• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل السادس) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل السادس )

 

انطلقت عدة زخات من الرصاص، كان معظمها في الهواء، وبعد اقل من ساعة كان كل شئ قد انتهي تماما، اقتحم سلاح المهندسين حيث ربط المعتقلون جميعا في حبل واحد، لم يبادر بالضرب لا خوفا من تكرار مهزلة الرجل الفولاذي التي لم ينسها، ولكن بسبب شعور مفاجئ بالشفقة علي هذا الانقلاب التافه الذي لم يجد سندا من أحد، حتى عمال الإذاعة لاذوا بالفرار فأضطر الانقلابيون إلى تحطيم عدة مفاتيح قبل أن ينجحوا في تشغيل الإذاعة .

وبسبب ارتباكهم قاموا بتشغيل شريط كاسيت به أغنيات للمطربة عائشة الفلاتية بدلا من المارشات العسكرية، حتى أن الكثيرين اعتقدوا بأن الانقلاب كان مجرد مزحة من النظام لإلهاء الناس عن ارتفاع أسعار الوقود والسكر .

أمر بأن يعاملوا أفضل معاملة لحين انعقاد المحكمة العسكرية التي أمر بتشكيلها، كما أصدر قرارا بتشكيل لجنة للتحقيق حول ملابسات هذا الانقلاب وكيف استطاع ثلاثة ضباط وبضعة جنود من اختراق العاصمة والوصول إلى الإذاعة واحتلالها فيما تغط أجهزة أمنه في النوم .

إلا أن اكثر ما أثار قلقه أن الشارع لم يتحرك سلبا أو إيجابا، أو يكترث لخطابه أمام مجلس الشعب بمناسبة دحر المؤامرة الانقلابية، خطابه الذي اعتبره مجلس الشعب وثيقة تاريخية وقرر حفظه ضمن وثائقه، ورغم ضجة تصفيق الأعضاء التي شوشت علي أفكاره إلا أنه عاني هاجسا ملحا وشعورا خارقا بالعزلة ظل ملازما له طوال عدة أيام، لم تخفف منه أكاذيب مستشاريه :

الناس مشغولون سيدي الرئيس، وحينما يكون الإنسان سعيدا فإنه يكون مشغولا نهارا ومشغولا ليلا، والسكارى يملأون الشوارع ليلا حتى أننا قمنا بتركيب شبكة معدنية في شارع النيل حتى لا يسقط الناس في النيل الأزرق من فرط البهجة ! .

ينصت لأكاذيبهم بهدوء دون أن تبدو عليه أعراض التصديق، دون أن تفارقه سيماء الملاكم المتحفز دوما للرد بقبضة يده، ورغم أنهم تعودوا علي قبضة يده، إلا أنهم كانوا يحافظون دائما علي مسافة للامان بينهم وبينه تسمح لهم بالانسحاب في الوقت المناسب دون خسائر في الأرواح .

يستمع لهم فيما ينقر بإصبعه الضخم علي مكتبه :

و المخازن لا زالت ملأي بمواد الإغاثة التي وصلت للوطن أيام كوارث السيول التي أغرقت الوطن، يستمع بشغف مراوغ وهو يعلم أن مخازن الوطن كلها كانت خاوية إلا من أنسجة العنكبوت، وأن كل مواد الإغاثة بيعت في الأسواق وحتى الخيام بيعت إلى البدو، وحينما تبقت بضعة أطنان من اللبن المجفف الذي انتهت صلاحيته باعوه بأنفسهم بربع السعر المعروض به اللبن المجفف في الأسواق، باعوه بأنفسهم بعد أن افترشوا به كل أرصفة الوطن وظلوا يزعقون بأعلى أصواتهم طوال ثلاثة أسابيع حتى باعوا آخر علبة منه، ومع كل علبة لبن مباعة كانوا يعطون المشتري قطعة بسكويت انتهت صلاحيتها أيضا ! .

وحتى لا تجرفه موجة الأكاذيب اليومية المكررة خرج مساء بعد أن هرب من معاونيه متنكرا في ثياب أعرابي من شمال الوطن، واكتشف فعلا ازدياد عدد السكارى في الشوارع ولكن ليس بسبب الرخاء المزعوم، بل بسبب الضغوط النفسية الناجمة عن الفاقة، حينما مد يده ليرفع أحد السكارى من الأرض فاكتشف أنه كان يبكي وانتبه فجأة إلى أن الجميع كانوا يبكون .

اكتشف أن أسعار السلع الغذائية كانت ضعف الأرقام التي تظهر في تقارير معاونيه، وعرف لأول مرة بأن حكومته كانت علي وشك الموافقة علي توصيات صندوق النقد الدولي برفع الدعم عن السلع الأساسية وتخفيض قيمة العملة الوطنية،فيما التقارير التي ترد له يوميا تؤكد تحسن موقف العملة الوطنية أمام الدولار الأمريكي، وان مشاريع التنمية تعمل بكفاءة مضاعفة بعد أن قام الخبراء الكوريون بصيانتها، وان إنتاج القطن ذلك الموسم فاق كل التوقعات، والفاصل المداري ثابت في مكانه، رغم انحسار موسم الخريف، حتى أن المزارعين فشلوا في حصاد محاصيلهم الزراعية بسبب استمرار هطول الأمطار .

ولتكتمل لديه الصورة قام بزيارة أحد مشاريع التنمية بطائرة هليوكوبتر عسكرية، استقبلته جيوش الفئران في مكاتب الإدارة، حتى أن أحدا من مرافقيه لم يجرؤ علي مغادرة الطائرة العسكرية قبل هروب الفئران، في الداخل اكتشفوا أن الماكينات كانت مغطاة بغبار خريفي يرقي إلى أيام الاستعمار الإنجليزي، وحتى الحزن نفسه الذي كان يثيره في النفس مشهد مقدرة الإنسان علي الإهمال حتى ذلك الحزن كان يبدو منتميا لزمان آخر .

تراجع الجميع مرتبكين من منتجع الفئران المنعزل ذلك حيث أشجار المهوقني تنمو عشوائيا واشجار المانجو مثقلة بثمار ناضجة مغطاة بأنسجة الغبار وحيث نبات الطروز المائي يغزو المكان، واثناء مغادرتهم للمكان شاهدوا عددا من الفتيات يملأن جرار الماء من جوف أشجار التبلدي، عرفوا منهن أن آخر مسئول حكومي زار المنطقة كان السير ريتشارد نيوبولد حاكم السودان العام في عهد الاستعمار الإنجليزي كما علمن من جداتهن .

الأمر واضح سيدي الرئيس قال الدكتور محمد الأمين عبد المجيد الأستاذ بكلية الزراعة الذي رافق الموكب الرسمي بناء علي طلب السد الرئيس : الغبار يغطي الوطن كله وكل المرافق الهامة اختفت تحت أنسجة العنكبوت، وحتى مساحة القطن الذي نصدره لمصانع لانكشاير تقلصت .

وطافت الطائرة فوق مشروعات الزراعة المطرية فلم يروا شيئا سوي السهول المقفرة، فور عودته اصدر قرارا بإقالة وزيري الزراعة والمالية وتكوين لجنة للتحقيق في التجاوزات التي تمت بشأن إعادة تأهيل مشروعات التنمية، أصدر قرارا بتعيين اثنين من اكفأ ضباط الجيش وزيرين للزراعة والمالية.

العقيد محمد النور عبد الهادي وزيرا للمالية والعقيد كمال الدين محمد علي وزيرا للزراعة، استقبل الاثنان النبأ كمن يستقبل كارثة، إلا انهما وفي نفس لحظة صدور القرار الجمهوري شمرا عن ساعد الجد : سيدي الرئيس ميزانية جهاز الأمن الوطني ترهق كاهل الوطن ولا يمكن أن نفرض ضرائب جديدة غير محتملة علي المواطنين .

سيدي الرئيس يجب توسيع الرقعة المزروعة بالقطن ويجب تقديم دعم للمزارعين لتشجيعهم، يجب تقليص الصرف الحكومي، تكفي سيارة واحدة بدلا من ثلاث سيارات لكل وزير. ورغم أنه يعلم أن استمرار سلطته بات رهينا بقبول هذا التقشف، إلا انه كان يرخي أذنيه في المقابل لاحتجاجات معاونيه الآخرين كعزاء أخير :

هذا العقيد كيف تعينه وزيرا للمالية انه لا يعرف كم يساوي مجموع واحد + واحد، راجعنا نتائجه في المدرسة الثانوية واكتشفنا انه كان يرسب طوال فترة دراسته في مادة الرياضيات ولم يكن متفوقا سوي في مادة التربية البدنية، والمشاكل هنا لا تحتاج إلى عضلات بقدر ما تحتاج إلى عقل !.

فيشعر ببعض التشفي بسبب اضطراره لقبول إجراءات الوزير التقشفية، وبسبب خوفه غير المعلن حينما يكون العقيد محمد النور عبد الهادي جالسا معه يستشعر خوفا غامضا حتى انه يحاول اختصار زيارته، يوقع علي كل الأوراق التي يقدمها له دون حتى أن يقرأها.

وهذا الذي عينته وزيرا للزراعة لا يعرف الفرق بين شجرة قطن وبين نبات السلم، هل تصدق سيدي الرئيس حضرنا له اجتماعا مع مزارعي مشروع الجزيرة. وفجأة قاطع كلامهم حينما كانوا يناقشون معه طرق تمويل الموسم الزراعي وتحفظاتهم علي عقد السلم، قاطع كلامهم موجها سؤالا مفاجئا عن الموسم الذي يزرع فيه القمح ! وهل يزرع صيفا أم شتاء وحينما أجابه أحدهم مندهشا بأنه معروف ان القمح يزرع شتاء رد قائلا : خسارة ! لو كان يزرع صيفا لزرعناه مرتين لأن موسم الصيف طويل عندنا وكنا حققنا بذلك الاكتفاء الذاتي مرتين ! وكنا استفدنا أيضا من حزام الزراعة المطرية لزراعة القمح بدلا من الذرة الفتريتة التي لا تصلح الا لصناعة المريسة ! . وفور دمعقولة بسه إلى مبني الوزارة أصدر أمرا ألا تتحرك أية عربة حكومية من وزارته دون إذن منه، وحول الوزارة إلى ثكنة عسكرية حتى أن الموظفين تحدثوا عن انقلاب عسكري داخل الوزارة .

يرخي أذنيه ويستمتع بخوف مساعديه الذي يعادل غرور قلقه من بدء انفلات سلطته، ويشعر ببعض العزاء في وجود شخص يمكن أن يصيب مساعديه ببعض القلق، ويشعر باطمئنان حذر لوضعه أهم وزاراته في أيد أمينة حرمته حتى من السفر :

سيدي الرئيس الخزانة فارغة ولا اعتقد انك ترضي بالسفر للخارج في الظروف الحالية مما سيضطرنا لشراء الدولار من السوق الأسود الأمر الذي سيضعف العملة الوطنية في الوقت الذي بدأت فيه قيمتها في التحسن .

تبا لهذا العقيد، ورغم ذلك ينصت دون أن يجرؤ علي الاعتراض :

لا داعي لهذا الصرف البذخي في احتفالات عيد الثورة سيدي الرئيس، إن الاحتفال الحقيقي أن نقدم شيئا لهذا الوطن، ولا حتى عيد الوحدة سيدي الرئيس، إن الاحتفال الحقيقي بالوحدة لن يكون بالرقص بزي محاربي الدينكا سيدي الرئيس بل بمزيد من التنمية في أقاليم الجنوب حتى نزيل المفاهيم الخاطئة التي تركها الاستعمار، وحتى عيد الاستقلال نفسه يجب ألا نذكر المواطنين باحتفال مكلف بأن هذا الاستقلال الذي قدمنا من اجله التضحيات بقي مجرد رمز، لأننا ومنذ أن غادر آخر جندي إنجليزي ارض الوطن ووقف أول قائد عام وطني لقوة دفاع الوطن يلوح لهم مودعا وهم يستقلون نفس القطار الذي جلبهم أواخر القرن التاسع عشر، منذ تلك اللحظة لم نتوقف عن الصراع علي كراسي الحكم سيدي الرئيس، حتى أن ما قدمناه من شهداء في الصراع الوطني علي السلطة فاق عدد الذين قتلوا في المواجهة مع المستعمرين طوال حقبتي الحكم التركي والحكم الإنجليزي ! .

تبا لهذين العقيدين لا يجيدان غير إثارة المواجع، كأن الوطن في حالة حداد معلن، ورغم ذلك يكتشف تحسنا في كل شئ، يعود للطواف فوق الوطن بطائرة هليوكوبتر، وبدلا من الفئران في مشروعات التنمية، استقبله مزارعو قصب السكر، وفي مكاتب الإدارة شاهد شبابا بوجوه مشرقة يشاركون الخبراء الكوريين العمل، وشاهد أشجار اللانتانا والتاهيتي تحيط بالمبني، وشاهد قصارى الظليات في المكاتب البيضاء النظيفة ومراوح السقف التي تخفف قيظ أغسطس والنوافذ المغطاة بسلك النملية لمنع البعوض، وشاهد الماكينات القديمة وقد سحبت إلى المخازن، وماكينات جديدة تعمل في هدوء رخيم .

شاهد عمال اللقيط تحملهم اللواري من كل أنحاء الوطن والجميع يغنون، شاهد شباب الوطن من كل اصقاعه، واللاجئين الأثيوبيين الذين هربوا من بطش الديكتاتور منجستو هيلا مريام، شاهدهم يغنون وهم يعملون في مرحلة الكديب، وتناول معهم الكجيك والبالونقا .

شاهد مزارع الدواجن في واو ومشروع مراعي رمبيك ومشروع زراعة التبغ في راجا، ورقص مع فتيان من قبيلة الجور رقصة الادو، لم يلاحظ أن إشارات الانفراج الشامل كانت تحمل نذر الخطر علي استقرار سلطته، فاستسلم تماما لفكرة أن جسم الوطن كله عاد ينبض بالحياة حتى فاجأته المارشات العسكرية التي انطلقت في الاذاعة : انقلاب عسكري

 

كانت بتول بت عثمان قد ربطت حزمة الحطب التي جمعتها ورفعتها فوق رأسها حينما عبر المشير بجانبها اثناء بحثه في الاحراش عن اثر يقود إلى موقع بيت أسرته القديم في القرية.

ظهر أمامها فجأة مثل شبح حتى أن المفاجأة سمرتها في مكانها، بقيت جامدة في نفس مكانها حتى مرور سليمان حاج علي الأعرج، ضحك بصوته الأجش المتعجل حينما رآها مسمرة وحزمة الحطب فوق رأسها، وانتبه بسرعة إلى أن الرعب المرتسم في وجهها زاد من سطوة جمالها الرهيب .

لم يلاحظ سليمان الأعرج أن الرعب الرهيب علي وجهها كان رعب من رأي الموت، ضحك بصوته الأجش المتعجل واكتشف بسرعة أن الفرصة واتته سريعا ليرد لها صفعة رفضه حينما تقدم لها قبل عدة شهور طالبا الزواج منها .

يذكر بمرارة تفاصيل ذلك الصباح النائي الذي نال فيه مجد أن ترفضه بتول بت عثمان، الواقعة الحزينة الوحيدة في حياته التي لم يحاول أن يقصيها عن واجهة ذاكرته، بل كان يستمتع باجترار تفاصيلها شاعرا بنوع من الفخر كونه الوحيد الذي نال هذا الشرف .

لا يزال يتذكر بدهشة رغم مرور السنوات، أنه ربما كان العاشق الوحيد الذي رفض حتى قبل أن يفتح فمه ليكشف عن نواياه، حتى انتهي به التفكير إلى اعتقاد جازم أن بتول كانت تعتمد علي قوي خفية من الجان تكشف لها ما يدور في عقول الآخرين، عندها شعر ببعض العزاء من يقين أن رفضه كان نتيجة معلومات مضللة من شيطان!.

في ذلك الصباح كان قد ارتدي جلبابه الوحيد الذي ادخره لهذه المناسبة منذ سنوات،ارتدي جلباب السكروتة ونثر فوق جسمه زجاجة عطر كاملة بعد أن اضطر ليستحم للمرة الأولى منذ عدة سنوات ذلك انه لم يتخلي قط عن اعتقاد يقيني بأن جسم الإنسان يمكن أن يستهلك بكثرة الاستحمام وكان يحاجج دائما بالحاجة سكينة زوجة عمه يقول انظروا نتيجة هوسها اليومي بالاستحمام، وفي النهاية مضي جسمها يتضاءل حتى اختفت تماما .

سليمان حاج علي الأعرج اقدم للمرة الأولى منذ عدة سنوات علي الاستحمام ورغم انه اكتفي بصب الماء فوق جسمه دون أن يبذل جهدا تنظيفيا قد يستهلك جزءا من جسده، إلا أن الاستحمام الرمزي نفسه بعث في ذاكرته صورا قديمة كان قد دفنها في النسيان فرأي نفسه طفلا صغيرا تضربه أمه بالعصا لتجبره علي الاستحمام ممزقة جسده بقطعة من ليف النخيل القاسي لتزيل أوساخ ظهره وسط سيل من العويل والدموع .

أقدم علي الاستحمام للمرة الأولى، ثم نثر علي جسمه زجاجة عطر كاملة استولي عليها من مقتنيات شقيقه الذي يعمل في المملكة العربية السعودية، إضافة لعمامة من التوتال طولها عدة أمتار وضعها فوق رأسه حتى شعر بأنفاسه تنقطع بسبب ثقل وزن العمامة، ورغم القيظ فقد وضع حول عنقه شالا من الصوف وفي جيب جلبابه الأعلى وضع علبة سجائر بنسون فارغة ووضع داخل العلبة سيجارة واحدة من نوع رخيص .

وجد بتول بت عثمان ود حاج احمد في الباحة الصغيرة أمام بيتهم تلعب الاريكا مع بعض فتيات القرية، في الداخل وجد أمها تنظف القمح لإرساله للمطحنة، لاحظ أنها فوجئت بملابسه ومظهره الفخيم، قادته ليجلس في صالة البيت حيث تفوح في المكان رائحة نوار الليمون، وفي انتظار القهوة التي مضت الأرملة تعدها له جال ببصره في المكان النظيف رغم فقره، فشاهد المؤن القليلة المعلقة في السقف وأزيار الحبوب والعناقريب القديمة الموضوعة فوق علب اللبن الجاف الفارغة لمكافحة الأرضة .

فجأة رأي والد بتول يبرز أمامه علي الجدار بين الخيوط الرقيقة لعنكبوت الصباح في الصورة الوحيدة التي أمهله الموت الوقت ليتركها مجرد ذكري لتعرف ابنته الجميلة شكل وجهه وبريق عينيه، رغم أنها توقفت أمام الصورة مرة واحدة فقط حينما بدأت تكبر ولثانية واحدة أحصت فيها نجوم كتفيه .

شرب سليمان حاج علي الأعرج القهوة وبقي يحدق في الصورة، دون أن بعرف من أين يبدأ، إلا أن بتول بت عثمان وفرت عليه المجهود الذي كان يتعين عليه أن يبذله في الفشل، دلفت إلى البيت بعد قليل ولاحظ سليمان حاج علي الأعرج للمرة الأولى أنه ومع دمعقولة بسها انتشرت رائحة عطر طبيعي خارق غطت علي رائحة عطره الرخيص .

شعر بنفسه يطفو فوق سحابة عالم سحري حيث للزمن خواص ضوئية كثيفة، دوامة فجر وليد في عالم نوراني لا يمت لعالمه بصلة، ذاب فيه مفتقدا حتى ذاته، حتى أنه بعد قليل حينما بدأت نشوته تتراجع تحسس مواضع جسده ليتأكد من انه لا يحلم وتحسس رأسه ليتأكد من انه لم يتركه في البيت في غمرة عجلته للحاق بقطار فشل القلب .

بدأت نشوته تتراجع وتراجع معها العالم النوراني الذي نهض من حوله، وانسحبت الصور الحالمة من أمام عينيه، فتلمس ضوء الضحي الشفاف، والتقط بأنفه رائحة نوار الليمون، وبأذنيه صوت عصفور أبو البشير يغرد فوق شجرة الحناء، وصوت نواح القمري فوق غصون أشجار اللبخ، فشعر بحزن خارق لم يستطع تبين أسبابه .

بتول بت عثمان انكفأت فور دمعقولة بسها إلى البيت فوق زير الماء وشربت بطريقة صبيانية حتى غطت وجهها وصدرها بالماء، فالتصق فستان الكرب القصير الذي كانت ترتديه بصدرها، فرأي سليمان الأعرج النهود النابتة في الجسد الذي يصعب تصديق انه يخص أحد البشر .

فور دمعقولة بسها استلقت ببساطة فوق العنقريب ووضعت رأسها في حجر أمها وقالت دون اهتمام ( الأعرج دة داير شنو؟) ثم قالت لامها دون ان تنتظر منها ردا ( قولي ليه أنا ما ح اعرسو ).

سليمان الأعرج بعد شهور حينما وجدها واقفة جامدة وفوق رأسها حزمة خشب السنط، عرف ان الفرصة واتته ليرد لها الصفعة وفق أسلوب علاجي، اقترب منها ثم بصق في يده قبل ان يصفعها في وجهها صفعة داويه، فأسقطت فوق رأسه حزمة خشب السنط .

بعد صلاة العشاء كان سليمان حاج علي الأعرج لا يزال منتشيا لأنه صفع بتول بت عثمان، بتول التي صدته طوال سنوات، جلس بعيدا عن شباب القرية الجالسين فوق قوز رمال في وسط القرية .

جلس سليمان حاج علي الأعرج منتشيا ولم يشغل نفسه بالاستماع لأحاديثهم المكررة، نفس النكات التي رووها أيام موسم الدميرة المنصرم، نفس القصص التي رووها في موسم الشتاء المنصرم، يروون قصة الشباب الذين يعملون في مصلحة السكة الحديد في مدينة عطبرة وكانوا في جلسة سمر وشراب مساء حينما داهمهم فجأة ضيف ثقيل لم يكونوا يرغبون في وجوده فضربوه حتى سقط هامدا ليكتشفوا انه مات، اسقط في يدهم ولكن أكبرهم وعدهم بتخليصهم من هذه المشكلة، قاموا بتكفين الميت ورفعوه في عنقريب وخرجوا به إلى الشارع، وعلي الفور كان الناس يهرعون ليحملوا معهم العنقريب وكلما امسك شخص ما العنقريب معهم كان واحد منهم يختفي، وحينما وصلت الجنازة إلى المقبرة اكتشف الناس الذين تقاطروا للسير في الجنازة انه لا يوجد للميت أي قريب ولا أحد يعلم هويته ! .

سليمان الأعرج كان منتشيا لدرجة انه نسي ساقه المريضة ورأي نفسه أهم رجل في القرية حتى بعد ظهور هذا العجوز الذي يذرع طرقات القرية دون هدف تلاحقه أصداء مجد غير مؤكد، جلس علي مبعدة من شباب القرية ولم يرخ أذنيه كما كان يفعل دائما ليستمع لأحلامهم التي لا تتغير : الرغبة في السفر إلى الأراضي المقدسة لزيارة قبر الرسول الكريم والبقاء بحثا عن فرصة عمل هناك، يستريحون لفكرة السفر في مواجهة عناء الحياة اليومية .

يختبئ سليمان حاج علي الأعرج منتشيا في صمته، يشعر بذوبانه الهائل في ضوء القمر، في الأشباح الضخمة لأشجار النيم، في رائحة النوار، نوار الليمون ونوار المانجو ونوار النيم ، في تغريد عصفور ليلي وحيد فوق شجرة سنط، يود لو يسحب خلفه كل صبية القرية، يقود مظاهرة يعلن فيها انه صفع بتول بت عثمان، يعرف أن أحدا لن يصدقه حتى هؤلاء الشباب، يعرف انهم مثلما يحلمون بالذهاب للعمرة بصوت مرتفع، فإنهم جميعا يحلمون سرا بالزواج من بتول بت عثمان، جميعهم حتى جمعة الأعمى الذي فقد بصره منذ طفولته الباكرة .

لم يكن سليمان الأعرج يصدق أن اعمي مثله يمكن أن يقع في الحب، حتى وجده يوما سكران لا يقوي علي المشي، يسير خطوتين ثم يسقط أرضا، اضطر لحمله فوق ظهره إلى بيته رغم انه كان يشتمه طوال الوقت (يا اعرج الرماد قايل نفسك زول .. علي الطلاق أنا أرجل منك)، رغم ذلك يحمله فوق ظهره، متسليا بشتائمه، حتى سمعه فجأة يبكي وهو يردد اسم بتول فيما اندفع عبر جلبابه سيل من البول الساخن. أجفل سليمان الأعرج حينما سمع اسم بتول حتى انه القي جمعة الأعمى أرضا ثم تركه ملقي علي الرمال ومضي، تركه غارقا في دموعه دون سلوي، وسمعه من علي البعد وهو يصف بتول بت عثمان كأنه رآها، تذكر سليمان الأعرج تلك الواقعة وعرف الآن أن جمعة العميان رأي بتول رغم أنه لا يري شيئا، وان وصفه لها تلك الليلة كان وصف من رأي بعينيه لا من سمع أو أحس .

جميعهم حتى الطاهر حاج وراق، الطاهر الضخم الجثة مثل ثور، الأبله كأنه حمار، خلق ليكون ملاكما لكن عمره ضاع في هذه القرية علي حافة الصحراء، قوته الهائلة دفنها في أعمال تافهة: ضرب السوط في مناسبات الأفراح وكان مشهورا بضربته الساحقة حتى انه قتل شابا قبل سنوات، القبض علي ثور جامح من ذيله، وحينما بلغ الأربعين اكتشف انه لم ينجز شيئا سوي بقاءه علي قيد الحياة .

جميع فتيات القرية رفضن الزواج منه، لم يكن يملك شيئا سوي شهرته كثور مصارعة، لا بيت له ولا ارض يفلحها ولا حتى حمار، رفضته حتى السرة التي مات زوجها منذ عدة سنوات، ولم يجرؤ أي من أهل القرية علي التقدم للزواج منها بسبب الإشاعة التي لم تثبت أبدا بأنها قتلت زوجها ضربا .

جميعهم يحلمون بالزواج من بتول بت عثمان، عباس محمد عثمان المدرس في المدرسة الأساسية، والنور النجار يسمعه سليمان الأعرج يغني غناء عاشق ولهان وهو يصنع العناقريب من أعواد شجر النيم والحراز، يغني وهو يجدل الحبال التي يستخدمها في نسج العناقريب من ليف النخيل ومن نبات الحلفاء، يغني أغاني يؤلفها بنفسه لبتول ست الناس كما يسميها، لا يجرؤ علي إعلان حبه رغم انه يغني في ليالي السمر في الصيف فوق كثبان الرمال، حينما يتحلق الشباب حوله في ضوء القمر المشبع بندي حقول الذرة، يغني بصوت ساحر مثل كروان ليلي فيعرف سليمان الأعرج إن النور النجار كان يقصد بتول بغنائه، لكنه يتحاشي ذكر اسمها، يصف فتاة اسمها امونة وكأن بتول تقف أمامه .

سليمان الأعرج كان يعرف إن حظه في المنافسة علي بتول ربما ليس افضل من حظ الطاهر، ورغم ذلك لا يستسلم لليأس، يعرف إن ذلك هو كل رأسماله : إلا يستسلم لليأس . التعزي بالفشل الجماعي لكل شباب القرية، يعرف إن الجميع كانوا مرفوضين حتى قبل إن يرتكبوا حماقة التقدم لطلب يدها رسميا، هو الوحيد الذي جرؤ علي نيل شرف الفشل، تاركا جراح قلبه تتعفن دون عزاء .

 

رغم ذلك لا يستسلم لليأس، يتعزي بفشل الجميع، النور النجار يغني لست الناس المجهولة، وجمعة الأعمى يبكي في قاع لاوعيه الليلي، والطاهر الذي يحب دون موهبة أو مؤهلات سوي غباء لم تخففه مرارة السنوات، ولا خبرة الفشل المتراكم ، وعباس محمد عثمان المدرس الوسيم الوجه ، الوحيد في القرية الذي يرتدي سراويل الجينز .

الجمال الخارق لبتول بت عثمان كان امتحانا يوميا قاسيا لم يفشل فيه فقط شباب القرية، بل فشل فيه أيضا رجالها المسنين، يراقبهم سليمان الأعرج طوال اليوم متنقلا من داخل أجمة حلفاء ، إلى شجرة نخيل كثيفة إلى سقوف المنازل المتداعية، يراقبهم شاعرا بالعار من هستيريا هذه المراهقة المتأخرة، عبد الرحيم عثمان عضو اللجنة الشعبية الذي لا هم له سوي الشجار مع الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى يحاولن التهرب من دفع الضرائب الباهظة علي أشجار النخيل .

إكتشف سليمان الأعرج انه يصبغ شعر شاربه بالحناء ليبدو اصغر سنا، رآه وهو يحوم مثل النسر داخل غابة السنط حيث تجمع بتول ورفيقاتها من فتيات القرية الحطب، وحينما غادر المكان اكتشف سليمان حاج علي الأعرج إن العجوز قد خلف وراءه كومة من السعوط مثل روث بقرة أثناء توتر مشاهدة بتول بت عثمان .

والطيب ود الحاج التاجر وعضو اللجنة الشعبية، رغم انه كان يغش دائما في وزن السكر إلا انه كان يعطي بتول كمية إضافية معبرا عن إعجابه بضحكات صاخبة بدون أسنان .

سليمان الأعرج كان منتشيا لدرجة انه لم يكترث لصخب رفاق سمره فوق كثبان الرمال، سحب جسده دون إن يشعر به أحد وعاد إلى البيت، اخلد إلى النوم بمجرد إن وصل إلى فراشه وفجأة انتبه إلى أذان الصبح، وفي عتمة الضوء الفضي رأي الماء يحيط به من كل جانب حتى حسب نفسه وقد غرق في نهر النيل، إلا انه انتبه بعد قليل لبوابة البيت النوبية الغارقة في الماء ثم بدأ الماء يتبدد بعد قليل مع ضوضاء عصافير الصباح .

صلي الفجر وهو لا يزال منتشيا بالصفعة التي وجهها إلى بتول بت عثمان، ثم جلس بجانب أمه وهي تعد الشاي علي نار الحطب، شرب الشاي الساخن ببطء متلذذا بطعم النعناع واللبن المحروق، خارج البيت وجد العالم الوليد لا يزال غارقا في ضوضاء الفضة، وفجأة رأي عجوزا ضخما يتدحرج في ضوء الفجر دون هدف، بدا له شكله غريبا كأنه خرج توا من أحد الأحلام .

اقترب منه فاكتشف انه السيد المشير الذي عبر من أمامه دون إن يكترث لرؤيته، ورغم صخب العتمة الآفلة، إلا انه رآه بوضوح مذهل، مجرد عجوز متوحد دون ماض أو ذاكرة، ولم يحتاج لجهد يذكر ليعرف إن العجوز الذي افني نصف عمره يفتش حرس الشرف كان في الواقع يفتش عن نفسه، وأنه جاء إلى هذه الأرض النائية لا بحثا عن ارث مزعوم لعائلته، بل ليري صورته في مرآة زمان ضائع علي حافة هذا القفر حيث لا شئ سوي القيظ والنسيان .

رآه مجردا من أية إشارة تربط بينه وبين ذلك المحارب العنيد الذي كان ينكفئ علي جراحاته يلعقها في أوقات استتباب الأمن، ويخرج من قوقعته بمجرد إن ينطلق صوت المارشات العسكرية، يحتفظ بثباته وسط الرصاص المتطاير فيما يتصادم مستشاروه المتعجلون وهم يبحثون عن مكان يصلح للاختباء لحين انجلاء الوضع ومعرفة الفائز الجديد في المعركة الأخيرة لينضووا في ركابه .

لا يتفوهون إلا بعبارة : سيدي الرئيس .. انقلاب عسكري، قبل أن يتبخروا من حوله، تاركين له عبء إدارة الأزمة وحده، حتى في المرة الوحيدة التي انشقت فيها الأرض وابتلعته حينما انطلق الرصاص الكثيف وهو ينزل من علي سلالم الطائرة التي أقلته في رحلة تفقد فيها إقليم الصحراء .

في اللحظة التي لامست فيها قدمه الأرض انطلقت زخات كثيفة من الرصاص، لاذ الجميع بالفرار وحينما انجلى الموقف بعد قليل لم يعثر ولا علي جثة واحدة، ولا حتى قطرة دم، لم يكن هناك سوي كومة من الأحذية وساعات الرولكس الغالية ونظارات الكريستيان ديور وأقلام الباركر الذهبية ولا شئ آخر .

حتى في تلك المرة تبين كما ذكرت الشائعات الرسمية أن ذلك لم يكن سوي اختباء تكتيكي وان السيد الرئيس ظهر بعد ساعات قلائل ليقود معركة استرداد السلطة، ساعات قلائل كانت كافية لقواته المسلحة لدحر المهاجمين، مساء اليوم نفسه ظهر في جهاز التلفزيون مرهقا وقلقا من يقين أن المحاولة الأخيرة كانت الاكثر خطرا بسبب اعتمادها علي قوات تم تدريبها خارج الوطن .

أمر بتشكيل المحاكم الميدانية، وأثناء المحاكمات الصورية وقبل صدور الأحكام كانت الجرافات تعمل لحفر القبور الجماعية في الحزام الأخضر، وبمجرد صدور الأحكام بدأ التنفيذ، وكان الأسعد حظا هم الذين أطلق عليهم الرصاص قبل دفنهم نصف أحياء .

وبعد أن اطمأن لا إلى بقاءه قيد الحياة، بل في قمة السلطة استهل تحقيقا سريا لتحديد الثغرات التي تسببت في هذه الحركة التي كادت تقصم ظهر نظامه، متجاهلا تقارير جهاز أمنه التي ألمحت إلى اتهام الوزيرين الوحيدين اللذان يعملان في حكومته كما وصفهما هو نفسه في خطاب تاريخي أمام مجلس الشعب بمناسبة صدور قرار جمهوري بحل المجلس قبل نهاية مدته استنادا إلى الصلاحيات التي منحها له الدستور الدائم .

تجاهل تقارير أجهزة أمنه التي ألمحت إلى أن الوزيرين كانا علي علم بالحركة، وانهما لاذا بالصمت مقابل وعد بأن يبقيا في منصبيهما بعد نجاح الثورة المضادة، قرأ التقارير كلها فلم يجد شيئا آخر ملفتا للنظر فحفظها في درج مكتبه واستهل تحقيقا سريا اعتمد فيه علي بعض المقربين من ضباط جهاز الأمن ممن يثق في كفاءتهم، فسلموا له بعد أسبوع واحد تقريرا مذهلا : أن المجموعة المسلحة التي غزت العاصمة، دخلت إلى العاصمة تحت سمع وبصر رجال أمنه ضمن اللواري الضخمة التي كانت تنقل عمال لقيط القطن، وان تلك العربات المتهالكة المليئة بعمال من كافة أصقاع الوطن يغنون جميعا في وقت واحد بلهجات مختلفة كانت في الواقع مدججة بكل أنواع الأسلحة وان جهاز أمنه كان يغط في النوم حتى بعد أن انتشرت تلك المجموعات داخل العاصمة .

أشار التقرير إلى وجود ثغرات في نظام حراسته شخصيا، وانه لم يكن هناك أي عائق يقف أمام اغتياله سوي الحظ، اصدر قرارا بإقالة رئيس جهاز الأمن الوطني، وقرارا آخر بتكوين لجنة تشرف علي إعادة تنظيم الجهاز وقرارا ثالثا بإلحاق وزارة التجارة بوزارة المالية تحت قيادة الوزير العقيد محمد النور عبد الهادي .

وقبل حتى أن يتسلم الوزير مسئولياته الجديدة بدأت تقارير مستشاريه تنهمر : حتى قبل أن يجلس علي كرسي مكتبه الجديد سيدي الرئيس، قام بإصدار قرار بمنع استيراد ثلاثين سلعة اسماها السلع الكمالية، دعما لاستقرار العملة الوطنية كما أعلن، ولوقف ما اسماه بالتضخم الحلزوني الذي يضرب اقتصاد الوطن، واصدر قرارا بتكوين لجنة من عدد من القانونيين للإشراف علي تطبيق القرار .

وبسبب هاجس برود الشارع تجاه الحركات المسلحة ضده، حاول تحسين صورته واستعادة أوهامه الشعبية ، فشارك فرقة الموسيقي الشعبية الرقص علي أنغام آلة الكيتا في مهرجان الثقافة والفنون، وشارك بنفسه في استعراض منفرد علي الحصان قبل بدء السباق السنوي للخيل، وشوهد في يوم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وهو يرقص بزي درويش علي ضربات الطار .

كما شوهد عدة مرات وهو يساعد العميان علي عبور زحام العربات في شارع القصر، دون أن يلاحظ أن الكفيف الذي يساعده علي عبور الشارع ويدس في جيبه ورقة فئة خمسة جنيهات، كان مدججا تحت ثيابه الممزقة بالسلاح وانه أحد أفراد القوات الخاصة المكلفة بحراسته شخصيا، وانه كان يبصر أمامه افضل منك سيدي الرئيس، لأنه مدرب حتى علي الرؤية للخلف .

وحتى المتسولين المعوقين الذين كنت توزع عليهم الصدقات سيدي الرئيس جوار الجامع الكبير، كانوا من رجال الأمن بعد أن تم طرد المتسولين الحقيقيين من المكان تحت تهديد السلاح، حتى النسوة اللائى حاولن لقاءك لإهدائك سلالا من سعف الدوم الملون قضين عدة أيام في صناعتها لك لا بسبب الفراغ بل بسبب الحب، وقدمن لك سيدي الرئيس عريضة يعلن فيها استنكارهن للمظاهرات التي سيرها ذوي ضحايا أحداث يوليو الذين دفنوا أحياء في الحزام الأخضر، بإعتبار أنهن الأهل الحقيقيون لأولئك الضحايا، كانوا من رجال الأمن سيدي الرئيس .

فتصاب حاسة السمع لديه بارتجاج خفيف لم يستطع أن يميز أن كان بسبب هول ما يرد إليه من تقارير مضادة حول أداء رجال جهاز أمنه الذين جعلوا من أذنيه مختبرا للأكاذيب، أم أن سبب ارتجاج أذنيه كان بسبب الشيخوخة المبكرة، أم بسبب المظاهرة الهادرة التي شعر بها تتلوي مثل الأفعى في شوارع وأزقة العاصمة .

وليكتسب شعبية أكثر صدقا وبعيدا عن تدليس رجال أمنه أصبح يحضر بنفسه مباريات كرة القدم بين فريقي النجوم والشمس، وفي أول مباراة يحضرها بمناسبة عيد الوحدة، كان فريق الشمس مهزوما بثلاثة أهداف دون مقابل، وعرف أن الفريق يلعب بعشرة لاعبين بعد أن أقدم الحكم علي طرد أحد أهم لاعبيه، شاهد الوجوم يخيم علي مشجعي فريق الشمس بسبب الهزيمة وعرف أنهم كانوا أغلبية في المدرجات الغاصة بالبشر حيث يتعالي هتاف : التحكيم ظالم .

وفجأة اقتحم السيد الرئيس الميدان دون أن يعلن المدرب أي تغيير، اهتزت ارض الملعب تحت ثقل قدميه وهو يجري، التقط الكرة وسدد قذيفته الأولى فأحرز هدفا، ثم توالت قذائفه علي مرمي فريق النجوم، حتى بلغت دستة أهداف كاملة، دون أن يجرؤ أي من لاعبي فريق النجوم علي الاقتراب منه لا خوفا من سطوة سلطته الميدانية ولكن خوفا من سطوة قدمه الشبيهة بقدم فيل .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان