• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل السابع) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل السابع)

 

بعد أن بذل جهدا شاقا حدد السيد المشير موقع بيته في نهاية الشارع، ألا انه اكتشف أن الموقع الذي حدده كان خاليا تماما ألا من مجموعة من أشجار العشر وبعد أن أعاد حساباته عشرات المرات كان يعود في كل مرة إلى نفس المكان، حتى انه اضطر لطرق اقرب باب بيت مجاور ليتأكد من موقع بيته .

فتحت له الباب الأرملة دار المقام بت الشيخ عثمان، وبسبب شحوب القيظ في وجهه وملابسه الخضراء الداكنة، اعتقدت في البداية انه زوجها الغائب منذ اندلاع مارشات أول انقلاب عسكري فاشل ضد السلطة العسكرية، فألقت بنفسها في حضنه، ألا أنها اشتمت في كثافة رائحة عرقه رائحة اللبن المتخثر تفوح مع أنفاسه فعرفت بسبب خبرتها أنها إشارة لمجد ضائع .

دعته ليجلس في فناء البيت علي مقعد خشبي تحت شجرة النيم وأعدت له كوبا من القهوة، ولأنها لم تستطع تذكر هويته الذائعة الصيت في القرية، لأنها أغلقت جهاز الراديو منذ عدة سنوات للمرة الأخيرة حينما سمعت اسم زوجها الجندي بالجيش يرد ضمن مجموعة حكم عليها بالإعدام .

أغلقت جهاز الراديو وأغلقت معه قلبها حتى تحجر، ولم تترك له سوي منفذ وحيد لدمعقولة بس الهواء حتى لا تتعفن ذكرياتها، وأغلقت باب دارها وتفرغت لتربية الأطفال الثلاثة بإرث قليل ورثته عن المرحوم والدها وبمساعدات قليلة ظلت تتسلمها دون انتظام من شقيقها الذي هاجر من الوطن .

أعدت له القهوة دون أن يدر بخلده وهو يرقبها تعد القهوة علي نار حطب السنط، انه أن كان هناك عدو واحد في الدنيا لهذه المرأة التي جلست أمامه أرضا تنفخ النار فيما تناثرت خصلات شعرها المصبوغة بالحناء، فسيكون هو، وأن زوجها هو أحد الجنود الذين أمر بالحكم عليهم بالإعدام، رغم أن القانون لا يجيز إعدام الجنود لأنهم ينفذون تعليمات الرتب الأعلى، في ذلك الانقلاب الذي أطلق عليه هو نفسه الانقلاب التافه، انقلاب لم تحتج قواته من اجل القضاء عليه ألا لاطلاق طلقة واحدة في الهواء .

انقلاب معزول لم يجد مساندة من أحد، حتى الفنيين في الإذاعة تسلقوا الجدران وهربوا حينما شعروا بارتباك مجموعة الضباط والجنود التي اقتحمت الإذاعة، انقلاب انتهي حتى قبل أن يبدأ، وحتى البيان الأول لم تتم إذاعته لأن البيان الذي اعد في الليلة المنصرمة ضاع فجأة، وفيما كان الانقلابيون عاكفين داخل الإذاعة علي وضع بيان جديد اقتحمت قواته المكان .

أمر بإعدام الجميع، حتى الضابط الذي كان مشاركا في الانقلاب لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة وابلغ جهاز الأمن بتفاصيل التحرك الانقلابي مما كان له الأثر الحاسم في فشل الانقلاب، ورغم ذلك أمر بأن يعدم الواشي في البداية، لأن من يخون أصدقائه لا يمكن لنا أن نأمن غدره، كما أعلن .

شعر ببعض الاستقرار النفسي، نفس الأعراض التي تنتابه عقب دحر كل محاولة انقلابية، وعقب القضاء علي كل محاولات تنظيم انتفاضة تأتي من الشارع، نفس الأعراض التي تنتابه كلما تأكد من أن مجموعة أخري من أعداء الثورة كما تطلق عليهم البيانات الرسمية أصبحت خارج حلبة الصراع، تم تحييدها إلى الأبد .

ينفض عن يديه غبار الموت ويواصل الحياة، نفس الأعراض التي تنتابه كلما تولت أجهزة أمنه كنس آخر آثار المؤامرة الدنيئة علي مكتسبات الشعب كما تسميها أجهزة إعلامه، ويتم القبض علي آخر المتعاطفين المدنيين مع المحاولة ويزج به إلى النسيان، وبعد تمزيق آخر المنشورات التي تطبع لتهيئة الشارع لتقبل الوضع البديل، وبعد أن يوقع علي القرارات الجمهورية بالتغييرات الروتينية في قيادة جهاز أمنه عقب كل محاولة فاشلة، ويقرأ تقارير اللجنة المختصة التي شكلها للتحقيق في الثغرات التي نفذ منها الانقلاب الأخير، يقرأه دون اهتمام، دون حتى أن يلاحظ أن التقرير كان مطابقا لكل التقارير السابقة، يقرأه دون اهتمام ثم يضعه في درج مكتبه وينساه .

يشعر ببعض الاستقرار النفسي، فيستمع بهدوء لوزير ماليته : سيدي الرئيس منعنا استيراد ثلاثين سلعة كمالية دعما لاستقرار العملة الوطنية، ورغم ذلك فإن المعروض منها في الأسواق تضاعف، الفرق فقط هو أن أسعارها تضاعفت رغم أننا علمنا أنها صارت تدخل إلى البلاد دون دفع جمارك عليها، وهذه صور لأوامر صدرت من القصر بإعفاءات جمركية لبعض المتعاملين في هذه السلع، فيلقي نظرة عجلي علي أسماء هؤلاء المتعاملين فيكتشف فيها ثلاثة من أسمائه المستعارة التي يستخدمها بعض مساعديه فيحتفظ بالورقة ويطمئن الوزير بابتسامة محاولا إنهاء المناقشة بقوله : سوف أحقق في الأمر .

ألا أن الأخ الوزير استرسل : هناك شئ أخير سيدي الرئيس، وهو أمر خطير جدا، لقد اكتشفنا أن لجهاز الأمن مطبعة نقود خاصة به، وفسر لنا ذلك أسباب تدهور العملة الوطنية رغم أننا نفذنا كل المقترحات التي أوصي بها نخبة من الخبراء وأساتذة الجامعة من أجل الحد من السيولة بتخفيض تسهيلات البنوك الممنوحة للمتعاملين وبرفع الرسوم والضرائب والجمارك، ورغم ذلك ظلت العملة الوطنية تتدحرج حتى اكتشفنا وجود أوراق جديدة في السوق، لم تتم طباعتها تحت إشراف بنك الوطن، ولاحظنا الفرق الواضح في صورتك سيدي الرئيس، أن نقود جهاز الأمن جعلتك مبتسما سيدي الرئيس !.

يبتسم هو أيضا ويفكر : ماذا لو علم الأخ الوزير أننا في القصر أيضا بصدد استيراد مطبعة خاصة بنا، يعده بدراسة الأمر واتخاذ الإجراءات المناسبة، ويتسلم من الأخ الوزير ورقة مالية فئة خمسة وعشرين قرشا لكي يري صورته مبتسما بدلا من صورته في عملة بنك الوطن التي جعلته يبدو حزينا علي نحو ما، فيما جعلته عملة جهاز الأمن يبدو في المظهر الاكثر واقعية : يبدو سعيدا، في المظهر الذي يليق بمتطلبات المرحلة حيث لا هم لأعداء الثورة سوي البحث عن ثغرة تنبئ عن عدم استقرار النظام .

وحتى لا يفقد أواصر تواصله الشعبي، فقد واصل ظهوره المفاجئ في أماكن عامة فزار خلال أسبوع مصنعا للنسيج واستمع لشرح المهندس المسئول حول طريقة عمل الماكينات، وحول أسباب توقف بعض خطوط الإنتاج بسبب نقص قطع الغيار وشوهد في جهاز التلفزيون وهو يستمع بصبر لشكاوي العمال، وهو يطمئنهم إلى انه قام بتكوين لجنة لوضع اقتراحات من اجل تخفيف أعباء المعيشة .

كما شوهد في جهاز التلفزيون وهو يشارك في توزيع شهادات التفوق والجوائز في مدرسة ابتدائية في منطقة أم ضوا بان، وهو يشارك مع التلاميذ في إنشاد ديني لقصيدة السراي، وهو يشاركهم في أداء نشيد وطني، وهو يصفق لتلميذ صغير قدم عزفا علي صفارة مصنوعة من البوص لاغنية مرت الأيام، وشوهد وهو يرقص في حفل زفاف في ضاحية الحاج يوسف مشاركا العريس رقصة السيف .

دون أن يلاحظ أن رجال أمنه قاموا بتفريغ المكان قبل وصوله بدقائق من كل المدعوين واستبدلوهم برجال أمن مع نسائهم وأطفالهم ولم يتركوا أحدا سوي العروسين، لم يلاحظ شيئا مريبا رغم انه شعر بأنه يختنق في مرجل فرح رسمي

 

ونقل جهاز التلفزيون مشاركته في حفل تتويج رث الشلك في قرية ديبالو بالقرب من مدينة فشودة، وشوهد وهو يرتدي العاج المقدس مشاركا مع جيش نيكانج في المعركة الرمزية مع جيش الرث بالقرب من خور اريبارجو، واثناء احتدام المعركة التي استخدم فيها جيش نيكانج جريد النخيل في ضرب جيش الرث اقترب منه احد حراسه وابلغه بهدوء صاعق : سيدي الرئيس وردت اشارة من العاصمة تفيد وجود تحرك عسكري مضاد في العاصمة ! .

لم يرتبك فالخبر اصبح مألوفا لديه، لكنه تلفت حواليه بحذر خوفا من وجود مؤامرة لاغتياله في غمار هذه الحرب الرمزية، شاهد رجال جيش الرث يلقون نحوهم بسنابل الذرة، فيما كان رجال جيشه يضربونهم بجريد النخيل دون هوادة، اصدر تعليماته لرجال الامن بالاتصال فورا بالقيادة الجنوبية ومتابعة الاخبار، فيما استمر هو في مشاركة جيشه في ضرب جيش الرث بجريد النخيل وبسبب توتره فقد ازدادت ضراوة ضرباته حتى انه أطاح ثلاثة من جيش الرث بضربة عصا واحدة .

تمزقت عصاه فتم استبدالها بعصا أخرى، حتى تفرق جيش الرث كله، وشاهد بمشاعر مرتبكة الرث الجديد وهو يدور حول دائرة في الأرض وتمثال نيكانج فوق كتفه ، تابع قلقا بقية إجراءات التتويج أمام قبة نيكانج في فشودة ، وحينما شاهد الرث يجلس علي كرسي التتويج المغطي بقماش ابيض وحول رأسه تمثالا نيكانج وداك المزينان بريش النعام الأسود، تذكر فجأة عرشه، الذي ربما يجلس عليه الآن شخص ما .

انسحب ببطء وقبل اكتمال اجراءات التنصيب ، كان لا يزال يرتدي ثوبا من ريش النعام حينما استقل السيارة العسكرية التي كانت في انتظاره واتجه الي قيادة الفرقة الجنوبية لمتابعة الموقف ولحظة دمعقولة بسه أبلغوه بعدم توفر معلومات كافية عن التحرك حتى تلك اللحظة، سأل بحذر عن هوية قائد التحرك فجاءه الرد الفاجع : العميد صلاح محمد عبد الرحمن سيدي الرئيس .

العميد صلاح محمد عبد الرحمن، اقرب أصدقائه، نشأا سويا في حواري مدينة أم درمان القديمة، كانا يشكلان فريقا منفصلا هما الاثنان في مباريات كرة الشراب مع أولاد الحي، وقرب المغيب كانا يتسللان سويا إلى حي المسالمة ليشاهدا فتيات المسالمة البيضاوات الجميلات، الوحيد الذي لم يحقد عليه حينما كان يتفوق عليه في مباريات الجري حيث المجال الوحيد الذي لا يسمح لكائن بمنافسته فيه لأنه مجال تفوقه الأوحد، وهو الذي وصف رياضة الجري يوما أثناء استعراض عائلي لمهارته الوحيدة بالهروب الإيجابي، وكان صديقه العميد صلاح محمد عبد الرحمن يمازحه قائلا : انه الشيء الإيجابي الوحيد الذي تقوم به !

العميد صلاح محمد عبد الرحمن الأول في المدرسة، الأول في الشارع، الأول في الكلية، بينما يرزح هو في المؤخرة، الأخير في المدرسة، يجلس في الفصل مع انداده في الفشل وضخامة الجسم، يجلسون في الصف الأخير داخل الفصل، يتصبب عرقهم من رهق عدم الفهم، يكتفون بالمراقبة لا يشاركون في أية مناقشة أو يجيبون علي أي سؤال منذ بداية العام الدراسي وحتى نهايته كأنهم مضربون عن الكلام، يسميهم مدرس الرياضيات : الصحفيون الأجانب !، لأنهم يكتفون بالمشاهدة والاستماع باتجاه واحد، يكتفون بتمرير ما يستمعون له داخل آذانهم ليخرج مباشرة من الأذن الأخرى، دون بذل ادني جهد لمحاولة تمريغه في وحل الذاكرة، التي يحتفظون لها بصفة مراقب .

الأخير في الشارع عدا المصارعة التي يتفوق فيها دون جهد، الأخير في الكلية، الأخير حتى في الحساب يوم القيامة .

لم يصدق في البداية إن العميد صلاح محمد عبد الرحمن يمكن إن يخونه، استغرقه التفكير فيما رجال حراسته يحاولون دون جدوى الاتصال بالعاصمة :

الخائن، عينته قبل سفري وزيرا للدفاع أعطيته ما لم أعطه لاحد من مساعدي وأصدقائي، أعطيته السلطة وكان يتعفن قبل إن أتذكره في أرشيف حكومي لا يلتقي فيه إلا بأرباب المعاشات من المحاربين القدامى الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى ليصرف لهم مستحقاتهم التي لن تكفي ولا حتى لتأمين تكلفة المواصلات التي سوف تعيدهم إلى بيوتهم، ويصدق لهم قطعا سكنية وهمية في مناطق لم تطأها بعد قدم بشر، ويوزع عليهم بطاقات لصرف حصص صغيرة من زيت الطعام والسكر والصابون بأسعار زهيدة من التعاونيات التابعة للجيش .

أعطيته السلطة وكان يركب قبل إن أتذكره سيارة فورد قديمة صنعت في أوائل القرن ولا يوجد مثيل لها إلا في المتاحف حتى إن الصبية كانوا يزفونها ويسابقونها فيجرون أسرع منها ويقذفونها بالحجارة كلما ظهرت في مكان ما .

أعطيته أوراقا ممهورة بإمضائي يمكن إن يستخدمها حتى في استيراد الأفيون لو أراد رغم إن قرارات الأخ وزير التجارة تحظر حتى استيراد الهواء نفسه من اجل محاربة انهيار العملة الوطنية، الأخ وزير التجارة الذي كان يردد دائما : إذا ما استمر الحال في نفس وتيرة تدهوره فلن يكون هناك شئ في متناول المواطنين بعد سنوات سوي الهواء سيدي الرئيس !

جعلته نائبا لرئيس الجمهورية وشريكا في الحكم، في وطن لا يمكن إن يحكمه اثنان لأن قانون ( ريسين بيغرقوا المركب ) الأزلي هو الذي يحكمه ، ورغم ذلك قبلت إن أتنازل له عن جزء من الدفة فإذا به يحاول الاستئثار بها كلها.

العميد صلاح محمد عبد الرحمن الذي نقلته فوق كتفي لمسيرة يوم كامل وهو مصاب بطلق ناري في صدره ودماءه تنزف مثل نافورة، وكنت احمله فوقي وازحف قريبا من الأرض حتى لا أصاب برصاص المتمردين الذي كان يتطاير من حولي مثل البعوض .

ولمدة يومين ظلت الإذاعة صامتة، ظل فيها السيد الرئيس تحت رحمة القيظ والبعوض يستمع إلى أصوات الشلك يغنون للرث الجديد : اجاك اقرع الطبل قرعا ليدوي .. علي أرواح جدودنا . وبعد مرور يومان علي الانقلاب لاحظ إن الجنود بدءوا يتجاهلون تحيته عسكريا، كان يسمعهم يغنون بأصوات مخمورة وهم يعبرون من حوله، يغنون أغنية, حبايبي الحلوين أهلا جوني وأنا ما قايل .. حلوين زي دول بدوروني، يلوكون المقطع نفسه عشرات المرات مثل اسطوانة مشروخة، يترنحون ويستندون عليه أثناء مرورهم، تفوح منهم رائحة المريسة التي يشربونها في قطاطي السافنا، حيث الرائحة الراكدة لمستنقعات خريف منسي، تتصاعد في ساعات القيلولة مصحوبة بعزف حزين علي آلة امباية وبغناء عصافير الحب فوق أشجار الباباي .

في اليوم الثالث اتخذ قرارا بالعودة إلى العاصمة مهما كلف الأمر، رغم ثقته من انه سيتم اصطياد الطائرة قبل دمعقولة بسها أجواء العاصمة، أصدر أوامره بتحرك القيادة الجنوبية لإنقاذ الوطن، إلا إن الضباط ترددوا في تنفيذ أوامره متعللين بقولهم :

سيدي الرئيس إن تحركنا قد يهدد الوحدة الوطنية التي ضحينا من اجلها كثيرا، والمعلومات المتوفرة لدينا تؤكد تجمع أعداد كبيرة من المتمردين في بعض الدول المجاورة، بينهم أعداد من حركة الانيانيا ممن لم يتم استيعابهم في الجيش حسب بنود اتفاقية أديس أبابا، وسحب الحاميات من الجنوب في هذا الوقت بالذات قد يؤدي إلى كارثة .

وفجأة في حمي القلق والانتظار بدأت الإذاعة تعمل : بثت في البداية مارشات عسكرية، تم إحباط المحاولة وتم اعتقال جميع المتآمرين، استقل طائرته وقبل إن تهبط الطائرة رأي الشوارع تغص بالمتظاهرين فحسبهم خرجوا تأييدا له، لكنه علم فيما بعد إن المحاولة كانت خطيرة جدا وان الشارع تعاطف معها تماما ولولا حدوث خلافات بين بعض الانقلابيين تسربت علي أثره شائعات بأن قادة الانقلاب سوف يطردون نصف ضباط الجيش من الخدمة مما جعل القيادة الشمالية والقيادة الشرقية تتدخلان لإنهاء الانقلاب .

طلب إن يري المجموعة الانقلابية علي الفور، كانوا محتجزين في مدرعات الشجرة، ولدي اقتحامه الغرفة فوجئ بالعقيد محمد النور عبد الهادي، وزير المالية، وفي البداية حياه معتقدا انه جاء مثله لتفقد المتآمرين، لكنه انتبه بعد قليل للدوائر السوداء حول عينيه، نظر خلفه فشاهد العقيد كمال الدين محمد علي وزير الزراعة، ثم شاهد نائبه وصديقه وزير الدفاع العميد صلاح محمد عبد الرحمن، كان واقفا بكبرياء رئيس منتخب، نظر إليه نظرة عابرة دون إن يحاول إن يحدق في عيني العميد، وللمرة الأولى لم يأمر بتحويل المعتقلين ليحقق معهم بنفسه قبل تقديمهم للمحكمة العسكرية التي انعقدت علي الفور

 

حتى تعد الأرملة دار المقام القهوة، جلس المشير قلقا علي مقعد خشبي بدا واضحا أن الأرملة صنعته بنفسها فقد كانت رؤوس المسامير البارزة تعوق أية محاولة للاسترخاء عليه .

أما الأرملة فلأنها لم تستطع تذكر هويته الذائعة الصيت في القرية، بسبب السنوات الطويلة التي توقف فيها تواصلها الاجتماعي مع أهل القرية منذ إعدام زوجها، فقد حاولت كشف هويته عن طريق مقايضة الذكريات، فسردت أدق تفاصيل ذكرياتها، منذ المرة الأخيرة التي شاهدت فيها زوجها يغادر البيت بملابسه العسكرية إلى الأبد .

حكت انه اقدم للمرة الأولى والأخيرة طوال حياتهما معا علي شئ لم يفعله من قبل رغم كثرة أسفاره، فقد لوح لها بالقبعة العسكرية وهو يغلق الباب وقال لها : اهتمي بالولدين ولا تتهاوني في تعليمهما حتى لو اضطررت لبيع الافدنة الخمسة التي ورثتها عن المرحوم والدي .

ثم سردت تفاصيل المصائب اليومية التي واجهتها حتى كبر الأطفال، وكيف أنها أبقت باب بيتها مغلقا طوال ست أعوام أقدمت خلالها علي تنفيذ وصية زوجها الراحل وباعت افدنته الخمسة ، وأنها كانت ترسل ابنها الأكبر علاء الدين يوم الأربعاء ليقوم ببيع الحلوى التي تصنعها من السكر في قوالب من الخشب ، ويشتري اللوازم القليلة التي تكفيهم بالكاد، حتى نسي الناس صورتها .

وحكت انه رغم أنها كانت غريبة عن أهل القرية ولا أقارب لها، إلا أنها كانت تكتشف مطلع كل شهر جديد أن أحد المحسنين قد وضع فوق جدار البيت جوالا صغيرا تجد في داخله كمية من المستلزمات المنزلية دون أن يتسنى لها قط أن تعرف هوية ذلك المحسن رغم أنها كانت تسهرعدة ليالي وتراقب المكان دون جدوى، فقد كانت تخلد للنوم فجأة لتستيقظ علي مشهد الجوال فوق الجدار .

ستة أعوام ظل فيها باب بيتها مغلقا حتى انه حينما تعين عليها أن تغادر البيت للمرة الأولى منذ إعدام زوجها لتقوم بتسجيل علاء الدين في المدرسة بعد أن بلغ الثامنة، تعين عليها أن تستعين ببعض الأعراب الغرباء ليزيحوا الرمال التي سدت مدخل البيت وليقتلعوا أشجار الطرفاء التي نمت وأغلقت المدخل، وحكت له أن أحدا لم يتعرف عليها حينما اخترقت شوارع القرية وحينما تجولت في السوق يوم الأربعاء التالي .

ورغم أنها كانت تركن للصمت لتعطيه فرصة لسرد ذكرياته، لتحاول أن تحدد منها هويته الأصلية التي بدت لها مختلفة تماما عن صورته الماثلة أمامها، عجوزا متهدما يجهل حتى اسمه .

أحضرت له ماء ليغسل وجهه، وأعدت له القهوة، شرب القهوة وكأنه يتجرع سما، ثم لبث ممسكا بالفنجان الفارغ حتى امسكته منه، حاولت أن تقرأ خطوط ذاكرته علي فنجان القهوة، وللوهلة الأولى لاحظت الخط النشط للنسيان الذي بدأ في اختراق أهم خطوط دفاعات ذكرياته، التي بدت لها تفتقر إلى الترابط وأنها مبعثرة في بيداء ذاكرته دون رابط .

ولأن خطوات النسيان كانت بطيئة وواثقة، فقد عرفت أنها لم تكن سوي الخطوات المموهة للموت، حتى أنها عادت لتحدق في عينيه، وفي إحصاء تجاعيد وجهه لتتأكد انه كان لا يزال علي قيد الحياة، دون أن تدري لماذا داهمتها فكرة أن هذا الغريب الذي يبدو زاهدا حتى في الحياة، كان يجهل انه علي قيد الحياة، حتى أنها أحضرت له مرآة صغيرة نظر فيها آليا دون اكتراث، فرأي وجهه .

شاهد الآثار الأكثر دمارا لا لمرور الزمن بل الموت، واكتشف فجأة أن وجهه الهرم كان يبدو اكثر شبها بصورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، رغم انه لاحظ دون اكتراث أن بريق عينيه كان بدون هوية، فراغ قاحل يبدأ من الخارج ويتغلغل حتى قاع عينيه، مفرغا نظراته من بقايا الحزن القديم الذي قال له العقيد الزبير سليمان شيخ الدين عنه يوما : كان ذلك الحزن في عينيك في أول صورة لمجلس قيادة الثورة هو نبوءة بحجم الدماء التي تعين عليك سفكها لكيما تظل في السلطة، حتى انه بعد سنوات قليلة كاد الوطن أن يصبح خاليا من سكانه سوي النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى بقين علي أمل عودة المفقودين، سنوات طويلة وهن في انتظار أن يسمعن خطواتهم تمزق صمت ليالي الشتاء الطويلة، حيث لا شئ سوي صوت الريح التي تكاد تقتلع البيوت من الأرض، يحاولن إبقاء جذوة الحياة متقدة من حولهن، يرقبن دون جدوى كل صفارة قطار عابر وكل صفارة باخرة .

المفقودون الذين لم يجرؤ نظامه علي إعلان موتهم، لا خوفا من منظمات حقوق الإنسان، ولكن لأنه هو نفسه انتهي به الأمر لأن يصدق أكاذيب أجهزة إعلامه التي كانت تعلن صباحا ومساء أنه لايوجد في الوطن ولا سجين سياسي واحد، وان الحرية مكفولة للجميع، مثل الهواء، ومنابر حزب الوطن مفتوحة لكل أبناء الوطن ليعبر كل مواطن عن رأيه دون قيد .

ويواصل اللواء الزبير سليمان : فيما تحول حزب الوطن سيدي الرئيس إلى كارثة وطنية أخرى، مجرد مقهى يلتقي فيه المنتفعون من النظام لاستخراج رخص الاستيراد والحصول علي وقود السيارات فيما الوطن كله يقف أما في طوابير الوقود أو في طوابير الخبز، تركت المنافقين يحومون حولك مثل الذباب، يبايعونك علي المنشط والمكره، فيما الشرفاء أما تحت الأرض بدون حتى شاهد يوضح هويتهم بعد الموت، كأنك تخشى أن ينهضوا فجأة فلا يستطيعون تذكر أسمائهم . أو في السجون التي تعفنوا فيها حتى نسوا أسباب اعتقالهم، أو يشيخون في المنافي الباردة تصيبهم أمراض الانتظار فلا يبقي لهم سوي مرارة الشوق وقائمة الأطعمة التي يمنعهم الأطباء من تناولها حتى لا ترتفع نسبة الكوليسترول في دمهم، وقائمة أخرى يكتبون فيها أسماء الأصدقاء حتى لا تختلط أسماءهم مع أسماء الأعداء عند بدء انحلال الذاكرة .

وحتى نسمة الرخاء الرقيقة التي هبت علي الوطن وأدتها دون رحمة، وأعدمت أفضل وزيرين ارتضيا العمل معك، وغامرا بسمعتهما الطيبة بالعمل مع نظام مشبوه، نظام وزراؤه سماسرة يقتطعون عشرة في المائة من كل معاملات الوطن وقروضه .

وفجأة انتبه للمرأة الماثلة أمامه، تنتظر في صبر انتهاء نوبة الذكريات التي داهمته، لم يتذكر أين رآها، وما مناسبة وجوده في هذا البيت ذو الفناء الواسع المفروش بالرمل الأحمر حيث يزدهر في أحواض صغيرة نبات صباح الخير بوروده الحمراء، وحيث شجرة النيم الضخمة تخفف من جحيم قيظ ينبئ عن بدء تحرك الفاصل المداري نحو الشمال منهيا العصر الثالث للجفاف، رأي عصافير الرهو والسمان تبدأ موسم رحلتها العكسية شمالا، وتلمس طعم زمان غريب شعر به يعبر من حوله بينما هو ثابت في مكانه مثل جذع شجرة مقطوعة .

رأي للمرة الأولى البدايات الأولى للفراغ الذي شعر به يبدأ في دواخله منذ إعدامه لوزيري المالية والزراعة العقيدين محمد النور عبد الهادي وكمال الدين محمد علي، دون أن تفلح كل ضجة عصور الجفاف وقصص الحب الرسمي الفاشلة في تخفيف سطوة ذلك الفراغ، منذ أن تطلع إلى خريطة الوطن من أقصاها إلى أدناها بحثا عن صديق واحد، فلم يعثر علي شئ، تطلع إلى الوطن كله، من أقصى إقليم الصحراء شمالا وحتى حدود الغابات الاستوائية، فلم يجد ولا حتى صديقا واحدا .

لم يجرؤ علي الاعتراف بأنه قتل مع الوزيرين آخر احتمالات بقاءه في السلطة، فشعر بالفراغ يدب من حوله، فراغ يبدأ من الذاكرة، جعله يتوجس خيفة من احتمال أن يفقد الذاكرة نهائيا، حينما اكتشف فجأة انه اصبح يخلط أسماء الأشياء، وحتى يوقف نزيف الذاكرة قرر وقف استخدامها لتجنب أي إجهاد محتمل قد يؤدي لظلام شامل .

اصبح يتعمد عدم مناداة الذين يتعامل معهم يوميا بأسمائهم، حتى أولئك الذين كان تذكر أسمائهم لا يسبب له أية إجهاد، يستخدم عبارة أخي الوزير، لأفراد طاقم وزرائه، ويقول صديقي لكل معاونيه ومستشاريه .

يستمع إلى أكاذيب أصدقائه :

الأحوال تتحسن سيدي الرئيس، والسوق امتلأ بالسلع التي كان المرحوم العقيد محمد النور عبد الهادي قد حرم الناس منها، وكانت النساء الأكثر تضررا من سياساته فقد اختفت من الأسواق مواد وأدوات التجميل واختفت الملابس الفاخرة والأحذية الإيطالية والتايوانية والباروكات، فبسبب قرارات الوزير الراحل رحمه الله، ارتفعت معدلات الطلاق سيدي الرئيس ولم تكن حالات الطلاق بسبب الغيبة أو الإعسار كما تزعم إعلانات المحاكم الشرعية في الصحف اليومية بل بسبب انعدام مواد التجميل في الأسواق، بحيث أمكن لمعظم الأزواج رؤية زوجاتهن علي صورهن الأصلية !، ولم يعد بالإمكان مداراة آثار مرور الزمن علي الوجوه، بسبب انعدام مواد التجميل، حتى أن النسوة اضطررن للجوء لأساليب كلاسيكية عفا عليها الزمان، مثل الحناء لاخفاء شيب الشعر، والترمس لتبييض البشرة، وزيت السمسم لترطيب الشعر والبشرة، ولولا موته لاصبحت نصف نساء الوطن مطلقات خلال اقل من عام سيدي الرئيس .

السوق ملئ بالسلع والناس سعداء، وفي سوق سعد قشرة والسوق الشعبي يتعذر المرور بسبب الأعداد الهائلة للبشر الذين هرعوا للأسواق بمجرد أن علموا أنها امتلأت مرة أخرى بالسلع، والناس سعداء والسكارى يرقصون طوال الليل في الشوارع، ومشروعات التنمية تعمل بصورة افضل بعد أن تسلم الدكتور حسب الرسول وزارة الزراعة وقام بوضع خطة علمية لتطوير أساليب الزراعة وزيادة الرقعة المزروعة علي امتداد الوطن، ومطابع العملة تعمل ليلا ونهارا، وجيوب الناس ملأي بالنقود حتى أن التجار في سوق مدينة أم درمان يرسلون نقودهم لإيداعها في البنوك في جوالات الخيش سيدي الرئيس! .

لا تبهجه هذه الأكاذيب بقدر ما يؤرقه فراغ ذاكرته، يشعر به في معدته في صورة نوبات مترددة من الجوع، فيحاول إفراغ شحنات توتره في الأكل حتى يشعر بازدياد وزن جسمه، ورغم انه يرتدي حذاء يصنع له خصيصا في سوق الجلود بمدينة أمد رمان بسبب عدم توفر قياس قدمه من الأحذية الجاهزة، إلا انه يشعر بالحذاء الضخم يكاد يتمزق من وطأة ازدياد ضخامة قدميه .

يطوف داخل القصر طوال اليوم، فتصيب عدوي قلقه مستشاريه وجيش الموظفين والسكرتارية، يبحث عن شئ ما يملأ الفراغ الملح الذي يغزو دواخله، يكتشف أن الملل كان يخيم فوق كل شئ من حوله، فخرج في مساء اليوم نفسه متنكرا.

مر بتجمعات المداحين علي إيقاع الطار في السوق العربي، ودفع خمسة وعشرين قرشا ليشارك في رقصة العرضة، واستمع إلى واعظ تجمع حوله عدد من الناس بدافع الفضول لا الورع كما اعتقد في البداية،فشعر للمرة الأولى بأنه بدأ يحدد جذور فراغه الداخلي، كان الخطيب الأعرج الذي يدور داخل الحلقة مثل النحلة، مستندا علي عصاه، كان يتحدث عن الموت والحياة الأخرى .

شعر السيد الرئيس بأن فراغ روحه اصبح محتملا قليلا، وبعد قليل حينما بدأ الواعظ يشرح أوصاف الحياة الأخرى في الموت، فبدت شبيهة بأوصاف الحياة في عصر جفافه، بدأ الناس ينسحبون، حتى اكتشف بعد قليل انه يقف وحيدا في مواجهة الواعظ الذي انتهز الفرصة فأفرغ في وجهه شحنة تحذير مركزة بعواقب الأعمال السيئة، ذكره بيوم الحساب، ثم انتقل محاولا هدايته إلى الطريق القويم بعبارات مبسطة وبالغة الصرامة في الوقت نفسه، ذلك أن الواعظ قصير القامة خطرت له فجأة فكرة أن هذا الكهل الضخم الجثة الذي يرتدي ملابس قبيلة البني عامر، سروال ابيض ضخم له تكة طويلة من الصوف الملون يسحبها علي الأرض، وجلبابا قصيرا فوقه صديري ازرق وعمامة ضخمة تخفي معظم تفاصيل وجهه .

بدا له هذا الكهل الضخم الجثة جاهلا بأبجديات الفروض الدينية، سادرا في خطيئة دائمة ألهته حتى عن تذكر الموت، حتى أنه شرح له كيفية الوضوء الصحيح وأشار له علي اتجاه قبلة الصلاة باتجاه الكعبة في مكة المكرمة، فقد بدا له أن هذا الكهل الغارق في الخطيئة حتى أن اقتنع بأداء الصلاة فإنه سيصلي علي اتجاه يحدده هو بنفسه .

وفجأة انسحب السيد الرئيس تاركا الواعظ يواصل صياحه دون مستمعين، وفي مساء اليوم التالي حضر حفلا لتوزيع الدرجات العلمية في جامعة الخرطوم، شاهد فتاة ارتجف لها قلبه، وشعر بتبدل يقينه حول أصول فراغ روحه الذي حسبه ذو صلة بالموت، علق بصوت هامس بثلاث كلمات :

فتاة رائعة الجمال !

ألقت الفتاة الكلمة الأولى في الحفل، ثم تراجعت إلى مقعدها في المقدمة في مواجهته، وللمرة الأولى اكتشف أن قلبه كان لا يزال يعمل، فقد شعر به يومض وميضا خفيفا من داخل عتمته الحجرية . شعر بألم في معدته، وبفراغه الداخلي يتآكل وهو يستمع إلى تقرير هامس حول الفتاة :

كانت

 

الأولى ضمن المتخرجين في كلية الاقتصاد سيدي الرئيس، والدها من سلالة المك نمر ملك الجعليين السابق الذي هاجر إلى الحبشة بعد أن اقدم علي قتل إسماعيل نجل محمد علي باشا حاكم مصر مطلع القرن التاسع عشر سيدي الرئيس، وهو أستاذ بالجامعة، وهي مخطوبة لمحام شاب من أقاربها له مكتب في مدينة أم درمان .

شعر أن فراغه الداخلي بدأ ينحسر أمام بدء اشتعال نار العاطفة، فيتظاهر بأنه مشغول بقراءة تقارير الموقف الاقتصادي فيما يرخي أذنيه لتقارير رجال أمنه الشفهية :

والدها أستاذ في كلية الزراعة، حصل علي درجة الدكتوراه عن أبحاثه في البصل سيدي الرئيس، تصيبه خيبة أمل طفيفة : كل هذا المجد تصنعه بصلة ! ، لكن خيبة أمله سرعان ما تبددت تحت إلحاح فضول القلب فيواصل الاستماع، حينما ذهبنا لرؤيته وجدناه عجوزا جدا حتى أننا لم نصدق في البداية أنه كان حيا، لولا أنه كان يتحدث عن أشياء لم نفهم منها شيئا سيدي الرئيس، ليس فقط بسبب خلطه المصطلحات العلمية مع كلامه العادي، ولكن لأنه كان ينسي وجودنا بجانبه، ولاحظنا انه كان يوجه كلامه أحيانا إلى المنضدة أو إلى النافذة، وفي إحدى نوبات نسيانه تركنا وغادر المكان، وحينما عاد بعد اكثر من ساعة، قام بالسلام علينا مجددا وكأنه يرانا للمرة الأولى، رغم انه واصل حديثه الذي قطعه بخروجه من نفس المكان الذي توقف فيه .

يتظاهر بأنه يقرأ في تقرير الموقف الاقتصادي، يقلب صفحة أخرى دون أن يقرأ كلمة واحدة، فيما يرخي أذنيه للتقرير الشفهي :

عرفنا أن شخصيتها قوية سيدي الرئيس، لاحظنا ذلك حتى في طريقة تأثيث البيت، كل شئ في مكانه الصحيح الذي لا يمكن تخيل وجوده في مكان آخر غيره، حتى في ألوان الستائر والأبواب، حتى في حديقة البيت الصغير، كل شئ ينبض مثل الساعة ولم يحدث تخريب للنظام الدقيق في المكان حتى حينما انقطعت الكهرباء، ظل كل شئ ينبض في مكانه، قدمت لنا أكواب الشاي واعتذرت بسبب انشغالها في التحضير لرسالة الماجستير .

يتظاهر بأنه يقرأ في التقرير، يقلب صفحة أخرى دون أن يقرأ كلمة واحدة ثم يلقيه جانبا ويملي قرارا جمهوريا، فأصبح والدها بقرار جمهوري أذيع في نشرة الساعة الثالثة وزيرا لوزارة صنعت خصيصا من اجله : وزارة الرعاية الاجتماعية، مقرها داخل القصر الجمهوري .

خطا السيد الوزير مرتبكا خطوته الأولى داخل القصر دون أن يلاحظ مطلقا أنها الخطوة الأولى في الدرب الذي سيتعين عليه أن يقطعه منذ تلك اللحظة والذي سيقود به إلى حتفه والي تشتت شمل عائلته، استقبله السيد الرئيس في مكتبه ونبهه ضاحكا إلى الورقة الصغيرة المعلقة حول عنقه وقد كتب عليها : أنا ذاهب إلى دورة المياه ! .

انتزع السيد الوزير الورقة محرجا ووضعها في جيبه، أوضح انه ينسي أحيانا الاتجاه الذي يسير فيه أو السبب الذي جعله يخرج من مكتبه، لذلك يقوم بوضع هذه اللافتات ليستخدمها تلاميذه في الكلية لاعادته نحو الوجهة الصحيحة، ضحك السيد الرئيس واقترح عليه لافتة جديدة :

أنا ذاهب لاداء القسم، واكمل فقد أصبحت يا عماه وزيرا للرعاية الاجتماعية، وزارة جديدة لنج!، حتى أنه لا تفوح في أرجائها سوي رائحة الطلاء الذي قمنا بعمله علي عجل، حتى أننا اضطررنا بسبب عدم وجود عمال يوم الجمعة، إلى العمل بأنفسنا، واستطرد مازحا : جربنا من قبل كل أنواع الضرب، إلا أن هذه المرة الأولى التي نجرب فيها ضرب الطلاء! ثم أشار لاحد مساعديه فسحب خلفه الرجل العجوز الذي سأل عدة مرات عن الوجهة التي يقصدها وعن سبب وجوده في هذا القصر القديم الذي تفوح في أرجائه رائحة السلطة ورائحة زمان راكد منذ الأزل، والذي لم يعجبه فيه لحظة دمعقولة بسه، سوي منظر الجنديين اللذين يقفان وقفة واحدة طوال النهار دون حتى أن تهتز رموش عيونهما .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان