• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
ابو شاكر

قصة العلقة الساخنة في مأساة أولاد جيب الله

عدد ردود الموضوع : 1

إحتد الصراع الآن بين الطرفين واتسعت الدائرة وتشابكت الأيدي وتبارى الفريقان في الجهل...

 

...إذا تكلم السيف فاسكت أيها القلم...

 

فقد تهيأت الظروف الآن أكثر من أي وقت مضى لأخذ الأمر مأخذ الجد وذلك بعد أن تحاضرت الأطراف وتلاقت من غير موعد في وفاة الحاج جيب الله التاتاي الذي رحل فجأةً إلى دار الخلود...( وما كان لنفس ان تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلا )... وافته المنية إثر الصدمات العنيفة والضربات المتلاحقة التي ظل يتلقاها تباعا من كبيرة الأبالسة بنت البشاري أولا ومن إبنه العاق إبن نوح ثانيا...مضي إلى ربه راضيا مرضيا.. مضى وقد قدَّم نموذجا رائعا في الصبر والجلد وكأنه من سلالة نبي الله أيوب عليه السلام... يردد في صمت مهيب وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) تكالبت عليه المصائب وتعاون أشرار الخلق على دفنه واسرته أحياء... اللهم ارحمه واكرم نزله ووسع له مرقده.

 

إنتهت مراسم العزاء وإنفض سامر الضيوف وبقي آل التاتاي وأصهارهم لبضعة أيام لترتيب أوضاعهم... أما إبنه الأكبر أبو النون والذي سمع بالصدفة فقد ظهر في اليوم الثالث لبضع ساعات إختفى بعدها ليغيب إلى الأبد عن دنيا آل التاتاي...

 

.جلس أهل المرحوم وذووه وكوكبة من فتيان القرية هم اصدقاء أبناء جيب الله حبوب وأخيه الأصغر

 

النجومي وغيرهم من الجيران والأحباب....كانت تلك الجلسة وليدة الصدفة المحضة ولم يكن مخطط لها...كان الحديث فيها يدور حول ممارسة السحر وتفشي هذه الظاهرة...وبينما هم كذلك إذ دخلت عليهم مجموعة من رجال القرية يبدو أنهم قد فرغوا لتوهم من صلاة العشاء بالمسجد.. يحمل كل منهم عصى السراهيت بيده اليمنى بينما يحمل البطارية بيده اليسرى وقد أخذ كل منهم موقعه من البساط الواسع الممتد والذي تناثرت حوله الأباريق.. وأريق على جنباته قدراً من الماء مبللاً لأطرافه بفعل الوضوء المتواصل,.. وغسيل الأيادي الذي يعقب الوجبات المنتظمة في أيام الفراش...

 

الشيخ غالب هو إمام المسجد,.. ومن العارفين بالله,.. رجل عابد ومتصوّف ومن مراجع المنطقة في قضايا الدين وامور الفقه,... يمت بصلة القرابة لبنت البشاري,.. إلا أنه يتمتع بقدر من الورع يجعله يتبرأ من سلوكياتها فهو يراعي جانب الله... ويقول الحق مهما كانت النتائج .... وكان كثيراً ما يذكر الناس بالإستعاذة بالله من شياطين الجن وشياطين الإنس

 

سُئل في تلك الليلة عن مسألة السحر وموقعها من الدين وهل هناك سحر,... فقدم محاضرة تنويرية للحضورفقال:

 

اسمعوا يا أخوانا هداني الله وإياكم مسائل الدجل والشعوذة وعموم أشكال الكهانة كانت أصلاً موجودة في مجتمع الجاهلية وظل الكهان كشيوخ لتلك الفترة مكان إحترام المجتمع وإعتقد فيهم الناس علم الغيب وقراءة المستقبل لذلك اصبحوا يختلفون إليهم أملاً في الخلاص من مشاكلهم ...واستمر الحال هكذا حتى جاء الإسلام.. الذي ناصب هذه الأفعال الإجرامية العداء مبيناً الأضرار والمفاسد التي تنجم عن ذلك.. ولعل الدين شرح بإسهاب حال الكهان ومصدر كهانتهم.. وكيف أنّ مقدار ما يعلمونه من الحق بواسطة الشياطين الذين يسترقون السمع يضيفون إليه مِن عند أنفسهم ويمزجونه بالكذب والضلال... وقد ضُـيِّـق عليهم الخناق بصدد هذه المعرفة.. ذلك أنَّه شُددّت الحراسة على السماء,... ذلك أن الله قد ارصد السماء بشهب يقذف بها مسترقي السمع من الجن, وعلى الرغم من ذلك فإنهم يبذلون جهداً كبيراً في إستراق السمع. قال جل وعلا: " إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب . وحفظاً من كل شيطان مارد, لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب, دحوراً ولهم عذاب واصب, إلا من خطف الخطفة فاتبعة شهاب واصب " الصافات 6 – 10.. وقال تعالى :" وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا "سورة الجن 9.. وهكذا يكون السحر حقيقة ثابتة وواقعة, لا مجال للشك فيها أو إنكارها. وهو من أعظم الأمراض والمصائب التي تبتلى بها المجتمعات فتنشأ وفقاً لذلك قطيعة الرحم والكراهية والمكايدات....

 

وإذا قٌدِّر للإنسان أن يصاب بالسحر فعليه سلوك الطرق الصحيحة والقويمة... ذلك أنَّ كثيراً من الناس يذهبون للسحرة كسبيل للنجاة مثلما كانوا سبيلاً للغرق...فيحاول هذا الفاسق علاج السحر بالسحر.... وهو في هذه الحالة يكون كمن يطهر النجاسة بنجاسة أخرى وهي أعمال شيطانية محرمة... وطلب الشفاء لايكون بما حرم الله,...

 

له أنواع كثيرة منها سحر التفريق وسحر الربط وهو قيام الساحر بالتفريق بين الزوج وزوجه والأب وإبنه والأخ وأخيه وسحر الربط قيام الساحر بأعمال خبيثة عن طريق الإستعانة بالشياطين والجن فيترتب على هذا النوع فساد الأسرة وفشل الحياة الزوجية والفراق والعداوة وتشريد الأولاد,.. وأحب شيء من معاصي الإنسان إلى الشيطان التفريق بين الأزواج كما ورد في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا ,..فيقول ما صنعت شيئاً,..قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين إمرأته,.. قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت,..

 

أما العلاج ,..فأنزل الله كتابه شافياً وهادياً (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) الإسراء 82 (فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون) يونس 81-82 وقوله تعلى ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون,..فغلبوا هنالك وانغلبوا صاغرين,.. وألقى السحرة ساجدين,..قالوا آمنا برب العالمين) الأعراف 118-121( إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) طه 69

 

فالذكر والدعاء وقراءة القرآن من أعظم أسباب منع الإصابة بالسحر قبل حصوله ومن أعظم أسباب رفعه بعد الإبتلاء به,.... قال مالك رحمه الله الساحر كافر يقتل بالسحر ولايستتاب ولاتقبل توبته بل يتحتم قتله,... وقوله تعالى ( إنما نحن فتنة فلا تكفر ) البقرة 102 فيه إشارة إلى أن تعلم السحر كفر ودليل لمن قال بكفر الساحر,...

 

والفرق بين الولي والساحر كما بينه الإمام النووي ( أن السحر لا يظهر إلا على فاسق والكرامة لا تظهر على فاسق وإنما تظهر على ولي وهي إكرام من الله لعبد من عباده الصالحين يتسترون منها ولا يريدون ظهورها والإستقامة على الدين هي عين الكرامة لديهم

 

كان لهذه المحاضرة إيجابيات كثيرة وذلك أنها نوّرت الحضور وسلَّـطت الضؤ على السلوكيات المعوجّـة والممارسات اللا إنسانية.... وخلقت موضوعا خصباً ودسماً يتناوله الناس في البيوت... كما إنّه نبَّه الرجال وولاة الأمر إلى حقيقة مايدور من وراء ظهورهم وما يترتب عليه من الفساد الإجتماعي الذي باع وإستشرى حتى أزكم الأنوف وسارت به الركبان.... فعاد الكثيرون إلى بيوتهم بعد تلك الليلة ليدخلوا مع نسائهم في جدال طويل وحسابات قديمة بل وصل بعضهم إلى أنّ حياته لن تستمر حتى تؤتيه زوجته موثقاً من الله.... وعهداً تقطعه على نفسها وبناتها بأن لا تأتي الكهان بعد اليوم.....

 

عادت الحياة إلى طبيعتها وإلى ما كانت عليه.... إلا أنّ كل يوم هو في شأن... وشأن هذه المرحلة هو مشروع آل البشاري الذي أصبح واقعاً ويقوم علي أرضٍ مغتصبة وأهلها ينظرون.... وقد جاءت المعدات والآليات الحديثة لشق الترع والقنوات وجاءت معها وجوه غريبة كثيرة من السواقين والفنيين وأهل القرية لهم كارهون ومنكرون......وهكذا بدأ تنفيذ المشروع الإستفذاذي تحت أعين ورعاية الحكومة ولعل العين لا تخطئ الرُتب العسكرية التي تأتي من حين لآخر لزيارة المشروع في زي مدني وقد إمتطت صهوات السيارات الفاخرة وهي تحمل بعض قطع السلاح الصغيرة التي يرهبون بها عدوهم من أهل الحق في صلف وكبرياء... ولم يغب عن بال أهل القرية... أن ما تبقى من مساحة ستؤول ملكيتها عاجلاً أم آجلاً لآل البشاري

 

هذه المساحات وكما أسلفنا تتبع قانونا للحكومة إلا أنها يشترك في ملكيتها كل أهل القرية فيما يعرف عُرفاً بحق القصاد.... وما هي إلا إمتداد طبيعي لأراضيهم.. يرون فيها احلامهم وأمانيهم ومستقبل اجيالهم القادمة... ولن يتنازلوا عن شبر منها إلا وهم أشلاء

 

وما ان بدأ المشروع بجلب الخمسين شتلة الأولى حتى قَيَّـضَ الله لآل جيب الله وآل التتاي من يثأر لهم فنشأ في القرية بعد أن أكملت الشتول عامها الأول تنظيم سري هدفه إسترداد أرض جيب الله التاتاي التي يقام عليها هذا المشروع حالياً.... وإسترداد الكرامة بل والإنتقام والتشفي من هؤلاء الظلمة.... كانت إجتماعاتهم تتم في سرية مطلقة ولا يـُطلعون على خصوصياتهم أحد إلا من يأمنون جانبه ويثقون في صلابة عوده وقوة شكيمته عملاً بقول احد شعراء الهمباتة ( ويشهد خالقي كان يوم السؤال قـرّيت )... وهم فتية آمنوا بربهم وبمبادئهم وقد أقسموا بالله جهد إيمانهم وتعاهدوا على الثأر وأن يفجُـروا في خصومتهم مع آل البشاري وحواريهم من المرتزقة وماسحي الجوخ والمتدهنسين وذلك بتنفيذ خطة دقيقة الإحكام يُخرصون بها هذه الأصوات الناشذه وإلى الأبد... بل لعلهم كانوا يرددون وبكل الثقة مقولة الطيب ود ضحوية ( يعجبك عوسنا كان لحق الضراع إنمدَّ... )

 

يقول الذين عايشوا تلك الأحداث أن حمّـادي الصهر الأول لآل البشاري هو السبب الأول والمباشر في كل ما يحدث من سواطات وغلاغل.... وهو الذي أوعزّ لهم بتسجيل الأرض وإقامة المشروع تمهيداً لضم ما تبقى منها.... فهو يعمل على إغراق الآباء وكبار السن من ملاك الأراضي بالديون بحجة مساعدتهم في مقابل رهن الأرض... وهو يعلم يقيناً بعجزهم عن السداد.... وماذلك إلا خطوة أولى في مسح الأراضي وضمها نهائياً لتلك الإمبراطورية التي تتنامى وتتسع وتسرع الخطى في سياسة الإنفتاح على الريف..... عُرف عن هذا الرجل المكر والدهاء وجرى الخبث منه مجرى الدم إلا أنّه يتمتع بلسان حلو.... يعرف كيف يُطَـوِّع اللغة وينتقي المفردات بغية الوصول إلى أهدافه ومراميه التي تهدم وتغتال أحلام وطموحات أطفال ذلك البلد... ولذلك ما تفتأ نفسه المريضة تبث السموم وتنشر الأمراض الفتاكة القاتلة.... ولعل كلّ ذلك أهّـلَه ليكون المالك والمدير والآمر الناهي في طول وعرض ذلك البلد اليتيم ..... وثمة صفات أخرى تتعلق بشهواته وغرائزه الحيوانية التي أطلق لها العنان غير آبِهٍ أو عابئ بما يقال.... تساعده في ذلك الوسامة المفرطة... ووفرة الدينار الذي بات يهزم مبادئ الكثيرات فأصبح يُـنَقِل فؤاده حيثُ شاء من الهوى ويرتحل ويتنقل ماجناً بين المواصفات والمقاييس... وقد داس بأحذيته موروثات أهل القرية من المكارم والفضائل

 

ولذلك...أصبح مكروهاً بين أهله وعشيرته.... ممقوتاً من عموم الناس ... ينظرون إليه شزراً وبأعينٍ غاضبة حانقة يتطاير منها الشرر.... كانوا يخافون منه على نسائهم بل وعلى أطفالهم أيضاً .... إذ أنّ رصيدهم في هذه الحياة سمعةٌ كريمةٌ وبلدةٌ طيبةٌ وربٌ غفور ينجيهم من حمادي وعمله....

 

يقولون عن حِمّادي إنّه نجح في تنفيذ المرحلة الأولى نجاحاً باهراً ظاهراً لا تخطئه العين فقد تدفقت المياه في كل الإتجاهات لتعلن ميلاد الخُضرة والحياة لهذه المساحات القفر والتي ظلت قاحلة تتوالى عليها السنين العجاف من الجفاف والجدب ... فها هي أشجار النخيل الآن تنمو وتترعرع وتشب عن الطوق بل وتتمدد متثائبة في شموخ وكبرياء.... تتغشَّاها اسراب الطيور في العشيَّـات وتحفها وتحيط بها من كل جانب أحواض البرسيم والخضروات والتي ستكون مرتعاً خصباً لتسمين الماشية والأغنام ولعل كل ذلك يهدف إلى تغطية حوجة السوق المحلي في الوقت الراهن..... مما يوفر النقد اللازم لتمويل المرحلة الثانية.... إلا أنّ هذا النجاح الكبير يقابله في الجانب الآخر أحساس مرير بالظلم وشعور بالهزيمة يتجرع الناس كؤوسها علقماً ويرسِّب في نفوسهم أحقاداً وجروحاً نفسيةً بعيدة الغور لا يمحوها إلا الثأر والإنتقام....

 

ومما يعمِّـق لدى الكثيرين الرغبة الجامحة في الإسراع بتصفية الحساب.. رصيد آل البشاري من المظالم والجرائم وآخذهم قهراً وقسراً وعنوة لأولاد وبنات الناس وقد حطَّموا بذلك السلوك الشائه الكثير من الأسر... وإن ألبسوا ذلك ثوب الحلال الطيب إلا أنّه عين العيب وأُم الحرام... ثم تأتي أشكال المفاسد الأخرى والسلوكيات المعوجة التي لا يراها إلا الواحد الأحد. وهذا شأنهم أبداً بل دينهم وديدنهم....الخوض في الوحل.. وإذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون....

 

يقول الراوي إنّ هذه الكوكبة من الشباب إتخذت من منزل عم النواتي نادياً يجمع شملهم ويحفظ أسرارهم ... وكان لوجوده بينهم أي عم النواتي أثراً بالغاً في سلامة التخطيط وإحكام ودقة التنفيذ الذي خلا من التهور والإستعجال وكانت حكمته وحنكته واضحة في إرشاد هؤلاء الشباب إذ أنها تجلت في المهارة الفائقة التي تمت بها إدارة المعارك... فقد أسند قيادة الميدان إلى النعمان الهدَّام أبورمَّاح.... فحدد الأهداف ووزع الأدوار وأعلن لهم ساعة الصفر مع وضع وإعتبار كل إحتمالات الفشل والنجاح وكيفية التصرف..... إذا أتت الرياح بما لا تشتهي السفن..

 

كانت الخطوة الأولى هي القتل التدريجي للخمسين شتلة على أن يتم ذلك في بحر أسبوعين.... ويكون بصب الماء الساخن في قلب الشتلة... وقد نُــفِذَ ذلك في ليالٍ داجية حالكة الظلام والناس نيام وفي الهزيع الأخير من الليل فبدأت الأشجار في الضمور والذبول لتموت موتاً قاسياً خلا من الرحمة... فسقيت الشتول حميماً وغسَّـاقا... وذلك أنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين..... فسلط عليهم بذنوبهم من لايخافه ولايرحمهم

 

أما الخطوة الثانية هي أن تسافر مجموعة من الشباب على متن حافلة ذهاباً وإياباً إلى العاصمة الخرطوم... وهي الخطوة الأكثر عنفاً وأشد شراسةً... وهي مهمة المهام ورسالة الرسائل ولذلك أُوكل أمر تنفيذها إلى أحد عشركوكباً من السواعد الفتية الشابة من فتيان وفرسان الحلة.... وكان عليهم أن يخوضوا معركتين منفصلتين في لحظة واحدة.... فالأولى معركة محلية صغيرة فيما يخص العميل حمادي .... أما الثانية فهي مداهمة منزل آل البشاري.... ولعلهم في ذلك إنتهزوا فرصة مناسبة رأس السنة وهي بالنسبة لهم تعتبر مناسبة أسرية تقام حولياً بذلك القصر الذي يتمدد ويتمطى أنفةً وكبرياءً في حديقة شاسعة واسعة كستها الخضرة وإحتوتها النوافير وحفّتها من كل جانب وظللت سمائها أشجارالنخيل الملكي زينةً وبهرجاً بل وتعطرت أجوائها بشذى الياسمين وأريج العنبر ... هذه المناسبة تجمع أفراد وأطراف الأسرة نساؤهم ورجالهم.... يتسامرون... ويمزقون الليل... نشوةً وطرباً.... وبينما هم في غفلتهم يعمهون فاجأهم أحد عشر رجلا أشداء..ملثمون... تسلحوا بكافة أشكال الأسلحة من عصي غليظة وبساطين رفيعة وسكاكين ضراع وقطعة سلاح ناري واحدة ... وما أن أطلق الحبوب جيب الله أول عيار ناري في فناء الساحة حتي خَرَّ فضل الله كبير أسرة آل الباجوري صعقاً من هول ما يرى...كان ذلك العيار إيذاناً بالبداية.. وما لبثوا ان إنقضوا على الدار وأحاطوا بهم من كل جانب ... وانهالوا عليهم ضربا مبرحاً مؤلما حتى أثخنوا جلودهم جراحاً ودماً فاسداً كما نفوسهم.... وأوسعوهم ركلاً.... فإنهار كبارهم من أثر الصدمة وأُغمي على شبابهم من أثر الضرب.... وكانت رائحة البارود قد غطَّت الجو.. ثم إن عنصر المباغتة كان فعَّـالاً.. إذ أنَّه لم يعطِ فرصةً حتى للنساء ليصرخن ويستنجدن... وقد كُـلِّف بخيت قُرمُدِي بأن يستوصى بالنساء شراً فأعمل خيزرانته الرفيعة في الحاجة بنت البشاري وغيرها من النساء من شباب ومشارط الجامعات إعمالا بلا هوادة ولا رحمة... فإرتفع بذلك السكري والضغط لدى كبار السن... وفي هذا الجو المكفهر الغاضب... والمفعم بالأسى..... تمكن الحسن متقّـلات من أخذ مفاتيح الخزنة عنوةً وإقتـدارا ومن ثم إفراغ كل محتوياتها من ذهب ومجوهرات ونقد ووثائق في جوال أُعِدَ لهذا الغرض... ثم أخذ الشباب طريقهم إلى البلد والتي علم كل أهلها بما كان يدور في تلك الليلة.... وما هي إلا سويعات قلائل حتى وصل الشباب إلى القرية والتي إستقبلت ... جمعهم الكريم إستقبال الفاتحين المنتصرين حيث علت وإرتفعت زغاريد الفرح وسط جلبة الدلاليك والغناء وكانوا في روح معنوية عالية.. راضين عن أنفسهم وعن صنيعهم وليكن ما يكن....

 

أما المعركة الثانية فكانت أن ينفرد عمر جنتريق وموسى الأرباب بالكلب حمِّادي قبيل أذّان العشاء عندما يكون في طريق عودته إلى بيته في البندر حيث يسكن هو وأسرته.. فجلسا على الطريق ينتظران خروجه من بنطون السديرات على أحرٍ من الجمر وقد غطى الظلام المنطقة وأضفت أشجار الذرة العالية نسبياً على المكان وحشةً ورهبة وساد الصمت المنطقة ولفَّ الظلام والسكون المكان إلا من نقيق الضفادع وحفيف الأشجار مع حركة الرياح... ووسط هذا السكون القاتل جاء سيادة المالك والمدير على صهوة حماره الريفاوي الأبيض ...والذي تفوق سرعته سرعة حمير المنطقة بأسرها .... وما هي إلا لحظات حتى قطعا عليه الطريق وألقياه أرضاً... وشدَّا وثاقه وعصبا عينية في قوة وإقتدار وجبروت وسحباه على أحراش الأرض سحباً لا رحمة فيه على أرض خلت من الإستواء بين الأشواك والجداول في إتجاه النيل.. ووضعاه على القيف ( الحافة ) ومارسا عليه ضغطاً نفسياً عالياً... إذ أنَّهما يقذفان به في الماء ويتركانه حتى يوشك على الهلاك...... ثم يخرجانه ليجمع أنفاسه...ويقولا له أنَّه بين خيارين إما الموت أو مغادرة القرية... ثم يلقيا به تارة أخرى.... حتى داخ وخارت قواه... وتركاه مغشياً عليه عند حافة النيل.... وإكتفيا فقط بجز أُذْنيه وغادرا المكان إلى الضفة الأخرى من النيل مستغلين إحدى قوارب السمك التي تركها لهم صاحبها وسافر مع المجموعة الأُخرى ليشارك في المعركة المقدسة...

 

وضعت الآن المعركة أوزارها حزناً وغبناً وحسرة.. وخلفت جراحاً نفسية قاسية... بعد ان مُنيت الأسرة بهزيمة نكراء حطَّت من أقدارهم ومرمطت كرامتهم وأذلت كبريائهم... وكان ذلك إيذاناً بإفول شمسهم التى طالما سطعت عزةً وشموخاً... لتتوارى وتغيب.... وتلك الأيام نداولها بين الناس... فقد تداول الناس الحدث وتناقلت ألسن الكثيرين فرحاً هذا النبأ الجميل شماتةً ونكايةً في هؤلاء السِفلة الأوغاد... فكان الناس يعودونهم معزِّيين في هذه النكبة كما جرت العادة... إلا أنّهم وفي غرارة أنفسهم يتمنون لهم المزيد من الدمار والخراب...

 

كان زوارهم يسألونهم عن سير القضية والمحامين... ولايجدون منهم إجابات شافية... فقد كان هناك سبباً قوياً أربك عقولهم وحدّ من حماسهم في السير خطوات إلى الأمام في إتجاه الإنتقام.... ذلك أنهم تلقوا رسالةً خطية قصيرة كتبت بلغةٍ حادة تهدد عموم الأسرة بأنَّ الأمر سيطال نسائهم وأطفالهم قتلاً وإغتصاباً إذا لم يتنازلوا عن أفعالهم ويُفرجوا عن المعتقلين... وعلى رأسهم النعمان الهدام أبو رمَّاح وأولاد جيب الله... الذين يهددهم شبح التعويضات... بعد ان إحتوتهم جدران الزنازين....

 

كان بمقدور آل البشاري أن يبطشوا بخصومهم وهم قادرون على البطش والتنكيل بأولئك المساكين ....بما لديهم من أيادي طائلة في الأجهزة القمعية وبإستطاعتهم أن يثأروا لأنفسهم وأن يكيلوا الصاع صاعين لا سيما أنَّ الطرف الآخر مكشوف الظهر ولا تمكنه قدراته من الصمود في وجه جهات منظمة... إلا أنَّه يعزَّ عليهم الدمعقولة بس في معركة يكون ضحيتها أطفالهم ونسائهم... فكان عليهم التفكير بعمق وروَّية وإعادة الحساب مرات ومرات.... وباتوا يمنون النفس بدمعقولة بس آطراف أخرى تقف بينهم وبين هذا العدو الغشيم الغاشم... كما أبدوا رغبة صريحةً في الإتصال بأهل المساجد وشيوخ الطرق الصوفية ليقفوا بينهم وبين هؤلاء الصعاليك كما كان يحلو لهم ان يسموهم فقد أصاب كبارهم الخوف والضعف وهم في غرف الإنعاش والعناية المكثفة.... وباتوا يتهيبون عدوهم أكثر من أي وقت مضى... إلا أنّ كرامتهم ورغبة نسائهم ومن ثم شبابهم في الثأر.... تمليء عليهم عدم التنازل.... وتحثهم على الجهل المكثف.... عجباً بالنفس وبطراً بالنعمة... بل وكفراً بحق هذه الحثالات في الوجود....

 

 

** نقلا عن : sudanile

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان