• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل الثالث) الخريف ياتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل الثالث)

 

ورآه في ضوضاء الذاكرة في زمان آخر يتحدث واقفا، رافضا الجلوس حتى بعد أن أصدر له أمرا عسكريا ليجلس :

لست هنا لاذكرك بأحداث انتهت سيدي الرئيس، بل لأحذرك من مغبة الطريق الذي تسير فيه، فنصف نساء الوطن اصبحن رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ والنصف الآخر أصبحن ثكالي، تحول الوطن إلي مقبرة، ومن لم يمت بالتعذيب في معتقلات أجهزة أمنك، مات رميا بالرصاص، أو بسبب المجاعة التي تصر علي إنكارها حتى كاد الوطن يخلو من سكانه.

إلا أنه لا يمكن خداع كل الناس طوال الوقت، فالناس كلهم يعلمون سخف دعاوى إعلامك بأن حملة الإعلام الغربي ضد الوطن هي رد فعل للتوجهات الرشيدة للحكم، لأن أخبار الوطن لم تحتل نشرات أخبار الإذاعات العالمية إلا لأنه الوطن الوحيد المعروض للبيع بالتقسيط المريح.

والناس كلهم يعلمون بأن الحملة التي أرسلتها إلى المديرية الاستوائية لم تكن من اجل القضاء علي دودة الفرنديد، بل كانت تهدف إجبار المتمردين علي التراجع نحو نطاق وباء ايبولا في زائير، ولا تحاول خداع نفسك بالرقص بلباس من ريش النعام مع دينكا بور تحت أشجار الباباي والغناء مع الشلك في احتفالات تتويج الرث :

أجاك أقرع الطبل قرعا ليدوي …

علي أرواح جدودنا.

لأن الحرب الأهلية اندلعت مرة أخرى سيدي الرئيس.

اللواء الزبير سليمان الذي حينما احضر أمامه في المرة الأخيرة، جريحا وممزق الملابس وحول عينيه هالات سوداء من أثر إرهاق عدم النوم طوال ثلاثة أيام بعد أن تزعم المحاولة الأخطر للإطاحة بالنظام، أمر السيد الرئيس بأن يعطي ملابس جديدة وأن تضمد جراحه ويخلد لراحة تامة قبل محاكمته، وحين صدر الحكم بإعدامه، لم يجرؤ علي حضور تنفيذ حكم الإعدام، بقي داخل مكتبه حتى سمع صوت زخات إطلاق النار ثم صوت العربة التي حملت الجثمان تمضي بعيدا إلى الأبد، قبل أن يسلم نفسه طوال عدة أيام لنوبة إعصارية من تعذيب الضمير.

وبعد بضعة أسابيع أمر بإرسال الفرقة التي نفذت حكم الإعدام في اللواء الزبير سليمان إلى مناطق العمليات في جنوب الوطن لدي تجدد الحرب الأهلية، وأمر بوضعهم في المقدمة، ثم راح بعد ذلك يتسقط أخبار موتهم:

الرقيب حمدان النور لقي مصرعه بعد انفجار لغم أطاح به إلى اعلي شجرة مانجو بالقرب من توريت.. والجندي دفع الله سليمان قتل برصاص المتمردين بالقرب من راجا صباح التاسع عشر من سبتمبر بينما كان نائما، يشعر أن أوجاع ضميره باتت افضل دون ادني شعور بالخجل من تشفيه من وقائع الموت . . .

الجندي الحسين نورين خطفه تمساح بينما كان يغسل ملابسه علي ضفة بحر الجبل واضطر زملائه الي الوقوف جامدين فيما التمساح يتلاعب به خوفا من اصابته إذا أطلقوا النار علي التمساح، حتى اختفي به التمساح إلى الأبد وبعد يومين عثروا علي بقية عظامه داخل أجمة مهجورة .

الرقيب الفاتح محمد احمد قتلته رصاصة طائشة مساء السابع من أكتوبر حينما كان في المقدمة يستكشف حقلا للألغام قريبا من الحدود اليوغندية.. والجندي شرف الدين علي النور نفذت ذخيرته أثناء تبادل لاطلاق النار مع المتمردين بالقرب من نيمولي فقام المتمردون بنزع عينيه وتقطيع جسده إربا… أربا، فيشعر بتحسن طفيف في موقف ضميره دون أن يؤرقه يقين اكتشافه أن نار عذاب ضميره لم تكن تطفئها سوي نار الموت.

يطرق برهة قبل أن يسأل: وأين الرقيب عبد العظيم التوم، فيعرف أنه: في مستشفي القوات المسلحة سيدي الرئيس، حالته خطيرة بعد إصابته بطلقات نفذت إلى صدره أثناء كمين بالقرب من قوقريال.

تسلل ليلا بعربته إلى مستشفي القوات المسلحة وصعد بهدوء إلى الغرفة التي كان الجريح يخلد فيها للنوم، اكتشف أن جسمه كان موصولا بأنابيب التغذية والأوكسجين وأن ممرضة بدينة كانت تنام أرضا بجانب فراشه.

قام بهدوء بسحب الأنابيب من جسد الجريح في نفس اللحظة التي شعر فيها بجسده يبطل شحنة رعدة خوف مفاجئة نبتت في أطرافه لحظة اكتشافه إن الرقيب عبد العظيم التوم استيقظ للحظة أخيرة وحدق فيه بعيون تقطر حزنا وحقدا قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

 

كانت أولى العلامات التي ظهرت كمؤشر لبدء نشوء خلل في ذاكرته في أحد أزمنة سلطته، قد ظهرت في شكل بدء خلو ذاكرته من أخطائه الدموية العظيمة، ليس فقط نتيجة لرفضه الباطني الجازم للاعتراف بها ولكن أيضا لفراغ روحه الذي أتاح له سلطة انتقائية علي الذكريات، ولم تكن المشكلة تكمن في خطورة هذا الفراغ الذي يتيح له التنصل من كل منجزات عهده من الأخطاء، بل في احتمال ارتكابه لاخطاء جديدة أكثر دموية لشغل فراغ ذاكرته.

رغم أنه أبدي في تلك الأيام وللمرة الأولى منذ استيلائه علي السلطة قبل أكثر من عقدين من الزمان، أبدي مرونة لا تصدق تجاه الموت، لا كواقعة بل كرمز، رغم رفضه المعلن له كمبدأ، حتى أنه استعاض في الأيام الأخيرة عن عصا الشيخ الحسين الضرير التي عصمته من الموت طوال سنوات كما كانت تؤكد شائعات رجال أمنه، استعاض عنها بمسبحة من اللالوب طولها سبعة أمتار أحضرها منا فقوه الاقربون وزعموا أنها كانت تخص الشيخ حسن ود حسونة.

كما أظهر تسامحا هادئا في التعامل مع المنغصات اليومية، فاستمع بصبر إلى وزير المالية وهو يعرض عليه فحوي آخر تقرير لصندوق النقد الدولي عن التدهور الشديد في الاقتصاد الوطني، وفحوي تقرير آخر عن فشل كل محاولات الحصول علي قروض من مؤسسات الإقراض الدولية لاعادة تأهيل مشاريع التنمية.

استمع بلامبالاة هادئة كأن كل هذه المصائب تحدث في وطن آخر لايخصه، بل أنه طلب نسخا من جريدة المعارضة الخارجية التي تصدر خارج الوطن والتي تتحدث بالوثائق عن فساد نظامه.

وخلافا لتعليماته السابقة فقد رفض التصديق باستخدام الذخيرة الحية لتفريق مظاهرة كانت تعبر في تلك اللحظة في قلب العاصمة لذوي الضباط الذين اعدموا دون محاكمة في آخر محاولة انقلابية ضده، بعد فشل استخدام الغاز المسيل للدموع، كما أمر بتجاهل مرور مظاهرة لذوي المفقودين منذ أول سنوات استبداده بالسلطة.

في الساعة الثانية ظهرا كان السيد وزير المالية قد فرغ من تلاوة المقترحات التي وضعها من أجل محاولة إنعاش اقتصاد الوطن، تبدأ بتخفيض الإنفاق الحكومي واعادة ربط الميزانية المنفصلة المخصصة لجهاز الأمن القومي بوزارة المالية، وإيقاف المطبعة الخاصة التابعة للقصر والتي تطبع النقود خارج إشراف بنك الوطن، لوقف انهيار العملة الوطنية، وتكوين لجنة لمحاسبة المسئولين الذين تحوم شبهات حول تورطهم في صفقات مشبوهة.

وتحدث الوزير بإسهاب مدعم بالأرقام والمستندات عن الشركات المحسوبة علي مسئولين مقربين منه، والمتخصصة في استيراد سلع كمالية ممنوع استيرادها، ودون دفع أية جمارك عليها، كذلك اقترح وزير المالية اعلان المجاعة حتى تتمكن الحكومة من الحصول علي دعم خارجي لمواجهة الكارثة.

رافق الوزير حتى باب مكتبه، ووعده بأنه سوف يدرس اقتراحاته ويضعها فورا موضع التنفيذ، ووجهه بمواصلة مباحثاته مع مندوب صندوق النقد الدولي ومحاولة تخفيف شروط الصندوق من أجل الحصول علي قروض جديدة.

حيث يشترط الصندوق تخفيض قيمة العملة الوطنية المنهارة أصلا :

لأننا لو خفضنا قيمة العملة مليما واحدا فلن يكفي جوال من هذه الأوراق لشراء ربطة جرجير!

ورفع الدعم عن السلع الأساسية : لأننا ودون أن نرفع الدعم… وأشار بيده باتجاه ضوضاء مظاهرة النازحين بسبب المجاعة.

كانت الساعة الثالثة إلا ثلاث دقائق حينما ودع الوزير بابتسامة وعاد إلى مكتبه، فيما غادر الوزير القصر علي عجل للحاق بدعوة غداء يقيمها لمندوب صندوق النقد الدولي بالفندق الكبير، ولحظة توقفه أمام الفندق الكبير دقت الساعة الثالثة في راديو سيارته، لبث قليلا داخل السيارة ليستمع لمقدمة نشرة الساعة الثالثة وكان أول خبر في موجز النشرة: قرار جمهوري بإقالة وزير المالية.

رأي نفسه في متاهة الذاكرة جالسا علي مقعد وثير في غرفة واسعة بها مائدة اجتماعات ضخمة من خشب التيك ولوحات جدارية تصور احتفالات لوضع أحجار الأساس لمشروعات منسية.

رأي نفسه غارقا في ضوء الساعة الرابعة بعد الظهر المتسرب عبر وردات أشجار الجهنمية والتاهيتي واللانتانا وهو يدفن وجهه في رمال صحيفته الرسمية، شاهد نفسه وهو يتفحص تقاطيع وجهه علي مرآة صغيرة، لا ليتأكد من أن صورته المنشورة في الصفحة الأولى للصحيفة الرسمية تنطبق علي نفس ملامحه وأنها لا تخص شخصا آخر، بل ليتأكد انه ظل حيا رغم أن الرصاصات التي أطلقت من اجل موته، كانت تكفي لفناء جيل كامل، وأن المظاهرات التي خرجت تطالب برأسه مع بدء كل عهد جديد للاستبداد بالسلطة ومع كل زيادة جديدة في أسعار الوقود والخبز ومع ازدياد أعداد المفقودين وتجدد الحرب الأهلية، كانت تكفي لإسقاط ألف نظام.

شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستبداد، رأي العميد أبو بكر محمد عثمان النور واقفا بجانبه مثلما كان يفعل دائما منذ الطفولة منذ أن كانا يلعبان سويا في أزقة أمدرمان القديمة التي يتوه فيها حتى ساكنوها القدامى، يتذكر الآن أنه كان يستغرق في الضحك حتى تسيل الدموع من عينيه كلما سمع مقولة أن فأرا هو الذي قام بتخطيط هذه المدينة القديمة.

العميد أبو بكر محمد عثمان النور، صديق عمره، صداقة كان مقدرا لها ألا يفصم عراها إلا الموت، العميد أبو بكر الأول في المدرسة، الأول في سباقات الجري، حتى في لعبة الاختباء التي كانوا يمارسونها في الأزقة كان يختفي كأنه شيطان، ولا يظهر من أقل الأماكن توقعا إلا بعد أن يفقدوا الأمل تماما في العثور عليه .

كان الأول دائما، ورغم ذلك لم يكن يحقد عليه، رغم أنه كان يرزح في غبار المؤخرة، كان هو الوحيد الذي لا يبذل جهدا للحفاظ علي مستوي أدائه، لأن البقاء في المؤخرة لا يتطلب جهدا يذكر: استراحة مطلقة في الفشل.

العميد أبو بكر محمد عثمان النور الذي قام بصد القوات الزائيرية التي تسللت داخل حدود الوطن لمطاردة ثوار السمبا أنصار الزعيم باتريس لوممبا، وحينما انتشر وباء الكوليرا بين الجنود وفي أحياء السافنا الفقيرة، قام بإعلان التعبئة لمحاصرة الوباء رغم التهديد المستمر من متمردي حركة الانيانيا، ولم يذق طعم النوم طوال عدة ليال حتى تم احتواء الوباء.

العميد أبو بكر محمد عثمان النور الذي لم يعرف مطلقا سبب موته، ففي حين صدر إعلان رسمي بأنه توفي اثر إصابته بحمي خبيثة عشية عيد الأضحى المبارك أثناء أدائه لمهمة خاصة في جنوب الوطن، أكدت شائعات موثوقة أن الحرس الرئاسي أطلق النار عليه وأرداه قتيلا حينما أقدم فجأة أثناء نقاش ساخن مع السيد الرئيس علي توجيه اللكمات له والقائه أرضا.

شاهد صورته تطل من صحيفته الرسمية، صورته التي ترقي إلى أول أيام عصر الجفاف الذي تزامن مع استيلائه علي السلطة فتراجع الخريف عن الوطن وغارت المياه الجوفية في باطن الأرض حتى استحال الوصول إليها، حتى الطيور المهاجرة اختفت من سماء الوطن.

تستغرقه الصورة فيشعر بها تنشئ حواجز من الذكري حوله فلا يكاد يستمع إلى أصوات رجال أمنه:سيدي الرئيس رجموا وزارة الداخلية بالحجارة وأوسعوا الوزير ضربا بعصي الخيزران حينما خرج ليحاول تهدئتهم، يستمع إلى أصواتهم البعيدة القادمة من قاع الذاكرة ويقول بعد مدة طويلة وكأن الأمر لا يعنيه:

لا يستطيع حتى حماية نفسه .. هذا المغفل! …

يستمع للأصوات المذعورة من حوله تحولها حواجز الذكري التي تغرقه إلى مجرد همس متقطع:

سيدي الرئيس أحرقوا وزارة المالية، وسحلوا الوزير في التراب، فيشعر ببعض التشفي في قاع لاوعيه، يتمتم: يستحق أكثر من هذا .. هذا المفلس !

تستغرقه الصورة فيشعر بنفسه ليس مجرد رسم ضوئي في واجهة الصورة، بل يشعر بنفس أعراض زمان الصورة، يري وتيرة المواسم تتحول من حوله لتحكي زمانا يتوافق مع نفس ملامح المكان، ويستمع لصخب قديم يرقي للعصر الأول للجفاف، يري رجال أمنه المذعورين وقد استعادوا ثقة الزمن الغابر حينما كان بمقدورهم اكتشاف المؤامرات حتى قبل أن يفكر فيها منفذوها، يقولون له:

الأول عثرنا عليه في مطعم أتينيه سيدي الرئيس، كان يغني بصحبة مجموعة من السكارى أغنية ‘لو ما مصدقنا أسأل العنبة الرامية فوق بيتنا’وحينما رفعناه من الأرض وجدناه غارقا في بركة بول ساخن تفوح منه رائحة الأسيتون.

والثاني عثرنا عليه في العرض الثاني في سينما الحلفايا أثناء عرض فيلم هندي لشاشي كابور ووجدنا حوله أربعة زجاجات شري فارغة وكان يغني مع شاب من قبيلة الدينكا أغنية غير معروفة بلهجة عربي جوبا يرددان فيها نبوءات الزعيم قويك قندنق بونق بأن الحرب الأهلية سوف تندلع مرة أخري.

والثالث تبعناه وهو يعبر مجاهل السافنا، متنكرا مرة في زي رعاة الماساي ومرتديا في مرات أخرى زي قبيلة الذاندي زاعما انه حفيد الملك بودوي باسنقبي الذي قتل علي يد الإنجليز في مطلع القرن العشرين، وفقدنا أثره فجأة في منطقة الحدود الكينية ثم عثرنا عليه مرة أخرى بعد ثلاثة أيام بزي سائح أمريكي وكان يستخدم نظارة معظمة يراقب بها أسراب طائر البشروش المهاجر حول ضفاف بحيرة ناكورو.

والرابع تبعناه وهو يعبر نطاق موسم الدرت وكان يشارك أثناء مروره في عمليات حصاد الذرة والسمسم ووجدناه مشاركا في مهرجان رقصة تيوكوبو بزي فقيه من الفولاني، زاعما لنفسه مقدرة خارقة علي شفاء الجروح حتى جروح القلب الأكثر نسيانا.

ثم اقتفينا آثاره وهو يعبر مع عصابات التهريب التي تقوم بتهريب السكر والصمغ العربي من داخل الوطن، ثم وهو يتوقف ليشارك في مهرجان لاختيار ملكة جمال بحيرة تشاد وشاهدناه يرقص السنجكا وكأنه ولد وعاش في تلك الأصقاع النائية حيث لا شئ سوي أحراش الصحراء المنسية التي يعبر فيها في أمسيات ضوء القمر قطاع الطرق الذين خلفتهم سنوات طويلة من حروب أهلية لا تنتهي.

ثم عبر نهر النيجر علي متن قارب صيد صغير وتبعناه وهو يخترق الصحراء الكبرى برفقة قافلة من قبيلة الطوارق وحين أوشكنا علي الوصول إليه بالقرب من مدينة كانو، فقدنا أثره فجأة لدي بدء هبوب رياح الهارمتان الموسمية .

والخامس عثرنا عليه في مستشفي التيجاني الماحي وحتى نصدق بأنه مصاب بانفصام الشخصية حاول أن يحدثنا بلسانين مختلفين في وقت واحد، إلا أننا استطعنا تمييزه بسهولة لأنه كان المجنون الوحيد الذي اعترف بأنه مصاب بالجنون .

والسادس عثرنا عليه في ملابس شحاذ جوار الجامع الكبير ولم يكن يستجدي المارة بل كان يعظهم، وفي البداية اعتقدنا أنه مجرد واعظ مخبول يستمع له المارة بدافع الفضول، وكان يلوح في يده بنسخة من كتاب بدائع الزهور لابن اياس لولا أننا لاحظنا انه كان في حديثه يستوحي مقاطع من رأس المال .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان