• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل الرابع) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل الرابع )

 

بعد أن تم الاتفاق علي تشكيل الوفد الذي سيقوم باستقبال السيد المشير، نشأت مشكلة أخرى استغرقت وقتا طويلا قبل أن يمكن احتواءها، فقد أصر سليمان ود حاج علي الأعرج علي أن يكون رئيسا للوفد، مستندا في إصراره علي أنه كان أول من رآه وأول من أعلن وصوله للقرية، كما أنه استند إلى واقعة قديمة حدثت قبل سنوات أثناء سمر ليلي فوق كثبان الرمال شرق القرية، فقد اقترح أحد الحضور أن يقوم كل واحد بوضع تصور خاص لصورة السيد المشير وتقوم مجموعة محايدة باختيار أفضل تصور .

كان سليمان ود حاج علي الأعرج هو الوحيد الذي نجح آنذاك في رسم صورة للسيد المشير موضحا فيها سماته العسكرية وان كان نجاحه بائسا فقد تخيله في صورة مجند في قوات الشرطة الشعبية يتعقب السكارى ويطارد النسوة المسنات لجمع الضرائب علي أشجار النخيل.

في تلك الأثناء كان السيد المشير لا يزال مستسلما لنوبة التذكر التي اجتاحت قفر ذاكرته نتيجة صعود مفاجئ لصور مدفونة في قاع لاوعيه، رأي نفسه في زمان يصعب تحديده، جالسا علي مقعد وثير في قاعة واسعة، غارقا في الضوء النازف عبر وردات أشجار الجهنمية والتاهيتي، وهو يدفن وجهه في رمال صحيفته الرسمية، محاولا الهاء نفسه عن ضجة الهاربين من حوله.

شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة في صدر الصفحة الأولى، شاهد زملائه الستة في مجلس قيادة الثورة، المقدم حسن عز الدين الطاهر والرائد عثمان محمد زين العابدين والنقيب أكرم محمد نور الدين والرائد الطاهر علي عبد الرحمن والرائد دفع الله محمد دفع الله والرائد سليمان النور سليمان، يقفون حواليه وفي عيونهم انطباع الدهشة الأول ورغم ذلك يبدون أكثر ثقة وسلطة منه.

ورغم مظاهر التحدي في سيماء الوجوه وفي بريق العيون، وفي ضوء الظهيرة الشفاف الذي كانت تسبح فيه الصورة، إلا أن الصورة لم تشر إلى المواجهة التي لاحظ ومنذ أول اجتماع لمجلس قيادة الثورة أنها ستكون حتمية، حينما اكتشف منذ أول اجتماع أنه الأقل كفاءة منهم جميعا.

عرف انه يتعين عليه تأجيل المواجهة، فقد اكتشف بحدس مبكر أن من يستطيع تحديد ميعاد المواجهة سيكون هو المؤهل لكسب الجولة الحاسمة، وحتى لا يكشف عقمه الفكري بسرعة آثر عدم الانجرار في مناقشات مكشوفة، اختبأ في الصمت محاولا عن طريق الإيحاء بحركات عينيه أن صمته كان ناجما عن حكمة لا عن جهل.

حتى شعر بأنهم صاروا يتجاهلون وجوده الضخم المحايد، أثناء مناقشاتهم حول كيفية ترقية الأداء في المؤسسات الحكومية وإنشاء مشروعات للتنمية، ومشروعات لاستغلال الطاقة المائية وتنمية الريف وسبل إيقاف الحرب الأهلية.

هنا اكتشف وجود الثغرة الوحيدة في جدار انهياره الثقافي، حينما وجد أنه أكثرهم دراية بقضية الحرب في جنوب الوطن بسبب الفترة الطويلة التي قضاها في الخدمة هناك، إلا انه وفي اللحظة التي اعتقد فيها انه امسك زمام المناقشة، اكتشف أن أحدا لم يوليه أدني اهتمام بسبب اطروحاته التي بدا وكأنها لن تساعد علي حل القضية بقدر ما سوف تساعد علي تفاقمها.

