• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

( الفصل الاول) الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

(الفصل الاول )

الأطفال كانوا هم أول من شاهد شبحه الضخم قادما يتهادى في ضوء القمر، كانت نسمة ليلية حركت رائحة أشجار البان تتبعه، حتى أن الأطفال اعتقدوا في البداية أن هذا الشبح القادم دون ذكريات كان يمتلك سلطة خفية علي الرياح وعلي أشجار البان، وحينما لاحظوا قامته الفارعة وهو يقترب اكثر بخطوات بطيئة مثل هيكل سفينة غارقة، اعتقدوا انه العجوز منوفل الذي كان يظهر في القرية في الأيام الخوالي ساحبا خلفه جوالا من الخيش يضع فيه مقتنياته القليلة من مستلزمات التجوال.

وفجأة اكتشفوا أنه كان يسير في ضوء القمر دون ظل يتبعه، وبعد لحظات من عبوره بينهم، اكتشفوا انه يملك أيضا ميزة العبور ليس فقط دون ظل أو ضوضاء، ولكن أيضا دون ذكريات، فقد شعروا بعد لحظات من مروره أن عبوره بينهم بخطواته الواسعة مثل خطوات جمل لم يخلف لديهم أية وقائع لحفظها في الذاكرة.

تسرب الخبر إلى القرية واكتسب صخبا فوريا: عاد الطاهر محمد نور الدين، وفي البداية لم يصدق الكثيرون الخبر، لانهم لم يصدقوا إمكان ظهوره دون صخب رسمي يصاحب وجوده، لان آخر الأخبار التي وصلت عنه أكدت بأنه يشغل منصبا رفيعا في المجلس العسكري الحاكم، حتى أن الرجال تداولوا له اسما اكثر إثارة: السيد المشير، ولان بعض الشائعات زعمت بأنه يشغل منصبا سياسيا مرموقا فقد توفرت الفرصة طوال سنوات لنسج أخبار كثيرة عنه.

وتقديرا لأمجاده العسكرية المتخيلة فقد توجوه بطلا في معارك فاصلة غير موجودة في ذاكرة التاريخ واسبغوا عليه أنواطا من الدرجة الأولى بسبب التفاني والجدارة وإنكار الذات، حتى انه اصبح متعذرا في الفترة الأخيرة تخيل صورته الحقيقية بعد اللمسات الكثيرة التي وضعت عليها لجعلها تتلاءم مع كل إشاعة تلازم ارتقائه لسلم أمجاد جديدة.

وأكدت النسوة المسنات أنهن سمعن اسمه يتردد في نشرات أخبار الساعة السادسة والنصف مصحوبا بأناشيد عسكرية دون آن يستطعن الجزم إن كان اسمه يرد ضمن قائمة الأحياء أم ضمن قائمة الموتى أثناء محاولتهن البحث عن خيط يقود إلي كشف مصير المفقودين من أيام الحرب الأهلية الأولى.

في البداية احدث نبأ ظهوره إحساسا بالقهر لدى اكثر المسنين خبرة حتى أن أحدا لم يجازف برؤيته، لا خوفا من الشعور بالإحباط بسبب عدم وجود ادني شبه بينه وبين الصورة التي رسموها له في خيالهم الجماعي، وليس بسبب رغبتهم في استمرار حلم ارتقائه الأسطوري لسلالم المجد، ولكن بسبب خوفهم من احتمال حدوث أخطاء بروتوكولية أثناء استقباله، عدا بعض النسوة اللائى زعمن قرابة غير مؤكدة له.

وفي البداية لم يعثرن عليه في الأرض الجرداء التي كانت تخص أسلافه، بل وجدنه هائما في شوارع القرية وهو منهمك في البحث عن موقع بيت أسرته القديم في خريطة علي ورقة صفراء متآكلة الأطراف وبدا منظره شبيه بمنظر تلاميذ المدرسة الذين يبحثون عن كنز درس الجغرافيا المدفون في مكان ما، كان موقع البيت محددا علي الخريطة بعد مجموعة من أشجار الحراز والدوم منتشرة في شكل نصف دائرة حول تل رملي يقع في مواجهة غابة السنط التي تحف بخور ارقو، في شارع جانبي كتب علي جداره المتهدم بحروف ضخمة: شارع الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟.

في تلك الأثناء قام أهل القرية بتكوين الوفد الأول للترحيب بالسيد المشير، واختاروا أكثرهم خبرة في التحدث أمام ممثلي السلطة الذين كانوا يظهرون في القرية في فترات متباعدة، أحيانا وهم يرتدون ملابس عسكرية خانقة مثقلة بالنياشين وأحيانا وهم يرتدون الزي القومي.

واختاروا أكثرهم مداومة علي الاستماع لجهاز الراديو لرصد كل تغيير جديد في السلطة، حتى لا يقوم بالترحيب بممثل عهد بائد، ثم قاموا بترتيب العرائض التي ستقدم للسيد المشير والتي تراوحت بين التماسات للكشف عن مصير مفقودين من أيام انتفاضة شعبان، ومفقودين من قبل توقيع اتفاقية أديس أبابا، وطلبات للحصول علي تصديق لاستثمار أراض زراعية حكومية، وطلبات للحصول علي إعانات بسبب العوز، وطلب من اجل تخفيض سعر سلعة السكر، إضافة لطلب قدمته الأرملة سكينة بت حاج احمد لاستبدال ثلاثة جنيهات بالعملة الجديدة، لأنها كانت قد فقدت ذاكرتها في أيام تغيير العملة الوطنية مطلع العقد الأخير من القرن العشرين.

إضافة للعريضة التي قدمتها نورا الفتاة الجميلة المخبولة، طالبة تأخير موعد غروب الشمس يوم السابع و العشرين من شهر أغسطس، لإتاحة الفرصة لوردات صباح الخير لتبقي متفتحة ولإتاحة الفرصة لخطيبها الجندي الذي أستشهد في أحراش الجنوب، كما ورد في أعلان رسمي، ليعود لأنها حلمت بعودته مرهقا من وعثاء الموت في غسق ارجواني تطل من حوافه وردات نبات صباح الخير التي أصبحت الواحدة منها في حجم كرة قدم، في يوم في آخر أيام شهر أغسطس يمتد فيه غروب الشمس إلى ما بعد صلاة العشاء.

أثناء ذلك وقبل وصول وفد الترحيب، واصل السيد المشير تتبع إشارات الخريطة رغم صعوبة مطابقتها مع مواقع الأشياء أمامه، كما أن فراغ ذاكرته كان يجبره علي بذل جهد مضاعف لمحاولة تثبيت الوقائع الجديدة في ذاكرته، وفجأة تعثرت قدمه في جذر ناتئ وسقط علي وجهه.

أدى ارتجاج ذاكرته إلى حركة مفاجئة للذكريات التي رسبت في قاع ذاكرته فرأى صورا مذهلة في وضوحها ترقي لزمان غابر رأى فيها نفسه جالسا علي مقعد وثير في غرفة واسعة تطل علي حديقة استوائية تغص بأشجار التاهيتي والجهنمية وورد الحمير، رأى نفسه غارقا في حبات ضوء بدا له منتميا لزمان أكثر قدما وهو يدفن وجهه في صفحات صحيفته الرسمية، وفيما تعالت أصوات ضوضاء المظاهرات في الخارج كان رجال أمنه الفزعين يتدافعون من حوله:

سيدي الرئيس، العصيان المدني يشل المدينة، فيكتفي بإبعاد الصحيفة قليلا عن وجهه ثم يعيدها مرة أخري، فيشاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، لأنه وخلافا لمزاعم أجهزة إعلامه التي ادعت بأنه جاء إلى السلطة من خلال انتفاضة شعبية قضت علي حكم الأحزاب.

وأن ممثلي الشعب ونقابات العمال ظلوا طوال ثلاثة أيام يتوسلون إليه لتسلم أعباء السلطة من اجل إنقاذ الوطن من الفوضى التي ضربت أطنابها فيه من أقصي جنوبه الاستوائي وحتى أقصى شمال إقليم الصحراء، حيث لا شئ سوي القيظ في نهارات طويلة تتفتت فيها حتى الذكريات وتذبل فيها حتى الأوراق البلاستيكية لنبات العشر.

وخلافا للشائعات الرسمية التي كانت تطلقها أجهزة أمنه بأنه جاء إلى السلطة بوحي قرار الهي، وأن الوطن كله حلم به ليلة الثورة المجيدة فيما الأولياء الموتى يزفونه علي إيقاع نحاس الشبالنكيت، وأنه نصب مثل الشيخ بدوي أبودليق علي ككر من الذهب، في محاولة لردم حقيقة أنه وصل إلى السلطة لأنه كان الشخص الوحيد الذي استيقظ مبكرا صباح ذلك اليوم النائي، والوطن كله في حالة سبات جماعي، لا عن نشاط أو طموح، ولكن لانه كان الوحيد ضمن كتيبة كاملة الذي تعاطي خمرا مغشوشة في الليلة السابقة لاستيقاظه المبكر التاريخي.

ففي الثلث الأخير من تلك الليلة ارتدي ملابسه العسكرية الكاملة وطاف شوارع العاصمة، فاكتشف أن الوطن كله كان نائما ولم يشاهد سوي بعض اللصوص يتراجعون بغنائمهم بالقرب من كوبري النيل الأزرق، اقتحم القيادة العامة للقوات المسلحة، فوجد الحراس نائمين وقد سقطوا أرضا علي وجوههم، تفحص وضع سقوطهم ليتأكد أنه كان عسكريا، وفي غرفة جانبية عارية من الأثاث إلا من منضدة صغيرة وجد الضابط العظيم يخلد إلى نوم احتفالي في بركة من البول وحوله أربعة زجاجات شري فارغة ومنفضة سجائر غاصة بالأعقاب وجهاز راديو ملقي علي وجهه وهو يصدح بأغاني فرنسية من محطة في الكونغو، اعتلي ظهر إحدى الدبابات قطع بها الشوارع الخالية وعبر كوبري النيل الأبيض .

شاهد صيادي الأسماك نائمين علي شاطئ النيل الأبيض وشعر برطوبة النهر الدافئة مختلطة بعفونة السمك الميت تكاد تخنقه، وفجأة شاهد ومضات ضوء غريب تلمع من علي البعد فوق صفحة مياه النيل الأبيض، لم يهتم بها ولم يتسن له أن يلاحظ مطلقا أنها لم تكن سوي آخر ومضات الحياة في الوطن الواقف علي أعتاب العصر الأول للجفاف .

اقتحم الإذاعة دون ادني مقاومة من الحراس الذين كانوا نائمين في مقاعدهم، في الداخل لم يجد سوي مذيع واحد مستغرق في النوم أزاحه بقدمه وامسك بالميكرفون فاستيقظ الوطن كله علي صوته الأجش: انقلاب عسكري .

لحظة أن فرغ من ارتجال بيانه الأول شعر فجأة بفداحة ما فعل: أنه يقوم بانقلاب في الإذاعة دون أية سند من أية وحدة عسكرية، فجأة تناهي إلى سمعه صوت إطلاق رصاص، اقترب منه ثلاثة ضباط برتبة رواد وأدوا له التحية العسكرية، ارتبك لبرهة قبل أن يرد علي أول تحية عسكرية بصفته رئيسا للدولة، بادره أحد الضباط الثلاثة : تمام سعادتك، تم تأمين الموقع، وتحركت قوة لتأمين القيادة العامة، وقوة أخري لتأمين منطقة وادي سيدنا وقوة ثالثة اتجهت نحو مدرعات الشجرة، وقوة رابعة قامت باحتلال القصر الجمهوري .

شعر ببعض الاطمئنان رغم إنه عاني شعورا غامضا بأنه كان يقوم بدور معد سلفا، غادر الإذاعة في حراسة الرواد الثلاثة ليستقلوا عربة مدرعة عبرت بهم الشوارع التي بدأت تدب فيها حركة حذرة، شاهد بعض المواطنين يهتفون باسمه وفي اسفل كوبري النيل الأبيض، شاهد صيادي الأسماك الذين تركهم نائمين لدي مروره فجرا، شاهدهم يسحبون شباكهم التي تلمع فيها أسماك البياض والبلطي الفضية، شاهد عشاق الساعة السادسة والربع يتسكعون في شارع النيل، يسيرون بخطي ثابتة كأنهم رجال آليون بمحركات زمبركية.

شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستبداد بالسلطة، وقرأ في بريق عينيه المرهق، قرأ إشارات ارتباكه الأول وهو يتلقي أول تحية عسكرية داخل القصر الجمهوري ويتعرف علي أفراد المجموعة التي ساندت انقلابه ويستمع إلى آخر تقارير الموقف الذي بات جليا أنه أصبح في صالحه وبسرعة لم تخطر علي بال أحد .

وحتى يتفادي احتمال تفاقم ارتباكه وهو يقرأ برقيات التأييد التي بدأت تنهال من كل أرجاء الوطن، وحتى لا تختلط أسماء المجموعة التي ساندته بأسماء آخرين، قام بإحصائهم سرا، لم تكن تربطه بهم معرفة وثيقة فقد كانوا في رتب عسكرية اقل منه كثيرا، كما انه وبسبب شهرته كملاكم ومحطم أبواب لم تسند له طوال عدة سنوات أية مهام قد تتطلب جهدا عقليا، إلا انه تذكر انه التقي بعض أفراد المجموعة أثناء مغامرات ليلية: النقيب عثمان محمد زين العابدين، التقاه أثناء عراك ليلي قبل سنوات نجم عن إفراطه في الشراب.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان