• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

(الفصل الثاني) الخريف يأتي مع صفاي (الراوي احمد الملك)

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل الثاني)

فقد كان يعبر بوابة القيادة العامة مساء أثناء تفتيش روتيني، وفي اللحظة التي عبر فيها البوابة بعد أن أدى له الحراس التحية العسكرية، توقف فجأة وتراجع بخطوات متعجلة إلى الخلف، ثم انهال علي الحراس ضربا، أطاح بضربة واحدة بسبعة من الحراس دفعة واحدة وحطم بندقيتين، ورغم أن الحراس ولوا الأدبار، إلا انه طاردهم دون هوادة، وفجأة أوقفته قبضة يد قوية علي كتفه، توقف رغم انه كان يعلم أن بإمكانه تحطيم صاحب هذه الكف بضربة إصبع، لكنه شعر بنفوذها الواثق يجتاح كيانه كله، فعرف أنه نفوذ أخلاقي يفوق مقدرته علي المقاومة فاستسلم دون شرط، وفجأة فيما كان النقيب يقوده من يده نحو مكتبه جلس أرضا وانخرط في نوبة بكاء عنيفة .

الملازم أكرم محمد نور الدين، التقاه أثناء شجار روتيني في حانة، نشأ لان النادل تأخر لاقل من دقيقة في تلبية طلبه، بضربة واحدة كان قد حطم سياجا من القنا يحيط بالمكان، أزاح من طريقه ستة مناضد بزبائنها نصف السكارى وحطم عشر زجاجات ويسكي وكان علي وشك تحطيم المكان كله، حينما شعر بقبضة يد واثقة تكبحه. شاهد خلفه شابا صغيرا : الملازم أكرم محمد نور الدين، كان شابا صغيرا لدرجة أنه لم يره في البداية بعينه المجردة، حتى انه اقترب منه قليلا ليري شابا وسيما يمد له يده مبتسما، تردد قليلا قبل أن يري المقعد الذي كان يحمله في يده يسقط لا إراديا ويستسلم لليد التي قادته ببطء إلى الشارع حيث عربته الصغيرة التي كانت تسع بالكاد جسمه الضخم .

الرائد حسن عزالدين الطاهر، التقاه في الحفل السنوي للكلية الحربية بمناسبة تخريج دفعة جديدة من الضباط، كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير حينما توقف المغني فجأة، وبدأ العازفون في الانسحاب، ودون أن يشعر وجد نفسه علي المسرح، يحاول منع المغني وعازفيه من مغادرة المكان، لكن أحدا لم يستجب لمحاولاته، واستمر العازفون في جمع آلاتهم حينما أطاح بهم بضربة واحدة فاختلطت الأجساد مع الآلات التي عزفت لحنا نشازا بعنف مفاجئ، ثم هبط من المسرح وبدأ الضرب في الصفوف الأمامية مراعيا تدرج الرتب العسكرية، حتى وصل طلبة الكلية الحربية الذين لم يهنئوا بثياب التخرج الجديدة، فاختلطت ملابسهم بالوحل. حينما أوقفته ضربة كف واثقة علي كتفه.

.الخمسة الآخرون تذكر أنه التقاهم في مناسبات أقل أخلاقية : شجار في بيت للدعارة أقدم فيه علي تحطيم باب غرفة وثلاثة مقاعد حينما وجد أحدهم سبقه في الدمعقولة بس علي الفتاة التي كان ينوي النوم معها، كمين دبروه لإفزاع زميل بتفجير لغم أرضي أثناء مرور سيارته.

شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، رأي سمات خوف غامض ترتسم في ملامح وجهه فعرف في تلك اللحظة فيما أصوات المتظاهرين تصل إلى أسماعه مختلطة بالخطوات المتعجلة لمستشاريه وهم يجمعون مستندات فسادهم، عرف سخف مقولة أن التاريخ لا تحركه الصدفة والتي ظل يرددها طوال أكثر من أربعة عقود، لأنه بات واضحا أمامه أن تاريخ حياته كله الذي صنع منه إعلام عصر الجفاف تاريخا للوطن، كان في الواقع تحركه الصدفة المحضة، الصدفة وحدها هي التي جعلته يتزعم انقلابا عسكريا كان معدا سلفا، وكان سيقع حتما حتى لو ظل نائما في ذلك اليوم الأغر كما وصفته القرارات الجمهورية.

الصدفة هي التي جعلته يشرب في الليلة السابقة خمرا مغشوشة أطفأت في دواخله رغباته الأزلية في العراك والتدمير وحافظت علي طاقة أبقته مستيقظا في وقت أخلد فيه الوطن كله للنوم، الوطن كله بدءا من مناطقه الصحراوية الجافة شمالا حيث لا شئ سوي الغبار يخيم فوق قفر أشجار السنط وحتى المستنقعات الجافة لآخر خريف منسي في قاع الوطن، حيث لا شئ سوي القحط والدمار الذي خلفته حرب أهلية نشأت في نفس لحظة مولد الوطن، لأنه ومنذ اللحظة التي بدأ فيها استبداده بالسلطة، بدأ الخريف يتراجع حتى اختفي في أدغال القارة السوداء، وأصبح الوطن كله حزاما للجفاف، وتحولت المجاعة التي حصدت الآلاف في غرب وشرق وأواسط الوطن بفضل أجهزة إعلامه إلى دعاية يطلقها الإعلام الغربي بسبب السياسات الرشيدة للنظام.

ورغم أن صلاة الاستسقاء التي أمها بنفسه لم تثر شيئا سوي الغبار، إلا أن أجهزة إعلامه أكدت أن وصوله إلي منطقة ما في نطاق الجفاف، كان كفيلا بهطول المطر، حتى تعين علي مرافقيه ارتداء ملابس من المطاط مثل الضفادع البشرية، ليتمكنوا من مواصلة الطواف معه.

وأنهم في أحد أيام هذا الخريف المبارك كما وصفته أجهزة إعلامه، ضلوا طريقهم في منتصف النهار حينما حاصرهم المطر الكثيف بالقرب من بابنوسة، واتجهوا إلى الحدود التشادية فيما كان الخريف يتبعهم دون هوادة، وأنه تعين إجلاء ركب السيد الرئيس بفصيل من الدبابات بعد أن غرزت جميع سيارات اللاندروفر في الوحل، وفيما كانت قصص الخريف المبارك تملأ صفحات الجرائد الرسمية كانت فلول النازحين من الجفاف تشكل قري عشوائية كثيفة حول العاصمة وكان وباء الكوليرا يحصد العشرات كل يوم.

بينما كان أهل القرية لا يزالون منهمكين في التشاور لتشكيل الوفد الذي سيقوم باستقبال السيد المشير، كان هو لا يزال مستسلما لنوبة الذكريات التي رأي فيها مشاهد مختلفة من عصور استبداده الثلاثة تعبر في وضوح مذهل في قفر ذاكرته، رأي نفسه يجلس وحيدا في ضوضاء شفق ناء قبل عدة اشهر من استيلائه علي السلطة، حينما فقد كل أفراد أسرته في حادث حركة مشئوم.

كانت أسرته كلها والديه وخالاته وزوجته واخوته الثلاثة متجهين في حافلة إلى مدينة كوستي لحضور مراسيم زواج أحد معارف الأسرة، حينما انقلبت السيارة واشتعلت فيها النيران. تلفت حواليه فوجد نفسه وحيدا في صحراء قاحلة لا عزاء فيها ولا حتى ومضة سراب، تشبث مثل غريق بقشة الشراب، وحين عرف بخبر الفاجعة بكي للمرة الأولى في حياته، لأن والدته أخبرته أنه لم يصرخ حينما خرج إلى الحياة.

استغرق في البكاء آنذاك حتى اعتقد الجميع أنه استنزف كل حصته المدخرة من الحزن المهمل، وطوال عدة أيام ظل باب بيته مغلقا في وجه كل الذين جاءوا لزيارته، بعضهم جاء يؤدي له واجب العزاء، والجانب الأكبر منهم جاءوا بدافع الفضول لأنهم لم يصدقوا إمكان انخراطه في البكاء بسبب شهرته كملاكم ومحطم أبواب.

وفجأة في اللحظة التي اعتقد فيها الجميع أنه لم يعد مؤهلا لممارسة الحياة بسبب استنزاف الموت، جفف دموعه وارتدي ملابس عسكرية جديدة وتأبط زجاجته واستأنف الحياة، استأنفها بضراوة أشد، لا ليعوض حيوات كل أولئك الذين ماتوا من أسرته كما اعتقد الكثيرون في البداية، ولكن خوفا من الموت الذي نظف حواليه بدقة مقص جنايني وتركه مكشوفا جاهزا لضربة أخيرة.

استأنف الحياة بضراوة اشد حتى أن أحدا لم يجرؤ في أيام عودته الأولى علي الشراب معه مساء، ورغم ذلك كان يطاردهم ليلا، يبحث عنهم دون هوادة، حتى أن معظم أصدقائه كانوا يعينون مرشدين لتنبيههم بوصوله، ليكتشف عند دمعقولة بسه بعد أن يحطم كل الأبواب التي تقابله انهم لاذوا بالفرار مستخدمين الجدران، ويكتشف أن كؤوس الشراب الأخيرة التي كانوا علي وشك احتسائها لحظة وصول الإنذار لا تزال معلقة في الهواء وأن صحن الفول الضخم لا يزال ممتلئا وساخنا.

كانت تلك المرة الأولى في حياته التي ينخرط فيها في البكاء، وبكي للمرة الثانية بعد أيام من إعدام الرائد عثمان محمد زين العابدين والرائد أكرم نور الدين والمقدم حسن عزالدين الطاهر الذين أدانتهم محكمة عسكرية، لم يستطع مطلقا وطوال عدة سنوات أن ينسي مشهد تنفيذ حكم الإعدام في المقدم حسن عزالدين الطاهر في منطقة الحزام الأخضر، شاهده في ضوء الفجر الوليد يسير إلى الموت بخطوات ثابتة رافضا أن تعصب له عينيه بعصابة سوداء قبل إطلاق الرصاص عليه.

والرائد أكرم محمد نور الدين الذي كان وسيما وسامة مفرطة ويملك حضورا قويا حتى أن ظهوره في مكان ما كان يلغي وجود كل الآخرين، وكان مهذبا يستحي حتى أن يرفع عينيه في وجه طفل.

واجهه مخمورا حتى لا يقع في مصيدة الضعف أمامه، ولم يوجه له سوي سؤال واحد لم يعرف حتى كيف واتته القوة ليقوله :

ألست نادما علي أنك شاركت في انقلاب ضدي ؟

رد الرائد أكرم نور الدين بحسم ودون أن يفارقه أدبه الجم :

أنا نادم فقط لأنني اعترضت علي إطلاق الرصاص عليك منذ اللحظة الأولي.

وبكي للمرة الثالثة بعد أيام من إعدام اللواء الزبير سليمان شيخ الدين، صديق طفولته الذي أنقذ حياته مرتين، المرة الأولى أيام الحرب الأهلية الأولى، حينما كان السيد المشير علي وشك السقوط في كمين لبعض مقاتلي الانيانيا بالقرب من أويل، كان هو واقفا يرقب شمس سبتمبر الباهتة تشرق للمرة الأولى منذ عدة أيام من خلف السياج الذي يحيط بالبيت الصغير، وفجأة فتح شخص ما النار فسقط ثلاثة رجال .

التفت خلفه فزعا ليجد صديقه الرائد الزبير سليمان الذي تركه نائما داخل البيت يقترب منه وهو يخفض فوهة بندقيته، وقال وهو يستند علي السياج بجانبه :

أيقظتني من النوم العناية الإلهية

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان