• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
alaabid

طارق الطيب: كاتب و فنان سودانى عالمى

عدد ردود الموضوع : 1

طارق الطيب: كاتب و فنان سودانى عالمى لا يعرفه السودانيين

 

 

 

أتمنى دائماً أن يؤدي التغيير فعلاً إلى تغيير

 

الكتابة هي وطن الكاتب في حال القهر

 

 

 

حوار أحمد ضحية للمجلة السودانية

 

 

 

 

 

المحور الأول : طارق الطيب الكاتب

 

 

 

1. كيف بدأت الكتابة (أو كيف بدأتك الكتابة) وكيف تعرفت عليك الحركة الأدبية (أو كيف تعرفت عليها) في مصر والعالم العربي وأوروبا؟

 

 

 

جميل أن تطرح جملة: (كيف بدأتك الكتابة) التي تبدو كأنها إصابة بدواعي حمّى أو وقوع في الحب. فقد بدأت محبتي للحرف العربي منذ الرابعة؛ منذ أن دخلت كتاب الشيخ علي بمسجد الزهراء بعين شمس في القاهرة في أوائل الستينات، تلتها محاولات التقليد الأولى في المدرسة الابتدائية. وحين اكتشفَتْ مُدرّسة العربي أن خطي جميل. بدأت تمرّنني على كتابة الخطوط المختلفة، بقصّ العناوين العريضة للصحف والمجلات في ذاك الوقت والتي كانت تُكتَب في هذا الجيل بخط اليد في حدّ علمي (أتحدث عن منتصف الستينات؛ فأنا من مواليد 1959) وأن ألصقها في كشكول خاص وأعيد تقليد المكتوب، ثم صرت أقرأ نشرة الأخبار الصباحية في طابور الصباح في مدرسة الإمام محمد عبده الابتدائية. كانت حصتي المفضلة هي حصة العربي؛ خاصة حصتيّ التعبير والقراءة

 

 

 

لما اكتشف الدكتور عبد الغفار إبراهيم صالح أستاذ الشريعة والقانون (الذي عمل في السودان فترة طويلة في جامعة القاهرة فرع الخرطوم- أرجو أن أسرد المعلومة صحيحة فيما يتعلق بالجامعة) وكان جارنا يسكن في الدور الثاني من المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق- اكتشف محبتي للغة العربية، فصار يخصص لي وقتاً لتعليمي بعض أسرارها. ممنون له جداً على هذه العناية.

 

 

 

ممنون أيضاً لوالدي الذي كان من عاشقاً للقراءة واكتظت مكتبته الصغيرة بكمّ كبير من الروايات (إلى جانب الكتب الدينية والحربية) لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين والعقاد وإحسان عبد القدوس وعبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي.. إلى آخر هذه القائمة الطويلة. قام والدي بتجليد هذه الكتب في مجموعات عَنوَن المجموعات بالنوع والرقم وطبع اسمه هو عليها كمالك للمجلد؛ فكنت في صغري أعتقد أن والدي هو مؤلف كل هذه الكتب.

 

 

 

بدأتني الكتابة، يا صديق الدرب، بأعراض حمّى القراءة وارتفاع في درجة الاهتمام بالكتاب، مع أعراض جانبية بمحاولات التقليد المعتادة، خصوصاً الأعراض الشعرية

 

.

 

وبما أنني "طفل راديو" كما أذكر دائماً، أي نشأت على الاستماع للراديو، فلم يكن لدينا تلفزيون إلا في وقت متأخر ربما أواخر الستينات أو أوائل السبعينات، ربما جعل هذا الأمر ذاكرتي تحتشد بمئات الأصوات الهامة مع قدرة أوسع للخيال. وأعتقد أنني تعلمت الحكي بسبب امرأتين: جدتي لأمي ومدرّستي في المدرسة الابتدائية.

 

كانت جدتي تطلب في غيابها أن نستمع نحن الأخوة والأخوات إلى الخماسية أو السباعية وهي مسلسل بالراديو، على أن نحكي لها الحلقة التي فاتتها. كان كل منا يحكي لها حكاية مختلفة تماماً وكل واحد يقاطع الآخر بأن المجرم مثلا ليس هو الزوج بل الأخ أو الأخت أو الجار أو أو.. كانت تضحك بعد الاستماع إلى هذه الجوقة المغردة بمسلسل واحد أصبح لها عدة مسلسلات

 

 

 

مدرستي في المدرسة الابتدائية كان لديها طفل في الرابعة تقريباً. كان عنيداً مزعجاً شرساً لا يهدأ. تركته لي لإلهائه؛ بأن أسير معه في حوش المدرسة في وقت الفراغ لانشغالها بالتدريس. هذا إن كانت لديّ حصة زراعة مثلاً (التي كنا نجمع فيها أوراق الأشجار من الحوش ولم نتعلم يوماً الفرق بين الملوخية والبرسيم أو بين الوردة والبصلة) أو حصة غابت فيها مدرسة زميلة أو حصة الألعاب. كنت أسير مع هذا العنيد، فيبدأ في العصلجة والعفرتة ويتعبني كثيراً. يضرب شبابيك الفصول والأولاد والبنات بالزلط والطوب ويتشعبط على كل ما يراه. كان الوقت يمرّ عليّ ثقيلاً عسيراً وأنا لا أدري كيف أتخلص من هذه المهمة الشاقة التي وقعت على طفل صغير مثلي

 

 

 

لجأت إلى حيلة ذات مرة وكانت ناجعة. بدأت أحكي له حكايات اخترعتها من الخيال، مثلاً عن أن هذه النخلة التي أمامه تسلقتها يوماً سحلية، فلما رأتها العنزة أرادت أن تتسلق بدورها النخلة وفعلت ذلك. لكنها لم تجرؤ على النزول، فطارت إليها الحمامة وقالت أنها ستعيرها جناحيها شرط أن تعطيها بعض شعرها لتصنع عشاً دافئاً لصغارها، وهكذا. مع الوقت بدأ الطفل يميل إليّ ويستسلم لسطوة الحكايات، وفور أن يراني، يخلع يده من يد أمه ويطلب إليّ أن أكمل حكاية اليوم الفائت. فكنت أخلط الحكاية فتصبح السحلية برصاً والعنزة خروفاً والحمامة يمامة. وهكذا تعلمت معه التحايل والتخايل في آن لإخراج حكايات مقنعة.

 

 

 

* * *

 

بدأت الكتابة الذاتية، حين وقعت في الحب للمرة الأولى، كالعادة باللجوء إلى كتابات شعرية. كتبت أول قصائدي فيمن أحببت. ولما كنت جاداً رزيناً- كأنّ الإحساس العاطفي والحب قلة أدب- أوهمتُ أصدقائي أن القصائد لصديق لي لا يرغب في أن يكشف عن نفسه واستأمنني في ألا أبلغ أحداً باسمه. استحسن أصدقائي هذه الكتابات لكني أخفيت صاحبها، الذي كان أنا، حتى اليوم. قبل أول سفر لي وأنا في الثانية والعشرين، أعدمت هذه الكتابات للأسف في ترعة قريبة من محل السكن

 

 

 

في الفترة الجامعية كنت معجباً بالكتابات الفلسفية ومتابعاً لها خصوصاً لجانب كبير من كتابات زكي نجيب محمود، وبدأ اهتمامي بكتابة المقالة الأدبية موازياً لهذه القراءات وللقراءات الأدبية الغزيرة بالطبع. لم أفكر أبداً في نشر أيّ شيء من هذه الكتابات

 

.

 

* * *

 

ثم جاء السفر إلى أوروبا؛ إلى فيينا تحديداً، التي عانيت في بداية وصولي إليها بصدمتين قويتين. لم تكن الصدمة الحضارية واحدة منهما، بل صدمة مناخية من هذا البرد القاسي وكمّ الثلوج التي لم أتخيل أن أراها يوماً بهذا الشكل إلا في الأفلام. أما الصدمة الثانية فكانت صدمة لغوية؛ إذ أصبح للساني العربي لا قيمة في بلد يرطن بالألمانية. لجأت لتخفيف غربتي ووحدتي بتدفئة حالي بالكتابة، باستعادة الخزين الذي تركته في تلك البلاد المشمسة البعيدة. كتبت وكتبت وكتبت، ولم أفكر في النشر إلا حينما قرأت إعلاناً- في مجلة لا أذكر اسمها الآن- عن طلب إرسال نصوص من الكتّاب المقيمين في أوروبا أو في المغترب أو من يشعر بأنه مغترباً أينما كان، من أجل نشرها في مجلة "الاغتراب الأدبي" التي كان يشرف عليها الشاعر والدكتور صلاح نيازي. أرسلت له ونشر لي الرجل واستحسن كتابتي وطلب المزيد. في الوقت نفسه نشرت لي الأهرام في القاهرة قصة قصيرة على إثرها تعرفت على ناشري وصديقي الحالي في مصر إلهامي لطفي بولس وعلى الصديق الشاعر عادل عزت. وتوالى النشر في القدس العربي والحياة والناقد والقاهرة والنهار والوحدة وشؤون أدبية وكلمات وفراديس (كما تلاحظ لم تنشر أيّ مجلة سودانية أي نص لي) وبعدها نشرت روايتي الأولى "مدن بلا نخيل" في كولونيا بألمانيا، ثم في طبعة ثانية في القاهرة وهذا العام ستصدر الطبعة الثالثة عن دار الحضارة مجدداً، ثم توالى النشر بعد ذلك في القاهرة. بهذا وصلت تقريباً من بُعد وعلى استحياء إلى بعض عواصم الوطن العربي

 

.

 

* * *

 

في أوروبا أو في فيينا بالتحديد كنت قد بدأت الكتابة في عام 1988 تقريباً، ونشرت أول نص في يناير 90 في القاهرة وفي شهر مايو من نفس العام في "مجلة الاغتراب الأدبي" في لندن

 

 

 

بدأت أقرأ في فيينا للجمهور من قصائدي ومن روايتي التي صدرت مع بعض الترجمات القليلة إلى الألمانية. وبعد فترة وجدت أن الجمهور النمساوي يريد أن يقتني هذه النصوص في كتاب، والكتاب غير موجود.

 

في أحد الأيام قررت أن أرسل النصوص القليلة المترجمة للألمانية إلى بعض دور النشر. أرسلت إلى أربع منها، اثنتان في النمسا واثنتان في ألمانيا، وفي الوقت نفسه إلى مجلات أدبية متخصصة. جاءني رد إيجابي من دار نشر في النمسا وردّ آخر من ألمانيا، فضّلت الدار النمساوية "سيلينه" لأنها في فيينا وقريبة مني، وهذا ما كان. أراد الناشر أن ينشر لي أول كتاب في غضون عشرة أسابيع من ذاك التاريخ؛ أي في ربيع 1999، ذكرت له أن هذه النصوص القليلة التي بحوزته هي كل نصوصي المترجمة إلى الألمانية. لكن لدي الكثير بالعربية لدي ما يترجم لأكثر من كتاب. اتفقنا على أن يصير نشر أول كتاب في خريف 1999. صدر كتاب "حقيبة مملوءة بحمام وهديل" باللغتين الألمانية والعربية، ثم توالى النشر بالألمانية في الدار نفسها التي تولت نشر أعمالي منذ عام 1999 فنشرت لي ثلاثة كتب أدخلتني على العالم الألماني بشكل أوسع وكتابي الرابع في الطريق. في الفترة نفسها نشرت لي أهم المجلات النمساوية المتخصصة في الأدب: "مانوسكريبته"، أول نص طويل، فجاءتني إثر ذلك دعوة من أهم مؤسسة أدبية في النمسا، لعمل أول قراءة كبيرة بمقابل محترم وكانت هذه هي بداية القراءة والنشر في الألمانية.

 

والحديث سيطول إن لم أتوقف هنا.

 

 

 

2. يلاحظ على شخوصك أنهم يحملون ملامح وقسمات الحياة السودانية والمصرية. حدثنا عن هذه الذاكرة المشتركة التي ينهض فيها وادي النيل على المستوى الإبداعي؟

 

 

 

أنها أثار النشأة والمكان:

 

 

 

كما تعرف إنني من مواليد القاهرة لأب سوداني من كوستي، نزح للقاهرة لأنه أحب فتاة جميلة من أصول سودانية مصرية، فترك الجمل بما حمل في السودان، وقرر السفر إلى مصر للزواج. تزوج وأنجب ستة من البنين والبنات وعمل في مصر إلى أن توفي في العام 1994.

 

 

 

كانت أم جدتي- وكنا نقول لها "نينه"- فاتحة اللون جداً أو بيضاء، حيث تنبع أصولها من مدينة دمياط في أقصى الشمال من مصر، فكنا نتعجّب من هذا اكتشاف هذا اللون في العائلة مع أنها أمنا الكبرى. تعودنا بعد ذلك على وصول أقاربنا من أقصى الشمال بلون ومن أقصى الجنوب بلون آخر، مع الوقت لم يعد هذا شيئاً عجيباً لنا.

 

نشأت أيضاً في عين شمس في أوائل الستينات. كانت هذه المنطقة شبه منعزلة وبعيدة عن العمران الكثيف، قريبة من أول الدلتا ومتاخمة لأول الصحراء وتقع في ذيل المدينة الشمالي الشرقي. في هذه البقعة من مصر تجمّعت جالية سودانية كبيرة؛ فهم كالعادة في كل مكان يأنسون لبعضهم البعض ويجدون العزوة والارتياح في هذه القربى السكنية. لذا نشأت أنا في مكان طقوسه سودانية مصرية إسلامية وقبطية لوجود عدد كبير من الأقباط سكنوا في هذا المكان. ثم صار المكان فيما بعد أول من استقبل النازحين إلى القاهرة من فلسطين ثم النازحين أو المهجّرين بعد حرب 67 من السويس والإسماعيلية وبورسعيد

 

 

 

نشأت بين هذا الخليط الكبير الذي تآلف وتناغم في المصير، رغم الاختلافات المظهرية والأصولية. خليط مركّب من دم يسري من الجنوب إلى الشمال على المستوى الذاتي وخليط آخر على مستوى المكان الثري بتنوع أهله، فضلاً عن ذلك عشت أصيافاً طويلة من إجازتي المدرسية في العريش بشمال سيناء محل عمل والدي، ثم لدى جدتي لأمي التي كانت تقطن في الجمالية المتاخمة للحسينية فعشت طقوس قلب القاهرة القديمة النابض الأصيل بكل سهولة. لذا كتبت وما زلت عن كل ما هو قريب لي وكل ما أعرفه عن القاهرة القديمة وعن أطرافها وعن خارجها الممتد شمالاً وعن جنوبها أيضاً.

 

 

 

3. الفكرة عند طارق الطيب تنطلق من موقع نقيضي لصراع الشمال– الجنوب الذي وسم كثير من كتابات المبدعين العالمثالثيين المهاجرين خاصة جيل المبدعين الذين عاصروا حركات التحرر في العالم الثالث "مصطفى سعيد في موسم الهجرة كنموذج للجنوبي ضد الشمالي"؟

 

 

 

أعتبر نفسي من الجيل النازح إلى أوروبا في أواسط الثمانينات، وهو كما تعرف جيل ورث هزائم متكررة وانتصارات مؤقتة، تبعها خلخلة اقتصادية اجتماعية عنيفة؛ مع تغبُّش الصورة تدريجياً بعد التخرّج الجامعي للدمعقولة بس في عالم البطالة الرحب؛ فأصبح الشاب جاهلاً بمستقبله المأمول. تبع ذلك انتهاء فترة الصلاحية على أرض الوطن، وبدأ زمن الهروب إلى مآل المال في دول النفط أو مآل الحظ والتجريب على أوروبا

 

 

 

جيل مصطفي سعيد في "موسم الهجرة إلى الشمال" وجيل "عصفور من الشرق" و "قنديل أم هاشم" كان جيلا نِدّاً للغرب. خرج مستنداً على لغة أجنبية أو أكثر أو مدعوماً بيسر مالي ومؤهلاً بنديّة ثقافية. أما نحن اللاحقون فخرجنا بلا مال ولا لغة أما نديتنا الثقافية فلم يكن لها محل من الإعراب لصورتنا المهتزة ثقافياً وسياسياً في ذاك الزمن الكئيب. لذا حين وصلنا نزلنا إلى قاع المدينة أولاً. المرتاحون من أبناء جلدتنا في هذه البلاد أصابهم الانزعاج من هذه القافلة الآتية والمحملة بالفقر. لم تكن هناك جالية متنورة حداثية تستطيع أن تستوعب أو توفر عزاء أو سترة للقادمين بل بالعكس كانت الجالية طاردة لكل طارق طارئ وأكثر تهميشاً له اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً.

 

حياتنا الأولى في قاع المدينة علمتنا أشياء لم نكن لننتبه إليها لو وصلنا في راحة كما وصل السابقون. كانت هناك أواصر مشتركة بين المطحونين في أوروبا في أسفل الدرك وبين الأغراب الواصلين من هذه الأمكنة البعيدة من أسيا وأفريقيا وشرق أوروبا. لذا بدأت مسيرتنا من القبو. صرنا نتعلم الحياة رويداً، تلك التي تلوكنا ببطء. تعلمنا اللغة على أرضها. درسنا فيها تخرجنا فيها. سكنا فيها وسكنتنا وتزوجنا منها وعشنا

 

 

 

لم يعد للعربي القادم إلى أوروبا تلك الصورة الخارقة الفحولية المزيفة وهذه البطولات العنترية الكاذبة التي ما زال يتشدق بها البعض في المقاهي. ما زال الكثيرون ممّن لم يخبروا الغرب عن كثب يدلون بدلاء الوهم في الذكورية العرقية والشوفينية الوطنية والعقائدية بمنتهى السذاجة وكسل النفكير. كل يرد عليك في النهاية: " ولا يهمك، نحن أحسن ناس، والله!".

 

الأرضية المشتركة التي أحاول المرور إليها أدبياً وثقافياً، رحبة ومفتوحة لكثير من التأمل وللحوار والاتفاق والاختلاف. المجال أكثر رحابة لو أردنا ألا نتقوقع داخل أصداف الاغتراب. الصورة القديمة لأبطال الروايات الأولى للرواد خلقت عقدة لنا وسبّبت أزمة تواصل ثم عدم فهم أو سوء فهم أو في أغلب الأحيان أحكام مسبقة.

 

 

 

4. ماذا عن التراث والحداثة في نسيج تجربتك الإبداعية؟

 

 

 

هذا السؤال يتكرر كثيراً حتى نكاد تدريجياً أن نضع حداً فاصلاً بين التراث والحداثة، وأنا لا أرى ذلك. التراث يحمل طيّه الكثير من الحداثة؛ الحداثة ينبغي ان تخرج من الفكرة أولاً، والتراث ما زال يحمل أفكاراً حداثية لم تكتشف بعد. كما أن هناك حداثة شكلية فقط، سطحية قشرية هشه ينجذب لها البعض كأنها صرعة تغيير. وأسميها "تحديثاً" لا حداثة. لأن الحداثة تجديد للقديم وتطوير للموجود واختراع غير الموجود، والتحديث هو مجرد نقل وتقليد ومحاكاة لأفكار وأعمال الآخرين.

 

 

 

ما أكتبه- كما اعتقد- هو استمرار لما كتب السابقون، لكني معني بحياتي الحالية، أريد أن أصوّرها وأتصوّرها كما عشتها أريد أن استنتج الأسباب من التاريخ كما أريد أن أستنتج التاريخ من الظواهر.

 

لا أفكر كثيراً في شأن التراث أو الحداثة حينما أكتب. وإلا صرت مثل شخص يفكر في شكل ونوع الكوب الذي سيشرب فيه دون أن يفكر ماذا سيشرب.

 

 

 

5. الحنين احد ابرز مفردات الرواية مدن بلا نخيل. الحنين إلى ماذا؟ وما الذي يثير الحنين عند طارق الطيب ؟ هل للأمر علاقة بالغربة. وماذا عن كون أن الكتابة هي وطن الكاتب؟

 

 

 

في رواية "مدن بلا نخيل" التي بطلها حمزة الشاب المسكين الذي لم يتلقَ قدراً كافياً من التعليم الذي يسرح في الدنيا دون أن يدري إلى أين المسير أو المصير. هذا القروي اليافع يعبر البحار ليذهب إلى أوروبا حتى أقصى الشمال، يخرج من قريته المتداعية مهمّشاً مرغماً ويعود إليها مهمشاً مسحوقاً ولا يجدها.

 

الحنين عند حمزة هو حنين للزمن الجميل القديم الذي عاش منه طفولة مرت كالبرق. وطأة الحاضر تجعل المقارنة مع أي زمن فائت أفضل. في وضعه السيّئ هذا يرغب في العودة إلى بيت وأهل و"مكان" يتسامح معه؛ إلى مكان يحب هذا الحمزة وأمثاله. لكن الزمن يستعصي عليه وتصير مسألة البحث عن هذا الوضع البسيط المعتاد ضرباً من الوهم والخيال.

 

* * *

 

الطفولة تثير عندي حنيناً لا حدّ له وفترة الشباب أيضاً. المكان الذي اكتمل في الذاكرة واستوى ثم بقي بعيد المنال هو ما يثير لديّ الحنين. الحنين في الغالب يكون للبحث عن حالة رضا عن الحال وتسامح مع الذات والمكان.

 

الغربة قد تثير لواعج الحنين أكثر بسبب القطع الزمني الحادث بالخروج. قد يختلف الحنين قليلاً بين المقيم والبعيد. لكن البعيد تكون حساباته بجانب العمق الزمني- والبيئة الجديدة غير المهضومة للكثيرين في أغلب الأحيان- حسابات أخري جغرافية تنتمي للمسافة؛ فالروح لا تغادر المكان بسهولة كالجسد. لكن من المفترض مع مرور وقت معين أن تخف حدة الغربة لدى الناس بتعلمهم لغة جديدة وثقافة جديدة، من المفترص أن يكون في هذا الانتقال إضافات وليس استبدالات كما يهيّأ للبعض

 

 

 

أما كون الكتابة وطن الكاتب. فربما يكون هذا للبعض وارداً لكن ليس في حالتي. الكتابة يمكن أن تكون بيتاً أو عزلة أو حماية أو بالعكس قد تكون تشريداً وتعريضاً للخطر. الوطن في حالتي يختلف توصيفه؛ فكل مكان آنس إليه وأرتاح فيه هو وطن لي. وكل مكان أتسامح معه ويتسامح معي هو وطن لي. وطن هنا بمعنى الإحساس بالطمأنينة الحقة. ومحبة المكان بحق دون شوفينية وطنية مجوفة تخرّب في المكان أكثر مما تعمّر وتتخايل كبراً بالمولد المكاني

 

 

 

الكتابة هي وطن الكاتب في حال القهر!

 

الكاتب هو وطن الكتابة في حال الإبداع!

 

 

 

6. صلاح النوبي شخصية استيهامية تترسخ بكل حميميتها في الذاكرة والوجدان. بكل ما للنخيل من رمزية هيمنت على فضاء روايتك و نصوصك القصصية.. هل عبر صلاح النوبي عن رؤيا العالم كما تصورتها و هو يتخلق من تلافيف أفكارك؟ هذا السؤال على خلفية النخيل/ التاريخ/ رمسيس؟

 

 

 

صلاح الدين النوبي وهي قصة، لمن لم يقرأها، منشورة في مجلة "أمكنة" الفصلية في الإسكندرية وقد لاقت هذه القصة صدىً طيباً من القارئ، ولا أخفيك أنها مشروع رواية أعمل عليه أيضاً منذ سنوات. صلاح الدين النوبي هذا المنسي الجنوبي الذي من المفترض أن تكون حياته نموذجاً رائعا ومثالاً فذاً صلباً لا ينكسر؛ تستلب موهبته الفطرية في صوته الجميل المتميز بسبب لونه الأسود (وهنا تعبير مجازي مركّب ومقصود) ثم يزجّ به في حرب يكون هو وقودها (كأحد أبناء المساكين والمغضوب عليهم) وفي النهاية يلقى حتفه بعيداً عن ساحة الحرب في مستشفي حقير وفي صمت سخيف. يروح صلاح الدين النوبي كأنه لم يكن

 

 

 

صلاح الدين النوبي هو تلك النخلة غير المرئية. النخلة التي يعبرها الجميع آلاف المرات. وحين تختفي لا ينشغل الناس في اختفاءها بل في تضارب الأحاديث حولها: هل كانت نخلة بالفعل، أم شجرة، أم لم تكن موجودة أصلا؟

 

صلاح الدين النوبي هو رمسيس الذي يُعامَل كحجر يفتتن به السائح بينما نحن نفتتن بالنظر لعيون السائح ومحاولة معرفة سبب الافتتان دون أن نكلف أنفسنا عناء النظر لرمسيس.

 

أتمنى أن يلقي هذا العمل القارئ المنتظر لهذا النوع من تحريض الوعي وتمرين الذات على حكّ الصدأ عن التفكير وعن الحق.

 

 

 

المحور الثاني. طارق الطيب الشاعر:

 

 

 

7. مجموعتك الشعرية "تخليصات حِسّ" أثارت ما أثارت من أسئلة حول السردي والشعرية والتشكيل.. كيف تجيب على هذه الأسئلة؟

 

 

 

هذه المجموعة الشعرية التي صدرت في كتاب واحد عن دار ميريت في القاهرة، هي في الحقيقة ثلاثة كتب في كتاب، وهي في عناوين ثلاثة تمثل مقاطع فاصلة ومستمرة في آن: حس إدراك-الخافت/ حس إرباك- الخاطف/ حس استدراك- الخافي

 

 

 

الكتاب يمثل نصوصي التي كتبها خلال عشر سنوات من 1992 حتى 2001، الجزء الأول "الخافت" يمثل عالمي الجديد؛ عالم أوروبا والغرب (العالم الذي أعيش فيه الآن). الجزء الثالث "الخافي" يمثل عالمي القديم؛ عالم أفريقيا والشرق (العالم الذي أتيت منه) والجز الثاني "الخاطف" الذي بينهما يمثل ما بينهما، ما يشبه الفراغ الذي ليس بفراغ (العالم الذي أفكر فيه).

 

لا أخطئك القول بأن النصوص تقع بين السردي والشعري، وهذا أمر لا غبار عليه وربما تشكيل النص أيضاً أو تلويحه (من لوحة) بجعله في شكل لوحة كتابية. لا أرى غضاضة في الأمر في أن يخترق النثر الشعر أو العكس، لكن ألا يكون الأمر تعسفاً وكيفما اتفق. قد يجد البعض صعوبة في تطويع قراءة النص لأن الذائقة السابقة تأسر.

 

على القارئ أن يتعوّد على التخلّي عن هذا الحذر في مقاربة النصوص الشعرية؛ فبينما يستطيع أن يفعل هذا مع النص النثري الصرف في الرواية والقصة بقبوله ما سيأتي به الكتاب، فهو يتلعثم غالباً حين يقرأ كلمة شعر حديث أو شعر منثور أو نثر شعري أو ما شئت من المسميات. لذا سميت أيضاً كتابي بـ "حس" آملاً أن يقرأ القارئ النص متخلّصاً الجمود الذي يسبق القراءة؛ مع إنها حيلة مكشوفة.

 

تعوّدت هنا في فيينا على قراءة واستماع أغرب النصوص وأدهشها ولصاحب النص أن يسمي نصه كما يشاء، وعليّ أنا كقارئ أن أجد مفاتيحي لقراءة النص ويجوز لي أيضاً أن أراه في النهاية قصة أو شعراً أو مشهداً مسرحياً على غير ما رأى كاتبه لكن هذا لن يفسد استمتاعي بالعمل ورأيي الثانوي.

 

نحن في حالة حرجة من الحرب على مسميات النصوص: هل هي قصيدة؟ هل هي شعر منثور؟ وهل هي قصة؟ .. الخ. أراها كلها كتابات لنصوص تستسمح عين القارئ وأذنه، تقتحم وعيه ولا تستأذن بالعنوان.

 

 

 

 

 

المحور الثالث : طارق الطيب الفنان متعدد المواهب

 

 

 

8. قمت بكتابة المسرحية والقصة القصيرة والرواية والشعر فضلا عن كونك تشكيلي. كيف تقيم تجربة طارق الطيب الفنان متعدد المواهب؟

 

 

 

أشكرك على كلمة "متعدد المواهب" التي أراها تمدحني حتى تجعلني هشا قابلا للكسر عند البعض. كل ما أكتبه لا أسعى عادة لإعطائه الاسم قبل الولادة. المسألة أنني أجد أن كل هذه الفنون الكتابية والبصرية والتشكيلية.. إلى أخره، مكملة لبعضها البعض. لا أستطيع وضع فواصل بينها كما يفعل البعض. وإن سمحت لي سوف أسمّي هذا "تنوّعاً" لأن في التنوّع تباين وثراء وفي التعدّد يكمن ربما التكرار.

 

يمكننا أن نحول قصة إلى مسرحية أو إلى فيلم أو نعبّر عنها برقصة أو بلوحة أو منحوتة فنية دون أن نشعر أننا نغتال العمل الأدبي أو نجبره على ما لا "طاعة" له به.

 

* * *

 

لا أستطيع أن أقيّم تجربتي وأنا ما زلت أجرّب. لم أخرج بعد من دور الأديب المتبجّح بممارسة الرسم. سأقول لك أن المعارض الفنية والكونسرت الموسيقي والباليه والنحت والتصوير وغيره من الفنون تلهمني في الكتابة. المسرح قد يلهمني بقصة أو قصيدة أو رواية، والرواية قد تلهمني بالمزيد من التبحر في القراءة. الشعر قد يلهمني بمزيد من الوعي والتأني في الفهم والاستيعاب. كل هذا يصب في رأسي ليسير عبر يدي ليخرج العمل عفوياً كيفما يشاء؛ إن شاء قصة فلتكن أولتكن لوحة أو مقطعاً من رواية.. إلخ.

 

لا إكراه في الأدب.

 

 

 

المحور الرابع : طارق الطيب الفنان التشكيلي

 

 

 

 

 

حدثنا عن تجربتك التشكيلية في السودان والعالم 9.

 

 

 

مدرسة الخرطوم التشكيلية نعتبرها في السودان احد روافع حركة الثقافة السودانية، اهتمت هذه المدرسة باستلهام التنوع الثقافي والبيئي في السودان وعبرت عن ذلك جماليا بصورة عكست خصوصية وعالمية التجربة التشكيلية السودانية وأكثر النماذج إشعارا بذلك هي تجربة بروفيسور شبرين رائد هذه المدرسة.. من موقعك الثقافي دكتور طارق، الذي هو كما أتصور موقع تنهض فيه الذاكرة السودانية عبر التواتر (على المستوى الذهني) وجدل التلاحم بين التجربة المصرية (بحكم النشأة والميلاد والتجربة الأوروبية (بحكم الحياة في النمسا)؟

 

 

 

يؤسفني أن أبوح لك بتواضع معرفتي عن عمق الحركة التشكيلية السودانية التي أدرك كم هي عريضة ومهمة رغم أنها غير ظاهرة بالشكل الذي تستحقه. والعيب ليس كله منّي كما ستكتشف في ثنايا ردّي، فغياب النقد الفني الموازي للأعمال التشكيلية على وجه الخصوص يشكّل عقبة في تتبع ما يحدث على الساحة الفنية برمتها في السودان. هذا ينسحب على المجال الإبداعي ككل

 

 

 

هذا العيب الكبير هو تقصير من قِبَل المؤسسة الرسمية التي لا تدعم هذا المجال الهامّ، لكننا لن نقف أيضاً هنا للبكاء على أطلال الفن؛ فالأمر يسحبنا بالضرورة إلى البيت السوداني. هل مثلاً تعتاد البيوت السودانية اقتناء اللوحات وتعليقها والاهتمام بها؟ هل هناك معارض ومتاحف لهذا الفن الثري في السودان؟ لا أدري ربما يوجد ذلك! فلا أريد أن أتجنّى. لكني خلال عمري الطويل في فيينا أكثر من عشرين عاماً. لم ألتقِ يوماً في أيّ من متاحف فيينا العملاقة أو النمسا وأوروبا طولاً وعرضاً بأحد من العرب. لا أحد يعير الفن همّاً أو اهتماماً. ثلاثة أشخاص فقط طلبوا مني زيارة متحف – في عمري الطويل لأكثر من عشرين عاما من وجودي في هذه المدينة. الشاعرة اللبنانية صباح الخراط زوين قبل سنوات والشاعر اللبناني عباس بيضون في العام الماضي وأخيرا إدوار الخراط، أثناء دعوته للمشاركة لمهرجان أدب مارس في فيينا. ورغم أنه كان متوعكاً قليلاً في تلك الفترة، إلا أنه أصرّ على زيارة المتحف وتفرّج بمتعة وانسجام شديدين. واستمتعت معهم؛ لأنني اكتشفت أنني في هذه المرات القليلة أتكلم داخل متحف في فيينا باللغة العربية

 

 

 

* * *

 

أعود للتساؤل: هل لدينا مراجع وكتب وكتالوجات تتحدث عن الفن التشكيلي السوداني؟ وهل نقدّر الفن فعلاً؟ أم نحاكي الغرب في أغلب الأحيان في سطحية غير منتجة. الشوارع هنا يا صديقي وحدها متاحف بحدائقها وزينتها ونظافتها. الملصقات الفنية تكتظ بها الشوارع، الدعوات التي تصلني في شهر واحد فقط لحضور مناسبات فنية وأدبية، لن أستطيع أن ألبيها خلال عام لو حضرت مناسبتين يومياً وهذا في فيينا وحدها. أنا أسكن في حي من أصغر أحياء فيينا، في هذا الحي يوجد حوالي سبعة متاحف وأربعة مسارح والعديد من دور السينما. لن أستمر في الكلام حتى لا أثير الأسى لمشاعري ولمشاعر القارئ

 

 

 

لعل الانترنت يوفر لي الآن مجالاً خصباً لتتبع أعمال بعض الفنانين البارزين مثل إبراهيم الصلحي وعثمان وقيع الله وراشد دياب وغيرهم ممّن للأسف لا تحضرني أسماءهم الآن. هذه الأسماء بالتأكيد قطرة في نهر الإبداع السوداني الغائب والمغيّب. لأن هذا الهجين الأفريقي المعتمد على الخامات والألوان الأفريقية والضوء الإفريقي الخارج من نسيج الكاليغرافيا العربية الشديدة الثراء، الساحب من النسيج الأوروبي المتعدد المدارس والمذاهب والمبتكر دوماً، كل هذا الهجين يشكل دفقاً متميزاً ونبعاً طازجاً في الفن، ليتنا نقدره ونقدر أهله كما هم هنا يقدّرون

 

 

 

 

 

 

 

* * *

 

موقعي الثقافي والمكاني يحمل بالتأكيد ذاكرة إفريقية على المستوى الذهني. إفريقي أعني بها أيضاً إلى جانب السودان كل الشريط الشمالي المتوسطي؛ فالبعض ينسى أن الدول من مصر حتى المغرب هي دول أفريقية. البعض يلعب بخبث أحياناً لخلعها إلى نطاق أعلى

 

 

 

هذه الذاكرة الأفريقية والنشأة المصرية تركزت في ذاكرتي واتخذت لها الأساس الأول لكنها سمحت أيضاً بمكان رحب لما تراكم في مخيلتي عبر عشرين عاماً في أوروبا على وجه الخصوص وخارجها أحياناً.

 

الفنون لا جنسية لها بل هي عابرة للأمكنة والأزمنة مهما حاول المتطرفون المنغلقون أو أصحاب البهجة الاستعمارية.

 

حين أحاول خلق لوحة تمر بذاكرتي عشرات الأمكنة في لحظة وتمر عبر يدي عشرات اللوحات وحين تسير الفرشاة أو القلم على اللوحة لا أجد معاناة في ذلك بل أشعر بطريقة طفولية بشيء من اللعب، لأنني أول من يبتهج أيضاً باللوحة بعد انتهاءها. ولا أعترف بكل من يدعى المعاناة في عمله الأدبي فالعازف الذي يعاني في عزفه لن يمتعنا بالتأكيد، والرسام الذي يعاني في تخطيطاته ورسمه لن يخرج لوحة عفوية ملفتة، كذا كل مبدع وعامل في حقله. المعاناة في الحياة واردة وبسببها يخرج الإبداع، لكن المعاناة في تنفيذ الفن في حد ذاته- في رأيي ضرب المازوخية أو الكذب وطلب العطف.

 

 

 

10. بعد هذه التجربة الثرة في مصر وأوروبا.. في مصاحبة الكتابة والكتاب والفنانين التشكيليين والتشكيل والشعر والشعراء. والتعرف الحميم على تجارب إبداعية مختلفة ومتنوعة. كيف ترى المشهد الثقافي في مصر والعالم العربي وأوروبا. وأين يقع المشهد الثقافي السوداني عند طارق الطيب من كل ذلك ؟

 

 

 

المشهد الثقافي في مصر من وجهة نظري فيه كثير من التفاؤل لكنه يعمل بطاقة أقل بكثير من قدراته ولهذا أسباب كثيرة، فالدعم الحكومي له في أغلبه شروط بعضها واضح وبعضها خفي. الكاتب أو الشاعر الحر يجازف من خلال اختياره لحريته، بإبعاده إلى خارج الجماعة المرضي عنها؛ هذا جيد لخلاصة فنه بالتأكيد، لكنه مؤلم لأوضاعه الملازمة لأن المعاناة ستكون مضاعفة.

 

الأوضاع في الدول العربية الأخرى تتراوح إذا بين الغل الشديد والانفتاح المقيّد. هناك دول ما زالت لا تسمح مثلاً بصورة عادية لوجه كاتبة أو امرأة في مجلة (نحن في عام 2005 الآن لمن سيقرأ هذه المقالة بعد عقود قليلة). بينما تكتظ المجلة بوجوه الرجال في أشكال متعددة من بروفيل ومقطع أمامي ومقطع فوقي وهلم جرا. هناك دول- صدق أو لا تصدق- تطالب بحجب النساء عن استعمال الانترنت بوقاحة الحجة التي تقول بأن المرأة أكثر فساداً من الرجل. درجة متناهية من الخبل المركب.

 

* * *

 

المشهد الأوروبي قريب مني جداً وأتعامل معه يومياً على صعيد أكاديمي أو فني أدبي دون فواصل وقد استفدت كثيراً من هذا الرافد الأوروبي الذي أعيشه هنا وهذا الثراء المجاني المتاح لي بصرياً وسمعياً وذوقياً على كافة الأصعدة. أيضاً حرية أن تكون مواطن من أهل البلد تعنّف المخطئ بوضوح ولك نفس الحقوق والواجبات (هناك بعض الانحرافات بالطبع لكنها ليست القاعدة).

 

يُسمَح لك في الدولة الأوروبية بحقوق المواطنة ويُسمَح لك بالسكن والعمل والزواج من بناتهم والحصول على جنسياتهم مع حقوق المساواة (أقول مع قليل من الانحرافات)، لكن أي دولة عربية هذه التي تسمح لك بالحصول على جنسيتها رغم الحياة الطويلة فيها والمولد ودحر العمر فيها؟ يتشدقون أمامك بالقول المجاني: نحن أخوة ولا فرق بين عربي وأعجمي. لكنك ترى بأم عينك وأبيها الفرق بين عربي وعربي!

 

المشهد السوداني بعيد عني نسبياً أتابعه من بعيد بقدر ما يتاح لي من استماع أو قراءة أو مشاهدة. يمكنني الآن عبر القنوات الفضائية والانترنت أن أكون قريباً من المشهد الاجتماعي السياسي، لكن تختفي عني بالتأكيد حميمية المشاركة الحية والمتابعة عن كثب.

 

 

 

11. في حوارك المطول والمميز لمجلة سطور يونيو الماضي قلت في معرض حديثك عن الاهمال الثقافي السوداني من قبل المؤسسة الرسمية او الاعلامية السودانية سواء كانت داخل او خارج السودان قلت:" فأنا لا أنتظر من الهيئة السودانية الرسمية أن تقدم دعوة لي للذهاب إلى السودان. لم أطلب ولن أطلب ولا أنتظر ولا أتوقع".. لماذا هذه الحدة وانت العليم بأن السودان يمر بمرحلة انتقالية في السلوك والمجتمع والفكر والثقافة.. ولمراحل الانتقال وما يسبقها ويتلوها من تمزقات آثار كبيرة, ربما احد مظاهرها الطريقة التي تصرف بها سفيرنا في النمسا كما حكيت او ما تناقلته احدي الصحف عن جهل "(طالب سوداني يحصل على منحة الأدب في فيينا)".. أتصور ان كل ذلك لا يعبر عن جوهر السودان كشعب يحب ابناءه سواء نجحوا في مشاريعهم ام لم ينجحوا يظلون ابناءه وقدرهم من قدره.. سؤالي هو كيف شاركت كسوداني. بل لثلاث مرات في مهرجان مقدونيا العالمي للشعر في ستروجا كما قلت في الحوار الذي اشرنا اليه :" وتعجبت في زيارتي الأولى لها- مقدونيا - عام 2002 حين سألت الشاعر المقدوني بوجوميل المسؤول آنذاك عن المهرجان عن علم السودان الذي يرفرف في الأسفل عند ضقة النهر والذي رأيته من غرفتي بالفندق من الدور الخامس. سألته: "هل هناك مؤتمر ما هنا في الفندق؟". قال لي: "هذا العلم هو لك ويمثلك وقد تعبنا في الحصول عليه!"

 

اقترب على الخمسين ولا يعرفني أحد في السودان أو ربما القليليون. ".. كيف تمت هذه المشاركة؟

 

 

 

كل ما أخشاه أن تحذف أو تحور الإجابة على هذا السؤال الهام.

 

أراك الآن في النهاية تخلط بين رفضي لمن يرفضني ويحجبني ومحبتي لمن لا تصل إليه رسالتي دون ذنب جناه. وأنا لا أفضل أن ألعب في ملعب الجناة. بل في ملعب الضحايا، ولست ممن يهرولون خلف الوعود ويغيرون جلودهم أربع مرات في العام حسب كل فصل إغراء.

 

كل شعوب الدنيا تحب أبناءها الذين يحبونها لكنها تكره طغاتها الذين ينفون خيراتها البشرية خلف الحدود كالنفايات.

 

ربما بدا من ردي بهذه الحدة :[" أنني لا أنتظر من الهيئة السودانية الرسمية أن تقدم دعوة لي للذهاب إلى السودان. لم أطلب ولن أطلب ولا أنتظر ولا أتوقع"]؛ لأن الزميلة التي نشرت الخبر وكانت قد أجرت حواراً تليفونياً مطوّلاً معي في القاهرة بعد منتصف الليل بُعيد عودتي من قراءة الإسكندرية آنذاك- فبدا الخبر منقوصاً وفيه كثير من الأخطاء والأقوال التي لم ترد على لساني بهذا الشكل

 

.

 

كان نص كلامي كالتالي:

 

 

 

[فقد قدمني الدكتور كورت شبارلنجر سفير النمسا للجمهور في القاهرة في مقدمة طويلة غير مكتوبة باعتباري كاتباً أفريقياً نمساوياً تقدّره النمسا وتعتزّ به وبكتاباته المنشورة بالألمانية، ولم تنتهز السفارة وجودي صدفة بالقاهرة لتقيم هذه القراءات في مصر: في جامعة عين شمس وفي مركز الصاوي وفي المدرسة الألمانية ثم في معهد جوته بالإسكندرية ثم في جامعة أسيوط، قسم اللغة العربية وقسم اللغة الألمانية- هكذا بالصدفة- كما ذكرت مقالتها هذا الخبر.]

 

 

 

[لم يكن كما ذكرت المحاورة أن الحضور (هو عدد من السودانيين والأجانب) بل كان في معظمه جمع كبير من النقاد والأدباء المصريين ومن الصحفيين والصحفيات والجمهور المصري في الغالب؛ فكان من الحاضرين الأستاذ الدكتور محمود الربيعي أستاذ الأدب الحديث بالجامعة الأمريكية الذي قدم تعقيباً جميلاً والدكتور العالم أحمد مستجير والكاتب المسرحي الساخر عادل سالم والشاعر المصري المميز عبد المنعم رمضان الذي قدم بعض الأسئلة والكاتبة المعروفة سلوى بكر التي عقبت مرتين والروائي منتصر القفاش والمستشار الثقافي المصري السابق في فيينا الدكتور حلمي عمران والأخير هو الوحيد كل العرب الموجودين في فيينا الذي خصص لي يوماً في فيينا قبل عام ونصف ودعا جمهوراً كبيراً) وأقل من حضر حقا كان من السودانيين وللحق فقد حضر المستشار الثقافي السوداني بالقاهرة.]

 

 

 

[البعض الآخر يلومني أنني لم أتوسل للسودان أو مصر من أجل تقديمي وتلميعي. بل لقد استأت بالفعل من المقالة المذكورة التي صدرت على لساني بكلام لم أتفوه به، فلم يرد على لساني هذه الجملة المحوّرة (ألا يفكر السودان في تقديم دعوة؟ لماذا!!!) التي صدرت في المقالة المنقوصة هكذا بثلاث أو أربع علامات تعجّب لإعلاء الصوت؛ فأنا لا أنتظر من الهيئة السودانية الرسمية أن تقدم دعوة لي للذهاب إلى السودان. لم أطلب ولن أطلب ولا أنتظر ولا أتوقع.]

 

 

 

وجملة (لم أطلب) هي حقيقة (ولن أطلب) هي أيضاً حقيقة؛ فلم افعل هذا في حياتي حتى الآن. وجملة (لا أنتظر ولا أتوقع) ليس فيها حدة؛ بل هذا هو الواقع. منذ عام 1988 وأنا أنشر بالعربية ومنذ 1999 وأنا أنشر بالألمانية، انظر بنفسك الفارق في قراءة السيرة الذاتية. سأذكر لك واقعة هذا الأسبوع: حصلت هذا الأسبوع الذي أردّ فيه على أسئلة الحوار، على منحة أدبية سنوية جديدة لم أكن أتوقعها. شهرية لمدة عام كامل تبدأ من هذا الشهر من مؤسسة "ليترار ميكانا" وإليك الرسالة كما جاءتني بنصها بعد الترجمة:

 

 

 

[مؤسسة ليترار ميكانا

 

الأستاذ الدكتور طارق الطيب

 

30 يونيو 2005

 

الأستاذ المحترم دكتور طارق الطيب

 

 

 

يسعدنا أن أن نزف إليكم خبراً؛ بأن المجلس الاستشاري للهيئة في جلسته رقم 252 يوم 29 يونيو 2005 قد قرر منحكم منحة أدبية من صندوق اليوبيل بقيمة قدرها كذا (لمدة أثني عشر شهراً بقيمة كذا شهرياً) وذلك تقديراً لإبداعكم الأدبي. هذه المنحة الأدبية نرجو أن تمكنكم في خلال فترة زمنية قادمة من خدمة مشروعاتكم الأدبية الكبيرة.

 

وقد قرر المجلس الاستشاري هذا القرار بالإجماع بناء على اقتراح المجلس الاستشاري المستقل، وفي غضون الأيام القليلة القادمة سيصلكم مبلغ بقيمة (كذا) ثم بعد ذلك أيضاً لمدة أحد عشر شهرا بقيمة (كذا شهرياً) تُحوّل إليكم عند منتصف كل شهر.

 

 

 

يسعدني أن أهنئكم شخصياً من القلب بالاعتراف بإبداعكم الذي قررته الهيئة.

 

 

 

مع أطيب التحيات

 

ليترار ميكانا

 

أمضاء

 

(......)]

 

 

 

وسبب دهشتي أن قيمة هذه المنحة كبيرة, أنها سنوية أي تقدّم للأديب أثني عشرة مرة خلال عام كامل للتفرغ للكتابة، وتعادل قيمة جوائز الإبداع السنوية في النمسا، كما تعادل تقريباً قيمة جائزة الرواية العربية.

 

وللعلم فـ "ليترار ميكانا"، هيئة مستقلة تتابع ما يُنشر أو يُذاع أو يُبثّ للأديب في النطاق الألماني وربما الأوروبي، وترسل للأديب حقوقه سنوياً عن أشياء أذيعت أو نُشرت له أو بُثّت تلفزيونياً أو في أي وسيط فني أو أدبي أو غير ذلك، قد يكون صاحب العمل عالماً بشأنها أو لا، وقد حدث خلال السنوات الماضية أن وصلتني بعض القيم المالية على حسابي بالبنك، تراوحت في قيمها، لأشياء نشرت لي هنا وهناك دون علمي، مرسلة بالتاريخ واسم الوسيط الذي نشر ومستحقاتي المالية عن هذا النشر. الأديب أو الفنان لا يحتاج إلى عضوية، فقط ملأ استمارة المؤسسة باسمه وعنوانه ورقم حسابه في البنك.

 

لم أكن أدري أن هذه الهيئة تقدم أيضا منحاً بهذا الشكل وهذه القيمة ولهذه الفترة الزمنية الطويلة ودون شروط لاحقة. فقط بحسن المتابعة منهم والتقدير.

 

***

 

لم أكن يوماً من المتشائمين. لكني تعوّدت أن أكون حذرا في تفاؤلي فأنت ترى [أن السودان يمر بمرحلة انتقالية في السلوك والمجتمع والفكر والثقافة.. ولمراحل الانتقال وما يسبقها ويتلوها من تمزقات آثار كبيرة]. لست ضد هذا ولا أتمنى أن يحدث العكس. لكني فقط أتمنى دائماً أن يؤدي التغيير فعلاً إلى تغيير.

 

* * *

 

أما عن المشاركة في مهرجان ستروجا العالمي للشعر (بدأ عام 1962) فقد وصلتني دعوة من الشاعر المقدوني المعروف بوجوميل مباشرة وهو المسئول أيضاً عن المهرجان، بناء على نصيحة الصديق الشاعر النمساوي برنهارد فيدر. جاءتني الدعوة قبلها بخمسة شهور. وهم لا يستطيعون دفع تكلفة الطيران لدول أوروبا الغربية لكنهم يتحملون كافة التكاليف خلال فترة المهرجان من لإقامة وطعام وسفر داخلي .. إلخ. ومع ذلك فقد دفعت لي وزارة الثقافة في النمسا قيمة التذكرة كاملة رغم أنني مثلت السودان هناك. جاءتني الدعوة في العام التالي وذهبت، ثم تكررت في العام الثالث مع طلب توصية بأسماء بعض الشعراء لدعوتهم للحضور وقد فعلت. وفي هذا العام 2005 جاءتني الدعوة مجدداً، وهي هذه المرة دعوة خاصة لأنم ترجموا كتاباً لي إلى المقدونية ضمن أربعة شعراء من العالم وسيتم تقديمهم بشكل مميز في هذه الدورة رقم 44.

 

هذا المهرجان العالمي أستطاع خلال دوراته الثلاث والأربعين استضافة أربعة آلاف شاعر ومترجم وكاتب أدبي وناقد من خمس وتسعين دولة من كل أنحاء العالم.

 

 

 

12. طارق الطيب الفعاليات الأدبية والتشكيلية الدولية التي شاركت فيها حتى الآن؟ وما هي اللغات التي ترجمت إليها أعمالك؟

 

 

 

شاركت في العديد من الفعاليات والمهرجانات والأنشطة الثقافية في داخل النمسا وخارجها. المشاركة الأولى كانت في فرانكفورت عام 1995 وكانت النمسا هي ضيف الشرف وهو العام الذي حصلت (أنا) فيه على الجنسية النمساوية، فذهبت إلى هناك ممثلاً عن النمساويين من أصل غير أوروبي.

 

ثم شاركت في دورة "أوفيس دو ليفر" في خريف عام 1999 بجامعة بواتيه إثر ترجمة "مدن بلا نخيل" إلى الفرنسية. كنت مدعواً مع الصديق الحميم إبراهيم الكوني من العرب وأقمت على هامشها ست قراءات أخرى في المدارس الثانوية بمدينة لاروشيل بعد أن قرروا روايتي في هذا العام على المدارس الثانوية هناك. ثم بعدها شاركت في مهرجان ستروجا العالمي في مقدونيا أعوام 2002، 2003، 2004، وسأشارك في هذا العام 2005 كما ذكرت، كانت لي أيضاً قراءات متعددة في مدن ألمانية مثل آخن وكريفيلد ونويس وشوبف-فيلد وقراءة في هولندا في العام الماضي. في النمسا أيضاً العديد من القراءات في جراتس وسالزبورج وفي المهرجان العالمي في مدينة "دورن-برن" بالنمسا أيضاً في العام نفسه. ثم فرانكفورت عام 2004.

 

وفي هذا العام 2005 بدأ بمهرجان "أدب مارس في فيينا" في شهر مارس بالمشاركة العربية مع إدوار الخراط وابراهيم الكوني وزكريا تامر وميرال الطحاوي ونجم والي وإيمان حميدان يونس وأتيل عدنان وأمل الجبوري إلى جانب كتاب وشعراء آخرين من آسيا وأوروبا.

 

وفي أبريل من العام نفسه جاءت مشاركتي ممثلاً للنمسا في "مهرجان الفرانكو أيرلندي الأدبي السادس" في دبلن بأيرلندا، وهو تمثيل للنمسا للمرة الأولى.

 

جاءت بعدها الرحلة الأدبية الكبيرة لمصر في مايو من هذا العام في القاهرة بساقية الصاوي وجامعة عين شمس والمدرسة الألمانية ومعهد جوته بالإسكندرية ثم جامعة أسيوط.

 

يتبقى من هذا العام دعوة مهرجان ستروجا العالمي للشعر في مقدونيا في أغسطس القادم، ثم في سبتمبر في مهرجان أوكرانيا الأدبي وهو مهرجان صغير نسبيا وسأشارك فيه بعد أن ترجموا لي عددا من النصوص في انطولوجيا عن الأدب النمساوي الحديث.

 

* * *

 

أما اللغات التي ترجت إليها فهي اللغة الألمانية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية والمقدونية والأوكرانية.

 

* * *

 

 

 

[ فيينـا في، 7-7- 2005]

 

نقلا عن : ***.swebdhhh/

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان