• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
mohdsalah

الشاعر خليل فرح

عدد ردود الموضوع : 2

السيرة الذاتية

 

كتب فرح خليل فرح

 

 

 

ولد خليل فرح بقرية دبروسة مركز حلفا وكان عام 1894م نشأ وترعرع فيها وكانت حلفا معبرا لدمعقولة بس العلماء والمهندسين وجميع المهن المختلفه وكان يقف على مدخلها آنذاك خليل فرح يشاهد بعينى رأسه تلك الحشود الوافدة من المثقفين فنال من كل نبع قطرة وأخذ من الثقافات المختلفة التى كانت بمثابة الخميرة .

 

هاجر خليل فرح إلى أمدرمان حيث أسرة أبيه فدخل كلية غردون التذكارية قسم البرادة الميكانيكية فوجد صفوة من الطليعة القادمين من الأقاليم الذين التحقوا بالكليات المختلفة فاختلط بهم وتعرف على ثقافاتهم فكانت له إضافات جديدة ثم واصل خليل إطلاعه فى الأدب الجاهلى ووعى إبداعات أدباء مصر أمثال طه حسين – العقاد – حسن أحمد الزيات وقرأ مجلاتهم وصحفهم وحفظ من عيون الشعر العربى الكثير ومما لفت نظره قصيدة عمر بن أبى ربيعه ( أعبدة ما ينسى ) التى لحنها وسجلها مع قصيدة (عزة فى هواك ) فى مصر فى أواخر أيامه بصوته فكان حدثا هام فى ذلك الوقت الذى كانت الأغانى فيه ممجوجة فأدخل اللحن المميز والموسيقى والمقدمة التى نسمعها الآن فى (عزة ) ولا أبالغ لو قلت أنها كانت قليلة فى تلك الفترة فترة الثلاثينيات حتى فى الدول العربية المجاورة.

 

أشتهر خليل فرح داخل الكلية بعمل الشعر فعلم به شعراء أمدرمان مما حدا بحضور الشاعر محمد على عثمان بدرى إبن عمه وسلطان العاشقين يوسف حسب الله ومعهم المبتدىء (مركز ) ليختبرا خليل فرح فى هذا المجال.

 

بدأ المبتدىء مركز والحكمان يراقبان الموقف بدأ ببيت شعر فرد عليه خليل فرح ثم كانت الثانية والثالثة والرابعة حتى أقتنع الحكمان فأوقفا المعركة واعترفا له بالشاعرية ومنحاه الشهادة بذلك . ومنذ ذلك الوقت سمى بشاعر الحديقة نسبة للميدان المنجل نمرة واحد الذى يقع فى الجزء الشرقى من الجامعة الى الآن . وصار خليل فرح يواصلهم ويجتمع بهم حتى استفاد منهم الكثير.

 

توسع خليل فرح فى علاقاته مع الأدباء والشعراء وتمكن من ارتياد المنتديات ، كمنتدى أبر روف ومنتدى الهاشماب ومنتدى الموردة ثم منتدى (دارفور) لتخرج جل أناشيدة وأغانيه الوطنية منها تباعا ، وجاءت من ثم جمعية إتحاد الأدباء التى تكونت لجنتها من دار خليل فرح بالخرطوم . وفى بداية العشرينات اشتد ساعد المناضلين والتحم الشعب بهم وظهرت الأناشيد تغنى فى كل موقع. ثم كانت المظاهرات العنيفة ومن ثم جاءت جمعية اللواء الأبيض بكوادرها المدنية والعسكرية ومؤسسها وصانع إسمها الباشمهندس محى الدين جمال أبو سيف وصحبه.

 

قامت ثورة 1924 م وخرجت الكلية الحربية بمظاهرة قوية ثم تبعها الثوار بقيادة المناضل الباشمهندس محمد سر الختم الملقب ( بالصائغ ) وهو من اولاد حلفا وهو أول ثائر يدخل السجن . طالبت الجماهير بوحدة وادى النيل وعلى رأسهم خليل فرح الذى تغنى وقال

 

من تبينا قمـنــا ربينــا ** ما اتفاسلنا قط فى قليل

 

دا ود عمى ودا ضريب دمى ** إنت شنو طفيلى دخيل

 

وقد واجه خليل المستعمر والقصيدة طويلة : ((نحن ونحن الشرف البازخ)) وأردفها ماك غلطان دا هوى الأوطان ثم انفرط زمام الأمن وانزعج له المسؤولون فبثوا عيونهم بالجواسيس خلف خليل فرح

 

عاش خليل فرح فترة وجيزة لا تزيد عن التسع عشرة سنة منذ تخرجه عام 1913 م من الكلية إلى وفاته فى 30/يونيو 1932 م عاش عيشة الكفاف لا يملك فى هذه الدنيا الا شبرا واحدا فقط فى مقابر أحمد شرفى ولكنه وجد الكثير من هذا الشعب الوفى وهو من الأوائل الذين كرموا حينما أقاموا له حفل تأبين بنادى الخريجين والمستعمر قابع بكل قوته وجبروته وعلى رأسهم إسماعيل الأزهرى ، وقد طبع ابن عمه الأستاذ / حسن عثمان بدرى كتيبا جمع فيه كل الكلمات والمقالات والأشعار التى قيلت فى تلك الليلة ، وما زال التكريم مستمرا . وقد جاء تكريم جامعة الخرطوم وطلبة جامعة القاهرة فى عهد الرئيس نميرى كرم بنيشان العلم الذهبى وأيضا مع ثوار 1924 م وقد كرم نفسه بنفسه حين قال

 

من فتيح للخور للمغالق ** ومن علايل ابروف للمزالق

 

قدلة يا مولاى حافى حالق ** فى الطريق الشاقى الترام

 

وهذا يدل دلالة واضحة على حبه لأمدرمان فتغنى بها فى كثير من المواقع الشعرية ، وكان خليل فرح يعشق أماكن منتديات الأدب ولا يتحدث الا نادرا وكان صبورا وهو يعانى من مرض الدرن ولم يكن منزعجا وكان على يقين إن وفاته قريبة جدا وقال عن الجلد وعن الصبر:-

 

جنّ ليلى وشاب رأسى فما

 

كلت ركابى وهمتى للصعود

 

أنا والدهر توأمان كما

 

أشكو يشكو تجلدى وصمودى

 

 

 

وخرج ديوان لخليل فرح بتحقيق البروفيسور على المك بعد جهد جهيد لعدم وجود مصادر فأخذنا الأشعار من أفواه الشعراء والحادبين لإخراج أدبه للوجود ورغم كل ذلك نحن ما زلنا نحاول جمع ما ضاع للطبعه القادمه ولا بد فى هذه العجاله أن اترحم على البروفيسور على المك والله يسكنه فسيح جناته فلولا مجهوداته لما رأى ديوان خليل فرح النور علما بأنه طبع بعد وفاة الشاعر بكثير ، كما أود أن اوضح هنا الأسباب التىدعتنى لكتابة السيرة الذاتية لخليل فرح وهى شعورى بأن معظم المعجبين يستفسرون عن كيفية نبوغه وبلاغته ومعرفته للفصاحه بهذه المقدرة وهو الآتى من شمال السودان ، من بلاد العجم ويقينى أنهم سوف يدركون المعنى بعد ما عرفوا مراحل حياته حيث دخل كلية غردون ثم اتصاله بشعراء أمدرمان وأدباء المنتديات والكم الهائل من السياسيين المتأدبين أمثال يوسف مصطفى التنى ومحمد أحمد محجوب وكل ذلك إضافة لا ختلاطه بالأدباء والعلماء ومكتشفى الآثار حينما كان متواجدا بالبوابة الشمالية بحلفا حين قدوم الوفود تباعا لداخل السودان من مصر..

 

 

 

فرح خليل فرح 1998م

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

خليل في الحركة الوطنية

 

كان خليل فرح عضواً بجمعية الاتحاد السوداني التي تكونت عام 1921م في بيت محي الدين جمال أبو سيف ، ومن أعضائها المؤسسين توفيق أحمد البكري وبشير عبد الرحمن . وكلهم طلاب كلية غردون عصرئذ . واتصل بها خليل . وكان هدف الجمعية وحدة وادي النيل . ثم صار من أعضائها مدثر البوشي والأمين على مدني وعبيد حاج الأمين وبابكر قباني وتوفيق صالح جبريل وغير هؤلاء .

 

" لم يقف أعضاء الجمعية والمعتنقون لمبادئها عند هذا الحد بل نزلوا إلى الشارع مع الشعب يرفعون شعار : شعب واحد ـ نيل واحد ـ دين واحد ـ وهو المبدأ والشعار الذي يدين به أعضاؤها إلى اليوم . وهو أيضاً الشعار الذي هزم به الاتحاديون الانجليز وهو في أوج جبروتهم ، ومعهم سدنتهم ، رغم السلطة والمال . ثم وبهذا الشعار نفسه احتلوا الآغلبية الساحقة من مقاعد أو برلمان سوداني " (14)

 

وكانت الاحتماعات تتم منتظمة في الخفاء ، خوف بطش السلطة الانكليزية ، وأن بطشها لشديد . وربنا أشار إلى هذا خليل حيث قال :

 

خبِّي كاسكْ لا ينُوبنا نابْ ****** أصلُه خشم المركزْ ذئَـــــــــــــــــــــابْ

نحنَّ من الليث في جَنَابْ ****** ما بِصَحْ تبريم الشَنَـــــــــــــــــــــــــابْ

 

والمعنى ظاهر ، أن الشرطة تتربص بشاربي الخمور ( أنظر الهوامش ) غير أن المعنى قد يشير إلى تربص الشرطة عموماً ، وأخذها الوطنيين بالشدة ، ولعل الاجتماع في دار ( فوز ) كان أساساً لمثل هذا الغرض السياسي ، واتخذ سمة الندوة أو الجمعية الأدبية " والقعدات " :

 

" وينفرد منا شخصان نعرف ما هدفهما ، إنهما محي الدين جمال وتوفيق صالح جبريل ، من دعامات تلك الجمعية السرية ( الاتحاد ) وقد دأبا أحياناً على اعداد منشورات يحضان فيها على كراهية الحكم القائم ، وكانا مع بعض أعضاء آخرين يقومان بإلصاق تلك المنشورات عند الغسق في أماكن عديدة بالمدينة " (15)

 

ومن بعد جمعية الاتحاد ظهرت جمعية اللواء الأبيض ، ويرى حسن نجيلة أن الجانب الثائر من أهل جمعية الاتحاد انضم للواء الأبيض ، بينما وقف الجناح الآخر موقف الصديق العاطف وان لم يشترك في حوادثها اشتراكاً عملياً . (16) وكان خليل داعية لما قامت ثورة 1924 لنحقيقه ولك أن تراجع قصائد مثل ( ماك غلطان ) و ( الشرف الباذخ ) وغير هاتين لترى ذلك واضحاً . اذن فقط كانت مشاركته أشعاره والحانه التي اذكت الشعور الوطني بما كانت تحض عليه من حب الوطن وضرورة تعليم المرأة الخ . ودوره كان أشبه شي بما قام به الفنان سيد درويش في الأغنية المصرية ، اذ على يديه تم تحريرها من حبسها التركي المهجن بتراث عصور الانحطاط الفكري ، حتى سطعت مصرية صميمة ، متناولة حياة أبناء الشعب البسطاء وقضاياهم :

 

بلادي بلادي بلادي ******** لك حبي وفـــــــــــــــؤادي

 

أو :

طلعتْ يا مَحْلا نُورهَا ******* شمسْ الشَمُوسَــــــــــــــــــهْ

يللاّ بنا نمِلاَ ونحْلِبْ ******** لـــــــــبن الجَامـــــــوسَـــه ْ

 

وكان سيد درويش يستلهم الحانه من مناضلي الحياة اليومية من العمال والصيادين وتطلع لتلحين الأوبرا ، وكتب الأوبريت ، وربنا تميز عنه خليل فرح بكتابة الشعر ، وبضوح الرؤيا السياسية وشمولها اذ كان يؤمن بوحدة وادي النيل كله ، فان كان أعلام ثوار 1924هم قادتها السياسيون والعسكريون ، فإن خليل فرح هو الوجه الثقافي لتلك الثورة .

 

خليل و جزيرة صاي

جزيرة غنية بالزروع والخضرة ، عرضها قريب من ميلين . يتوسطها تل جبلي عال . تحف الساحلين منها ـ الشرقي والغربي ـ النخيل . ايام طفولة خليل كانت تنتشر فيها السواقي . وبيت أسرة خليل من الشاطئ الشمالي للجزيرة جد قريب . وبالجزيرة كُوَمُ تراب ، متباينة الأحجام ، قال مترجم كتاب ( رحلات بوركهارت ) (3) .

" هذه المقابر الرملية لملوك البلاميس وأشرافهم ، وكانوا يحكمون أكثر النوبة العليا والسفلى ما بني القرنين الثالث والسادس الميلاديين ، وحضارتهم تالية للحضارات المروية " وعليها من الآثار حصن قريب مقامه من النيل ، شيد بالحجر والآجر وأسواره عالية ، وفيه مشابه من حصنين آخرين ، احدهما بأسوان والآخر في أبريم .

 

ولابد أن الشاعر قد شاهد هذا ، ولعله في تنقله مع أبيه قد رأى كثيراً من هذه المعالم ، فلو أنهما سافرا بمركب على النيل لبصرا بالكثبان الرملية في الغرب ، والجبال الممتدة على الشرق ، وربما أخذا بالخضرة التي تظهر حينا بعد حين ، أما الطريق البري فقد يكون شرق النيل أو غربه ، وليست في هذا وذاك سوى الرمال تمتد كأنها ليس لها آخر ، والتلال ، وقرى صغيرات يتناثرن هنا وهناك . وتقطع للمسافر حبله الطويل من الاملال والسآمة . وكل هذا لا يحلو من بعض سحر . وربما أنه احترز ي خياله شيئاً من هذا وذاك فأمده بقدرة على وصف الطبيعة أنظر :

 

يا صــــــــايدْ الانام المولـى عاطينَا

طبيعـــــــهْ غنيـه ْ في بَواطـــــــــِينَا

ما أخصبْ جـــــزايرنَا وشواطـــِينَا

وخيراتْ الجزيرهْ الدافقــهْ من طينَا

 

وهي من قصيدة أنشأها ـ كنا قيل (4) حيث ازمع البرنس اوف وليز زيارة السودان في رحلة صيد . ولعل فيها بعض ترحيب يسير " سافر يا أمير وأنزل أراضينا " ولكنه لا يخاف الأمير ولا يمهله فيهنأ بهذا الترحيب :

 

ما تهِمَك مدارســـنَا ونــــــوادينَا

أهلك أهملوا تأسيســـــهُ عامـدينَا

ساد الجهلْ وسادْ ت بُه عــوادِينَا

وعم الفقــر مــــدايِنَّا وبواديـــــِنا

 

ثم يركب الشاعر زورق الطبيعة في بلاده ، ويلجئ نفسه اليه ، ويفاخر ويعرض على الضيف شريطاً متصلا من المناظر .. كأنه يجمعها جمعاً ليبهره بها ، بل يخبره عن قومه وأرض قومه ونبتها وحيوانها :

 

واصل رحلتَك بين ( جبْرهْ ) و ( اُمْ بادِر )

واملأْ ناظريك في قدرةْ القــــــــــــــــــــادرْ

من تلك الجحافِل واردَه وصـــــــــــــــــادرِ

قطعانْ الأرايلْ افي الجمـــــــالْ نـــــــــــادر

 

يهي له هذا المسرح الفسيح ، وليملأ ناظريه الضيف من تلك الجحافل ، ويجمع قطعان الأرايل ـ بل أسراب الغزال ـ ومرحات الأبل :

 

أسرابْ الغزالْ ما بِحْصرا حسابَكْ

ومرحــــــاتْ الأبِلْ السيراَ متِشابِكْ

 

ويحشد له غابات الدندر ونبته ثم نمر الفروع ، والأسد الذي تتقى وثباته ، أهذا ترحيب أم إخافة ؟ ثم يعود يتمني للأمير عودة مظفرة غانمة لأهله ليحكي لهم ما قد أحس ورأى ؟

 

ويخاطب الشاعر عبد الله البنا اللورد اللنبي في القصيدة ، أسلوبه فيها جد مختلف . يطلب اليه في رفق ، حتى لا يغضبه ، بل يمدحه :

 

الا يا حامــــــــلَ الســــــيفين إنّا * * * نفوسٌ المعــــــالي طالبات

اذا ما قيلَ قــــد أوفى ( اللنْبي ) * * * تطاْمنَتِ الأمورُ الجامحاتُ

وأنت بمصرَ قد أصبحــت وداَ * * * تُدين به الرعيةُ والرعــــاةُ

 

 

أبطال الخليل

من الرومانسيين الموسيقيين ، أهل القرن التاسع عشر : ويبر مندلسون ، شوبان وفرانز ليست وشومان ثم فاجنر . رومانسية الموسيقى أـ ان أردت تعريفها ـ هي ـ بصفة عامة تقديم التعبير عن الخيال والعاطفة على ما عداه . والأعمال الرومانسية الموسيقية هي ما يكون منبع الالهام فيها الطبيعة والأدب والشخصيات التاريخية والأحدات الخ . ومن مأثور ما قال ( ستندال ) أن كل الفنون الفنون رومانسية في زمانها ، وعليه فان عصر الرومانسية يمكن أن يضرب في التاريخ البعيد إلى ما لا نهاية .

 

والرومانسية الموسيقية تستعير من الفنون الأخرى . فهذا فيلكس مندلسون يكتب معزفة من نوع الـ Overture (1 ـ أسماها ـ "حلم ليلة صيف " مستلهما ذلك من مسرحية شكسبير المعروفة . وذلك كان عام 1826 ثم أن كله غليوم الرابع ملك بروسيا بعد ذلك بسبعة عشر عاما ، بتأليف كل موسيقى المسرحية . وغير هذا ( هارى يانوس ) لزولطان كوداى المجري ... وفيها استوحى حياة بطل من بلاده كان يروى حكايات أكثرها من نسج الخيال ، عن الحروب النابليونية ..... وهذه وتلك من لون ما يسمى الموسيقي ذات البرانامج ، ومنها ما يفترض مؤلفها أنها تروى حكاية ، أو تصور عاطفة . (19) .

 

والبطل عند خليل فرح الطبيعة ، وهو أمدرمان التي صارت للوطن محل القلب والعقل والوجدان ، وانها الثورة ، ثم محمد أحمد المهدي . والبطل هو النيل ، ومثلما كان الموسيقيون الاوربيون ، أبان القرن التاسع عشر ، يبحثون عن ابراز الذات القومية وتأكيدها كان خليل فرح كذلك . اذ قد بدأ أولئك يتخلون عن العرف الموسيقي الجرماني ، فهذا شوبان يستغل ايقاع الرقص البولندي ، وفرانز ليست يحمل إلى باريس سمات الموسيقى الشعبية في وطنه هنغاريا . وكذلك فعل البوهيميان سمتانا ودفورجال . وبحث خليل فرح عن الذات القومية أورده اللحن الشعبي والمدائح وأورده وادي النيل كله ، ما فيه ومن فيه .. وصفاتهم التي هي ليست بأقل من الشرف الباذخ .. وينادي فيما يشبه رثاء لا يخلو من تفاخر :

 

أشرحْ طــــــــــــــانْ واروىِ العطشـــــــــانْ حاكى الغمـــــــــــامْ

يا السُلطــــــــــــانْ عاذلك ْسطـــــــــــــان نوح يا حمـــــــــــام

 

أو هو الذي يخاطبه يقول :

 

من جنان رِضوانْ أصلك *** لذا كِل ربيعْ فصلَكْ

إتنفسْ فوح تتنفسْ ناس *** ورياضْ وبحــــــارْ

 

وقد تكون أمدرمان خلاصته ..... هذه المدينة التي سلبت خليلا لهجته المحلية وسلَمته وجدانا قومياً شاعرا .. يحبها :

 

ويح قلبِي المانَفك خافقْ ***** فارَقْ أمدرمانْ باكي شاهقْ

يا ام قبايِلْ ما فيكْ منافقْ ***** سقى أرضِكْ صَوبْ الغمامْ

 

يخاطبها : ـ

بطرى الأسسوكِ زمان ***** كانوا نْحافْ جُسوم ما سْمانْ

كانوا يَحلْحِلُوا الغرمانْ ***** يساهروا يتفقَدوا الصرمـــانْ

 

أولئك رجال وإن كانت جسومهم نحيفة إلا أن موازينهم ثقيلة ..رجال " تقال ومكان " .. هم ود نوباوي وأبو عنجة وغير هذين . أمامك الآن هذه النوستالجيا الأمدرمانية ، فهل كانت أمدرمان تمثل ثورة الأمام المهدي ، وثورة 1924 جميعاً ؟

 

وبطله الطبيعة ، بل هي قد صارت له حزبا .. يدعو له " يللا ننظر ، قوموا وشوفوا " ... وقد يضيق المكان بالمدن حينا بعد حين .. ففيها الضيق والكبت ، والكلب الخائن .. أهو قد كان في مسوح زملاء الكفاح ، وفي الحقيقة من صياغة السلطان قد كان ؟

 

وربما كان اطلاعه على شعر الطبيعة الأندلسي ما أغراه بهذا العشق المتأمل .

عقد الأستاذ المبارك ابراهيم (20) مقارنة عابرة بين موشح أندلسي لسهل بن مالك منه :

كحلُ الدجى يجري ***** من مقلةِ الفجرِ

على الصباحْ

ومعصمُ النهــــــرِ ****** في حُللِ خُضْرِ

علي البطــاحْ

 

وبين قصيدة خليل ( في الضواحي ) مشيرأ إلى ظهور الشعر السوداني يتغنى بجمال الطبيعة ..

 

والواقع أننا ـ اذا نظرنا للموشح ـ ودنا أن سهل بن مالك قد صير للدجى كحلا وللفجر مقلة ، وجعل الكحل من المقلة يجري على الصباح هذا الكبير العام اللاّ محدود .

ثم جاء واصطنع للنهر معصماً وحللا خضراء على البطاح تلك الشاسعة الفسيحة . بينما أخذ خليل النسيم الكبير ، والازهار كلها ، ثم العصافير ، واتخذها لتميل البرود ، وتورد الخدود والعصافير تغرد على عودها ، جعل الكبير في الصغير ، ما ليس يحصر فيما هو محصور أنظر :

 

مــالْ نسيم الليَل بي برودكِ

نامتْ الازهارْ فوق خدودكِ

غرَّد العُصفورْ فوقَ عُودكِ

 

نسم الليل وهو ما ليس له حد ، أمال برودها ، وخدودها خلاصة الأزهار ، والعصفور ههنا جنس العصافير : صنوف وأصوات وألوان . وهذا الحبيبة ؟ ما ومن هي ؟ ألا يجل هذا عن صفة البشر ؟ أم عن الوطن يتحدث الشاعر ؟

 

وبطل الخليل : فؤاد الخطيب الذي كان أستاذ الأدب العربي في كلية غردون أول نشأتها ، سوري المولد ، يغادر السودان يريد أهله ، يظن أن وطنه تحرر كما قد وعد الحلفاء ، ولكنه ـ وفي الحجاز ـ قبل أن يبلغ وطنه سوريا يحتلها الفرنسيون فخاب أمله وعاد إلى السودان ، وهو من خاطبه خليل :

 

أهلا فؤاد وسهلا قبل معتبة ***** ومرحبا بك وقّاك الردى واق

 

هذا بطل ، والنبي محمد ( صلعم ) بطل الأبطال ، ومولده مناسبة عند خليل فرح تختلف فيما توحي به عند شعراء المولد التقليديين فإن كانت نونية عبد الله البنا :

 

يا ذا الهلال عن الدنيا أو الدين ***** حَّدث فان حديثا منك يشفيني

 

في مجملها تباك على ماضي العرب ، ووصف لما صارت عليه الحال ، عصر انشائها ، من ( تفرق وتوان واتباع هوى ) . أو الصورة العامة ـ ما ألفت ـ مما صحب مولد النبي من معجزات مثل خمود نار المجوس ، وإنشقاق إيوان كسرى ، فلخليل رأي آخر في صورة أخرى ، فدعوة محمد هي ( صرخة في الشرق من فرد أغر ) . لاحظ " صرخة " و " فرد " . هو اذن قد بدأ وحيداً متفرداً ، بدعوته " لبسنا نسج القمر " وصار " لا فرق بين العبد والحر الأغر " . " نفته الأهل " هذا الثابت على المبدأ ، قوي العزيمة ، سيف الحق :

 

ثابت المبدأ والجأشِ رأي الـ سيرَ مقروناً بنُجْحٍ فاستمرْ

كم تصدتْ دونَه شُم جبـــــــا لٍوتَغَشَى جيشَه ريحٌ وصرْ

ونفته الأهلُ وانضمت عـــلى بُغضِه تحت لواءٍ مكْفهــــرْ

 

هذا المتفرد المؤمن الشجاع ، لا مكان ههنا لصفات خَلْقِية ، كدأب شعراء المديح النبوي ، لا طول ولا قصر ، لا صفة وجه ولا أصابع لا خدود ، ولا شعر ، بل تركيز شديد على الفرد ودعوته ، هذه هي المعجزة : الفرد الذي صار الأغلبية .. وصار سواد أمته .... هو بشر والمعجزة ما أنجز بدعوته التي هي " دعوة الحق ملاذ وخفر " .

 

مرض خليل فرح

 

 

في سجل خدمة خليل فرح تقارير طبية أولها يوضح أنه كان أصيب بالدوسنطاريا ، وتاريخه 19 يوليو 1924 . وقضى الطبيب بمنحه إجازة مقدارها عشرة أيام . ثم بدأت علته بنزلة شعبية أوائل أبريل 1929 . وأنزله أطباؤه مستشفى الخرطوم الملكي في العام نفسه , وترسل ادارة مصلحة البوستة والتلغراف السجل الطبي لخليل أفندى فرح ورقمه 4908 . وتتعدد الرسائل بين ادارة المستشفى ومصلحة البوستة والتلغراف . هذه تسأل عن الموعد الذي يغادر فيه خليل المستشفى . وتلك ترد أنه ليس بالمستطاع تحديد يوم بعينه ولكن مكوثه بالمستشفى لن يقل عن ستة أشهر . وفي خطاب تاريخه 25 يوليو 1929 يعين مدير المستشفى علة خليل وأنه مصاب بالسل الرئوي . ويمنح أجازة شهر حسبما قضت به اللجنة الطبية . ويعود للمستشفى خليل في 29 أغسطس 1929 لينظر الأطباء في أمر علته . ويبقى شهر سبتمبر 1929 وأكتوبر وترسل مصلحة البوستة والتلغراف تسأل عن موعد خروجه من المستشفى الذي يرد مديره في 29 أكتوبر 1929 يعتذر عن التأخير ويقول أن خليلا سيمكث هناك لحين استكمال الفحوصات الطبية ، بيد أن رئتيه سليمتان ، وصحته تحسنت ، وزاد وزنه ، ولكن بقاءه شهراً آخر يفيد خاصة أنه انتكس وعاوده الداء من قبل . ومبلغ علمنا نه بقى نزيل المستشفى حتى يوم 26 نوفمبر 1929 على أقل تقدير . اذ ذلك كان تاريخ خطاب من مصلحة البوستة والتلغراف للمستشفى وفيه تسأل : متى يغادر خليل المستشفى ؟

 

اذن فقد امضى خليل زماناً في المستشفى ، واحصينا الإجازات المرضية التي منحت له ، بأقل من مرتب كامل ، والمسجلة بملف خدمته فوجدنا أنها تبلغ مائة وثلاثين يوماً . هذا غير ما كان قد منح له من إجازات علاج بمرتب كامل ، وما كان أمضاه بمصر طلباً للشفاء . حتى مات نزيل مستشفى النهر بالخرطوم يوم 30 يونيو 1932.

 

وكير ممن أدركتهم الرومانسية حملت اليهم معها توأمها : علة الرئة السل . جون كيتس وفردريك شوبان قبله ، والتجاني يوسف بشير بعده ، كتبت جون سيشل :

" لو أن فردريك شوبان ولد في القرن العشرين وليس التاسع عشر لأمكن للطب أن يمد في حياته التي احترقت على تسع وثلاثين سنة . ولا يعلم الا الله عندها ما كان يمكن أن يؤلف من موسيقى " (5) .

 

وعاش خليل فرح حياته القصيرة ـ جلها ـ في القرن العشرين وما أبرأ القرن العشرون وطبه سقامه . وما قتله جون سيشل من باب الافتراض ولا ندري ما كان يمكن أن يحدث .

 

وخليل ذكر علته كثيراً وقد سخر منها حيناً بعد حين ، أو أنه لا يعدم تعبيراً حسناً يصفها به ويصف حاله وحالها حيث تثقل عليه ، وجسمه نحيل في الحقيقة وفي مجاز الشعراء أيضاً . ووهنه وهزال جسمه هو من بعض ما يحس وهو في كلمته التي تنبئ عن صورة الداء الوحش :

 

ظَلَّ ينهشْ دون إنْتِقَال * * * في الأواخر فَضَّى الصّحنْ

 

وهي حين يقول :

عَزَّة جسمي صارْ * ** * زي الخـــــــــــــــــــــــــــــــــلال

 

عند مصطفى بطران هزال الشاعر المدنف :

 

انتحلْ جسمىٍ والمحال طِب * * * مصدرُه الزهرهْ نواحِى سُهيل

 

نفس المعنى في قول محمد بشير عتيق :

 

جسمِي المنحـــــــــــــــــــولْ * * * بَـــــــــــــــــــــراهُ جفاكْ

يا مليحْ الزَيْ

 

تعبير خليل كما ترى أكثر صدقاً وجمالا وليس به ذكر كلمة ( النحول ) بل هو يسخر من دائه رغم شدته :

 

تلك ستُُّون ليلةً هي كالسجــــــنِ أو أشدْ

صدمةٌ ليتها صدمة الأتومبيل أو الأسدْ

عِلتى وهي علتى قصةُ الناسِ في البلد

 

 

خليل والوظيفة

 

صار خليل فرح موظفاً في مصلحة البوستة والتلغراف قسم الصيانة يوم 24 نوفمبر 1913. أهّله لذلك دراسته بما كان يسمى آنذاك بالورشة الفنية لكلية غردون . وبدأ براتب سنوي مقداره اثنان وثلاثون جنيهاً وأربعمائة مليما . وتقلب في سلك الوظيفة حتى اصبح ميكانيكاً في الدرجة الثامنة براتب سنوي مقداره مائة وعشرون جنيها وذلك كان في غرة يناير 1929 . وهو آخر ما جاء بسجل خدمته . اذ قد لفظ العمل الحكومي بعدها . وتسلم مائة وخمسين جنية مكافأة عن مدة عمله . (6)

 

وفي سجل خدمة خليل فرح ما يشير إلى أن علاقته مع رؤسائه لم تكن حسنة تماماً . فقد كتب المراقب الميكانيكي للبوسته والتلغراف في 15 أغسطس 1915 خطابا للمدير يذكر فيه أسفه أ ن خليل أفندي فرح كثير الغياب والتأخير رغم النصح بل التحذير وأنه لم يحضر للمكتب واتصل بالتلفون يقول أنه لم يدرك الترام ويوصى المراقب ـ وأسمه هوكس ـ بعقابه عقاباً صارماً إذ أن النصح لم يجد معه نفعاً :

 

…… be severely punished with a fine as repeated warning and extra work have not up to date had the least effect upon him (7)

 

وهذا ما يفيد خصم راتب يوم واحد جزاء تأخيره أربع عشرة دقيقة ، وهذا رئيسه يعود يلاحقه بخطاب تاريخ صدوره 20 مايو 1916 يطلب إليه فيه أن يوضح أسباب تأخيره عن الحضور للمكتب في الموعد المرسوم فكتب خليل :

 

جناب ملاحظ التلغرافات (

افندم

 

انى لم أتاخر الا يوم الخميس الماضي الموافق 18 الجاري ومدة تاخيري كانت (ثلاثة ) دقائق فقط . وذلك لكون ساعتي كانت متأخرة ( عشرة ) دقائق .

هذا وأنى لما تأخرت ( الثلاثة ) دقائق المذكورة طلب من السرجنت هكس بأن أحضر يوم الجمعة للشغل الساعة 6.30 صباحاً فقلت له أننى أشتغل كل يوم الساعة 6.30 . وفقط يوم الجمعة أشتغل الساعة 9 صباحاً . وهذا يمكنني من زيارة أهلي في امدرمان لأني أقوم بترام يوم الخميس بعد الظهر وأعود بالترام الذي يحضر الساعة الثامنة و 45 صباحاً لأن الميعاد الذكور هو الفرصة .......................................

................................................................................

....................... وهذا كل ما قلته لرئيسي .

25/5/1916 خليل فرح بدري

 

وثمة خطاب تاريخه يوم 7أكتوبر 1927 يقضى بخصم رابت يوم واحد من خليل فرح لغيابه ثلاثة أيام بلا اذن . وتتكرر صورة العصيان والغياب والتمرد . فهذا نائب ملاحظ التلغراف واسمه ابراهيم زكي سعد يكتب في 16 مارس 1927 يقول أن خليلا لم يحضر للمكتب يوم 13 مارس . واعتذر أنه كان مريضاً بينما هو لم يعرض نفسه للطبيب . ثم عاد وتغيب عن العمل ساعة واحدة يوم 15 مارس . وحين سأله ابراهيم زكي سعد أجاب أن ذلك ليس من شأنه ! ويقول ابراهيم زكي أن خليلا من كبار الموظفين في المكتب فان هو لم يستجب لما يمليه الواجب فكيف يمكن له أن يسوس زملاءه من الذين يصغرونه . ويوصى آخر الخطاب بعقابه عقاباً شديداً يكون عبرة للآخرين ودرساً ! .

 

ومجموع الايام التي خصمت رواتبها من خليل فرح تبلغ عشرين يوم في مدة خدمته من أخريات عام 1913 إلى عام 1929 . وهي ـ كما ترى ـ تؤيد تعسف الإدارة المكتبة عصرئذ ، كما تشير إلى أن الشاعر كان هدفاً لحزم تلك الإدارة اذ ربما كانوا يعاقبونه على شعره واشاراته للادارة البريطانية بالتلميح والتصريح جميعاً .

 

خليل في ساحة الشعر الغناء

 

كتب الهادي العمرابي عن حال الشعر قبل ظهور الخليل قال :

" واننى آسف جداً إذ أقول تمخضت العقول فولدت كلاماً ركيكاً سخيفاً مبتذلاً ، ولكنه رغم ركاكته وسخفه وابتذاله قد وجد طريقه إلى العقول فاستعبدها و إلى الرؤوس فسكنها " (10) .

 

ولعله قصد إلى شعر الغناء في ذلك الزمان ، اذ ربما اتصف بما قد ذكر العمرابي أكثر من الشعر الفصيح . فذلك على ما كان عليه من التقليد والجمود قد حافظ على سلامة اللغة أكثره ، ومنه ما قد أبقى على الجزالة اللفظية . وشعر الغناء كان أعم انتشاراً من الشعر الفصيح . إذ كان هذا الأخير متاحاً لقلة من المتعلمين القارئين . وتيسر لشعر الغناء الذيوع عن طريق الحفلات الغنائية وكان يؤمها خلق كثيرون . ولا ريب أن العمرابي انما يتحدث عن أغنيات كأغنيات الطمبور ، وكان قد أسف إلى الألفاظ الدنية اقرأ :

 

فوق قلبي جَرَّتْ كيَّهْ شالتْ بصَرْ عينيَهْ

 

أو :

 

كُلمَا جنَّ ليلــي ازْدَادَ هَلْواسِي

 

ويكتب اسماعيل العتباني يقول :

" لكن شد ما ينقبض له القلب هو أن الغناء عندنا خال من العنصر الانساني السامي ، عنصر الوطنية وإلإيمان بالحق والذود عنه لذلك تجد نفوس الجماعة في بياننا خالية من جذوة المثل العليا منغمسة في بحور المادة ، وكل ما يصيب شهواتنا وبطونها من متاع ........ " (11) .

 

وجاء خليل ومن معه وجاهدوا لمحو ذلك الاسفاف وتلك الركاكة وذاك الضعف ويرى المبارك ابراهيم أن تاريخ تهذيب الأغاني السودانية في مبتداه لا يتعترف إلا بوجود الزعماء المجودين الثلاثة : ابراهيم العبادي ، صالح عبد السيد أبو صلاح وخليل فرح (12) وهذا قد اتسم شعره بصفة عامة بحب الطبيعة والوطن . ونقول إن القصيدة تصدر عنه بلحنها مثلما هو يشفق عليها أن تقع في أيدي العابثين . فكانت ألحانه فريدة . والعمل الغنائي يخرجه خليل فرح كاملاً كلمات ولحناً وغناء . والذي أسماه المبارك ابراهيم تهذيباً إنما كان في واقع الأمر ثورة .

 

خليل في مصر

 

أمضى خليل فرح آخر اجازة له في خدمة الحكومة في مصر من ( 7 اكتوبر 1928 إلى يناير 1929) . ولعلها كانت أولى زياراته لها . ومن المؤكد أنه زار مصر مرة ثانية على أقل تقدير . وكان من أهل مجلسه هناك أحمد الطريفي الزبير وتوفيق أحمد البكري . وانزله خاله معه بحي عابدين . ثم ما لبث أن انتقل ليسكن مع أحمد الطريفي بناحية منشية الصدر . وتوفيق أحمد البكري كان من الشبان الوطنيين ، وله اشتغال بالسياسة ، وقد سافر من السودان خفية يقصد العلم في مصر ، وكان شاعراً ، ونمت بينه وبين خليل مودة وكانا ينشدان الشعر ، وذكر أن توفيقا هو الذي انتخب له قصيدة عمر بن أبي ربيعة ( أعبدة ما ينسى مودتك القلب ) .

 

وخليل كغيره من دعاة وحدة الوادي يرى في مصر مثلاً أعلى في الثقافة والعلم ، وأدرك قوة الصلة بين الشعبين ورباط الكفاح المشترك بينهما ، لما في البلدين من ظروف تتشابه وأهداف تتحد ، فعشقها ومضى إليها ، والتقى هناك بموسيقي ضرير هو محمود صبحي ودرس علي يديه شيئاً من علوم الموسيقى . وعاده أطباؤها ونصحه أحدهم وأسمه الدكتور توفيق أن يبتعد عن السهر والخمر فإن لم ينتصح فستكون حياته قصيرة . وذكر أحمد الطريفي أن خليلاً قال بعد مقابلة الطبيب :

" ايه يعني مدة طويلة ومدة قصيرة خلينا نشرب عشان ننتهي بسرعة " (9) .

والنماذج الدالة على تعلق خليل بمصر وحبه لها كثيرة في شعره منها : ( نحن الكل ولاد النيل ) ( نحن كنانة اسماعيل ) وغير هذا . وثابت أن بعض عيون قصائده الأغنيات أنشأهن هناك مثل " صائد الأنام " و " عزة في عواك " و " ما هو عارف " . وهذه الأخيرة قد تنبئ عن ضيق بالبقاء هناك رغم الحب والتقدير :

 

عيني ما بتشوف إلاَ شاهق أين وجه البدر التمام

وفي هذا ما يدل على استبداد عاطفة الحنين بالوطن به ، وعلى شوقه إلى الرجوع إذ بالوطن ما هو أعز كمثل " الودعته شاهق " و " الطريح الفاح طيبه عابق " و " قدلة " يتمناها في طريق الترام ، حافياً حليق الرأس .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان