اليابانية المستعملة عرضناها للبيع في سوق الجمعة.

كان يتعامل في منتجات الوطن وكأنه تاجر في سوق الملجة أو الكرين، ويفاصل مع مندوبي الشركات الأجنبية مثل تجار الماشية يقول فجأةً أثناء النقاش: يفتح الله، هذا السعر" ما بيخارج معانا "!

يستمع السيد الرئيس كل صباح إلى تقارير رجال أمنه عنه: لا نقود إلا في محفظته سيدي الرئيس والنقود التي قمنا بطباعتها في مطبعة جهاز الأمن، لم يعد أحد يستخدمها بسبب الإعلانات التي ينشرها في الصحف اليومية يوضح فيها الفروق الدقيقة بين العملة التي يصدرها بنك الوطن والعملة التي نقوم بطباعتها، حتى أن الناس أصبحوا يدققون في كل قرش قبل استلامه، ويستمع إلى مندوبي شركات القطاع الخاص التي تنفذ بعض الأعمال للحكومة: أنه بخيل جداً سيدي الرئيس فمن أجل أن يصدق لنا بصرف النقود التي أصبحت مستحقة لنا منذ عدة أشهر، اضطررنا للذهاب إلى مكتبه يومياً طوال ثلاثة أشهر وفي النهاية رفض أن يصدق لنا إلا بثلث المبلغ وقال لنا: "باركوها يا جماعة .. المال تلتو ولا كتلتو"! كأننا في سوق سعد قشرة سيدي الرئيس .

وفي فترة توليه للوزارة أصدر قراراً أن كل الإيرادات الحكومية في مختلف أقاليم الوطن تورد أولاً إلى وزارته، حتى إيرادات معدية جزيرة لبب ومعدية مدينة كريمة في إقليم الشمال، كانت تورد في وزارة المالية المركزية مع كل إيرادات الضرائب والرسوم على امتداد الوطن، وبعدها حينما يصل مندوبو الأقاليم، تستمر المفاوضات عدة أيام، قبل أن يلقي إليهم بفتات قليل، حتى أن الاختلاسات توقفت في الوطن كله، لا بسبب انتشار الأمانة والخلق القويم كما كانت الصحف الرسمية تعلن، ولكن لأنه لم يكن يوجد مال لاختلاسه، لأن الدكتور عز الدين القصير القامة الذي يتحرك بخطوات قصيرة كأنه لعبة تتحرك بزنبرك، لأن الدكتور استولى على كل شئ، وللمرة الأولى منذ سنوات ارتفعت قيمة العملة الوطنية ليس لأن مشروعات التنمية كانت تعمل بقوة إنتاج مضاعفة كما أشاعت بعض الدوائر الرسمية، لأن مشروعات التنمية ظلت مغلقة، وبقيت الماكينات تختفي تحت غطاء كثيف من الطحالب والغبار منذ اللحظة التي دوى فيها العيار الناري الذي أودى بحياة العقيد الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية السابق، وليس بسبب اكتشاف وتصدير البترول كما أشاعت بعض الجهات، لأن كل ما عرض منه كان لتراً واحداً في زجاجة ويسكي، ولكن لأن النقود لم تكن موجودة لا في الأسواق ولا في جيوب الناس، وكان الموظفون يبقون عدة أشهر قبل أن يتسلموا مرتباتهم حتى أن المواطنين في المناطق النائية عادوا لأسلوب المقايضة لإجراء عمليات البيع و الشراء.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان