• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
دلوعة السودان

الخريف يأتي مع صفاء

عدد ردود الموضوع : 1

الأطفال كانوا هم أول من شاهد شبحه الضخم قادما يتهادى في ضوء القمر، كانت نسمة ليلية حركت رائحة أشجار البان تتبعه، حتى أن الأطفال اعتقدوا في البداية أن هذا الشبح القادم دون ذكريات كان يمتلك سلطة خفية علي الرياح وعلي أشجار البان، وحينما لاحظوا قامته الفارعة وهو يقترب اكثر بخطوات بطيئة مثل هيكل سفينة غارقة، اعتقدوا انه العجوز منوفل الذي كان يظهر في القرية في الأيام الخوالي ساحبا خلفه جوالا من الخيش يضع فيه مقتنياته القليلة من مستلزمات التجوال.

وفجأة اكتشفوا أنه كان يسير في ضوء القمر دون ظل يتبعه، وبعد لحظات من عبوره بينهم، اكتشفوا انه يملك أيضا ميزة العبور ليس فقط دون ظل أو ضوضاء، ولكن أيضا دون ذكريات، فقد شعروا بعد لحظات من مروره أن عبوره بينهم بخطواته الواسعة مثل خطوات جمل لم يخلف لديهم أية وقائع لحفظها في الذاكرة.

تسرب الخبر إلى القرية واكتسب صخبا فوريا: عاد الطاهر محمد نور الدين، وفي البداية لم يصدق الكثيرون الخبر، لانهم لم يصدقوا إمكان ظهوره دون صخب رسمي يصاحب وجوده، لان آخر الأخبار التي وصلت عنه أكدت بأنه يشغل منصبا رفيعا في المجلس العسكري الحاكم، حتى أن الرجال تداولوا له اسما اكثر إثارة: السيد المشير، ولان بعض الشائعات زعمت بأنه يشغل منصبا سياسيا مرموقا فقد توفرت الفرصة طوال سنوات لنسج أخبار كثيرة عنه.

وتقديرا لأمجاده العسكرية المتخيلة فقد توجوه بطلا في معارك فاصلة غير موجودة في ذاكرة التاريخ واسبغوا عليه أنواطا من الدرجة الأولى بسبب التفاني والجدارة وإنكار الذات، حتى انه اصبح متعذرا في الفترة الأخيرة تخيل صورته الحقيقية بعد اللمسات الكثيرة التي وضعت عليها لجعلها تتلاءم مع كل إشاعة تلازم ارتقائه لسلم أمجاد جديدة.

وأكدت النسوة المسنات أنهن سمعن اسمه يتردد في نشرات أخبار الساعة السادسة والنصف مصحوبا بأناشيد عسكرية دون آن يستطعن الجزم إن كان اسمه يرد ضمن قائمة الأحياء أم ضمن قائمة الموتى أثناء محاولتهن البحث عن خيط يقود إلي كشف مصير المفقودين من أيام الحرب الأهلية الأولى.

في البداية احدث نبأ ظهوره إحساسا بالقهر لدى اكثر المسنين خبرة حتى أن أحدا لم يجازف برؤيته، لا خوفا من الشعور بالإحباط بسبب عدم وجود ادني شبه بينه وبين الصورة التي رسموها له في خيالهم الجماعي، وليس بسبب رغبتهم في استمرار حلم ارتقائه الأسطوري لسلالم المجد، ولكن بسبب خوفهم من احتمال حدوث أخطاء بروتوكولية أثناء استقباله، عدا بعض النسوة اللائى زعمن قرابة غير مؤكدة له.

وفي البداية لم يعثرن عليه في الأرض الجرداء التي كانت تخص أسلافه، بل وجدنه هائما في شوارع القرية وهو منهمك في البحث عن موقع بيت أسرته القديم في خريطة علي ورقة صفراء متآكلة الأطراف وبدا منظره شبيه بمنظر تلاميذ المدرسة الذين يبحثون عن كنز درس الجغرافيا المدفون في مكان ما، كان موقع البيت محددا علي الخريطة بعد مجموعة من أشجار الحراز والدوم منتشرة في شكل نصف دائرة حول تل رملي يقع في مواجهة غابة السنط التي تحف بخور ارقو، في شارع جانبي كتب علي جداره المتهدم بحروف ضخمة: شارع الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟.

في تلك الأثناء قام أهل القرية بتكوين الوفد الأول للترحيب بالسيد المشير، واختاروا أكثرهم خبرة في التحدث أمام ممثلي السلطة الذين كانوا يظهرون في القرية في فترات متباعدة، أحيانا وهم يرتدون ملابس عسكرية خانقة مثقلة بالنياشين وأحيانا وهم يرتدون الزي القومي.

واختاروا أكثرهم مداومة علي الاستماع لجهاز الراديو لرصد كل تغيير جديد في السلطة، حتى لا يقوم بالترحيب بممثل عهد بائد، ثم قاموا بترتيب العرائض التي ستقدم للسيد المشير والتي تراوحت بين التماسات للكشف عن مصير مفقودين من أيام انتفاضة شعبان، ومفقودين من قبل توقيع اتفاقية أديس أبابا، وطلبات للحصول علي تصديق لاستثمار أراض زراعية حكومية، وطلبات للحصول علي إعانات بسبب العوز، وطلب من اجل تخفيض سعر سلعة السكر، إضافة لطلب قدمته الأرملة سكينة بت حاج احمد لاستبدال ثلاثة جنيهات بالعملة الجديدة، لأنها كانت قد فقدت ذاكرتها في أيام تغيير العملة الوطنية مطلع العقد الأخير من القرن العشرين.

إضافة للعريضة التي قدمتها نورا الفتاة الجميلة المخبولة، طالبة تأخير موعد غروب الشمس يوم السابع و العشرين من شهر أغسطس، لإتاحة الفرصة لوردات صباح الخير لتبقي متفتحة ولإتاحة الفرصة لخطيبها الجندي الذي أستشهد في أحراش الجنوب، كما ورد في أعلان رسمي، ليعود لأنها حلمت بعودته مرهقا من وعثاء الموت في غسق ارجواني تطل من حوافه وردات نبات صباح الخير التي أصبحت الواحدة منها في حجم كرة قدم، في يوم في آخر أيام شهر أغسطس يمتد فيه غروب الشمس إلى ما بعد صلاة العشاء.

أثناء ذلك وقبل وصول وفد الترحيب، واصل السيد المشير تتبع إشارات الخريطة رغم صعوبة مطابقتها مع مواقع الأشياء أمامه، كما أن فراغ ذاكرته كان يجبره علي بذل جهد مضاعف لمحاولة تثبيت الوقائع الجديدة في ذاكرته، وفجأة تعثرت قدمه في جذر ناتئ وسقط علي وجهه.

أدى ارتجاج ذاكرته إلى حركة مفاجئة للذكريات التي رسبت في قاع ذاكرته فرأى صورا مذهلة في وضوحها ترقي لزمان غابر رأى فيها نفسه جالسا علي مقعد وثير في غرفة واسعة تطل علي حديقة استوائية تغص بأشجار التاهيتي والجهنمية وورد الحمير، رأى نفسه غارقا في حبات ضوء بدا له منتميا لزمان أكثر قدما وهو يدفن وجهه في صفحات صحيفته الرسمية، وفيما تعالت أصوات ضوضاء المظاهرات في الخارج كان رجال أمنه الفزعين يتدافعون من حوله:

سيدي الرئيس، العصيان المدني يشل المدينة، فيكتفي بإبعاد الصحيفة قليلا عن وجهه ثم يعيدها مرة أخري، فيشاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، لأنه وخلافا لمزاعم أجهزة إعلامه التي ادعت بأنه جاء إلى السلطة من خلال انتفاضة شعبية قضت علي حكم الأحزاب.

وأن ممثلي الشعب ونقابات العمال ظلوا طوال ثلاثة أيام يتوسلون إليه لتسلم أعباء السلطة من اجل إنقاذ الوطن من الفوضى التي ضربت أطنابها فيه من أقصي جنوبه الاستوائي وحتى أقصى شمال إقليم الصحراء، حيث لا شئ سوي القيظ في نهارات طويلة تتفتت فيها حتى الذكريات وتذبل فيها حتى الأوراق البلاستيكية لنبات العشر.

وخلافا للشائعات الرسمية التي كانت تطلقها أجهزة أمنه بأنه جاء إلى السلطة بوحي قرار الهي، وأن الوطن كله حلم به ليلة الثورة المجيدة فيما الأولياء الموتى يزفونه علي إيقاع نحاس الشبالنكيت، وأنه نصب مثل الشيخ بدوي أبودليق علي ككر من الذهب، في محاولة لردم حقيقة أنه وصل إلى السلطة لأنه كان الشخص الوحيد الذي استيقظ مبكرا صباح ذلك اليوم النائي، والوطن كله في حالة سبات جماعي، لا عن نشاط أو طموح، ولكن لانه كان الوحيد ضمن كتيبة كاملة الذي تعاطي خمرا مغشوشة في الليلة السابقة لاستيقاظه المبكر التاريخي.

ففي الثلث الأخير من تلك الليلة ارتدي ملابسه العسكرية الكاملة وطاف شوارع العاصمة، فاكتشف أن الوطن كله كان نائما ولم يشاهد سوي بعض اللصوص يتراجعون بغنائمهم بالقرب من كوبري النيل الأزرق، اقتحم القيادة العامة للقوات المسلحة، فوجد الحراس نائمين وقد سقطوا أرضا علي وجوههم، تفحص وضع سقوطهم ليتأكد أنه كان عسكريا، وفي غرفة جانبية عارية من الأثاث إلا من منضدة صغيرة وجد الضابط العظيم يخلد إلى نوم احتفالي في بركة من البول وحوله أربعة زجاجات شري فارغة ومنفضة سجائر غاصة بالأعقاب وجهاز راديو ملقي علي وجهه وهو يصدح بأغاني فرنسية من محطة في الكونغو، اعتلي ظهر إحدى الدبابات قطع بها الشوارع الخالية وعبر كوبري النيل الأبيض .

شاهد صيادي الأسماك نائمين علي شاطئ النيل الأبيض وشعر برطوبة النهر الدافئة مختلطة بعفونة السمك الميت تكاد تخنقه، وفجأة شاهد ومضات ضوء غريب تلمع من علي البعد فوق صفحة مياه النيل الأبيض، لم يهتم بها ولم يتسن له أن يلاحظ مطلقا أنها لم تكن سوي آخر ومضات الحياة في الوطن الواقف علي أعتاب العصر الأول للجفاف .

اقتحم الإذاعة دون ادني مقاومة من الحراس الذين كانوا نائمين في مقاعدهم، في الداخل لم يجد سوي مذيع واحد مستغرق في النوم أزاحه بقدمه وامسك بالميكرفون فاستيقظ الوطن كله علي صوته الأجش: انقلاب عسكري .

لحظة أن فرغ من ارتجال بيانه الأول شعر فجأة بفداحة ما فعل: أنه يقوم بانقلاب في الإذاعة دون أية سند من أية وحدة عسكرية، فجأة تناهي إلى سمعه صوت إطلاق رصاص، اقترب منه ثلاثة ضباط برتبة رواد وأدوا له التحية العسكرية، ارتبك لبرهة قبل أن يرد علي أول تحية عسكرية بصفته رئيسا للدولة، بادره أحد الضباط الثلاثة : تمام سعادتك، تم تأمين الموقع، وتحركت قوة لتأمين القيادة العامة، وقوة أخري لتأمين منطقة وادي سيدنا وقوة ثالثة اتجهت نحو مدرعات الشجرة، وقوة رابعة قامت باحتلال القصر الجمهوري .

شعر ببعض الاطمئنان رغم إنه عاني شعورا غامضا بأنه كان يقوم بدور معد سلفا، غادر الإذاعة في حراسة الرواد الثلاثة ليستقلوا عربة مدرعة عبرت بهم الشوارع التي بدأت تدب فيها حركة حذرة، شاهد بعض المواطنين يهتفون باسمه وفي اسفل كوبري النيل الأبيض، شاهد صيادي الأسماك الذين تركهم نائمين لدي مروره فجرا، شاهدهم يسحبون شباكهم التي تلمع فيها أسماك البياض والبلطي الفضية، شاهد عشاق الساعة السادسة والربع يتسكعون في شارع النيل، يسيرون بخطي ثابتة كأنهم رجال آليون بمحركات زمبركية.

شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستبداد بالسلطة، وقرأ في بريق عينيه المرهق، قرأ إشارات ارتباكه الأول وهو يتلقي أول تحية عسكرية داخل القصر الجمهوري ويتعرف علي أفراد المجموعة التي ساندت انقلابه ويستمع إلى آخر تقارير الموقف الذي بات جليا أنه أصبح في صالحه وبسرعة لم تخطر علي بال أحد .

وحتى يتفادي احتمال تفاقم ارتباكه وهو يقرأ برقيات التأييد التي بدأت تنهال من كل أرجاء الوطن، وحتى لا تختلط أسماء المجموعة التي ساندته بأسماء آخرين، قام بإحصائهم سرا، لم تكن تربطه بهم معرفة وثيقة فقد كانوا في رتب عسكرية اقل منه كثيرا، كما انه وبسبب شهرته كملاكم ومحطم أبواب لم تسند له طوال عدة سنوات أية مهام قد تتطلب جهدا عقليا، إلا انه تذكر انه التقي بعض أفراد المجموعة أثناء مغامرات ليلية: النقيب عثمان محمد زين العابدين، التقاه أثناء عراك ليلي قبل سنوات نجم عن إفراطه في الشراب.

 

فقد كان يعبر بوابة القيادة العامة مساء أثناء تفتيش روتيني، وفي اللحظة التي عبر فيها البوابة بعد أن أدى له الحراس التحية العسكرية، توقف فجأة وتراجع بخطوات متعجلة إلى الخلف، ثم انهال علي الحراس ضربا، أطاح بضربة واحدة بسبعة من الحراس دفعة واحدة وحطم بندقيتين، ورغم أن الحراس ولوا الأدبار، إلا انه طاردهم دون هوادة، وفجأة أوقفته قبضة يد قوية علي كتفه، توقف رغم انه كان يعلم أن بإمكانه تحطيم صاحب هذه الكف بضربة إصبع، لكنه شعر بنفوذها الواثق يجتاح كيانه كله، فعرف أنه نفوذ أخلاقي يفوق مقدرته علي المقاومة فاستسلم دون شرط، وفجأة فيما كان النقيب يقوده من يده نحو مكتبه جلس أرضا وانخرط في نوبة بكاء عنيفة .

الملازم أكرم محمد نور الدين، التقاه أثناء شجار روتيني في حانة، نشأ لان النادل تأخر لاقل من دقيقة في تلبية طلبه، بضربة واحدة كان قد حطم سياجا من القنا يحيط بالمكان، أزاح من طريقه ستة مناضد بزبائنها نصف السكارى وحطم عشر زجاجات ويسكي وكان علي وشك تحطيم المكان كله، حينما شعر بقبضة يد واثقة تكبحه. شاهد خلفه شابا صغيرا : الملازم أكرم محمد نور الدين، كان شابا صغيرا لدرجة أنه لم يره في البداية بعينه المجردة، حتى انه اقترب منه قليلا ليري شابا وسيما يمد له يده مبتسما، تردد قليلا قبل أن يري المقعد الذي كان يحمله في يده يسقط لا إراديا ويستسلم لليد التي قادته ببطء إلى الشارع حيث عربته الصغيرة التي كانت تسع بالكاد جسمه الضخم .

الرائد حسن عزالدين الطاهر، التقاه في الحفل السنوي للكلية الحربية بمناسبة تخريج دفعة جديدة من الضباط، كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير حينما توقف المغني فجأة، وبدأ العازفون في الانسحاب، ودون أن يشعر وجد نفسه علي المسرح، يحاول منع المغني وعازفيه من مغادرة المكان، لكن أحدا لم يستجب لمحاولاته، واستمر العازفون في جمع آلاتهم حينما أطاح بهم بضربة واحدة فاختلطت الأجساد مع الآلات التي عزفت لحنا نشازا بعنف مفاجئ، ثم هبط من المسرح وبدأ الضرب في الصفوف الأمامية مراعيا تدرج الرتب العسكرية، حتى وصل طلبة الكلية الحربية الذين لم يهنئوا بثياب التخرج الجديدة، فاختلطت ملابسهم بالوحل. حينما أوقفته ضربة كف واثقة علي كتفه.

.الخمسة الآخرون تذكر أنه التقاهم في مناسبات أقل أخلاقية : شجار في بيت للدعارة أقدم فيه علي تحطيم باب غرفة وثلاثة مقاعد حينما وجد أحدهم سبقه في الدمعقولة بس علي الفتاة التي كان ينوي النوم معها، كمين دبروه لإفزاع زميل بتفجير لغم أرضي أثناء مرور سيارته.

شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، رأي سمات خوف غامض ترتسم في ملامح وجهه فعرف في تلك اللحظة فيما أصوات المتظاهرين تصل إلى أسماعه مختلطة بالخطوات المتعجلة لمستشاريه وهم يجمعون مستندات فسادهم، عرف سخف مقولة أن التاريخ لا تحركه الصدفة والتي ظل يرددها طوال أكثر من أربعة عقود، لأنه بات واضحا أمامه أن تاريخ حياته كله الذي صنع منه إعلام عصر الجفاف تاريخا للوطن، كان في الواقع تحركه الصدفة المحضة، الصدفة وحدها هي التي جعلته يتزعم انقلابا عسكريا كان معدا سلفا، وكان سيقع حتما حتى لو ظل نائما في ذلك اليوم الأغر كما وصفته القرارات الجمهورية.

الصدفة هي التي جعلته يشرب في الليلة السابقة خمرا مغشوشة أطفأت في دواخله رغباته الأزلية في العراك والتدمير وحافظت علي طاقة أبقته مستيقظا في وقت أخلد فيه الوطن كله للنوم، الوطن كله بدءا من مناطقه الصحراوية الجافة شمالا حيث لا شئ سوي الغبار يخيم فوق قفر أشجار السنط وحتى المستنقعات الجافة لآخر خريف منسي في قاع الوطن، حيث لا شئ سوي القحط والدمار الذي خلفته حرب أهلية نشأت في نفس لحظة مولد الوطن، لأنه ومنذ اللحظة التي بدأ فيها استبداده بالسلطة، بدأ الخريف يتراجع حتى اختفي في أدغال القارة السوداء، وأصبح الوطن كله حزاما للجفاف، وتحولت المجاعة التي حصدت الآلاف في غرب وشرق وأواسط الوطن بفضل أجهزة إعلامه إلى دعاية يطلقها الإعلام الغربي بسبب السياسات الرشيدة للنظام.

ورغم أن صلاة الاستسقاء التي أمها بنفسه لم تثر شيئا سوي الغبار، إلا أن أجهزة إعلامه أكدت أن وصوله إلي منطقة ما في نطاق الجفاف، كان كفيلا بهطول المطر، حتى تعين علي مرافقيه ارتداء ملابس من المطاط مثل الضفادع البشرية، ليتمكنوا من مواصلة الطواف معه.

وأنهم في أحد أيام هذا الخريف المبارك كما وصفته أجهزة إعلامه، ضلوا طريقهم في منتصف النهار حينما حاصرهم المطر الكثيف بالقرب من بابنوسة، واتجهوا إلى الحدود التشادية فيما كان الخريف يتبعهم دون هوادة، وأنه تعين إجلاء ركب السيد الرئيس بفصيل من الدبابات بعد أن غرزت جميع سيارات اللاندروفر في الوحل، وفيما كانت قصص الخريف المبارك تملأ صفحات الجرائد الرسمية كانت فلول النازحين من الجفاف تشكل قري عشوائية كثيفة حول العاصمة وكان وباء الكوليرا يحصد العشرات كل يوم.

بينما كان أهل القرية لا يزالون منهمكين في التشاور لتشكيل الوفد الذي سيقوم باستقبال السيد المشير، كان هو لا يزال مستسلما لنوبة الذكريات التي رأي فيها مشاهد مختلفة من عصور استبداده الثلاثة تعبر في وضوح مذهل في قفر ذاكرته، رأي نفسه يجلس وحيدا في ضوضاء شفق ناء قبل عدة اشهر من استيلائه علي السلطة، حينما فقد كل أفراد أسرته في حادث حركة مشئوم.

كانت أسرته كلها والديه وخالاته وزوجته واخوته الثلاثة متجهين في حافلة إلى مدينة كوستي لحضور مراسيم زواج أحد معارف الأسرة، حينما انقلبت السيارة واشتعلت فيها النيران. تلفت حواليه فوجد نفسه وحيدا في صحراء قاحلة لا عزاء فيها ولا حتى ومضة سراب، تشبث مثل غريق بقشة الشراب، وحين عرف بخبر الفاجعة بكي للمرة الأولى في حياته، لأن والدته أخبرته أنه لم يصرخ حينما خرج إلى الحياة.

استغرق في البكاء آنذاك حتى اعتقد الجميع أنه استنزف كل حصته المدخرة من الحزن المهمل، وطوال عدة أيام ظل باب بيته مغلقا في وجه كل الذين جاءوا لزيارته، بعضهم جاء يؤدي له واجب العزاء، والجانب الأكبر منهم جاءوا بدافع الفضول لأنهم لم يصدقوا إمكان انخراطه في البكاء بسبب شهرته كملاكم ومحطم أبواب.

وفجأة في اللحظة التي اعتقد فيها الجميع أنه لم يعد مؤهلا لممارسة الحياة بسبب استنزاف الموت، جفف دموعه وارتدي ملابس عسكرية جديدة وتأبط زجاجته واستأنف الحياة، استأنفها بضراوة أشد، لا ليعوض حيوات كل أولئك الذين ماتوا من أسرته كما اعتقد الكثيرون في البداية، ولكن خوفا من الموت الذي نظف حواليه بدقة مقص جنايني وتركه مكشوفا جاهزا لضربة أخيرة.

استأنف الحياة بضراوة اشد حتى أن أحدا لم يجرؤ في أيام عودته الأولى علي الشراب معه مساء، ورغم ذلك كان يطاردهم ليلا، يبحث عنهم دون هوادة، حتى أن معظم أصدقائه كانوا يعينون مرشدين لتنبيههم بوصوله، ليكتشف عند دمعقولة بسه بعد أن يحطم كل الأبواب التي تقابله انهم لاذوا بالفرار مستخدمين الجدران، ويكتشف أن كؤوس الشراب الأخيرة التي كانوا علي وشك احتسائها لحظة وصول الإنذار لا تزال معلقة في الهواء وأن صحن الفول الضخم لا يزال ممتلئا وساخنا.

كانت تلك المرة الأولى في حياته التي ينخرط فيها في البكاء، وبكي للمرة الثانية بعد أيام من إعدام الرائد عثمان محمد زين العابدين والرائد أكرم نور الدين والمقدم حسن عزالدين الطاهر الذين أدانتهم محكمة عسكرية، لم يستطع مطلقا وطوال عدة سنوات أن ينسي مشهد تنفيذ حكم الإعدام في المقدم حسن عزالدين الطاهر في منطقة الحزام الأخضر، شاهده في ضوء الفجر الوليد يسير إلى الموت بخطوات ثابتة رافضا أن تعصب له عينيه بعصابة سوداء قبل إطلاق الرصاص عليه.

والرائد أكرم محمد نور الدين الذي كان وسيما وسامة مفرطة ويملك حضورا قويا حتى أن ظهوره في مكان ما كان يلغي وجود كل الآخرين، وكان مهذبا يستحي حتى أن يرفع عينيه في وجه طفل.

واجهه مخمورا حتى لا يقع في مصيدة الضعف أمامه، ولم يوجه له سوي سؤال واحد لم يعرف حتى كيف واتته القوة ليقوله :

ألست نادما علي أنك شاركت في انقلاب ضدي ؟

رد الرائد أكرم نور الدين بحسم ودون أن يفارقه أدبه الجم :

أنا نادم فقط لأنني اعترضت علي إطلاق الرصاص عليك منذ اللحظة الأولي.

وبكي للمرة الثالثة بعد أيام من إعدام اللواء الزبير سليمان شيخ الدين، صديق طفولته الذي أنقذ حياته مرتين، المرة الأولى أيام الحرب الأهلية الأولى، حينما كان السيد المشير علي وشك السقوط في كمين لبعض مقاتلي الانيانيا بالقرب من أويل، كان هو واقفا يرقب شمس سبتمبر الباهتة تشرق للمرة الأولى منذ عدة أيام من خلف السياج الذي يحيط بالبيت الصغير، وفجأة فتح شخص ما النار فسقط ثلاثة رجال .

التفت خلفه فزعا ليجد صديقه الرائد الزبير سليمان الذي تركه نائما داخل البيت يقترب منه وهو يخفض فوهة بندقيته، وقال وهو يستند علي السياج بجانبه :

أيقظتني من النوم العناية الإلهية

 

ورآه في ضوضاء الذاكرة في زمان آخر يتحدث واقفا، رافضا الجلوس حتى بعد أن أصدر له أمرا عسكريا ليجلس :

لست هنا لاذكرك بأحداث انتهت سيدي الرئيس، بل لأحذرك من مغبة الطريق الذي تسير فيه، فنصف نساء الوطن اصبحن رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ والنصف الآخر أصبحن ثكالي، تحول الوطن إلي مقبرة، ومن لم يمت بالتعذيب في معتقلات أجهزة أمنك، مات رميا بالرصاص، أو بسبب المجاعة التي تصر علي إنكارها حتى كاد الوطن يخلو من سكانه.

إلا أنه لا يمكن خداع كل الناس طوال الوقت، فالناس كلهم يعلمون سخف دعاوى إعلامك بأن حملة الإعلام الغربي ضد الوطن هي رد فعل للتوجهات الرشيدة للحكم، لأن أخبار الوطن لم تحتل نشرات أخبار الإذاعات العالمية إلا لأنه الوطن الوحيد المعروض للبيع بالتقسيط المريح.

والناس كلهم يعلمون بأن الحملة التي أرسلتها إلى المديرية الاستوائية لم تكن من اجل القضاء علي دودة الفرنديد، بل كانت تهدف إجبار المتمردين علي التراجع نحو نطاق وباء ايبولا في زائير، ولا تحاول خداع نفسك بالرقص بلباس من ريش النعام مع دينكا بور تحت أشجار الباباي والغناء مع الشلك في احتفالات تتويج الرث :

أجاك أقرع الطبل قرعا ليدوي …

علي أرواح جدودنا.

لأن الحرب الأهلية اندلعت مرة أخرى سيدي الرئيس.

اللواء الزبير سليمان الذي حينما احضر أمامه في المرة الأخيرة، جريحا وممزق الملابس وحول عينيه هالات سوداء من أثر إرهاق عدم النوم طوال ثلاثة أيام بعد أن تزعم المحاولة الأخطر للإطاحة بالنظام، أمر السيد الرئيس بأن يعطي ملابس جديدة وأن تضمد جراحه ويخلد لراحة تامة قبل محاكمته، وحين صدر الحكم بإعدامه، لم يجرؤ علي حضور تنفيذ حكم الإعدام، بقي داخل مكتبه حتى سمع صوت زخات إطلاق النار ثم صوت العربة التي حملت الجثمان تمضي بعيدا إلى الأبد، قبل أن يسلم نفسه طوال عدة أيام لنوبة إعصارية من تعذيب الضمير.

وبعد بضعة أسابيع أمر بإرسال الفرقة التي نفذت حكم الإعدام في اللواء الزبير سليمان إلى مناطق العمليات في جنوب الوطن لدي تجدد الحرب الأهلية، وأمر بوضعهم في المقدمة، ثم راح بعد ذلك يتسقط أخبار موتهم:

الرقيب حمدان النور لقي مصرعه بعد انفجار لغم أطاح به إلى اعلي شجرة مانجو بالقرب من توريت.. والجندي دفع الله سليمان قتل برصاص المتمردين بالقرب من راجا صباح التاسع عشر من سبتمبر بينما كان نائما، يشعر أن أوجاع ضميره باتت افضل دون ادني شعور بالخجل من تشفيه من وقائع الموت . . .

الجندي الحسين نورين خطفه تمساح بينما كان يغسل ملابسه علي ضفة بحر الجبل واضطر زملائه الي الوقوف جامدين فيما التمساح يتلاعب به خوفا من اصابته إذا أطلقوا النار علي التمساح، حتى اختفي به التمساح إلى الأبد وبعد يومين عثروا علي بقية عظامه داخل أجمة مهجورة .

الرقيب الفاتح محمد احمد قتلته رصاصة طائشة مساء السابع من أكتوبر حينما كان في المقدمة يستكشف حقلا للألغام قريبا من الحدود اليوغندية.. والجندي شرف الدين علي النور نفذت ذخيرته أثناء تبادل لاطلاق النار مع المتمردين بالقرب من نيمولي فقام المتمردون بنزع عينيه وتقطيع جسده إربا… أربا، فيشعر بتحسن طفيف في موقف ضميره دون أن يؤرقه يقين اكتشافه أن نار عذاب ضميره لم تكن تطفئها سوي نار الموت.

يطرق برهة قبل أن يسأل: وأين الرقيب عبد العظيم التوم، فيعرف أنه: في مستشفي القوات المسلحة سيدي الرئيس، حالته خطيرة بعد إصابته بطلقات نفذت إلى صدره أثناء كمين بالقرب من قوقريال.

تسلل ليلا بعربته إلى مستشفي القوات المسلحة وصعد بهدوء إلى الغرفة التي كان الجريح يخلد فيها للنوم، اكتشف أن جسمه كان موصولا بأنابيب التغذية والأوكسجين وأن ممرضة بدينة كانت تنام أرضا بجانب فراشه.

قام بهدوء بسحب الأنابيب من جسد الجريح في نفس اللحظة التي شعر فيها بجسده يبطل شحنة رعدة خوف مفاجئة نبتت في أطرافه لحظة اكتشافه إن الرقيب عبد العظيم التوم استيقظ للحظة أخيرة وحدق فيه بعيون تقطر حزنا وحقدا قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة

 

كانت أولى العلامات التي ظهرت كمؤشر لبدء نشوء خلل في ذاكرته في أحد أزمنة سلطته، قد ظهرت في شكل بدء خلو ذاكرته من أخطائه الدموية العظيمة، ليس فقط نتيجة لرفضه الباطني الجازم للاعتراف بها ولكن أيضا لفراغ روحه الذي أتاح له سلطة انتقائية علي الذكريات، ولم تكن المشكلة تكمن في خطورة هذا الفراغ الذي يتيح له التنصل من كل منجزات عهده من الأخطاء، بل في احتمال ارتكابه لاخطاء جديدة أكثر دموية لشغل فراغ ذاكرته.

رغم أنه أبدي في تلك الأيام وللمرة الأولى منذ استيلائه علي السلطة قبل أكثر من عقدين من الزمان، أبدي مرونة لا تصدق تجاه الموت، لا كواقعة بل كرمز، رغم رفضه المعلن له كمبدأ، حتى أنه استعاض في الأيام الأخيرة عن عصا الشيخ الحسين الضرير التي عصمته من الموت طوال سنوات كما كانت تؤكد شائعات رجال أمنه، استعاض عنها بمسبحة من اللالوب طولها سبعة أمتار أحضرها منا فقوه الاقربون وزعموا أنها كانت تخص الشيخ حسن ود حسونة.

كما أظهر تسامحا هادئا في التعامل مع المنغصات اليومية، فاستمع بصبر إلى وزير المالية وهو يعرض عليه فحوي آخر تقرير لصندوق النقد الدولي عن التدهور الشديد في الاقتصاد الوطني، وفحوي تقرير آخر عن فشل كل محاولات الحصول علي قروض من مؤسسات الإقراض الدولية لاعادة تأهيل مشاريع التنمية.

استمع بلامبالاة هادئة كأن كل هذه المصائب تحدث في وطن آخر لايخصه، بل أنه طلب نسخا من جريدة المعارضة الخارجية التي تصدر خارج الوطن والتي تتحدث بالوثائق عن فساد نظامه.

وخلافا لتعليماته السابقة فقد رفض التصديق باستخدام الذخيرة الحية لتفريق مظاهرة كانت تعبر في تلك اللحظة في قلب العاصمة لذوي الضباط الذين اعدموا دون محاكمة في آخر محاولة انقلابية ضده، بعد فشل استخدام الغاز المسيل للدموع، كما أمر بتجاهل مرور مظاهرة لذوي المفقودين منذ أول سنوات استبداده بالسلطة.

في الساعة الثانية ظهرا كان السيد وزير المالية قد فرغ من تلاوة المقترحات التي وضعها من أجل محاولة إنعاش اقتصاد الوطن، تبدأ بتخفيض الإنفاق الحكومي واعادة ربط الميزانية المنفصلة المخصصة لجهاز الأمن القومي بوزارة المالية، وإيقاف المطبعة الخاصة التابعة للقصر والتي تطبع النقود خارج إشراف بنك الوطن، لوقف انهيار العملة الوطنية، وتكوين لجنة لمحاسبة المسئولين الذين تحوم شبهات حول تورطهم في صفقات مشبوهة.

وتحدث الوزير بإسهاب مدعم بالأرقام والمستندات عن الشركات المحسوبة علي مسئولين مقربين منه، والمتخصصة في استيراد سلع كمالية ممنوع استيرادها، ودون دفع أية جمارك عليها، كذلك اقترح وزير المالية اعلان المجاعة حتى تتمكن الحكومة من الحصول علي دعم خارجي لمواجهة الكارثة.

رافق الوزير حتى باب مكتبه، ووعده بأنه سوف يدرس اقتراحاته ويضعها فورا موضع التنفيذ، ووجهه بمواصلة مباحثاته مع مندوب صندوق النقد الدولي ومحاولة تخفيف شروط الصندوق من أجل الحصول علي قروض جديدة.

حيث يشترط الصندوق تخفيض قيمة العملة الوطنية المنهارة أصلا :

لأننا لو خفضنا قيمة العملة مليما واحدا فلن يكفي جوال من هذه الأوراق لشراء ربطة جرجير!

ورفع الدعم عن السلع الأساسية : لأننا ودون أن نرفع الدعم… وأشار بيده باتجاه ضوضاء مظاهرة النازحين بسبب المجاعة.

كانت الساعة الثالثة إلا ثلاث دقائق حينما ودع الوزير بابتسامة وعاد إلى مكتبه، فيما غادر الوزير القصر علي عجل للحاق بدعوة غداء يقيمها لمندوب صندوق النقد الدولي بالفندق الكبير، ولحظة توقفه أمام الفندق الكبير دقت الساعة الثالثة في راديو سيارته، لبث قليلا داخل السيارة ليستمع لمقدمة نشرة الساعة الثالثة وكان أول خبر في موجز النشرة: قرار جمهوري بإقالة وزير المالية.

رأي نفسه في متاهة الذاكرة جالسا علي مقعد وثير في غرفة واسعة بها مائدة اجتماعات ضخمة من خشب التيك ولوحات جدارية تصور احتفالات لوضع أحجار الأساس لمشروعات منسية.

رأي نفسه غارقا في ضوء الساعة الرابعة بعد الظهر المتسرب عبر وردات أشجار الجهنمية والتاهيتي واللانتانا وهو يدفن وجهه في رمال صحيفته الرسمية، شاهد نفسه وهو يتفحص تقاطيع وجهه علي مرآة صغيرة، لا ليتأكد من أن صورته المنشورة في الصفحة الأولى للصحيفة الرسمية تنطبق علي نفس ملامحه وأنها لا تخص شخصا آخر، بل ليتأكد انه ظل حيا رغم أن الرصاصات التي أطلقت من اجل موته، كانت تكفي لفناء جيل كامل، وأن المظاهرات التي خرجت تطالب برأسه مع بدء كل عهد جديد للاستبداد بالسلطة ومع كل زيادة جديدة في أسعار الوقود والخبز ومع ازدياد أعداد المفقودين وتجدد الحرب الأهلية، كانت تكفي لإسقاط ألف نظام.

شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستبداد، رأي العميد أبو بكر محمد عثمان النور واقفا بجانبه مثلما كان يفعل دائما منذ الطفولة منذ أن كانا يلعبان سويا في أزقة أمدرمان القديمة التي يتوه فيها حتى ساكنوها القدامى، يتذكر الآن أنه كان يستغرق في الضحك حتى تسيل الدموع من عينيه كلما سمع مقولة أن فأرا هو الذي قام بتخطيط هذه المدينة القديمة.

العميد أبو بكر محمد عثمان النور، صديق عمره، صداقة كان مقدرا لها ألا يفصم عراها إلا الموت، العميد أبو بكر الأول في المدرسة، الأول في سباقات الجري، حتى في لعبة الاختباء التي كانوا يمارسونها في الأزقة كان يختفي كأنه شيطان، ولا يظهر من أقل الأماكن توقعا إلا بعد أن يفقدوا الأمل تماما في العثور عليه .

كان الأول دائما، ورغم ذلك لم يكن يحقد عليه، رغم أنه كان يرزح في غبار المؤخرة، كان هو الوحيد الذي لا يبذل جهدا للحفاظ علي مستوي أدائه، لأن البقاء في المؤخرة لا يتطلب جهدا يذكر: استراحة مطلقة في الفشل.

العميد أبو بكر محمد عثمان النور الذي قام بصد القوات الزائيرية التي تسللت داخل حدود الوطن لمطاردة ثوار السمبا أنصار الزعيم باتريس لوممبا، وحينما انتشر وباء الكوليرا بين الجنود وفي أحياء السافنا الفقيرة، قام بإعلان التعبئة لمحاصرة الوباء رغم التهديد المستمر من متمردي حركة الانيانيا، ولم يذق طعم النوم طوال عدة ليال حتى تم احتواء الوباء.

العميد أبو بكر محمد عثمان النور الذي لم يعرف مطلقا سبب موته، ففي حين صدر إعلان رسمي بأنه توفي اثر إصابته بحمي خبيثة عشية عيد الأضحى المبارك أثناء أدائه لمهمة خاصة في جنوب الوطن، أكدت شائعات موثوقة أن الحرس الرئاسي أطلق النار عليه وأرداه قتيلا حينما أقدم فجأة أثناء نقاش ساخن مع السيد الرئيس علي توجيه اللكمات له والقائه أرضا.

شاهد صورته تطل من صحيفته الرسمية، صورته التي ترقي إلى أول أيام عصر الجفاف الذي تزامن مع استيلائه علي السلطة فتراجع الخريف عن الوطن وغارت المياه الجوفية في باطن الأرض حتى استحال الوصول إليها، حتى الطيور المهاجرة اختفت من سماء الوطن.

تستغرقه الصورة فيشعر بها تنشئ حواجز من الذكري حوله فلا يكاد يستمع إلى أصوات رجال أمنه:سيدي الرئيس رجموا وزارة الداخلية بالحجارة وأوسعوا الوزير ضربا بعصي الخيزران حينما خرج ليحاول تهدئتهم، يستمع إلى أصواتهم البعيدة القادمة من قاع الذاكرة ويقول بعد مدة طويلة وكأن الأمر لا يعنيه:

لا يستطيع حتى حماية نفسه .. هذا المغفل! …

يستمع للأصوات المذعورة من حوله تحولها حواجز الذكري التي تغرقه إلى مجرد همس متقطع:

سيدي الرئيس أحرقوا وزارة المالية، وسحلوا الوزير في التراب، فيشعر ببعض التشفي في قاع لاوعيه، يتمتم: يستحق أكثر من هذا .. هذا المفلس !

تستغرقه الصورة فيشعر بنفسه ليس مجرد رسم ضوئي في واجهة الصورة، بل يشعر بنفس أعراض زمان الصورة، يري وتيرة المواسم تتحول من حوله لتحكي زمانا يتوافق مع نفس ملامح المكان، ويستمع لصخب قديم يرقي للعصر الأول للجفاف، يري رجال أمنه المذعورين وقد استعادوا ثقة الزمن الغابر حينما كان بمقدورهم اكتشاف المؤامرات حتى قبل أن يفكر فيها منفذوها، يقولون له:

الأول عثرنا عليه في مطعم أتينيه سيدي الرئيس، كان يغني بصحبة مجموعة من السكارى أغنية ‘لو ما مصدقنا أسأل العنبة الرامية فوق بيتنا’وحينما رفعناه من الأرض وجدناه غارقا في بركة بول ساخن تفوح منه رائحة الأسيتون.

والثاني عثرنا عليه في العرض الثاني في سينما الحلفايا أثناء عرض فيلم هندي لشاشي كابور ووجدنا حوله أربعة زجاجات شري فارغة وكان يغني مع شاب من قبيلة الدينكا أغنية غير معروفة بلهجة عربي جوبا يرددان فيها نبوءات الزعيم قويك قندنق بونق بأن الحرب الأهلية سوف تندلع مرة أخري.

والثالث تبعناه وهو يعبر مجاهل السافنا، متنكرا مرة في زي رعاة الماساي ومرتديا في مرات أخرى زي قبيلة الذاندي زاعما انه حفيد الملك بودوي باسنقبي الذي قتل علي يد الإنجليز في مطلع القرن العشرين، وفقدنا أثره فجأة في منطقة الحدود الكينية ثم عثرنا عليه مرة أخرى بعد ثلاثة أيام بزي سائح أمريكي وكان يستخدم نظارة معظمة يراقب بها أسراب طائر البشروش المهاجر حول ضفاف بحيرة ناكورو.

والرابع تبعناه وهو يعبر نطاق موسم الدرت وكان يشارك أثناء مروره في عمليات حصاد الذرة والسمسم ووجدناه مشاركا في مهرجان رقصة تيوكوبو بزي فقيه من الفولاني، زاعما لنفسه مقدرة خارقة علي شفاء الجروح حتى جروح القلب الأكثر نسيانا.

ثم اقتفينا آثاره وهو يعبر مع عصابات التهريب التي تقوم بتهريب السكر والصمغ العربي من داخل الوطن، ثم وهو يتوقف ليشارك في مهرجان لاختيار ملكة جمال بحيرة تشاد وشاهدناه يرقص السنجكا وكأنه ولد وعاش في تلك الأصقاع النائية حيث لا شئ سوي أحراش الصحراء المنسية التي يعبر فيها في أمسيات ضوء القمر قطاع الطرق الذين خلفتهم سنوات طويلة من حروب أهلية لا تنتهي.

ثم عبر نهر النيجر علي متن قارب صيد صغير وتبعناه وهو يخترق الصحراء الكبرى برفقة قافلة من قبيلة الطوارق وحين أوشكنا علي الوصول إليه بالقرب من مدينة كانو، فقدنا أثره فجأة لدي بدء هبوب رياح الهارمتان الموسمية .

والخامس عثرنا عليه في مستشفي التيجاني الماحي وحتى نصدق بأنه مصاب بانفصام الشخصية حاول أن يحدثنا بلسانين مختلفين في وقت واحد، إلا أننا استطعنا تمييزه بسهولة لأنه كان المجنون الوحيد الذي اعترف بأنه مصاب بالجنون .

والسادس عثرنا عليه في ملابس شحاذ جوار الجامع الكبير ولم يكن يستجدي المارة بل كان يعظهم، وفي البداية اعتقدنا أنه مجرد واعظ مخبول يستمع له المارة بدافع الفضول، وكان يلوح في يده بنسخة من كتاب بدائع الزهور لابن اياس لولا أننا لاحظنا انه كان في حديثه يستوحي مقاطع من رأس المال .

 

بعد أن تم الاتفاق علي تشكيل الوفد الذي سيقوم باستقبال السيد المشير، نشأت مشكلة أخرى استغرقت وقتا طويلا قبل أن يمكن احتواءها، فقد أصر سليمان ود حاج علي الأعرج علي أن يكون رئيسا للوفد، مستندا في إصراره علي أنه كان أول من رآه وأول من أعلن وصوله للقرية، كما أنه استند إلى واقعة قديمة حدثت قبل سنوات أثناء سمر ليلي فوق كثبان الرمال شرق القرية، فقد اقترح أحد الحضور أن يقوم كل واحد بوضع تصور خاص لصورة السيد المشير وتقوم مجموعة محايدة باختيار أفضل تصور .

كان سليمان ود حاج علي الأعرج هو الوحيد الذي نجح آنذاك في رسم صورة للسيد المشير موضحا فيها سماته العسكرية وان كان نجاحه بائسا فقد تخيله في صورة مجند في قوات الشرطة الشعبية يتعقب السكارى ويطارد النسوة المسنات لجمع الضرائب علي أشجار النخيل.

في تلك الأثناء كان السيد المشير لا يزال مستسلما لنوبة التذكر التي اجتاحت قفر ذاكرته نتيجة صعود مفاجئ لصور مدفونة في قاع لاوعيه، رأي نفسه في زمان يصعب تحديده، جالسا علي مقعد وثير في قاعة واسعة، غارقا في الضوء النازف عبر وردات أشجار الجهنمية والتاهيتي، وهو يدفن وجهه في رمال صحيفته الرسمية، محاولا الهاء نفسه عن ضجة الهاربين من حوله.

شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة في صدر الصفحة الأولى، شاهد زملائه الستة في مجلس قيادة الثورة، المقدم حسن عز الدين الطاهر والرائد عثمان محمد زين العابدين والنقيب أكرم محمد نور الدين والرائد الطاهر علي عبد الرحمن والرائد دفع الله محمد دفع الله والرائد سليمان النور سليمان، يقفون حواليه وفي عيونهم انطباع الدهشة الأول ورغم ذلك يبدون أكثر ثقة وسلطة منه.

ورغم مظاهر التحدي في سيماء الوجوه وفي بريق العيون، وفي ضوء الظهيرة الشفاف الذي كانت تسبح فيه الصورة، إلا أن الصورة لم تشر إلى المواجهة التي لاحظ ومنذ أول اجتماع لمجلس قيادة الثورة أنها ستكون حتمية، حينما اكتشف منذ أول اجتماع أنه الأقل كفاءة منهم جميعا.

عرف انه يتعين عليه تأجيل المواجهة، فقد اكتشف بحدس مبكر أن من يستطيع تحديد ميعاد المواجهة سيكون هو المؤهل لكسب الجولة الحاسمة، وحتى لا يكشف عقمه الفكري بسرعة آثر عدم الانجرار في مناقشات مكشوفة، اختبأ في الصمت محاولا عن طريق الإيحاء بحركات عينيه أن صمته كان ناجما عن حكمة لا عن جهل.

حتى شعر بأنهم صاروا يتجاهلون وجوده الضخم المحايد، أثناء مناقشاتهم حول كيفية ترقية الأداء في المؤسسات الحكومية وإنشاء مشروعات للتنمية، ومشروعات لاستغلال الطاقة المائية وتنمية الريف وسبل إيقاف الحرب الأهلية.

هنا اكتشف وجود الثغرة الوحيدة في جدار انهياره الثقافي، حينما وجد أنه أكثرهم دراية بقضية الحرب في جنوب الوطن بسبب الفترة الطويلة التي قضاها في الخدمة هناك، إلا انه وفي اللحظة التي اعتقد فيها انه امسك زمام المناقشة، اكتشف أن أحدا لم يوليه أدني اهتمام بسبب اطروحاته التي بدا وكأنها لن تساعد علي حل القضية بقدر ما سوف تساعد علي تفاقمها.

في تلك الأيام مضي يحاول تثبيت أقدامه قبل أن يحدد ماهية الخطوة التالية، دون أن يلاحظ أي من رفاقه أن وحش السلطة بدأ يستيقظ داخل هذا الملاكم الذي ينم مظهره عن لا مبالاة خادعة.

وحينما رأوه في أول اجتماع بحجمه الضخم والبذلة العسكرية التي تكاد تتمزق مع كل شهيق وزفير، عرفوا أن عقله بدأ عطلة أبدية منذ اللحظة التي ولد فيها، وانه لم يكن لديه مؤهل واحد للبقاء علي قيد الحياة سوي قبضة حديدية، وحتى هذه القبضة الخارقة لم يكن يحسن استخدامها في معظم الأحيان، فجلبت له من المصائب أكثر مما فتحت له من دروب للمجد.

دون أن يلاحظ أي من رفاقه أن وحش السلطة في دواخله استيقظ للمرة الأولى، ونفض عن نفسه غبار لامبالاة الإفراط في حياة هامشية كانت تمضي دون هدف، دون حتى مجرد أرشيف للذكريات يمكن استخدامه يوما لا لمحاسبة الذات، بل لاعادة حساب أوهامه لتقدير الوقت الضائع من عمره .

قضي الليالي الأولى في البيت محاولا أن يقرا كل ما تقع عليه يداه، فامتلأت رأسه خلال بضعة أيام بمعلومات متنافرة حتى شعر بأنه بات اقل مقدرة علي التركيز أثناء اجتماعات مجلس قيادة الثورة بسبب تشوش امتلاء رأسه بمعلومات أقحمت علي ذاكرته بالقوة، تبدأ من أسباب غزو محمد علي باشا للوطن في مطلع القرن التاسع عشر، وتنتهي بمعلومات مبسطة استقاها من كتاب مصور عن كيفية صيانة محركات اللستر الهندية .

لاحظ أن المجموعة الأولى التي ساندت انقلابه كانت تشكل مركز قوة داخل المجلس، فحاول استمالة الثلاثة الباقين، ولدي عودته إلى البيت متأخرا مساء أول اجتماع مشترك لمجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، شعر للمرة الأولى منذ مولده أنه وحيد .

ودون أن يكلف نفسه عناء تمحيص أصول هذا الشعور، عرف أن تلك كانت أول أعراض الرغبة في الاستبداد الكامل بالسلطة، شعر بنفس أعراض الحقد والنقمة التي تجتاحه حينما يزور أحد بيوت الدعارة ويكتشف أن أحدهم سبقه إلى المرأة التي يقصدها، عندها كان يقلب الموائد ويحطم المقاعد والأبواب حتى تنتزع له المرأة من أحضان حب غير مكتمل ويتم تهريب العاشق التجاري المذعور عن طريق النافذة .

عرف أن مجموعة الثلاثة التي تمثل رأيا متميزا ومنظما داخل المجلس، لا يأتيه الباطل من بين يديه أصبحت تمثل لديه هاجسا يوميا ملحا، وتأكد من أنه سيتعين عليه تحطيم عدة أبواب وقلب عدة موائد قبل أن يتاح له أن يخلد إلى أحضان السلطة التي عرف أنها مثل عاهرة يستحيل أن ينام معها أكثر من شخص واحد في نفس اللحظة.

كان مستغرقا في وحدته حينما تسلل الرواد الثلاثة، الرائد الطاهر علي عبد الرحمن والرائد دفع الله محمد دفع الله والرائد سليمان النور سليمان، في وجودهم اكتشف أنه ليس فقط الأكثر ثقافة بل أيضا الأكثر أخلاقا، تركهم يتحادثون في الفناء واتجه إلى البيت، من ثلاجة الكولدير القديمة سحب زجاجة شري وزجاجة ماء ثم غسل الكوب الوحيد الذي عثر عليه سليما، حمل الأشياء كلها وعاد إلى الفناء ليضعها فوق منضدة خشبية صغيرة وسط المجموعة ثم عاد مرة أخرى إلى البيت.

وجده الرائد الطاهر علي عبد الرحمن بعد قليل غارقا في عرقه وهو يقوم بغسل صحن ضخم من الألمونيوم مخصص للفول، في المطبخ الصغير حيث تناثرت أواني الطبخ المتسخة أرضا وسط جيوش الصراصير، سأله الرائد الطاهر علي عبد الرحمن سؤالا مفاجئا :

لماذا لا تتزوج سيدي الرئيس ؟

شعر بالخجل حينما تذكر للمرة الأولى منذ استيلائه علي السلطة، أنه كان متزوجا من المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز، رآها جالسة في عتمة ضوضاء الذاكرة في ثوبها الأسود الذي ارتدته منذ وفاة المرحوم والدها ولم تخلعه حتى الموت.

لم تخلعه حتى بعد أن عادت تمارس حياتها الاجتماعية القديمة، تزور جيرانها وتعتني بأطفالهم وتؤسس مع زوجات موظفين آخرين جمعيات لمحو الأمية ومساعدة الأيتام. رآها جالسة في عتمة مغيب غابر وهي تسقي شجيرات ورد الحمير ووردات نبات صباح الخير ونبات الوينكا، رآها وهي تنظف أنسجة عنكبوت الجدران بمكنسة طويلة الذراع، رآها وهي تطعم طيورها الداجنة، الحمام والدجاج الفيومي وعصافير الحب التي أهداها لهم صديق أحضرها من الجنوب.

آمال النور مصطفي عبد العزيز التي تزوجها علي هدي كتاب الله وسنة رسوله والتي دفع فيها خمسة وعشرين قرشا مهرا، دفعهم المرحوم والده، والتي لم يمهلها الموت ولا حتى الوقت الكافي ليحبها، ذلك أنه لم يشعر تجاهها طوال أول عامين من الزواج سوي بمزيج من الكراهية والخوف .

قبل زواجه كان يعود إلى البيت في منتصف الليل، وبعد الزواج اصبح يعود إلى البيت في الثالثة صباحا، وأول ما كان يفعله لدي دمعقولة بسه مخمورا هو تحطيم أول شئ يقابله، كإعلان احتفالي لوصوله، حتى تحول البيت بعد بضعة أشهر إلى مستودع للأثاث المحطم، وحتى بعد أن نفدت كل الأشياء التي تصلح للتحطيم، أصبح يحضر معه زجاجة خمر فارغة .

عند موتها عرف أن تحطيمه للأشياء لم يكن سوي محاولات يائسة للهروب من قدره: قدر حيوان متوحش آخذ في الاستئناس، كانت تقابل كل أوهامه التحطيمية بابتسامة وتنحني لتجمع بقايا الزجاج المهشم، وبقايا المقاعد والمناضد، تزيحها إلى المخزن الصغير في الفناء وتصنع من الأجزاء الأقل تضررا أصصا خشبية تضع فيها زهورها، فتتمدد مساحة زهورها طرديا مع تنامي ميوله التحطيمية .

وفي الصباح حينما تنجلي سطوة الخمر عن دماغه، كان يشعر بندم غامض، أن شخصا آخر يخرج من داخله مساء ليحب ويكره نيابة عنه ويحطم الأشياء، لكنه لا يملك ولا حتى القدرة لإنكار تصرفاته، يكتفي بارتداء ملابسه الضخمة علي عجل ويغادر البيت.

وبعد أكثر من عامين حينما بدأ ميله التحطيمي يهدأ في البيت لاحظ أنه يعوض ذلك بميل تحطيمي مضاعف خارج البيت، حتى أن المجموعة التي كان يسهر معها ذات ليلة نقلت كلها للمستشفي، ولاذ جميع رواد المطعم الذي كانوا يسهرون فيه بالفرار، حتى العمال والجرسونات .

ولاذ محاسب المطعم بالفرار تاركا الخزينة الصغيرة مفتوحة فتبعثرت كل محتوياتها لدي هبة ريح مفاجئة حملت مئات الأوراق النقدية إلى الفضاء، وسالت علي الأرض انهار من الويسكي والبيرة ولتهدئته تعين استدعاء فرقة من شرطة الاحتياطي المركزي، حاصرت المكان وأخلت الجرحى .

شاهد المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز ترتدي ثوبا اسود وتجلس علي عنقريب في الفناء وهي ترتق له بنطاله العسكري الضخم مستخدمة خيطا من النوع المستخدم لحياكة الأحذية، رأي وميض ضوء مغيب السابع عشر من أغسطس من خلف كتفيها معتقدا انه يراها في عتمة الذاكرة، دون أن يلاحظ أنه كان يراها لا في عتمة الذاكرة، بل في عتمة الموت، لأنه ومنذ اللحظة التي استهل فيها استبداد العصر الأول للجفاف مضي ينزلق إلى حياة أشبه بالموت، ومضت دروب قلبه تنغلق أمام كل إشارات الحياة، فلم يلاحظ ولا حتى أنه كان معزولا عن نبض الحياة في وطن الجفاف والتصحر، وعن بكاء بتامي نشرة أخبار الساعة السادسة والنصف صباحا، وعن حرمان الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ وذوي المفقودين وعن آلام الفقراء الطيبين ومرضي الملاريا الذين يترنحون في شوارع الوطن .

رأي المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز في عتمة مغيب ناء ترتق له ملابس الشجار، جالسة في بهاء شاعري كأنها الملكة الكنداكة في مملكة مروي القديمة، وفجأة انتزعه صوت نسائي رفيع كان يغني : الليلة مسافر ما جبر الخاطر، كان الرائد دفع الله قد خرج لإحضار الفول للعشاء من مطعم أبو العباس وعاد مصطحبا بجانب صحن الفول الضخم فتاة صغيرة بالغة الجمال .

أزاح ذكريات زواجه جانبا وجلس في حضرة جمالها، لا فنها، منتشيا مثل درويش، شاعرا بأن ريشه كان ينتفش مثل ديك رومي، حاول أن يسلم أذنيه لتيار غناءها ليقاوم فضيحة بدء انفلات أشواقه، فشعر في سطوة صوتها بأول أعراض ضياعه، الذي استمر أكثر من أربعة عقود من الزمان، كانت الحياة خلالها تمضي دون أن يعرف هو نفسه كيف كانت تمضي، كان إيقاع الحياة يبدو متوقفا، ورغم ذلك كانت القطارات القديمة تعبر صحراء بيوضة إلى ميناء وادي حلفا النهري، وكانت المراكب تعبر نهر النيل تنقل الناس والبضائع، وكان طائر البشروش المهاجر يعبر سماء الوطن متجها إلى جنوب القارة، وكان أفراد قبيلة الكبابيش يرحلون بجمالهم في رحلتي النشوغ والجزو بحثا عن الكلأ الذي أصبح نادرا مع سطوة عصر الجفاف .

فجأة لاحظ أن زملائه الثلاثة أصبحوا سكارى تماما لدرجة أنهم لم يتنبهوا له وهو يسحب الفتاة إلى الداخل، ولاحظ أنهم واصلوا طربهم اللاإرادي مع صوت الفتاة رغم توقفها عن الغناء، ولم يوقظهم بعد قليل إلا صراخها الداوي .

استيقظ الرواد الثلاثة ووجدوا أمامهم صحن الفول فشرعوا في الأكل دون مناقشة، بعد قليل خرج من داخل البيت ليجد المكان خاليا وليكتشف أن صحن الفول الضخم كان نظيفا تماما، أيقظ الحراس ليقوموا بتوصيل الفتاة ثم استسلم للنوم شاعرا بتوجس من واقعة أن حلفاءه الجدد بادروا إلى أكل عشائه.

 

فشاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، وقرأ إشارات الحماسة علي الوجوه الشابة، إشارات الحماسة التي خبت بمرور زمان لم يكن هو نفسه قادرا علي أن يصدق كيف بقي فيه علي قيد الحياة رغم أنه رأي نفسه مؤهلا أكثر للموت من بين كل المخلوقات .

شاهد إشارات الحماسة التي جعلته في الأيام الأولى يطوف الوطن كله من أقصي إقليم الشمال في باخرة قطعت نهر النيل، فشاهد الصبية الحفاة يهتفون باسمه، تذكر أن الدكتور إبراهيم عبد الرحيم وزير المالية المهذب حذره بأدب شديد حينما لاحظ نشوته الذائدة باستقبال الجماهير له، قال له :

هؤلاء أهلنا الطيبون سيدي الرئيس معتادون علي الترحيب بممثل السلطة منذ عهد التركية السابقة، ولكن المحك الحقيقي يكمن في من الذي يستطيع أن يقدم لهم شيئا، أشاح بوجهه عن الوزير المحسوب علي مجموعة المقدم حسن عز الدين الطاهر ومضي يحيى الجماهير بكل حواسه مرخيا أذنيه في نفس اللحظة لحديث الوزير نور الدين الأمين الذي حاول تلطيف حديث وزير المالية :

تركوا كل شئ سيدي الرئيس وجاءوا من اجل إلقاء نظرة واحدة عليكم سيدي الرئيس، يهتفون باسمكم في هذه الأصقاع النائية، حيث لا شئ سوي القيظ والذباب، صحراء مثل الموت دون نهاية، لا ينبت فيها سوي نبات السلم ذو الطعم الشبيه بطعم شجرة الزقوم، أكثر المناطق إهمالا طوال العهود الوطنية، لم تقدم لهم حكومة الأحزاب سوي وعود انتخابية كان يتم نسيانها بمجرد وصول المرشح إلى مقعده .

يحتاجون إلى أحزمة شجرية واقية لوقف زحف الصحراء التي تكاد تبتلع نهر النيل العظيم سيدي الرئيس، يحتاجون ليتعلموا تقنيات الزراعة الحديثة فلا يكتفون بزراعة ما يكفي لابقائهم علي قيد الحياة والي زيادة أعداد المدارس للقضاء علي الأمية، يحتاجون إلى حملات توعية صحية ليحاربوا الذباب الذي يسبب لهم التيفويد واليرقان، والبعوض الذي يسبب لهم الملاريا التي تستنزف كل قواهم .

وينظر حواليه فيري : النسوة اللائى جئن لرؤياك سيدي الرئيس، وأطفال المدارس الذين يحملون حقائب قماش الدمور الصغيرة، عيونهم ملتهبة من آثار التراكوما، والرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى جئن دون أن يفقدن الأمل ليطلبن منك وقف الحرب الأهلية وكشف مصير ذويهن المفقودين .

واستطرد الوزير دون أن يلاحظ أن السيد الرئيس كان لاهيا عنه بمظاهرة استقباله : هذا البلد يحتاج لخدمات كثيرة، فآخر باخرة عبرت هذه المنطقة كانت الباخرة التى جاءت لإنقاذ غردون باشا من قبضة أنصار الإمام المهدي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وآخر قطار عبر هذه الصحراء كان القطار الذي حمل اللورد كتشنر وجنوده أواخر القرن التاسع عشر للقضاء علي الثورة المهدية، وأسلاك التليفون التي أنشأها الاستعمار الإنجليزي انقطعت عنها الحرارة في العهد الوطني، فاستخدمتها النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ لتعليق الملابس عليها لتجف بعد غسيلها، وباختصار شديد فإن الحياة هنا منحطة سيدي الرئيس حتى أنهم يحكون قصة أفاق أحضر معه من العاصمة تفاحة وعلقها بحبل في سقف بيته ثم سمح لاهل القرية بالدمعقولة بس لقاء قرش واحد لرؤية التفاحة.

وأمام سيل الناس الذين هرعوا ليلقوا نظرة علي السلطة العائمة، شاهد فجأة رجلا ضخم الجثة قدر أنه كان أكثر ضخامة منه، شاهده ينطلق فجأة من بين أجمة الحلفاء وشعر بإلهام خارق أنه من بين الآلاف الذين هرعوا لرؤيته بدافع المحبة أو الفضول، فإن هذا الرجل كان الوحيد الذي هرع لرؤيته بدافع الكراهية .

شاهد من بين أجمة أشجار الطرفاء والسنط أطلال قصر الشاعر حمزة الملك طمبل، وشاهد مآذن مدينة أرقو الجميلة التي أنشأها الأتراك في القرن التاسع عشر، شاهد أشجار النيم الكثيفة في طرقاتها المتداخلة تخفف من قيظ الساعة الثانية بعد الظهر، وشاهد البوابة الحجرية الضخمة لمبني البلدية الذي بناه الإنجليز في الحي القديم المحاط بأشجار اللبخ والجميز والذي سيبتلعه فيضان النيل المدمر قبل عامين من نهاية القرن العشرين .

وفجأة تذكر بيت جده القديم في إحدى ضواحي مدينة أرقو، بيت جده الذي آل إليه لأنه لا يوجد وريث غيره لهذا الإرث المنسي في حافة هذا القفر الذي . . . يضل فيه حتى البدو سيدي الرئيس، حيث لا ينمو سوي نبات السيكران ذو الثمرة السامة الشبيهة بثمرة الخروع .

فور عودته أصدر قرارا بإقالة وزير المالية الدكتور إبراهيم عبد الرحيم، كانت تلك أول إشارة لا يرقي إليها الشك حول استيقاظ وحش السلطة في داخله رغم أن زملائه فات عليهم أن يتنبهوا لذلك التطور الخطير، لا مبالاة كان مقدرا أن يدفعوا حياتهم ثمنا لها .

وفي أول اجتماع لمجلس قيادة الثورة بعد إقالته لوزير المالية، طرح للمناقشة مشروع تأميم عدد من المشروعات الخاصة للحد من سيطرة بعض الأجانب علي الاقتصاد الوطني، اعترض المقدم حسن عز الدين الطاهر : الأمر يحتاج لدراسة وافية يقوم بها متخصصون سيدي الرئيس، الثورة لما تزل وليدة، والقرارات المتعجلة قد تعيدنا إلى أول مربع .

لكنه أعلن القرار في خطابه بمناسبة العيد الأول للثورة، بعد أن استعان بلجنة فنية مساعدة عين جميع أعضائها بنفسه، وبعد بضعة أيام تمت وباسم الشرعية الثورية مصادرة أكشاك صغيرة تملكها رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ ومطاعم شعبية لبيع الفسيخ وملاح ألويكة والكسرة وبعض الشركات التي يملكها أجانب .

شاهد مآذن مدينة أرقو الجميلة، واشتم رائحة نوار أشجار دقن الباشا فتذكر طفولته الأولى التي انقطعت فجأة بسبب قرار أسرته الرحيل للاستقرار نهائيا في مدينة أم درمان، تذكر الرحلة علي ظهر عربة لوري قطعت الصحراء في سبعة أيام، تذكر أن اللوري كان محملا بجوالات البلح وانه كان يسرق البلح من ثقوب الجوالات التي يجلسون فوقها مع متاعهم القليل المكون من حقيبتين من الصفيح وضعت فيهما والدته خبز ‘القرقوش’ الجاف وقفص من خشب الزان به دجاجات هرمة مصابة بالهيم، كانت جدته تخرجها من قفصها في أمسيات الصحراء في الطريق إلى أم درمان وتدهنها بالزيت المخلوط بالرماد لقتل الهيم، وقفص من أعواد شجر النيم، أحكم داخله فرن بلدي من الفخار أصرت والدته علي حمله رغم أن والده حاول إقناعها بأن الخبز يباع في أم درمان في الشوارع .

تذكر أمسيات قمر بعيد غامض تفوح من خلاله رائحة نوار شجر النيم، كان يلعب فيه مع أقرانه لعبة شليل، شاهد الحفاة الذين جاءوا لالقاء نظرة فضول علي السلطة تمخر عباب نهر النيل، رأي الوجوه المتغضنة تحت وطأة القيظ، شاهد التماسيح تزحف في شواطئ الجزر المنسية في عمق النهر المقدس، بين سيقان نبات البردي والزعتر البري، وشاهد أسراب طائر الحباري تحوم فوق النهر، وشاهد عصافير السمان المهاجرة، واسراب طائر الرهو تبدأ رحلة الهجرة العكسية شمالا فعرف أن الشتاء انصرم، وشعر بسلطته المطلقة تبدأ مع أول أنسام الصيف، نفس الشعور الذي تعمق لديه في اللحظة التي أعيد فيها إلى سدة الحكم بعد فشل أول محاولة انقلابية ضد سلطته.

قفزت إلى واجهة ذاكرته صورة النقيب أكرم محمد نور الدين، انضباط وأدب قل أن يتوافرا في شخص واحد، وفوق ذلك وسامة مفرطة تفرض هيبة من حوله، ورغم فارق السن الكبير بينهما، إلا انه كان يجلس أمامه مثل تلميذ صغير، يشعر بأن أكثر أخطائه تفاهة كانت تبدو واضحة للعيان، يجلس في حضرته صامتا يخشي لدي صدور أية حركة أو كلمة منه أن تكشف المزيد من أخطائه .

واجه النقيب أكرم نور الدين مخمورا في الغرفة الخشبية الضيقة في سلاح المدرعات حتى يتلافي الضعف الناجم عن مواجهته في حالة وعي كامل، كان حوله جنود مدججون بالسلاح، دفعه الشعور بالأمان وسط رجاله المسلحين لينظر مباشرة في عيني النقيب، كان بريقهما القاتل قد ضعف قليلا تحت ضغط إرهاق الليلة المنصرمة، وفي وجهه بدت آثار التعذيب، انه الوحيد الذي شكل السيد الرئيس بعد إعدامه لجنة تحقيق للجنود الذين قاموا بتعذيبه، رغم أنها كانت تعليماته ، وقام بنفسه بتوقيع عقوبات تراوحت بين الطرد من الخدمة والسجن لمدد مختلفة، والذين ابقي عليهم في الخدمة وقع عليهم بنفسه العقوبة الفورية : الضرب المبرح الشبيه بالموت .

للوهلة الأولى حينما نظر مباشرة في عيني النقيب أكرم نور الدين ورغم أنه كان مخمورا، إلا انه شعر بارتباك كيف لمثله أن يكون خائنا ، حتى راودته شكوك وجود خطأ ما، بددها الرد الحاسم للنقيب : الخطأ الوحيد الذي ارتكبناه هو أننا لم نطلق عليك النار منذ اللحظة الأولى .

وليعوض شعوره بالهزيمة تجاهه، ولينتقم لضعفه، أمر بإعدامه فورا وقبل مروره علي المحكمة العسكرية التي أصدرت عشرات أحكام الإعدام رميا بالرصاص علي عسكريين ومدنيين .

 

في تلك الأثناء واصل السيد المشير بحثه عن بيته في شارع الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ وبعد أن قام بقياس المسافة بمتر معدني، وراجع مواقع كل الأشياء متفحصا بدقة خبير في الأثر معالم التغيير في المكان، بدءا بالزحف الصحراوي الوشيك الذي ابتلع خور أرقو، وانتهاء بأشجار السنط التي بدأت في الجفاف وعصافير السمان المهاجرة التي بدأت في الرحيل، فاكتشف نهاية خطوط عصر الجفاف الذي اجتاح مملكته منذ اللحظة التي تسلم فيها مقاليد السلطة بعد اندحار أول محاولة عسكرية لقلب سلطته .

عندها فقط توقف للمرة الأولى منذ عدة أيام، شعر برأسه يدور وبفراغ إعصاري في معدته من سطوة سيل للذكريات كان يندفع نحو الذاكرة فتصده رياح الحنين، شاهد إشارات زمان لم يعد في متناول الذاكرة منه سوي صدي ضئيل من وهج وقائع رأي نفسه خلالها في هيئة ملاكم، واقفا وسط حلبة وحوله أعداد من المنافسين الصرعى بضرباته القاضية، حتى الحكم نفسه كان يرقد صريعا، حتى الجمهور كان صريعا كله والأجساد مختلطة بالمقاعد في مشهد سريالي .

ثم رأي نفسه ينفض عن يديه غبار الموت بعد أن تأكد أن كل الأسماء المدونة أمامه من أعدائه قد أصبحوا إما تحت التراب او توزعوا ما بين ظلام معتقلاته السرية والمنافي البعيدة.

بعدها أعلن حل مجلس قيادة الثورة، وكافأ الذين وقفوا معه في محنته الأولى، بالتسريح من الخدمة، لتجنب أية احتمالات أخرى للخيانة، وسعي بنفسه للتجسس علي أقرب معاونيه، وأرسل أكثرهم وفاء إلى النسيان، مركزا بحثه علي شخصيات ينتشلها من القاع ثم يغرقهم في بحر السلطة حتى إذا شعر أنهم بدءوا ينتفشون بريش السلطة يعيدهم إلى القاع مرة أخرى بجرة قلم .

أعلن عن استفتاء لرئاسة الجمهورية، قال فيه 99,99 من الناخبين نعم لرئاسته، وفي أول حديث شهري له في جهاز التلفزيون قال شكرا للذين قالوا نعم وشكرا جزيلا للذين قالوا لا، إلا انه عاد اثر انفعال مفاجئ بسبب رسالة من مستمع مشاكس سخر من نتيجة الاستفتاء الرئاسي موقعا علي تهنئة باسم اتحاد الموتى الذين شاركوا بأصواتهم في فوزه الساحق، ثم تساءل في النهاية إن كان من الممكن أن تحدث كل تلك المجازر التي شهدها الوطن أن كان النظام الديمقراطي مستمرا .

كانت الرسالة مفاجأة حتى لأعوانه الذين اقترحوا عليه عدم فض الرسائل علي الهواء، وأن يترك أمر مراجعتها قبل ميعاد البرنامج للجنة تقوم باستبعاد الرسائل غير الملائمة إلا أنه أصر علي فض الرسائل بنفسه وعلي الهواء مباشرة، قام بتمزيق الرسالة الاستفزازية أمام آلاف المشاهدين، وهدد كل الخونة الذين قالوا لا للتجديد له من أجل ولاية رئاسية جديدة .

وفيما بعد قام بنفسه بإعادة تجميع الرسالة التي مزقها علي الهواء، وفحص الخط بدقة بسبب شكوك راودته بأنه يعرف كاتبها، وحصل بواسطة رجال أمنه علي عدة نماذج لخطوط ضباط في الجيش ومشتبهين بانتمائهم للأحزاب المحظورة، لكنه لم يعثر علي ضالته، ثم أهمل البحث رغم أنه كان يشعر بمرارة كلمات الرسالة في حلقه تزداد بمرور الأيام .

حتى الليلة التي اخترق فيها مخمورا القيادة العامة للجيش، ولدي دمعقولة بسه المباغت اصطدم بضابط شاب كان علي وشك أن يغادر المكان، اصطدمت عيناه بومضة بريق غريب في عيني الضابط الشاب ، فاكتشف أنه هو الشخص الذي يبحث عنه : الملازم خالد حسين عثمان، طرحه أرضا دون سؤال بلكمة فولاذية وأمر بنقله غائبا عن الوعي إلى سجن كوبر، وتولي بنفسه استجوابه .

أكد خبير الخطوط شكوكه في أن الملازم كان بالفعل كاتب الرسالة، وبعد يومين من التحقيق العنيف أعلن عن وفاة الملازم خالد حسين عثمان اثر اصابته بأزمة قلبية أثناء قيامه بأداء واجبه، شعر براحة بعد موت الملازم حتى أنه عفا عن بعض المارقين عن سلطته وشمل العفو بعض اللصوص والقتلة، ولشهور ظل الوطن كله في حالة ترقب بعد الدماء التي سفكت وبدا كأن الوطن كله كان يترقب الميقات الأسوأ لنزواته، ثم بدأ يحدث انفراج :

سيدي الرئيس الفاصل المداري تحرك فجأة نحو الشمال وشوهدت عواصف أشبه برياح الهارمتان تتجه نحو الإقليم الشرقي، نهر القاش فاض فجأة وغير مجراه القديم فعبر في قلب سوق مدينة كسلا ومسح أحياء بكاملها من الوجود، وصل مندوب من صندوق النقد الدولي للتفاوض حول قروض جديدة من أجل إقامة مشروعات للتنمية سيدي الرئيس، تهدمت عدة منازل في ضاحية الحاج يوسف بسبب أمطار بلغ قياسها مائة وثمانون مليمترا .

حتى الخير حينما يحل في مطلع عهده السعيد تصبح له أعراض شبيهة بأعراض الكوارث، ورغم ذلك لا يجرؤ علي الاعتراف بالعجز من عدم مقدرته ضبط القدرة التدميرية للخير، حتى تصله المزيد من أخبار الكوارث : السيول جرفت إلى نهر النيل مدينة مروي القديمة سيدي الرئيس، وشاهد الناس الإله ابادماك وقد جرفته المياه من البجراوية مبحرا نحو الشمال، تساءل بحذر عن هوية هذا الإله، وهل كان وجوده وطنيا أم انه أحد خوازيق الاستعمار الإنجليزي الذي ترك لنا وطنا واحدا وامتين .

يرخي أذنيه للمزيد من الكوارث ليعرف أنه :

تم تهجير كل أهالي الجزر التي غمرتها المياه وهم الآن في العراء دون مأوي أو غذاء، غرقت مركب شراعية كانت تقل ستين مواطنا من جزيرة بدين معظمهم من النساء والأطفال .

فعاد بباخرته يتفقد الخراب، شاهد الفقراء الطيبين يتجمعون لرؤياه بنفس الحماسة التي استقبلوه بها قبل اكثر من عامين، واكتشف أن الدمار الناجم عن الخير كان أسوأ من الدمار الناجم عن الجفاف، حينما شاهد أشجار النخيل التي تساقطت في الماء، والبيوت التي غمرتها المياه، وعلي جدرانها رسومات الأطفال، حمير وكلاب لها أذناب طويلة ورؤوس آدمية مرسومة بالجير الأبيض علي جدران الجالوص، والقلوب التي تخترقها سهام التي يرسمها العشاق المحليون بسبب سأم القيظ .

حتى تبدأ تقارير خير مضاد تصل إلى مسامعه :

بدأت مواد الإغاثة تصل إلى الوطن سيدي الرئيس، وصلت لنا مواد تكفي لغذاء الوطن كله لمدة عام، وخيام بعدد كل أهل الوطن .

أمر بتوزيع الخيام والأدوية والأغذية. وتولت طائرات الهليوكوبتر التابعة للجيش توزيع المواد الغذائية علي المواطنين الذين حجزوا في الصحراء بسبب السيول، ولأنه تأكد من حجم المعونات، ترك لمعاونيه مهمة توزيعها، لكنه أبقي عيونه ساهرة ترقبهم، فعرف بأرقام موثقة انهم قاموا بتوزيع أقل من نصف الخيام التي وصلت وأن البقية بيعت بالجملة وأنهم وزعوا الذرة واحتفظوا لانفسهم بالبسكويت والحلوى، وقاموا بتوزيع اللبن المجفف المخصص للقطط والكلاب، واحتفظوا لانفسهم بلبن النيدو الهولندي الفاخر، وشاهده معروضا في السوق العربي .

أعلن في لقاءه الشهري أن تحقيقا سوف يتم لحصر التجاوزات التي حدثت أثناء توزيع مواد الإغاثة، وأنه لن يتردد في عقاب كل من يثبت أنه تلاعب في قوت الشعب، وبعد أيام ظهر في جهاز التلفزيون وهو يتسلم التقرير الذي أعدته لجنة تحقيق مكونة من قانونيين من وزارة العدل، ترك التقرير عدة أيام علي مكتبه حتى تأكد أن كل معاونيه اطلعوا عليه ثم حفظه في درج مكتبه، مبقيا أذنيه مفتوحتين لتقارير عيونه

 

وزير شئون القصر اشتري مزرعة ضخمة تطل علي النيل الأزرق، بها حمام للسباحة، رغم أنه لم يستحم طوال حياته ولا حتى في بركة للمطر، وبها أيضا ملعب للتنس رغم أنه لم يلعب طوال حياته ولا حتى بكرة شراب .

ومنسق شئون القصر اقتني عربة مرسيدس فخمة، رغم أن أقصي طموحاته قبل سنوات كانت اقتناء حمار يستخدمه لعربة الكارو التي ورثها عن والده، وخرج فجأة للحياة نافضا عن نفسه غبار الدفاتر التي ظل مدفونا تحتها في أرشيف حكومي حتى نسي الناس شكل وجهه، وتعافي فجأة من ربو غبار الدفاتر التي أفني وسطها أكثر من نصف عمره، زاحفا في السلم الوظيفي إلى الوراء حتى بقيت خطوة واحدة له ليتحول إلى ساع ينظف المكاتب ويعد القهوة والشاي ويحضر السعوط للموظفين، ليس فقط بسبب عدم كفاءته ولكن بسبب حجمه الصغير لأنه لم يكن يأكل طوال سنوات سوي الغبار، حتى لم يعد يري بالعين المجردة إلا بصعوبة شديدة .

ثم تزوج مؤخرا سيدي الرئيس زواجا لم نسمع بمثله إلا في أساطير ألف ليلة وليلة، فقد ظلت الموسيقي تصدح طوال سبع ليال حتى كاد جيرانه يرحلون من الحي، وزفته فرقة من شرطة السواري وهو راكب علي حصان ابيض، ويحمل سيفا ضخما أكد أنه كان يخص السلطان بادي أبو شلوخ الذي زعم أنه ينتمي إلى سلالته، رغم أنه لم يجرؤ علي التفكير في الزواج طوال عدة سنوات بسبب إصابته بعجز جنسي كما كان يعلن بنفسه، لا بسبب مرض، بل بسبب الجوع .

.. والدكتور الطاهر عبد السميع أقرب معاونيك، رأيناه يرقص مخمورا سيدي الرئيس في ملهي ليلي، وشاهدناه من علي البعد ينثر الأوراق المالية فوق المغنية البدينة حتى غطاها تماما، ولم يعد يسمع سوي صوتها الصاعق من داخل هذا التبذير الرسمي وحينما اقتربنا معتقدين أنه غطاها بالعملة الوطنية اكتشفنا أنه أغرقها بالدولارات ! فلا يؤرقه هذا التبذير الرسمي بالعملة الصعبة بقدر ما تريحه فكرة أن السيول التي أغرقت الوطن شلت فيه أية محاولات تآمرية، لأن الجميع كانوا غرقي من وادي حلفا وحتى نيمولي وأية مدرعات تحاول التحرك سوف تغرز في الوحل .

ومخازن الوطن كلها كانت مليئة بالمواد الغذائية، حتى بعد أن سرق اللصوص كل ما استطاعوا حمله، وغرق أهل الشمال النائي في القمح الأمريكي الرخيص الذي بدلا من أن يلقيه الأمريكان في البحر ألقوه لنا، حتى رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ الحرب الأهلية وذوي المفقودين نسوا في غمرة الطوفان الغائبين القتلى في الأحراش أو المدفونين في ظلام معتقلات منسية لم يعد فيها من يذكر أسباب اعتقاله .

لم يعد هناك من يهتم بمصير الموتى، وتكاثرت علي الوطن قروض صندوق النقد الدولي ونادي باريس، وجاء الخبراء الكوريون وعلمونا كل شئ بدءا من تربية الزهور ودراسة الموسيقي، أنشأوا لنا الكونسرفتوار وبنوا لنا مسرحا، وأعادوا تأهيل دور السينما القديمة التي كادت تسقط فوق رؤوس المشاهدين الغارقين في دموعهم أثناء مشاهدة الأفلام الهندية حيث الجدران العتيقة تهتز مع كل لكمة ساحقة في الفيلم، علمونا صيانة حفر الشوارع التي أصبحت الواحدة منها تكفي لاخفاء سيارة صغيرة .

ووقعنا اتفاقية أديس أبابا التي قامت علي مبادئ اتفاق برازافيل والتي أنهت الحرب الأهلية، فغرق الوطن كله في دوامة من الرقص، الدينكا يرقصون رقصة ملوال، بعد أن عاد المتمردون إلي قراهم ونفضوا الغبار عن تفاصيل حياتهم السابقة، البنقو يرقصون النجبانديلي، والصبية علي ضفاف النيل الأبيض يغنون : التامبيرة بت عم الحوت لا بتحيا ولا بتموت، والشايقية في الشمال يغنون أغاني الجابودي، يرخي أذنيه لأخبار الخير التي تنهال عليه :

الأرض ارتوت سيدي الرئيس، ومشروعات الزراعة المطرية طرحت من الذرة ما فشلنا في تخزينه فتركناه في البيادر نهبا للطيور، ومشاريع التنمية الجديدة بدأت في العمل ويتوقع بدء إنتاج السكر في نهاية هذا العام، وانتاج القطن هذا الموسم فاق كل التوقعات حتى أننا نفكر في فتح أسواق جديدة للتصدير، والوطن كله سعيد حتى أن المرور يتعذر في شوارع العاصمة بعد الساعة العاشرة مساء بسبب أعداد السكارى الذين يترنحون في الشوارع .

وفجأة دق ناقوس غير مرئي للخطر، فأفاق الوطن كله، حتى السكارى في باحة مطعم أتينيه، وفي شيش كباب شعروا فجأة الكارثة القادمة، مظاهرة ضخمة عبرت وسط العاصمة واقتلعت في طريقها مثل الإعصار كل أثر للحياة، استمع متوترا لأول تقرير عنها:

مجموعة من الصبية سيدي الرئيس تحركوا من جامعة الخرطوم .

ضرب المنضدة بعنف حتى تفتت وأطاح بمحدثه بلكمة ألقته أرضا : ماذا يريدون ؟ وفرنا لهم الخبز والسكر وقبل وصولي للحكم كانوا علي وشك التسول، أنشأنا مشاريع التنمية ووفرنا عشرات الوظائف وبنينا المسارح ودور السينما وأصبح الذين لم يروا اللحم طول حياتهم إلا معلقا في محلات الجزارة، أصبحوا يأكلون اللحم ثلاث مرات يوميا، وفرنا لهم حتى فرص الحظ السعيد فانتقل العشرات ممن كانوا يتسولون لقمة تبقيهم علي قيد الحياة إلي الثراء بواسطة مسابقات توتو كورة .

رد مستشاره الذي كان لا يزال يئن وهو ملقي أرضا : يطالبون بشيء آخر سيدي الرئيس.. يطالبون بالحرية ..

ولأن الكوارث لا تأتي فرادي فقد انهالت تقارير أخرى :

سيدي الرئيس الخريف تأخر هذا العام والفاصل المداري تراجع حتى توقف في الحدود الكينية كأنه يرفض الدمعقولة بس إلي الوطن! وغارت المياه الجوفية في باطن الأرض حتى أشجار العشر والسلم جفت في صحراء شمال الوطن .

فأعلن في حديث الصراحة الشهري أن الثورة ستضرب بيد من حديد كل من يهدد مكتسبات الأمة، وكان حديثه فاتحة لعهد جديد من التسلط، ففي اليوم التالي تساقط العشرات من جراء استخدام الرصاص في فض مظاهرات الغوغاء كما وصفها بيان جمهوري.

ولأنهم يطالبون بالحرية فقد أصدر قرارا بتكوين لجنة لوضع مسودة الدستور الدائم للوطن، وقرارا آخر بإنشاء حزب الوطن، الحزب الوحيد المسموح له بالعمل في الوطن، وعاء جامع لاستيعاب كل أبناء الوطن بمختلف اتجاهاتهم السياسية بدلا من تجربة الأحزاب التي كرست الانشقاق بين أبناء الوطن الواحد.

وأصدر قرارا آخر بإنشاء اللجنة العليا للانتخابات لتنظم إجراء انتخابات مجلس الشعب الذي سيكون وعاء لصهر كل قوميات الوطن، وجيش مساعديه يكبر وتقارير نفاقهم الشفهي تزداد يوما بعد يوم:

الوطن كله يحبك سيدي الرئيس، ففي طوافنا لتفقد الجفاف، وجدنا الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ يهتفن باسمك في كرتالا رغم المعاناة من العطش، ينصت لهم خاشعا وهو يسحب حبات مسبحته، ويداري بيديه احمرار عينيه بسبب رداءة خمر الليلة المنصرمة . وفي شرق الوطن كان الجميع يهتفون باسمك وهم يترقبون بدء هطول الأمطار بعد أن حرثوا الأرض وألقوا ببذور السمسم والذرة فيها، وفي الجنوب شاهدنا المزارعين في راجا وهم يهتفون باسمك في انتظار هطول المطر ليزرعوا التبغ الفرجيني الذي علمتهم الثورة كيفية زراعته، واكتشفنا لديهم طاقة رهيبة للانتظار حتى لو تأخر المطر مائة عام، طاقة قوامها الحب الشديد لكم سيدي الرئيس

 

استيقظت الحاجة فاطمة بت حاج النور فزعة علي صوت سليمان حاج علي الأعرج، وفي البداية حسبته يؤذن لصلاة الفجر، إلا أنها لاحظت ضوء الصباح الرمادي الناصع ينتشر من حولها، عند ذلك ميزت صوته بين صخب العصافير المتصاعد، سمعته يزعق بصوت كإرثي :

المشير وصل يا ناس الحلة، المشير وصل يا ناس الحلة .

تذكرت علي الفور تفاصيل الحلم الذي رأته قبل قليل، رأت نفسها مع مجموعة من أهل القرية، وهم ساجدين يصلون شكرا لله اثر امتلاء خور أرقو بالماء بعد سنوات طويلة من الجفاف، قالت الحاجة فاطمة وهي تنضو عن نفسها ثوب الكرب الأبيض : اللهم اجعله خيرا .

لعنت الشيطان الذي حاول إغراءها لتعود للنوم، ثم أزاحت الغطاء من فوقها ونهضت من الفراش، عبرت صالة البيت حيث يغط أحفادها الثلاثة في النوم، حركت طلمبة الماء اليدوية بيدها فأصدرت حشرجة جلدية جافة، صبت لها الحاجة فاطمة بعض الماء من إبريق الوضوء فلانت وتدفق الماء مع ضربات يدها، ملأت إناء الوضوء بالماء الدافئ ثم توضأت وهي جالسة فوق حصير الصلاة، ثم أدت الصلاة .

بعد الصلاة وضعت قدر الماء علي النار لتعد الشاي ثم تذكرت أنه لا يوجد سكر، فقد توقف توزيع السكر عن طريق بطاقة التموين منذ مدة ولم يعد بإمكانها شراء سكر من السوق بسعر مرتفع، خرجت إلي الفناء شاعرة بتيبس مفاصلها وفتحت زير الفخار الذي تحتفظ فيه بكمية من التمر لشهر رمضان، أخذت كمية من التمر في صحن الألمونيوم ثم وضعت الغطاء فوق الزير ووضعت فوقه حجرا حتى لا تأكل الكلاب التمر .

أعدت الشاي ثم أيقظت أحفادها اليتامى الذين خرج والدهم من البيت قبل أكثر من عشرة أعوام مرتديا ملابسه العسكرية الكاملة ولم يره أحد بعد ذلك، وبعد أيام من رحيله سمعت اسمه في جهاز الراديو ضمن مجموعة من الضباط الذين اعدموا إثر اتهامهم بالاشتراك في مؤامرة انقلابية ضد السلطة العسكرية .

الحاجة فاطمة وجدت نفسها آنذاك عاجزة حتى عن ذرف دمعة واحدة علي ولدها الوحيد، أغلقت جهاز الراديو للمرة الأخيرة وتركته في مكانه يختفي تحت نسيج العنكبوت وللمرة الأولى منذ سنوات خرجت تبحث عن إرث المرحوم زوجها فاكتشفت للمرة الأولى أن زهد زوجها في الدنيا كان إجباريا، لأنه لم يكن يملك شيئا يذكر سوي بضعة نخلات آيلة للسقوط عند أول هبة ريح موسمية في جروف خور أرقو، إضافة لبضعة أفدنه من أرض غير صالحة للزراعة ويشترك فيها معه عشرات الوراث بعضهم توفي وبعضهم لا يزال علي قيد الحياة .

سمعت الحاجة فاطمة سليمان ود حاج علي الاعرج ينادي : المشير وصل يا ناس الحلة، دفعها الفضول لتفتح باب البيت فتحة صغيرة سمحت لها بإلقاء نظرة علي الشارع المقفر فرأته فجأة يعبر بين أشجار سيسبان الشارع وللوهلة الأولى لاحظت أنه لم يكن يسير بل يتدحرج بجسمه الضخم كأن شخصا ما كان يدفعه .

لم تكن الحاجة فاطمة في حاجة لتدقق كثيرا في ملامح وجهه لتعرف أنه عاني آثار قهر الوحدة، ولم تستطع أن تصدق أن مخلوقا علي نفس هيئته التي يبدو فيها، كان بتمتع بأية سلطة، لم تلاحظ أنه كان في الواقع أحد ضحايا أوهامه، وأن هذا المخلوق الذي كان يتدحرج أمامها في قفر الشارع مثيرا من الغبار أكثر كثيرا مما أثاره من مجد طوال أكثر من أربعة عقود من الاستبداد بالسلطة،لم تلاحظ أن هذا المخلوق بسماته الصحراوية المنقرضة كان إحدى مخلفات عصر الجفاف ذلك العهد الذي حولته أجهزة إعلامه إلي عصر زاهر تمت فيه الإنجازات الكبيرة التي نقلت الوطن من عهد التسول والضياع إلي عهد الاكتفاء الذاتي وتصدير الغذاء للجيران . واستتب فيه الأمن بواسطة جهاز أمني قوي انتشر فوق الوطن كله مثل نبت سرطاني، وتقاريره كانت تنهمر عليه طوال اليوم مثل المطر :

سيدي الرئيس، قضينا علي المظاهرات ونقلنا القتلى وعددهم تسع وسبعون إلي المشرحة والجرحي وعددهم مائة وأربع وعشرين إلي أقسام الحوادث بالمستشفيات، اعتقلنا عشرة من القادة السريين للفوضي، إضافة لثلاثين ضابطا كانوا يخططون لاستغلال الفوضي للقيام بانقلاب عسكري يعلن باسم ثورة الرابع من أغسطس، وعرفنا أنهم اختاروا يوم الرابع من أغسطس لأنه التاريخ الوحيد طوال العام كله الخالي من وجود ثورة باسمه ! .

وقمنا بتنظيف وسط العاصمة حيث كان الغوغاء قد اقتلعوا تمثالكم النصفي ومرغوه في الوحل، ونظفنا أكوام زجاج العربات المحطم وزجاج واجهات المحلات في شارع الجمهورية.

أمر بتشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتآمرين الذين أصر علي استجوابهم بنفسه، وجدهم في غرفة مغمورة بالمياه مرهقين من جراء التعذيب بالصدمات الكهربائية ومنعهم من النوم طوال الليل، سقط عليهم مثل الصاعقة، أطاح بأربعة منهم بلكمة واحدة، وحطم فك الخامس بضربة صاعقة من قدمه، ووجه ضربة ساحقة للرجل السادس ولكن الضربة تحطمت في حاجز يد ساحقة، أوقفت ضربته بإرادة فولاذية، وللمرة الأولى فتح عينيه لينظر إلي اليد التي شلت قوته .

وجد أمامه رجلا فولاذي الجسم وعرف بخبرته كملاكم أنه يمكن أن يتفوق عليه بالضربة القاضية ومن أول جولة، قال الرجل بهدوء خارق :

تستطيع أن تأمر بإعدامنا .. لكنك لا تملك إذلالنا .

حدق بشراسة في العينين الفولاذيتين فأكتشف نفس بريق التحدي الذي رآه في عيني الرائد حسن عز الدين الطاهر حينما رفض أن تعصب عينيه قبل إطلاق الرصاص عليه، شعر بالهزيمة وانسحب بهدوء من الغرفة، أمر بمضاعفة التعذيب لحين تشكيل المحكمة العسكرية التي قضت بالإعدام شنقا علي قادة لحركة العشرة .

قام بتعديل حكم الإعدام شنقا إلي الإعدام رميا بالرصاص ، شئ ما جعله يعتقد أن الشنق لن يكون كافيا لقتل ذلك الرجل الفولاذي، الذي صد بكل بساطة لكمته الساحقة الكافية لزحزحة فيل، لم يقو علي الاعتراف بأن قوته الخارقة واجهت تحديا حاسما في مواجهة الزمن، ولتبديد مخاوفه حضر بنفسه تنفيذ حكم الإعدام في سلاح المدرعات، شاهد الرصاص يمزق صدر الرجل الوحيد في العالم الذي جعله يتشكك في أهم مواهبه كمصارع .

أما العسكريون الذين حامت شكوك بأنهم حاولوا استغلال الفوضي من أجل القيام بانقلاب عسكري والذين فشل رجال أمنه في تقديم أية دليل حاسم ضدهم، فقد أصدر قرارا بتجريدهم من رتبهم وطردهم من الخدمة وفق مبدأ تفسير الشكوك لمصلحة الثورة .

استتب الآمن بواسطة جهاز أمن قوي انتشر فوق الوطن مثل نبت سرطاني وتقاريره كانت تنهمر عليه طوال اليوم مثل المطر :

قضينا علي المظاهرات سيدي الرئيس ونظفنا وسط العاصمة من الغوغاء ومن مخلفات الفوضي وزجاج العربات وجميع أعداء الثورة إما انتقلوا إلي الرفيق الأعلى أو إلي السجون أو لاذوا بالفرار إلي خارج الوطن بالتواطؤ مع بعض السفارات الأجنبية التي وفرت لهم وسائل الفرار .

.. ومشاريع التنمية تعمل بكفاءة عالية، ولكن الفاصل المداري تراجع سيدي الرئيس، غاص في أدغال أواسط أفريقيا في قلب الغابات الاستوائية حتى فشل أفضل مهندسي الأرصاد الجوية في تحديد مكانه، يشعر بنفاذ صبره، أن أحد أعدائه لا يزال علي قيد الحياة : تبا لهذا الفاصل اللعين ! .

لكن رجاله لم يكن قد فقدوا الأمل بعد، فقد أعلنوا : لدينا محاولات أخرى سيدي الرئيس، وادخلوا إلي حضرته جنوبيا طويلا من قبيلة الدينكا يرتدي جلبابا قصيرا وحول عنقه مسبحة طويلة من العظم، أعلنوا أنه : صانع المطر سيدي الرئيس .

أمر بتوفير كل طلباته حتى يتمكن من إجراء طقوسه وتعاويذه الخاصة، وبعد رقص متقطع وقراءة صلوات خاصة ظهرت سحب سوداء في السماء ثم هطلت الأمطار وسط صراخ رجال أمنه : نجحنا سيدي الرئيس، مطر خاص خارج حدود الفاصل المداري !

ولكن بمجرد أن تقاضي صانع المطر حسابه وغادر القصر، توقف المطر وانقشعت السحب من السماء فاندلعت شمس حارقة مثل الجحيم .

أمهل رجال أمنه المتوترين عشرة أيام لانزال المطر، وفي اليوم التاسع جاءوه بملابس متسخة بوحل وأعشاب السافنا : عثرنا عليه سيدي الرئيس .. عثرنا عليه سيدي الرئيس .. الفاصل المداري اللعين، وجدناه مخفيا في آخر حدود الوطن داخل أعشاب السافنا البستانية التي تضيع داخلها حتى الفيلة سيدي الرئيس، وجدناه مخفيا أخفاه أعداء الثورة، واكتشفنا أنه مجرد حبل طويل مجدول من أعشاب السدود ومن فروع شجرة البومبيلي المقدسة، ومن أجل تجميعه استعنا بمائة متطوع من قبيلة الزاندي ثم نقلناه سرا في باخرة أبحرت في نهر السوباط إلى جوبا، وعلي ظهر ناقلة ضخمة نقلناه إلى مناطق الزراعة المطرية شمال القضارف، وفور أن قمنا بتثبيته علي الأرض، بدأت السحب تتجمع وشاهدنا المزارعين يهرعون لإحضار بذور جديدة بعد أن أكلت الطيور البذور التي نثروها في الأرض قبل أسابيع .

أستسلم لقصص معاونيه لا لشئ إلا لأنه أراد أن يصدق فعلا :

أن مناطق الزراعة المطرية في شرق وأواسط الوطن وغرب الوطن ارتوت سيدي الرئيس، ومشاريع الذرة والسمسم كلها نامية كما تري في الصور، لكنه لا يري شيئا، ينظر إليها نظرة خاطفة من خلف زجاج نظارته ثم يضعها في درج مكتبه وينساها فورا.

يشاهد معاونيه يزدادون من حوله بمعادلة هندسية مثل نبت شيطاني فلا يكلف نفسه ولا حتى مشقة إحصائهم، يتحركون من حوله بنعومة مثل الثعالب، لا يرتكبون أخطاء مطلقا حينما يتعاملون معه، ولا يتركون أية آثار لوجودهم، يتراجعون فوق نفس الآثار الخفيفة التي تتركها أحذيتهم فوق السجاد العجمي حتى أنه هو نفسه كان ينسي أحيانا أنهم موجودون في كل لحظة من حوله وأنهم جاهزون لتنفيذ أوامره .

يلاحظ أنه حتى سحنا تهم أصبحت متشابهة بسبب ترديد نفس الكلام ونفس النكات القصيرة المكررة طوال أربعة عقود حتى بات مجرد إعادتها لا يثير سوي الغثيان لأنها تذكر بالأمجاد الأولى لعصر الجفاف .

ولولا نشوء أحداث عارضة كانت تنشط من ذاكرته لأصاب ذاكرته الصدأ من تكرار نفس الوقائع والوجوه، أحداث عارضة من قبيل : سيدي الرئيس .. انقلاب عسكري، وفيما يصيب الارتباك مرافقيه وتتعثر خطواتهم ويصطدمون ببعضهم بعضا أثناء جريهم في ردهات القصر .

عند ذلك كان يأخذ هو زمام المبادرة، ويبدأ في تصريف شئون الهزيمة مبتعدا عن مستشاري زمن السلم الذين تشل حتى مقدرتهم علي الكلام، يراهم يختبئون تحت الأرائك من الرصاص المتطاير عبر النوافذ فيعبر فوق أجسادهم المنبطحة أرضا وهو يصدر أوامره لرجال حرسه .

وفي ليلة عيد الاستقلال المجيد رأي في المسرح الوطني في افتتاح مهرجان الثقافة والفنون مغنية صغيرة السن من اللاجئين الإثيوبيين بدت له في البداية أشبه بأنثي طائر أم كتيكي، إلا أنه حينما بدأت ملامح وجهها تتضح مع بدء تكثيف الإضاءة في المسرح، بدأ ترمومتر أشواقه يسجل انتعاشا طفيفا، وتقدم فاصل أشواقه المداري حتى شعر به يتخطي حتى أقصي حدود إقليم الصحراء في قلبه .

استمتع للحظات بهطول أمطار العاطفة في بيداء قلبه، دون أن ينتبه للآثار الجانبية لعواطفه الجامحة خارج حدود السيطرة حتى تلقي تحذيرا سريا :

حذار سيدي الرئيس يوجد ضيوف أجانب في الحفل، تلفت حواليه حذرا محاولا تقدير عدد الذين سيشاهدون الفضيحة الرسمية، فقد شعر بجهاز تحويل سرعة الأشواق وقد اصبح خارج حدود التحكم، فجأة إنقطع التيار الكهربائي وامتدت يد خفية في الظلام تعطيه حبلا صغيرا .

انقطع التيار الكهربائي لمدة ثلاث دقائق الوقت الكافي لمداراة الفضيحة الرسمية، وفجأة عاد التيار الكهربائي، وواصلت المغنية الحبشية الغناء فور وصول التيار الكهربائي كأنها تعمل بالكهرباء، إلا أن التيار انقطع مرة أخرى بعد قليل، وبعد إعادته بعد خمس دقائق طويلة، اكتشف الضيوف الأجانب اختفاء السيد الرئيس ومعاونيه والمغنية الحبشية .

لم تكد تشرق شمس اليوم التالي حتى داهمته الأخبار : سيدي الرئيس انقلاب عسكري! أعلن وهو يتثاءب بعد أن أيقظوه من النوم : ألا يمكن للإنسان أن يرتاح لمدة نصف ساعة في هذا الوطن !.

احتل المتآمرون مبني ال

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان