• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/
طارق جبريل

حكاية سفر..

عدد ردود الموضوع : 22

(1)

 

حاولت أن لا اترك أي شئ دون الخوض في تفاصيله..

مصاريف الأولاد.. حق المدارس.. حق البنزين لمدة شهر.. دفعات الانشطة الاضافية في المدرسة

فواتير التليفون والكهرباء والمياه.. حتى «سنكرز» محمد و«شبس» ريم عملت حسابها..

فضلت وداع أولادي في البيت مخافة أن تفضحني دموعي... لم اتعود تركهم والذهاب بعيدا إلا لـ«الشديد القوي»

ربما هناك احساس وارتباط قوي في الغربة بالأبناء... مرده الاحساس الداخلي في أنك في لا مكان: الغربة والغموض لا غير..

لذا أشعر أنني في أضعف حالاتي حين أعانق ريم.. منذ صغرها كانت ملتصقة بي بشكل غريب..

لذا تفاديت هذا الألم في محطة القطار...

كانت أسهل الصعاب الإتيان بهم إلى دار جدتهم في الرباط ومن ثم تأخذني «بت شيخي»** الى محطة القطار في الطريق إلى الخرطوم..

محمد كعادته مارس كل الحيل الممكنة ليغنم أكبر هدية عند عودتي: بابا جيب لي معاك «psp»

وعدته بها وأصبحت في حكم الفرض...

ودعتهم وحتى لا تخونني الدمعات كعادتها... لم ألتفت إلى الوراء وإن كانت دموع ريم تتراءى أمامي كما اليقين..

إمتطيت سيارتي وبقربي «بت شيخي»... تحدثنا عن تفاصيل البيت كعادتنا.. شرحت لها كل ما يشغل بالي عليهم..

وذكرتها بتليفونات أخواني.. وكعادتها: ياخي انت ليه لمن تكون مسافر بتكون متشائم كدة.. اتوكل علي الله وامشي شوف اهلك ونحن ما بتجينا عوجة

يا بت الناس الدنيا دي ما مضمونة.. احتياطا خلي كل التليفونات معاك..

وصلنا المحطة.. انزلت حقيبتي.. توادعنا وكان الله حاضرا بيننا(لا إله الا الله .... محمدا رسول الله)..

دلفت على المكتبة واشتريت بعض الجرائد وكتاب «عشت لأروي» لغارسيا ماركيز.. ثم استلمت تذكرتي المجانية التي تتيحها لي بطاقة الصحافة..

محطة القطار في الرباط أگدال تضج بالحركة... فهي تتوسط البلاد بين الشمال والجنوب ويمر منها القطار كل نصف ساعة..

لا أدري،، لكن اعتراني احساس غريب أن الوجوه حين تهم بالسفر يعتريها شئ من «القبور»... لا أدري إن كان ذلك مرده للوداع،

أم لوعثاء السفر.. هناك هَمُ خفيف في تقاسيم الوجوه لا تخطئه العين.. يتراءى لك ذلك في طريقة التدخين... أو ارتشاف القهوة..

أو توتر القراءة.. جريدة كانت أم كتاب.. على كل حال أعلنت المذيعة الداخلية عن قدوم القطار المتجه إلى المطار محمد الخامس بالدار البيضاء..

يخرج الناس في المغرب ويدخلون إلى القطارات بسرعة كبيرة، فالخمس دقائق المتاحة للتوقف في كل محطة لا تترك لك مجالا لتجاذب أطراف الحديث..

أو الإفطار من «الزوادة» كما يحدث في «قطر كريمة» الذي تستطيع قبل أن يغادر أن تمارس فيه حياتا عادية حتى «التجكيس» وإن كنت مودعا..

تحرك القطار وسط زخات من المطر.. وجلست أنا متثاقلا قبالة شباك تتقاذفه حبيبات المطر..

أتوق إلى «الهناك» لكنني بالمقابل تركت جزءا مقدرا من «دمي» هنا..

جلست أمامي مغربية تبدو من هيئتها من مغاربة أوربا.. وهؤلاء تستطيع أن تميزهم من لبسهم وطريقة كلامهم وحتى طريقة تدخينهم...

في العادة يتمشدقون بألبسة مهلهلة لا تساوي حتى مترا واحدا من القماش.. والتدخين بالنسبة لهم برستيج للرقي..

وضعت كومة الجرائد أمامي.. واخترت الشرق الأوسط التي عادة ما أبدأها بزاوية سمير عطا الله فهي قادرة على تلخيص

كل ما يدور حولك في هذا العالم الفسيح بالإضافة إلى أن للرجل أسلوب أخاذ ومريح في الكتابة...

لذا تجدني الجريدة الوحيدة التي أقرأها من «دُبر» دون مثيلاتها..

مررت على أخبار ليبيا والعراق وسوريا على عجل.. ليس لدي أي احساس بالانتماء لهذا العالم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج

في العادة لا أفرح لفرح هذه الأمة ولا أحزن لأتراحها أيضا.. حسمت أمري منذ زمن: أنا انتمي إلى هذا النيل «ذلك الإله الأفعى»..

أنا كصحراء بيوضة إن اسرفت في الحياة فذلك لأن المطر مارس كرمه هناك وإن اختصرت حياتي على أن أظل حيا.. لأن الطبيعة نفسها

تفرض قوانينها علي... وإن كانت نفس الطبيعة تهديني في مساءات الصحراء تلك نجوما وقمرا نشبه به حبيباتنا..

أنا هو ذاك.. سعيد أقولها... لا يعنيني كيف ينظر الآخرون إلي.. إن كنت أكذوبة فهذا بحكم الدونية التي أرى بها نفسي

لكن طالما أنا اعتز بهذا النيل وأطراف الصحراء فهذه هي حياتي التي أحب ولا أود أن أكون غير ذلك..

انتهيت من تقليب الجرائد.. وجدت تلك المغربية تنظر إلي كما تود أن تقول شيئا..

أومأت لها برأسي إن كانت تريد قراءة الجرائد.. قالت بفرنسية مائعة: أنا لا أقرأ العربية..

ابتسمت في حدود كلماتها وقلت لها بفرنسية أشبه بالشايقية: أنا لا اتكلم الفرنسية فقط العربي والانجليزي..

كان هذا إيذانا بحوار فرنسي «مُشَيقَن» من طرفي وعربية مكسرة وفرنسية عاهرة من طرفها..

سؤال الهوية نفسه يؤرق هذه الأمة من البحر إلى البحر.. حكت عن عنصرية اليمين الفرنسي..

وحكيت انا عن عنصرية بني جلدتي وكيف أننا في بلد يعج بمصادر الرزق ضربنا في الأرض بحثا عن الأمان..

قطع مذيع القطار حديثنا ذاك بقرب وصولنا إلى محطة مطار محمد الخامس..

تمنيت لها سفرا سعيدا وتمنت لي عطلة سعيدة..

ودخلت إلى عوالم وزن العفش وملأ استمارة المغادرة وبسمات رجال الجمارك الصفراء..

...........

 

 

ـــــــــــــــــــــ

** بت شيخي= الجكس حقي

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

طارق جبريل يا بديع ...

 

متعة لا نهائية ... ومنتظرين ...

 

تحياتي للجميل عصمت العالم ...واليوم ارسلت ليهو تفاصيل دخول الموقع ...

 

والتحية الحاره لك و لصديقكم " جارسيا " ... الذى اوصلنا بالرائعة

 

الدكتوره غريد و من ثم شاعر افريقيا الفيتوري ...

 

سؤال خارج النص ...أين طلحة جبريل ؟... فهو صديق صديقي الجميل كمال سابل ...

 

التحيةى مره اخري و في الانتظار ... :)

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

والله روعة يا استاذ طارق جبريل فقد أخذني اسلوبك السلس المشوق في السرد ووصفك الدقيق للتفاصيل

دون أن يجد الملل طريقه للقارئ ... صدقني سأكون ومعي الكثيرين في انتظار التالي .....

تحياتي وعميق مودتي

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

طارق جبريل يا بديع ...

 

متعة لا نهائية ... ومنتظرين ...

 

تحياتي للجميل عصمت العالم ...واليوم ارسلت ليهو تفاصيل دخول الموقع ...

 

والتحية الحاره لك و لصديقكم " جارسيا " ... الذى اوصلنا بالرائعة

 

الدكتوره غريد و من ثم شاعر افريقيا الفيتوري ...

 

سؤال خارج النص ...أين طلحة جبريل ؟... فهو صديق صديقي الجميل كمال سابل ...

 

التحيةى مره اخري و في الانتظار ... :)

 

شكرا يا حبيب

طلحة بخير وموجود معي في المغرب مديرا إقليميا لجريدة الشرق الأوسط

كمال سابل لي منه زمن طويل تحياتي ليه

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

والله روعة يا استاذ طارق جبريل فقد أخذني اسلوبك السلس المشوق في السرد ووصفك الدقيق للتفاصيل

دون أن يجد الملل طريقه للقارئ ... صدقني سأكون ومعي الكثيرين في انتظار التالي .....

تحياتي وعميق مودتي

الله يجبر بي خاطرك يا حبيب

سنواصل ان شاء الله

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

(2)

 

وقفت في صف وزن العفش أمامي حقيبتي.. لم يكن هناك ركاب كثر.. هذا ما ظننت..

- سلام... لا باس.. لا باس.. رجاء وزن حقيبتي إلى الخرطوم رأسا

- وخا آسيدي اعطيني البسبور ديالك..

نظرت إلى مهنتي في الجواز وإلى بطاقة إقامتي وابتسمت

لا بد أنها قالت: يبدو أن هذا القروي لا يفرق بين «موظف» في جوازه و«صحافي» في بطاقة إقامته..

- صالة 21 وعطلة سعيدة

- اشكر لك لطفك..

ملأت استمارة المغادرة على عجل ودلفت إلى أول مقهى في طريقي.. لا زال أمامي متسع من الوقت...

اتصلت على بت شيخي لأطمئن على ريم تحديدا: بكت شوية وسكتت وهسي بتلعب في «النينتندو»

يأتيني إحساس بالأسى على هذا الجيل... بحكم طفولتي اعتقد أننا كنا نقضي أوقاتا أجمل..

ما بين «سكج بكج» و«ألبت يا لبوت» و«حرينا» و«أول حول» كانت لنا مساحات من الفرح خارج إطار المنزل.. هذا ناهيك عن ترصد القمري والدباس وطير الجنة..

كانت تلك الأشياء أولى خطواتنا في اختيار ما نحب..

الآن وتيرة الحياة اختلفت لذا أصبحت جل أن لم يكن كل الألعاب منزلية.. لذا يعيش أطفال اليوم في عالم افتراضي بين جدران الشقق..

اتصلت على شقيقي راشد بالإمارات لأتأكد من سفره غدا وأوصيه أن يجلب لي معه «psp» فلن يقبل محمد أبدا حضوري من غيرها..

وكان ما أردت.. تسالمنا على أن نلتقي غدا في الخرطوم بحوله تعالى..

عادة ينتابني قلق كبير حين أكون مسافرا.. حتى ولو كان السفر داخل المغرب في عطلة رفقة أطفالي..

مسحت المطار جيئا وذهابا.. وداع هنا ودموع هناك... وفرحة هنا بقدوم الأحبة من الديار الأوربية وإشكالات هناك بسبب زيادة الوزن..

المطار فضاء رحب للفرجة للقلقون أمثالي في السفر..

حين تبقت نصف ساعة للمغادرة توجهت صوب الجوازات...

نظر الضابط في جوازي مليا ثم قرأ بطاقة الإقامة وبطاقة الصحافة.. وكعادة المغاربة يخلطون خلطا كبيرا بيني وبين طلحة..

وهذا الخلط يصب في صالحي دائما... فغالبا ما انتهي من أي إجراء إداري بسرعة فائقة بحكم معرفة المغاربة بطلحة منذ السبعينيات..

- سي جبريل عطلة سعيدة وعندك ما ترجعش ويشدوك موالين البلاد..

- الله يا ودي راه المغرب صافي ولى في الدم ديالنا

- الله يحفظك آسي جبريل

استلمت جوازي وادخلته في شنطتي الصغيرة ودلفت إلى رجال الجمارك..

في المغرب يسمحون لك بتحويل 3000 دولار سنويا إلى جيهة تريدها.. ومع حماقات بن لادن وصحبه أصبح هناك تشددا كبيرا في هذا الأمر..

أخرجت ورقة البنك الخاصة بالتحويلات ويدي على قلبي لأنني كنت أحمل مصاريف أحد الأخوان إلى أهله هناك..

والمبلغ كان يفوق ما هو مسموح به.. وجدت أمامي ضابطة في الجمارك لها غمازات وشفاه مكتنزة وصدر ناهد يغري بالغواية وعيون عاهرة..

خامرتني أن هذه مهنة لا تصلح لأمثالها.. هذا الجمال الأخاذ والطاغي لا بد له من مُحب ويحفظ في مكان قصي من الكون..

نظرت إلى جوازي وإلى بطاقتي وباغتتني: عطلة سعيدة آسي جبريل.. مرة أخرة ينقذني طلحة من الأمر..

حمدت الله ووصلت آخر محطة لتفتيش الركاب.. وضعت شنطتي في جهاز كشف العفش..

وحين خرجت من البوابة الإلكترونية باغتني البوليس: انت تحمل دولارات.. لم أنطق بكلمة وتسمرت في مكاني..

صديقي أهله في أمس الحوجة للمصاريف التي أحملها معي وهذا يعني إما ان اتنازل عن المبلغ أو أعود أدراجي..

ومرة أخرى يأتي ضابط من خلفي: هادا راه سي جبريل ديالنا.. هادا راه الغزال ديال السودان في المغرب..

حمدت الله كثيرا وتنفست الصعداء..

وروحت ازرع صالات السوق الحر جيئة وذهابا..

حين أعلن عن قيام الرحلة المتجهة إلى القاهرة.. وجدت كما كبيرا من الركاب كانوا في صالة الترانزيت..

فلبينيين وجنوب أفريقيين وآخرون من زامبيا وهنود وكينيين.. أمم متحدة مصغرة..

توكلنا على الله ودخلنا إلى الطائرة.. ذلك التابوت الطائر..

....

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

(3)

بسملت ثم دلفت إلى داخل الطائرة (الخطوط المصرية)..

يأتيني إحساس قوي أن المضيفات يُجبرن على تلك الإبتسامة الصفراء التي يبدينها حين تطأ قدماك داخل الطائرة..

بل يُرغمن على بهرجة وجوههن بجميع ألوان الطيف.. كأنما هذا الراكب جاء إلى ماخور للعهر واللذة..

ومن واجبات الضيافة أن يجعلونه يحس بأنه أبو زيد الهلالي..

خطواتي الأولى داخل الطائرة غالبا ما تكون متوترة إلى أبعد الحدود..

من ضمن أسباب قلقي أثناء السفر... هذا التابوت الطائر..

حتى أنني على قناعة تامة أن أسوأ اختراع للبشرية هو هذه الطائرة.. ولا أنسى الهاتف المحمول..

بحثت عن مقعدي بين القوم.. وجدت أنني فوق الجناح مباشرة.. وهذا في حد ذاته زاد الأمر سوءا..

وضعت شنطتي فوق الرف الذي فوقي وأخرجت «عشت لأروي» ووضعته أمامي..

وبدأت عيناي تتفحص القوم.. حيث كانت الطائرة عبارة عن أمم متحدة مصغرة...

الأفارقة في العادة لا يكترثون لمحيطهم.. يتحدثون ويقهقهون ويتلون صلواتهم بصوت مرتفع..

أمامي مباشرة كينيان يحسبان أنهما يلقطان وهما يكادان يتصارعان بألسنتهما وقهقهاتهما السمجة..

لذا خامرتني فكرة أن حيواتهم كلها في الجهر لذا هم غير قادرين على العيش في سلام.. وغير قادرين على «قضاء حوائجهم بالكتمان»..

أنزل الكابتن تلفزيونات الطائرة كـ«سبائط التمر قبل الحصاد».. وبدأ دعاء السفر «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين»..

في هذه اللحظة بالذات أحس أن منتصف بطني يكاد يفارق جسدي.. ويبدأ جسمي في التعرق..

وحين تبدأ إجراءات السلامة.. لو أن أحدا قذف بي خارج الطائرة لما اكترثت للأمر..

وعندما تتحرك الطائرة ببطء نحو مدرج الإقلاع يأتيني شريط حياتي من مهدها حتى لحظة دخولي هذا «القبر الجوي»...

وهذا يحيلني إلى أن العمر كله لا يعدو أن يكون لحظة.. وها أنا ذا أشاهد تلك اللحظة في دقائق معدودة..

تجدني أحرك ركبتي وقدمي بشكل متوتر.. ودون وعي مني أمسك في الكرسي الذي أمامي ثم أتركه دون سبب واضح..

القرآن في هذه الحالات يكون بلسما وجرعة مهدئة لأبعد الحدود..

حين تتوسط الطائرة مدرج الإقلاع كسفينة في ممر مائي.. حينها فقط استسلم وأيقن نفسي أن لا مفر..

يأتيني صوتها وهي تمخر عباب المدرج من عالم آخر.. ثم اتجه إلى الشباك مودعا الأرض..

الأرض التي لعبت ولهوت وأحببت وكذبت وصدقت وتسكعت وناجيت وتألمت وسهرت وفرحت وحزنت على سطحها..

الحكمة البسيطة حينها: أنا لله ما أعطى ولله ما أخذ.. نخلة نبتت وترعرعت ثم أثمرت وكبرت ولم تعد قادرة على العطاء..

هذا هو ملخص الحياة بكل عنفوانها وصخبها..

تتسمر عيناي على علامة ربط الأحزمة.. حتى تستقيم الطائرة في هذا الفراغ اللا منتهي.. وحين تنطفئ تلك العلامة..

أحس أنني بعثت من جديد.. حينها فقط أستطيع التعرف على جاري عن قرب.. وخلق تواصل مع محيط الطائرة..

فتحت «عشت لأروي» وفي ذاكرتي «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» و«الجنرال في متاهاته»..

ماركيز له مقدرة عالية جدا على إلتقاط التفاصيل الدقيقة التي لا نكترث لها.. ربما هذا واحد من عظمة كتاباته..

له ملكة غريبة في تخزين التفاصيل وتفاصيل التفاصيل..

قلت في نفسي: لا شئ سينجيني من هذه الخمس ساعات وسط السحاب وأزيز محركات الطائرة سوى ماركيز..

.............

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

الأخ طارق جبريل

 

يبدو أن حظّنا جميل نسافربلا تصاريح للسفر

 

نحن معاك من المغرب إلى أن تعود إليها :)

 

 

ومُـتابعة

 

 

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

الحكمة البسيطة حينها: أنا لله ما أعطى ولله ما أخذ.. نخلة نبتت وترعرعت ثم أثمرت وكبرت ولم تعد قادرة على العطاء..

هذا هو ملخص الحياة بكل عنفوانها وصخبها..

 

كلام عجيب يا ود جبريل ...

:(:)

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من منا لا يهاب هذه التوابيت الطائرة!!!

متابعينك بكل شغفيا حبيب الله يديك العافية

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

سلامات ود جبرين

سرد رائع وممتع الا اني لايماك بي وش الدرب .. المكتوب وجاهز حصل 7 اجزاء ونحن معلقين في 3 لحدي اليوم .. عليك الله بسراعك بحق الجيرة smile.gif

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

الأخ طارق جبريل

 

يبدو أن حظّنا جميل نسافربلا تصاريح للسفر

 

نحن معاك من المغرب إلى أن تعود إليها :)

 

 

ومُـتابعة

 

 

 

مرحب بيك يا رحاب

نحن لاقنك وين ياخي

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

الحكمة البسيطة حينها: أنا لله ما أعطى ولله ما أخذ.. نخلة نبتت وترعرعت ثم أثمرت وكبرت ولم تعد قادرة على العطاء..

هذا هو ملخص الحياة بكل عنفوانها وصخبها..

 

كلام عجيب يا ود جبريل ...

:(:)

يا حبيب تعيش كتير تشوف كتير

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من منا لا يهاب هذه التوابيت الطائرة!!!

متابعينك بكل شغفيا حبيب الله يديك العافية

الله يجبر بي خاطرك يا حبيب

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

سلامات ود جبرين

سرد رائع وممتع الا اني لايماك بي وش الدرب .. المكتوب وجاهز حصل 7 اجزاء ونحن معلقين في 3 لحدي اليوم .. عليك الله بسراعك بحق الجيرة smile.gif

اوووه الجميلة

ياخي انت شغالة جاسوس ولا شنو ههههههه

حاضر ياستي نكمل ليكم الحلقات

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

(4)

 

يأخذك ماركيز بعيدا.. إلى عوالم أمريكا اللاتينية،،

الحياة هناك لها صخبا مختلفا وأجواء استوائية مدهشة..

ينقل لك مجتمع تلك البقاع بصورة ثلاثية الأبعاد..

عاش ضنكا لا يُضاهى في بداياته.. لكن هذا الضنك دفعه للإبداع..

لا أدري أين يكمن السر.. الكثير من الإبداع ولد في بيئة العدم..

موسيقى الجاز في أمريكا ولدت على أنات عبيد المزارع وحزنهم على فراق أرض أجدادهم..

نجيب محفوظ نقل لنا كما هائلا من حكايات الشوارع الخلفية للقاهرة..

أغاني الطمبور الخالدة وأشعارها وروايات شيخ الطيب صالح أتتنا من قرى معدمة «عند منحنى النيل»..

يخامرني إساس قوي أن الإبداع يأتي تعويضا عن الحرمان والفاقة..

أفكار تأتيني هكذا دون دليل واضح..

بدأت المضيفات في توزيع السماعات لمن يود الاسترخاء بالقرآن أو بصوت «الست»

أو لمتابعة أحد الأفلام العربية..

وضعت السماعة جانبا وأغمضت عيني لبرهة.. متى ما كنت على متن طائرة

يأتيني طيف أمي.. لها الرحمة والمغفرة.. حين أنظر إلى طفلتي ريم وهي تلعب

يتراءى لي طيف أمي في ملامحها.. كانت إمرأة صبورة جدا جدا..

كانت تقول أن رهانها وسط «عائلة ممتدة» أن يتعلم أبناءها..

كانت مستعدة لحفر الصخر من أجل هذا الهدف وانتزاعه من براثن الفقر..

بمقاييسي أنا نجحت إلى حد كبير في الرهان ولله الحمد..

تذكرت سجالاتنا وأنا آخر أطفالها «الحتالة».. عند دخولي مرحلة الثانوي..

وجدتني وحيدا معها.. بقية أخواني غادروا إلى المهاجر وأخواتي تزوجن..

كنت سعيدا أنني أصبحت محور اهتمامها.. حين إضطرتني الظروف للدراسة

في مصر.. كان فراقنا صعبا ومؤلما معا.. كانت تأتيني لحظات في الهزيع

الأخير من الليل اتذكرها لأجد دمعة طفرت مني.. لكنني أعود واتذكر كلماتها:

ذاكر كويس وانجح ان بقيت داير رضاي.. وان احتجت لي شي اكتبلي جواب..

اتذكر انني في سنتي الأولى استلمت 189 خطابا..

اتذكرها الآن وانا في طريقي إلى الخرطوم.. كانت دائما تنتظر حضوري

من المطار في الدرابزين.. حين احضنها احس بطمأنينة غريبة.. كانت رائحتها خليطا

من النيل والنخيل والأرض التي سقيت لتوها...

مرات عديدة وأنا معها أجدني أتأمل شلوخها..

كانوا يكنونها بـ«عشة الشايقية» في الامتداد... حين اتذكر تلك اللقاءات

يعتريني الكثير من الألم.. لذا أول ما أفعله حين تطأ قدماي الخرطوم أذهب لزيارتها

والترحم على قبرها ومن ثم أذهب إلى بيتنا في الامتداد..

كانت أمتع لحظات حياتي حين أجلس في «بنبر» معها في المطبخ..

تنحنح الرجل الذي يجلس بجواري بصورة قطعت علي تأملاتي تلك..

اعتذر الرجل بلباقة.. وكانت هذه بداية لـ«ونسة» بين طيات السحاب..

عرفت أنه من زامبيا جاء لمؤتمر عن الاستعمال المدني للطاقة النووية..

المشاكل ذاتها تتكرر في أفريقيا.. كأننا ننقل تجاربنا المريرة بالحرف..

دكتاتور يأتي بخطاب رنان عن إنقاذ البلاد وحين يتمكن رائحة فساده والمحيطون به

تذكم الأنوف.. كان هو الآخر حزينا لما يحدث في بلاده..

قطعت علينا إحدى المضيفات حديثنا بوجبة الغداء: فراخ ولا لحمة

- أنا صائم اليوم عرفة

- يا فاتن سجلي عندك هنا برضو راكب صائم

- شكرا

- لم يحين وقت الفطار حا اجيبلك الفطار يا فندم

- شكرا

اضطررت أن اشرح لذلك الزامبي أننا نصوم يوم عرفة ايمانا واحتسابا..

قادنا النقاش إلى بن لادن والقاعدة... وجدت نفسي مضطرا للدفاع عن الإسلام

رغما عني ولعنت القاعدة ألف مرة...

هناك تنميط غريب في العالم عن الإسلام.. وآلة الإعلام المضادة تبذل جهدا كبيرا

لتشويه صورة هذا الدين.. والمتطرفون منا يساعدون كثيرا في ذلك..

- اقتربنا من مطار القاهرة ارجو الرجوع الى أماكنكم وربط الأحزمة

تلك كانت كلمات كابتن الطائرة..

وهذا كان إيذانا أن أعود إلى حالة الهوس تلك..

نزلت الطائرة بسلام في مطار القاهرة..

ونزلت أنا أتصبب عرقا كالعادة وأحمل هما جديدا بالصعود إلى طائرة أخرى تقودني إلى الخرطوم..

.....

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

(5)

 

عدنا..

 

نزلت إلى مطار القاهرة ولفتني سحب من الذكريات..

كم مرة دخلت وخرجت من هذا المطار أيام الدراسة.. كنت يافعا حينها وكانت أحلامي لا تتعدى الوصول إلى الزقازيق ورؤية أصدقائي هناك..

رياح الثورة اجتاحت مصر حتى في طريقة تعامل ضُباطها..

سألني أحدهم بأدب جم لم أعهده عن وجهتي.. أخبرته أنني قادم من المغرب وفي طريقي إلى الخرطوم..

وصف لي صالة استخراج تذكرة الخرطوم مرحبا: أهلا يا ابن النيل...

اخذت تذكرتي ودخلت إلى دهاليز مطار القاهرة التي تغير كثيرا..

تسكعت كالعادة في جنبات المطار محاولا قتل الوقت ما أمكنني ذلك.. فأمامي ساعتين لركوب الطائرة..

كالعادة كنت أعرف السودانيين في المطار من سحناتهم.. كنا في ذلك الزمان نحيي بعضنا بعضا.. لكن بدأنا نفقد هذه الصفة..

تألمت كثيرا عندما رأيت شيخا يسنده شاب وبعض أجهزة الأوكسجين موضوعة على أنفه..

ساعدته في الجلوس على أحد كراسي المقاهي المنتشرة كالفطر في المطار..

شكرني الرجل: الله يرضى عليك يا ولدي.. قفزت إلى ذهني صورة والدي الذي اتوق لرؤيته بعد سويعات..

يا ترى كيف هو الآن؟؟ هل لا زال مرابطا في «الدرابزين» كعادته؟؟ هل تسعفه الصحة الآن أم بدأت تخزله؟؟

أسئلة كثيرة ملأى بالحنين كانت تطوف بي وأنا على بعد سويعات من أهلي وعشيرتي ومراتع الصبا..

يظل الإنسان يضرب في الأرض باحثا عن القفز فوق سلالم الحياة لكن الحنين دائما ما يشده إلى حيث صرخ صرخته الأولى..

تظل ذكريات تلك المرحلة زادا لأيام قاسية في غربة يعلم الله متى ستنتهي..

هالني أن كمية مقدرة من العرسان الجدد في طريقهم إلى الخرطوم.. فرائحة «الخومرة» والدلكة لاتخطئها الأنوف..

مصر كانت على الدوام ملاذا لأول أيام الانعتاق من العزوبية... هناك يحاول العريس اثبات فحولته وتحاول العروس الأعلان عن أنوثتها..

إنه موسم الدلكة والغنج والدلال إذن.. وها هم يعودون حيث ستبدأ الحياة في مشاغباتهم..

تذكرت عم حسن وابتسمت: يا طارق يا ولدي انا كنت شغال في فندق بجوا فيهو العرسان الليل كله تسمع:

بتكتلني يا محمد.. وعمري ما شفتة لي جثة عروس طالعة من الفندق.. الصباح تلقاهن يضاحكن..

عم حسن... ذلك رجل يعشق العِهر والمجون... كلما احس انني اود الترويح عن نفسي كنت اذهب اليه وأعود باكيا من الضحك..

هذه المرة سأحاول تدوين قصصه الكثيرة عن الخرطوم ومواخيرها في ذلك الزمان..

أُعلن قيام الرحلة إلى الخرطوم في صالة f5.. حينها فقط انفرجت أساريري.. أخيرا سأحتضن أحبتي وأهلي هناك..

عادتي نفسها لم أتركها.. تظل الطائرة مكمن خوفي الأزلي..

ما أن تختفي علامة ربط الأحزمة حتى أعود إلى هدوئي..

جلس بالقرب مني زوجان جديدان.. راحا يناغيان بعضهما... لا بد أن «شهر العسل كان قصيرا»..

مالت ووضعت رأسها على كتفه ويدها ممسكة بيده في حجره.. وراح هو يهمس لها في أذنها..

جاءتني لحظة ظننت فيها أنهما سيتعريان أمام الجميع ويتركان للجسد خوض معركته..

تبسمت وسرحت بعيدا وأغمضت عيني علني أنام قليلا فمنذ البارحة لم أذق طعما للنوم...

لم استيقظ إلا على هزات الطائرة وهي في طريقها للنزول في مطار الخرطوم..

فرحة معانقة أهلي أنستني متاعب الهبوط.. تحسست بطني.. وجدتها في مكانها.. لكن عادة التعرق لم تبارحني..

سرقت نظرة خاطفة للعروسين.. لا زال الحال كما هو.. هي تغمض وتفتح في عينهيا وهو لا زال صامدا في الهمس على أذنها..

فليسعدهما الله.. الزواج أخطر قرار في حياة المرء... هكذا أظن..

نزلت الطائرة بسلام في مطار الخرطوم.. الساعات الأولى من الصباح.. حين خرجت من جسم الطائرة إلى السلم..

لفحني نسيم الخرطوم.. لعمري هذه الرائحة أعشقها.. ملأت رأتي بالهواء.. ووقفت برهة أنظر إلى سماء الخرطوم...

ما أجمل تلك الأيام.. يا إلهي.. تذكرت أترابي .. يا ترى طارق لا زال كما هو يضحك.. وأسامة أين طوحت به الأيام..

وعوض وقدورة وشكور وعبد الوهاب.. فجأة قفز إلى ذهني أحمد.. لم ألتقيه منذ أكثر من عقدين من الزمان..

أحب زميلة له في الكلية وجن جنونه بها وحين فاتح أهله في الأمر رحبوا بالفكرة.. لكن أحد أبناء عمومته اكتشف

أن أم الفتاة كانت لعوبا في مرحلة ما فأخبر والده الذي حلف يمينا أن لا يتم الزواج... منذ ذلك اليوم غادر الخرطوم

ولم يعد أحدا يسمع عنه شئ.. يرسل لهم مصاريفهم دون أن يكتب حرفا واحدا.. إنه وزر الآباء الذي يجعل أحيانا حياة الأبناء جحيما..

ثمة ألم عظيم في قلب أحمد لم نستطع جميعا أن ننسيه الأمر... أتمنى حقيقة أن اسمع عنه شيئا هذه المرة..

خرجت من المطار مسرعا بعد مروري بالجوازات والجمارك..

تلقفني شقيقي لطفي.. تعانقنا كثيرا.. ثم ركبنا سيارته.. ودون أن أقول له شيئا توجه صوب المقابر..

....

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

تظل ذكريات تلك المرحلة زادا لأيام قاسية في غربة يعلم الله متى ستنتهي..

 

 

يا صديقي يا ود جبريل ... انت تنكأ الجروح ...

 

اتحدى من يعلم متى و كيف ستنتهي ؟

 

ولكني شخصياً استجرت من غربة النفوس في بلدى ... بغربة الجسد البعيده ...:(

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

اوووه الجميلة

ياخي انت شغالة جاسوس ولا شنو ههههههه

حاضر ياستي نكمل ليكم الحلقات

 

سلامات طارق وان شاء الله تحضر ما تغيب .. وتسلم كتير علي جبر الخاطر

بعد اذنك كبرت الخط شوية

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

سلام أيها الجميلين

 

 

(6)

 

الخرطوم في الساعات الأولى من الصباح هادئة وتعبة من حِراك النهار..

الشوارع يملأها التعب.. لكنها تهمهم... تحس أن بها أنينا خافت..

حين دلفنا إلى حي العمارات هاجت في دواخلي موجات من الحنين القديم..

كنت يافعا حينها.. وكان عوض مندفعا إلى أبعد الحدود...

أن تُمهر حياتك بتوقيع الحُب حينها كان قمة المليودراما...

الفقر والحُب ضدان.. أو هكذا كنت أظن حينها..

تذكرت الشوارع المظلمة في هذا الحي.. وكيف كانت ملجأ لسرقة تحرر الجسد..

كان عوض مغامرا من الطراز الأول.. جلس في أحد المرات على مسطبة أحد الفلل..

ووضع حبيبته على فخذه وراحا ينشدان الحياة.. تواعدا ألا يفترقا..

ظللت أرغبهما من بعيد.. التصقا ببعضهما وأصبحا كومة من المناغاة..

كان حبا عاصفا بين حيين تفصل بينهما هوة سحيقة...

ما بين «العمارات» و«الإمتداد» حينها برازخ من الزمن والطبقات..

قطع علي لطفي سباحتي في الماضي الجميل..

سألني عن اطفالي وأمهم..

وكنت أعلم أنه يود أن يسأل عن ابنه الذي يدرس في المغرب..

- وضاح بخير لا تحمل همه سيعتاد على البلد ويدرس

- وأولادك كيف

- بخير الحمد لله... كان لديهم رغبة قوية في الحضور لكن المدارس وقفت ضد ذلك

حين تخطينا الامتداد ودخلنا حي الصحافة بدأت توتراتي في الظهور..

- رحمها الله يا طارق موتها لا يُصدق

أصبح حي الصحافة الذي سُميت به مقابر الصحافة، أصبح في مخيلتي جزء من الألم

دخلنا المقابر على إيقاع ذلك الألم الكبير الذي ما فتئ يناوشني منذ ذلك اليوم الحزين

زادت القبور عن العام الفائت بشكل ملحوظ داخل المقبرة.. رحم الله الجميع..

لم أخن عادتي.. جلست عند رأسها..

بت أبو دية سلام يغشاك... كل سنة وانت طيبي..

الحمد لله انا طيب ووليداتي طيبين...

محمد دخلناهو المدرسة السنة دي والحمد ليك يا رب ماشي كويس..

يمة العيد الليلي... باقيلك بيبقى بلاك..

يمة كنت متمني نمشي لي صلاة العيد سوا زي زمان..

- استغفر يا طارق

- رحم الله بت ابو دية يا لطفي..

قمت وتوضيت وصيلت الصبح وصليت ركعتين لروحها..

حضنت الشاهد: كل سنة وانت طيبي يا بت ابو دية وعيدك مبارك

ذهبت إلى قبر أخي متوكل وترحمت عليه وباركت له العيد..

خطوت من وسط القبور متثاقلا... يعتصرني الألم...

لله ما أعطى ولله ما أخذ.. اللهم أجعلهما من الصديقين والشهداء..

حين وصلت إلى دارنا وجدت الجميع في انتظاري..

تعانقنا وبكينا كثيرا كعادتنا منذ وفاة والدتي رحمها الله..

وجيئ بالشاي المقنن والقرقوش.. وبدأ العيد يأخذ طريقه إلى نفسي..

كنت سعيدا وسطهم كطفل في دكان للألعاب..

لغطنا وضحكنا كعادتنا منذ الصغر...

حين أعلنت الشمس عن حضورها ذهبت إلى «الديوان»...

ارتميت في حضن أبي وبكيت بكاءا مريرا.. الشلل خانه هذه المرة في أن

يحضنني كما تعودت.. قبلت رأسه ويده.. ثم جلست ووضعت رجليه على حجري

- كيف صحتك يابة إن شاء الله مافي شي قاعد يوجعك..

- الحمد لله يا ولدي.. خلاص انتهينا الله يرزقنا حسن الخاتمة

- بتبقى كويس يابة ان شاء الله... وكل سنة وانت طيب

بعدين بنختك في العجلة وتمشي تصلي معانا صلاة العيد في الجامع..

- باقيلك بقدر يا ولدي بعد دة

- بتقدر ابوي... إن شاء الله بتقدر..

بدأ يحكي لي عن أصحابه ومن مات منهم.. كان يواسي نفسه في محنته مع المرض

قادتنا الونسة إلي البلد وإلى نفيسي بت بغداد وعوالمها...

ضحك حتى دمعت عيناه: الله يرحمها يا ولدي كانت مرة عجيبة..

أدخلناه الحمام وألبسناه جلبابا جديدا وتحركنا إلى الجامع نهلل ونكبر ونحمد الله

طقوس إفتقدتها كثيرا في غربة ممتدة.. لكنني على كل حال سعيد بهذه اللحظات..

دفء الأهل والعشيرة لا تعادله أي متعة أخرى في الكون..

...

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

(7)

أكملنا أيها الأحباب طقوس صلاة العيد وهنأنا بعضنا بعضا وتمنينا دوام الصحة للجميع..

حين رجعنا لدارنا أحسست أنني أفتقد شيئا لم أفعله منذ سنين،...

دخلت بيوت الحلة بيتا بيتا، هنأت الجميع وبكيت مع الجميع لفقدي وفقدهم..

كنا نواسي بعضنا في أيام مباركة.. ثمة آلام في العمق لكن اليوم يوم فرح..

عُلقت الأكباش على الأبواب وبدأت مراحل السلخ وأحضرت «الصواني» و«السواطير»

و«التلكي».. ورجع القوم لسجيتهم التي أعرف منذ أن بدأت أدرك محيطي الضيق..

«شية جمر» و«شية صاج» و«دمعة» و«مرارة» و«شطوط» و«الشربوت»...

وضحكات من القلب..

وأحضان دافئة وعناقات الأحبة و«تعود الأيام» و«كل سنة وانتو طيبين يا رب»..

حين يجتاحك ألم المنافي وتجد نفسك وسط هذا الكم الهائل من المحبة..

لا محالة ستصاب بدوار الحنين...

قضيت سحابة يومي ذاك مهنئا ومعايدا وفرحا وشبعانا...

إلتقيت بأصدقاء الطفولة وسنوات الصبا... ضحكنا وأكلنا ..

عشرون عاما لم أذق طعما لهذا الحنين...

عشرون عاما ويوم العيد يمر علي كئيبا حزينا...

إلا من ضحكات أطفالي وابتسامة أمهم...

يا لعبث الرحيل.. ليتكم أيها الساسة تعلمون مدى الجحيم الذي رميتمونا فيه..

حقيقة ليتكم تعلمون..

حين أتى المساء كانت الأكباش في طريقها إلى المراحيض.. نقضي عمرنا كله

نلعن في هذه الأرض التي تطعمنا وتأوينا وتتحمل قاذوراتنا .. وحين نرى الجمال

تشخص أبصارنا إلى القمر لنشبه به من نحب ونحن جلوس على سطح هذه المستديرة..

اجتمعنا في غرفة قصية من البيت نتدارس تحضيرات زواج شقيقي الصغير تجاني..

كنا في السابق نجهز كروت الدعوات ونبحث عن أكثرنا جمالا للخط ليُمهر أسماء

الأسر التي نود دعوتها لعرس أحبتنا... تغير الزمن كثيرا.. قضى الموبايل على

جميع تلك الطقوس... ولم يستغرق الأمر سوى سويعات ولائحة من نود دعوتهم:

سلام.. سلام.. زواج شقيقنا يو كذا وحنته يوم كذا حبابكم..

لا أدري لماذا تذكرت علوية بت الجريف... كانت أفضل «داعية للزواج» في حينا

ما أن تجد عرسا في الحي إلا ويلجأ إليها الجميع للقيام بمهمة الدعوة الخاصة بالنساء

ويتكفل اثنان من الحي بدعوة الرجال،..وآخران بتوصيل دعوات الأهل والأحبة..

أصررت أن تكون «الحنة» كلها «طمبور»..

منذ زمن بعيد لم أحضر حفل طمبور حي..

وددت أن أعيش طقوس سنوات خلت...

جاء يوم الحنة وتحول المنزل لخلية من النحل..

- يا لطفي ياخي الطباخ دة قال عايز صيوان من الشمس

- يا راشد ناس الصيوان ديل ما ما رصوا البساطات

- يا ابراهيم ياخي الحاجة الباردة لسة ما وصلت

- يا خالو عليك الله أرقعني ياخي عايزة أمشي الكوفير

كنت مليئا بالحبور وسط هذا الزخم من الشجن..

لبسنا جلابيبنا ووضعنا العِمَم وكنا في استقبال الضيوف..

أشرفنا على راحة ضيوفنا وأكلهم وشرابهم..

ثم دخل ثنائي العامراب..

وقفت في مكان قصي أراقب الحفل.. حين رنة الطمبور..

أحسست بدوار حقيقي.. هذا لعمري نغم حي يشجيك ويطربك حتى الثمالة

هاج القوم.. ودخل «الدارة» إمام مكاوي وحاجة رقية ابنعوف..

إمام أبدع في «الترترة».. كانت عضلاته مطواعة يوجهها حيث تتناغم

مع نغمات الطمبور.. ترك لنفسه متعة الفرح..

ثم دخلت فتحية محمد الحسن.. وملأت «الدارة» بهجة..

دخلنا نصفق ونضرب بأرجلنا ونردد مع الفنان أغانيه..

وحين صدح ثنائي العامراب: الرايقة شتيلة قريرة الفجر نبحن بوابيرها

تصببت عرقا.. ولم أحس إلا وأنا وسط «الدارة» «أترتر» مع القوم

أحاط بي الصفاقون.. تركت العنان لنفسي لتمرح..

لم يعهد في القوم ذلك الإقدام... لكنني كنت مليئ بالشجن والحنين ..

لمحت عمي حسن يصفق «ترترت» حتى وصلت إليه وأعطيته الشبال..

ثم عدت لوسط «الدارة» يتبعني الصفاقون.. وكأنما أحس بي ثنائي العامراب

فأردفوا:

ومالكن يا قماري بتشدن إيش لازمة تغنّن

نغيماتكن تهيج أشواقي للعينين يبكّن

بدّيكن وصية أمانة لي سيد روحي طيرن

أحسست أن جسمي ينتفض كسكرات الموت..

حين رفعت رأسي وجدت شقيقاتي وأشقاي حلوا مكان الصفاقين،..

إحاطوا بي مبتهجين، وبادلتهم البسمات والرقيص..

أحسست أنني نبتة عادت لأرضها وارتوت..

كم هي جميلة نوستالجيا المكان وساكنيه..

حين اقتربت الساعة الحادية عشرة وبدأ الجميع النظر في الساعة..

حينها فقط أدركت فداحة «المشروع الحضاري»..

«مشروع» سرق حتى البهجة من القوم..

....

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

سواحة جميلة وتصوير أجمل ..... هكذا أنتم وهكذا أبناء السودان يملأكم الشوق والحنين إلى حد الثمالة الحرة ... قصة غاية في الروعة ويا ريت يا ريت ترجعنا معاك يا ود جبرين ...

 

الرحمة والمغفرة لكل الأموات .......

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .


سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.


سجل دخولك الان