في تلك الأيام مضي يحاول تثبيت أقدامه قبل أن يحدد ماهية الخطوة التالية، دون أن يلاحظ أي من رفاقه أن وحش السلطة بدأ يستيقظ داخل هذا الملاكم الذي ينم مظهره عن لا مبالاة خادعة.

وحينما رأوه في أول اجتماع بحجمه الضخم والبذلة العسكرية التي تكاد تتمزق مع كل شهيق وزفير، عرفوا أن عقله بدأ عطلة أبدية منذ اللحظة التي ولد فيها، وانه لم يكن لديه مؤهل واحد للبقاء علي قيد الحياة سوي قبضة حديدية، وحتى هذه القبضة الخارقة لم يكن يحسن استخدامها في معظم الأحيان، فجلبت له من المصائب أكثر مما فتحت له من دروب للمجد.

دون أن يلاحظ أي من رفاقه أن وحش السلطة في دواخله استيقظ للمرة الأولى، ونفض عن نفسه غبار لامبالاة الإفراط في حياة هامشية كانت تمضي دون هدف، دون حتى مجرد أرشيف للذكريات يمكن استخدامه يوما لا لمحاسبة الذات، بل لاعادة حساب أوهامه لتقدير الوقت الضائع من عمره .

قضي الليالي الأولى في البيت محاولا أن يقرا كل ما تقع عليه يداه، فامتلأت رأسه خلال بضعة أيام بمعلومات متنافرة حتى شعر بأنه بات اقل مقدرة علي التركيز أثناء اجتماعات مجلس قيادة الثورة بسبب تشوش امتلاء رأسه بمعلومات أقحمت علي ذاكرته بالقوة، تبدأ من أسباب غزو محمد علي باشا للوطن في مطلع القرن التاسع عشر، وتنتهي بمعلومات مبسطة استقاها من كتاب مصور عن كيفية صيانة محركات اللستر الهندية .

لاحظ أن المجموعة الأولى التي ساندت انقلابه كانت تشكل مركز قوة داخل المجلس، فحاول استمالة الثلاثة الباقين، ولدي عودته إلى البيت متأخرا مساء أول اجتماع مشترك لمجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، شعر للمرة الأولى منذ مولده أنه وحيد .

ودون أن يكلف نفسه عناء تمحيص أصول هذا الشعور، عرف أن تلك كانت أول أعراض الرغبة في الاستبداد الكامل بالسلطة، شعر بنفس أعراض الحقد والنقمة التي تجتاحه حينما يزور أحد بيوت الدعارة ويكتشف أن أحدهم سبقه إلى المرأة التي يقصدها، عندها كان يقلب الموائد ويحطم المقاعد والأبواب حتى تنتزع له المرأة من أحضان حب غير مكتمل ويتم تهريب العاشق التجاري المذعور عن طريق النافذة .

عرف أن مجموعة الثلاثة التي تمثل رأيا متميزا ومنظما داخل المجلس، لا يأتيه الباطل من بين يديه أصبحت تمثل لديه هاجسا يوميا ملحا، وتأكد من أنه سيتعين عليه تحطيم عدة أبواب وقلب عدة موائد قبل أن يتاح له أن يخلد إلى أحضان السلطة التي عرف أنها مثل عاهرة يستحيل أن ينام معها أكثر من شخص واحد في نفس اللحظة.

كان مستغرقا في وحدته حينما تسلل الرواد الثلاثة، الرائد الطاهر علي عبد الرحمن والرائد دفع الله محمد دفع الله والرائد سليمان النور سليمان، في وجودهم اكتشف أنه ليس فقط الأكثر ثقافة بل أيضا الأكثر أخلاقا، تركهم يتحادثون في الفناء واتجه إلى البيت، من ثلاجة الكولدير القديمة سحب زجاجة شري وزجاجة ماء ثم غسل الكوب الوحيد الذي عثر عليه سليما، حمل الأشياء كلها وعاد إلى الفناء ليضعها فوق منضدة خشبية صغيرة وسط المجموعة ثم عاد مرة أخرى إلى البيت.

وجده الرائد الطاهر علي عبد الرحمن بعد قليل غارقا في عرقه وهو يقوم بغسل صحن ضخم من الألمونيوم مخصص للفول، في المطبخ الصغير حيث تناثرت أواني الطبخ المتسخة أرضا وسط جيوش الصراصير، سأله الرائد الطاهر علي عبد الرحمن سؤالا مفاجئا :

لماذا لا تتزوج سيدي الرئيس ؟

شعر بالخجل حينما تذكر للمرة الأولى منذ استيلائه علي السلطة، أنه كان متزوجا من المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز، رآها جالسة في عتمة ضوضاء الذاكرة في ثوبها الأسود الذي ارتدته منذ وفاة المرحوم والدها ولم تخلعه حتى الموت.

لم تخلعه حتى بعد أن عادت تمارس حياتها الاجتماعية القديمة، تزور جيرانها وتعتني بأطفالهم وتؤسس مع زوجات موظفين آخرين جمعيات لمحو الأمية ومساعدة الأيتام. رآها جالسة في عتمة مغيب غابر وهي تسقي شجيرات ورد الحمير ووردات نبات صباح الخير ونبات الوينكا، رآها وهي تنظف أنسجة عنكبوت الجدران بمكنسة طويلة الذراع، رآها وهي تطعم طيورها الداجنة، الحمام والدجاج الفيومي وعصافير الحب التي أهداها لهم صديق أحضرها من الجنوب.

آمال النور مصطفي عبد العزيز التي تزوجها علي هدي كتاب الله وسنة رسوله والتي دفع فيها خمسة وعشرين قرشا مهرا، دفعهم المرحوم والده، والتي لم يمهلها الموت ولا حتى الوقت الكافي ليحبها، ذلك أنه لم يشعر تجاهها طوال أول عامين من الزواج سوي بمزيج من الكراهية والخوف .

قبل زواجه كان يعود إلى البيت في منتصف الليل، وبعد الزواج اصبح يعود إلى البيت في الثالثة صباحا، وأول ما كان يفعله لدي دمعقولة بسه مخمورا هو تحطيم أول شئ يقابله، كإعلان احتفالي لوصوله، حتى تحول البيت بعد بضعة أشهر إلى مستودع للأثاث المحطم، وحتى بعد أن نفدت كل الأشياء التي تصلح للتحطيم، أصبح يحضر معه زجاجة خمر فارغة .

عند موتها عرف أن تحطيمه للأشياء لم يكن سوي محاولات يائسة للهروب من قدره: قدر حيوان متوحش آخذ في الاستئناس، كانت تقابل كل أوهامه التحطيمية بابتسامة وتنحني لتجمع بقايا الزجاج المهشم، وبقايا المقاعد والمناضد، تزيحها إلى المخزن الصغير في الفناء وتصنع من الأجزاء الأقل تضررا أصصا خشبية تضع فيها زهورها، فتتمدد مساحة زهورها طرديا مع تنامي ميوله التحطيمية .

وفي الصباح حينما تنجلي سطوة الخمر عن دماغه، كان يشعر بندم غامض، أن شخصا آخر يخرج من داخله مساء ليحب ويكره نيابة عنه ويحطم الأشياء، لكنه لا يملك ولا حتى القدرة لإنكار تصرفاته، يكتفي بارتداء ملابسه الضخمة علي عجل ويغادر البيت.

وبعد أكثر من عامين حينما بدأ ميله التحطيمي يهدأ في البيت لاحظ أنه يعوض ذلك بميل تحطيمي مضاعف خارج البيت، حتى أن المجموعة التي كان يسهر معها ذات ليلة نقلت كلها للمستشفي، ولاذ جميع رواد المطعم الذي كانوا يسهرون فيه بالفرار، حتى العمال والجرسونات .

ولاذ محاسب المطعم بالفرار تاركا الخزينة الصغيرة مفتوحة فتبعثرت كل محتوياتها لدي هبة ريح مفاجئة حملت مئات الأوراق النقدية إلى الفضاء، وسالت علي الأرض انهار من الويسكي والبيرة ولتهدئته تعين استدعاء فرقة من شرطة الاحتياطي المركزي، حاصرت المكان وأخلت الجرحى .

شاهد المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز ترتدي ثوبا اسود وتجلس علي عنقريب في الفناء وهي ترتق له بنطاله العسكري الضخم مستخدمة خيطا من النوع المستخدم لحياكة الأحذية، رأي وميض ضوء مغيب السابع عشر من أغسطس من خلف كتفيها معتقدا انه يراها في عتمة الذاكرة، دون أن يلاحظ أنه كان يراها لا في عتمة الذاكرة، بل في عتمة الموت، لأنه ومنذ اللحظة التي استهل فيها استبداد العصر الأول للجفاف مضي ينزلق إلى حياة أشبه بالموت، ومضت دروب قلبه تنغلق أمام كل إشارات الحياة، فلم يلاحظ ولا حتى أنه كان معزولا عن نبض الحياة في وطن الجفاف والتصحر، وعن بكاء بتامي نشرة أخبار الساعة السادسة والنصف صباحا، وعن حرمان الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ وذوي المفقودين وعن آلام الفقراء الطيبين ومرضي الملاريا الذين يترنحون في شوارع الوطن .

رأي المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز في عتمة مغيب ناء ترتق له ملابس الشجار، جالسة في بهاء شاعري كأنها الملكة الكنداكة في مملكة مروي القديمة، وفجأة انتزعه صوت نسائي رفيع كان يغني : الليلة مسافر ما جبر الخاطر، كان الرائد دفع الله قد خرج لإحضار الفول للعشاء من مطعم أبو العباس وعاد مصطحبا بجانب صحن الفول الضخم فتاة صغيرة بالغة الجمال .

أزاح ذكريات زواجه جانبا وجلس في حضرة جمالها، لا فنها، منتشيا مثل درويش، شاعرا بأن ريشه كان ينتفش مثل ديك رومي، حاول أن يسلم أذنيه لتيار غناءها ليقاوم فضيحة بدء انفلات أشواقه، فشعر في سطوة صوتها بأول أعراض ضياعه، الذي استمر أكثر من أربعة عقود من الزمان، كانت الحياة خلالها تمضي دون أن يعرف هو نفسه كيف كانت تمضي، كان إيقاع الحياة يبدو متوقفا، ورغم ذلك كانت القطارات القديمة تعبر صحراء بيوضة إلى ميناء وادي حلفا النهري، وكانت المراكب تعبر نهر النيل تنقل الناس والبضائع، وكان طائر البشروش المهاجر يعبر سماء الوطن متجها إلى جنوب القارة، وكان أفراد قبيلة الكبابيش يرحلون بجمالهم في رحلتي النشوغ والجزو بحثا عن الكلأ الذي أصبح نادرا مع سطوة عصر الجفاف .

فجأة لاحظ أن زملائه الثلاثة أصبحوا سكارى تماما لدرجة أنهم لم يتنبهوا له وهو يسحب الفتاة إلى الداخل، ولاحظ أنهم واصلوا طربهم اللاإرادي مع صوت الفتاة رغم توقفها عن الغناء، ولم يوقظهم بعد قليل إلا صراخها الداوي .

استيقظ الرواد الثلاثة ووجدوا أمامهم صحن الفول فشرعوا في الأكل دون مناقشة، بعد قليل خرج من داخل البيت ليجد المكان خاليا وليكتشف أن صحن الفول الضخم كان نظيفا تماما، أيقظ الحراس ليقوموا بتوصيل الفتاة ثم استسلم للنوم شاعرا بتوجس من واقعة أن حلفاءه الجدد بادروا إلى أكل عشائه

 

فشاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، وقرأ إشارات الحماسة علي الوجوه الشابة، إشارات الحماسة التي خبت بمرور زمان لم يكن هو نفسه قادرا علي أن يصدق كيف بقي فيه علي قيد الحياة رغم أنه رأي نفسه مؤهلا أكثر للموت من بين كل المخلوقات .

شاهد إشارات الحماسة التي جعلته في الأيام الأولى يطوف الوطن كله من أقصي إقليم الشمال في باخرة قطعت نهر النيل، فشاهد الصبية الحفاة يهتفون باسمه، تذكر أن الدكتور إبراهيم عبد الرحيم وزير المالية المهذب حذره بأدب شديد حينما لاحظ نشوته الذائدة باستقبال الجماهير له، قال له :

هؤلاء أهلنا الطيبون سيدي الرئيس معتادون علي الترحيب بممثل السلطة منذ عهد التركية السابقة، ولكن المحك الحقيقي يكمن في من الذي يستطيع أن يقدم لهم شيئا، أشاح بوجهه عن الوزير المحسوب علي مجموعة المقدم حسن عز الدين الطاهر ومضي يحيى الجماهير بكل حواسه مرخيا أذنيه في نفس اللحظة لحديث الوزير نور الدين الأمين الذي حاول تلطيف حديث وزير المالية :

تركوا كل شئ سيدي الرئيس وجاءوا من اجل إلقاء نظرة واحدة عليكم سيدي الرئيس، يهتفون باسمكم في هذه الأصقاع النائية، حيث لا شئ سوي القيظ والذباب، صحراء مثل الموت دون نهاية، لا ينبت فيها سوي نبات السلم ذو الطعم الشبيه بطعم شجرة الزقوم، أكثر المناطق إهمالا طوال العهود الوطنية، لم تقدم لهم حكومة الأحزاب سوي وعود انتخابية كان يتم نسيانها بمجرد وصول المرشح إلى مقعده .

يحتاجون إلى أحزمة شجرية واقية لوقف زحف الصحراء التي تكاد تبتلع نهر النيل العظيم سيدي الرئيس، يحتاجون ليتعلموا تقنيات الزراعة الحديثة فلا يكتفون بزراعة ما يكفي لابقائهم علي قيد الحياة والي زيادة أعداد المدارس للقضاء علي الأمية، يحتاجون إلى حملات توعية صحية ليحاربوا الذباب الذي يسبب لهم التيفويد واليرقان، والبعوض الذي يسبب لهم الملاريا التي تستنزف كل قواهم .

وينظر حواليه فيري : النسوة اللائى جئن لرؤياك سيدي الرئيس، وأطفال المدارس الذين يحملون حقائب قماش الدمور الصغيرة، عيونهم ملتهبة من آثار التراكوما، والرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى جئن دون أن يفقدن الأمل ليطلبن منك وقف الحرب الأهلية وكشف مصير ذويهن المفقودين .

واستطرد الوزير دون أن يلاحظ أن السيد الرئيس كان لاهيا عنه بمظاهرة استقباله : هذا البلد يحتاج لخدمات كثيرة، فآخر باخرة عبرت هذه المنطقة كانت الباخرة التى جاءت لإنقاذ غردون باشا من قبضة أنصار الإمام المهدي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وآخر قطار عبر هذه الصحراء كان القطار الذي حمل اللورد كتشنر وجنوده أواخر القرن التاسع عشر للقضاء علي الثورة المهدية، وأسلاك التليفون التي أنشأها الاستعمار الإنجليزي انقطعت عنها الحرارة في العهد الوطني، فاستخدمتها النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ لتعليق الملابس عليها لتجف بعد غسيلها، وباختصار شديد فإن الحياة هنا منحطة سيدي الرئيس حتى أنهم يحكون قصة أفاق أحضر معه من العاصمة تفاحة وعلقها بحبل في سقف بيته ثم سمح لاهل القرية بالدمعقولة بس لقاء قرش واحد لرؤية التفاحة.

وأمام سيل الناس الذين هرعوا ليلقوا نظرة علي السلطة العائمة، شاهد فجأة رجلا ضخم الجثة قدر أنه كان أكثر ضخامة منه، شاهده ينطلق فجأة من بين أجمة الحلفاء وشعر بإلهام خارق أنه من بين الآلاف الذين هرعوا لرؤيته بدافع المحبة أو الفضول، فإن هذا الرجل كان الوحيد الذي هرع لرؤيته بدافع الكراهية .

شاهد من بين أجمة أشجار الطرفاء والسنط أطلال قصر الشاعر حمزة الملك طمبل، وشاهد مآذن مدينة أرقو الجميلة التي أنشأها الأتراك في القرن التاسع عشر، شاهد أشجار النيم الكثيفة في طرقاتها المتداخلة تخفف من قيظ الساعة الثانية بعد الظهر، وشاهد البوابة الحجرية الضخمة لمبني البلدية الذي بناه الإنجليز في الحي القديم المحاط بأشجار اللبخ والجميز والذي سيبتلعه فيضان النيل المدمر قبل عامين من نهاية القرن العشرين .

وفجأة تذكر بيت جده القديم في إحدى ضواحي مدينة أرقو، بيت جده الذي آل إليه لأنه لا يوجد وريث غيره لهذا الإرث المنسي في حافة هذا القفر الذي . . . يضل فيه حتى البدو سيدي الرئيس، حيث لا ينمو سوي نبات السيكران ذو الثمرة السامة الشبيهة بثمرة الخروع .

فور عودته أصدر قرارا بإقالة وزير المالية الدكتور إبراهيم عبد الرحيم، كانت تلك أول إشارة لا يرقي إليها الشك حول استيقاظ وحش السلطة في داخله رغم أن زملائه فات عليهم أن يتنبهوا لذلك التطور الخطير، لا مبالاة كان مقدرا أن يدفعوا حياتهم ثمنا لها .

وفي أول اجتماع لمجلس قيادة الثورة بعد إقالته لوزير المالية، طرح للمناقشة مشروع تأميم عدد من المشروعات الخاصة للحد من سيطرة بعض الأجانب علي الاقتصاد الوطني، اعترض المقدم حسن عز الدين الطاهر : الأمر يحتاج لدراسة وافية يقوم بها متخصصون سيدي الرئيس، الثورة لما تزل وليدة، والقرارات المتعجلة قد تعيدنا إلى أول مربع .

لكنه أعلن القرار في خطابه بمناسبة العيد الأول للثورة، بعد أن استعان بلجنة فنية مساعدة عين جميع أعضائها بنفسه، وبعد بضعة أيام تمت وباسم الشرعية الثورية مصادرة أكشاك صغيرة تملكها رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ ومطاعم شعبية لبيع الفسيخ وملاح ألويكة والكسرة وبعض الشركات التي يملكها أجانب .

شاهد مآذن مدينة أرقو الجميلة، واشتم رائحة نوار أشجار دقن الباشا فتذكر طفولته الأولى التي انقطعت فجأة بسبب قرار أسرته الرحيل للاستقرار نهائيا في مدينة أم درمان، تذكر الرحلة علي ظهر عربة لوري قطعت الصحراء في سبعة أيام، تذكر أن اللوري كان محملا بجوالات البلح وانه كان يسرق البلح من ثقوب الجوالات التي يجلسون فوقها مع متاعهم القليل المكون من حقيبتين من الصفيح وضعت فيهما والدته خبز ‘القرقوش’ الجاف وقفص من خشب الزان به دجاجات هرمة مصابة بالهيم، كانت جدته تخرجها من قفصها في أمسيات الصحراء في الطريق إلى أم درمان وتدهنها بالزيت المخلوط بالرماد لقتل الهيم، وقفص من أعواد شجر النيم، أحكم داخله فرن بلدي من الفخار أصرت والدته علي حمله رغم أن والده حاول إقناعها بأن الخبز يباع في أم درمان في الشوارع .

تذكر أمسيات قمر بعيد غامض تفوح من خلاله رائحة نوار شجر النيم، كان يلعب فيه مع أقرانه لعبة شليل، شاهد الحفاة الذين جاءوا لالقاء نظرة فضول علي السلطة تمخر عباب نهر النيل، رأي الوجوه المتغضنة تحت وطأة القيظ، شاهد التماسيح تزحف في شواطئ الجزر المنسية في عمق النهر المقدس، بين سيقان نبات البردي والزعتر البري، وشاهد أسراب طائر الحباري تحوم فوق النهر، وشاهد عصافير السمان المهاجرة، واسراب طائر الرهو تبدأ رحلة الهجرة العكسية شمالا فعرف أن الشتاء انصرم، وشعر بسلطته المطلقة تبدأ مع أول أنسام الصيف، نفس الشعور الذي تعمق لديه في اللحظة التي أعيد فيها إلى سدة الحكم بعد فشل أول محاولة انقلابية ضد سلطته.

قفزت إلى واجهة ذاكرته صورة النقيب أكرم محمد نور الدين، انضباط وأدب قل أن يتوافرا في شخص واحد، وفوق ذلك وسامة مفرطة تفرض هيبة من حوله، ورغم فارق السن الكبير بينهما، إلا انه كان يجلس أمامه مثل تلميذ صغير، يشعر بأن أكثر أخطائه تفاهة كانت تبدو واضحة للعيان، يجلس في حضرته صامتا يخشي لدي صدور أية حركة أو كلمة منه أن تكشف المزيد من أخطائه .

واجه النقيب أكرم نور الدين مخمورا في الغرفة الخشبية الضيقة في سلاح المدرعات حتى يتلافي الضعف الناجم عن مواجهته في حالة وعي كامل، كان حوله جنود مدججون بالسلاح، دفعه الشعور بالأمان وسط رجاله المسلحين لينظر مباشرة في عيني النقيب، كان بريقهما القاتل قد ضعف قليلا تحت ضغط إرهاق الليلة المنصرمة، وفي وجهه بدت آثار التعذيب، انه الوحيد الذي شكل السيد الرئيس بعد إعدامه لجنة تحقيق للجنود الذين قاموا بتعذيبه، رغم أنها كانت تعليماته ، وقام بنفسه بتوقيع عقوبات تراوحت بين الطرد من الخدمة والسجن لمدد مختلفة، والذين ابقي عليهم في الخدمة وقع عليهم بنفسه العقوبة الفورية : الضرب المبرح الشبيه بالموت .

للوهلة الأولى حينما نظر مباشرة في عيني النقيب أكرم نور الدين ورغم أنه كان مخمورا، إلا انه شعر بارتباك كيف لمثله أن يكون خائنا ، حتى راودته شكوك وجود خطأ ما، بددها الرد الحاسم للنقيب : الخطأ الوحيد الذي ارتكبناه هو أننا لم نطلق عليك النار منذ اللحظة الأولى .

وليعوض شعوره بالهزيمة تجاهه، ولينتقم لضعفه، أمر بإعدامه فورا وقبل مروره علي المحكمة العسكرية التي أصدرت عشرات أحكام الإعدام رميا بالرصاص علي عسكريين ومدنيين .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان