• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/

طارق جبريل

المجموعة الخاصة
  • مجموع المشاركات

    25
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 3

نظرة عامة على : طارق جبريل

  • رتــبـة الـعـضـو :
    ود جبرين

Profile Information

  • Gender
    Male
  1. إنا لله ياخ
  2. إنا لله ياخ
  3. انا لله ياخ
  4. تعرف يا حبيب صورة الزول البيقرع دة انا صورتها في آخر مشية لي للبلد ودة عمنا ود الرحيمة الله يديهو الصحة
  5. كان عمي الطيب اسم على مسمى حقيقة.. نادرا ما يعادي أحدا في القرية.. كان لا يعنيه شيئا من الدنيا سواء نخيله و«حيضان» البرسيم والقمح والخضروات.. يقضي سحابة يومه في «تحت» يسقي هنا ويحرث هناك.. وحين تبدأ الشمس في الانسحاب من ميدان معركتها فوق هامات النخيل.. يسرج حماره ويتجه صوب كريمة حيث ندمائه.. وفي طريق العودة يضع «قبانته» على وجهه ثم يدلف عائدا إلى بيته.. حين يتوقف الحمار عن المسير يدرك أنه في «حوش» بيته.. حينها فقط يترجل وهو يترنح ويذهب إلى «عنقريبه» ثم تبدأ «معركته» مع حبوبتي.. تلومه على هذا «العبث» اليومي ويمكنها حتى أن تضربه.. رغم قوته التي اشتهر بها وسط القرية لكنه حين أمام والدته يكون كالحمل الوديع.. بل يزيد: أضربي يا والدة ما أن تهدأ معركته مع حبوبتي إلا ويترك لصوته العنان: مشتاقين انت متين تجينا سهرانين والليل طال علينا وحين يحس بالتعب ينادي زوجته: يا نورا... نورا.. نورا.. سويلي حَرِف اتعشابو.. يتناول طعامه ثم يغفو ليصحو باكرا ويتجه إلى كريمة حيث عمله في النقل النهري.. ثم يعود إلى نخيله وزرعه.. هذه هي مجمل حياته منذ وعيت وبدأت أزور «شبا» لم تطأ أقدامه الخرطوم إلا أربع مرات.. مرة لعياة والدي المريض الذي كان يكن له حبا خاصا دون إخوته ومرة لإزالة المياه البيضاء من عينه.. ومرة وهو في طريقه إلى الحج ومرة أخيرة أرسل والدي في طلبه لكي يزوره بعد أن تقاعد ليؤنس وحدته.. كان يتركنا ونحن نشرب «اللِبيني» بـ«القرقوش» قبل أن يخرج يوصي زوجته نورا بنا خيرا.. كان رجال القرية يذهبون إلى كريمة ليتبضعوا حاجيات أسرهم ثم يرسلونها في «مخالي»*.. كانت النسوة ينتظرن أمام نادي شبا في انتظار «كومر رابح».. مجرد أن تتوقف عربة عمنا رابح تحيطها النسوة لحمل «المخلاية» ثم «يطلعن» إلى بيوتهن لطبخ ما جادت به «المخلاية».. كنت استيقظ باكرا للذهاب إلى «كفاية الجداد» لمشاهدة «طير الجنة».. كنت مولعا جدا بالطيور:: وكانت تمثل اهتمامي الأول منذ أن تطأ قدماي «شبا».. كنا أنا و«المبروك» نقضي سحابة يومنا في البحث عن أعشاش القمري واصطياد الدباس.. حين نكمل «شاي الصباح» تطلب منا حبوبتي أن «نندلى لااااتحت» عند «بير ود جبارة».. تتوكأ على عصاها ثم نتحرك صوب بير ود جبارة حيث «أصحابها» ود جبارة وعوض السيد كنيش ورابح ومكاوي والبقية.. وعند هذا البئر تتكشف لنا عوالم «بت بغداد» الأخرى.. ـــــــــــــــ * جمع مُخلاية والمعنى واضح حبوبتي نفيسي بت البغاديد
  6. يا سلام يا حبيب ياخي
  7. ما أن نتعدى «خور السواعير» ذاك ونتعدى بيوت «البغاديد» إلا ونكون قد وصلنا إلى منطقة «القرونة» حيث بيوت أعمامي وجدودي لأبي.. وبالمقابل لهذه البيوت تقع ساقية «القرونه» حيث نخيلهم وأراضيهم وكل ما يربطهم بالمكان.. هنا يعيش أهلي وسط نخيلهم ودوابهم وترابهم.. هنا العالم لا تحكمه قوانين «البندر» تلك.. لـ«العُرف» هنا قوة تفوق قوة القوانين التي تنظم الدولة إداريا.. الحياة تسير في تناغم غريب وعجيب.. رقعة الأرض الممتدة من أطراف البيوت عند الصحراء وحتى خاصرة النيل هي الحياة هنا.. لذا تجد القوم هنا يتشبثون بأراضيهم ويدافعون عنها حتى لو كلفهم ذلك حياتهم.. يتوارثون ذلك «الطين» أبا عن جد بقوانين يعرفونها هم فقط.. إنه الانتماء الوحيد الذي يحسونه ويقدرونه: يا ولدي دي أرضنا وأرض جدودنا.. يحفظون كل نخلة وتاريخها ومن زرعها.. جبت وسط غابات النخيل هذه شرقا وغربا مع عمي الطيب.. كان يحكي عن كل نخلة وعن نوع «التمر» الذي تنتجه.. كان يكرر كل تلك الحكاوي على مسامعي في كل عام دون كلل.. ودائما ما يختم كلامه بجملة اصبح لها رنين خاص في داخلي: يا ولدي مهما قريت ومهما سافرت مافي شي بيديك قيمة غير أرضكم ونخيلكم دة.. كانت حكاويه تلك سلواي الوحيدة في غربة لا أدري متى ستنتهي، أو إلى أين ستقودني.. كنت ولا زلت حين يعتصرني الحنين إلى أهلي أتذكر ملامح وجهه وهو منكبا على معوله.. وحين ينال منه التعب يضع ظهره على إحدى «تمرات» «القنديلا» ووجهه يتصبب عرقا.. ثم يترنم: شتيلة قريرا الفجر نبحن بوابيرا حليل تغريد عصافيرا بلاها أصبحنا في حيرة يازهرتنا النضيرة حرام نقلك من الجيرة دهب زادوه تجميرا لفة خاتم ضميرا شبيهة البدر المنيرة ليك تاجوج ماها سيرة نزلت العقلات الضفيرة تداعب رمان صديرا نظرتك قاسي تفسيرا فيها انذارات خطيرة ست الكل يا أميرة روحي كفاها تدميرا ضاقت وغلبت بصيرا خلاص اتحقق مصيرا فراقكم زادتي تعكيرا وبلاك ما عندي تفكيرا يا صلاح أم شديرة تعود ونشم من عبيرا ما أن يبدأ ترنيمته تلك إلا ويتجاوب معه بقية القوم على إمتداد النيل.. بعضهم يصفق وبعضهم يرقص طربا والبعض الآخر يتأوه متذكرا طيف «حبيبة» رحلت عن المكان.. إنهم يخلقون من «القراعة»* فرحا هنا.. حين نصل إلى دار عمي الطيب يتملكني إحساس بالإنتماء إلى هنا أكثر من هناك «البندر» ما أن يتحرك «الكُشر»** في باب الصنط ذاك إلا وتتفتح كل«طاقات» الحنين في داخلي.. ما أن أخطو خطواتي الأولى في ذلك «الحوش» إلا وأجدني وسط كما مهولا من الفرح.. ثم تلفحني رائحة نار «الجريد» في «الدونكة».. لا بد أن «نورة» بدأت «تعوس» في «الفطير».. «الفطير» بـ«الروب» هنا يوازي كل مطاعم «البيتزا» والـ«ماكدونالدز» إن لم يفوقها مذاقا.. أدخل خلف «حبوبتي» متثاقلا بحثا عن «المبروك» ابن عمي وخالتي «نورة» زوجة عمي.. حين يظهر «المبروك» ويذكر جملته المشهورة «ياخينا».. حينها فقط أحس أن قطر كريمة ترجل عن رحلته المضنية تلك.. «نتقالد» ونحضن بعضنا بعضا بشوق يُبكي أحينا «حبوبتي».. ثم ما نلبس أن نضع «عناقريبنا» في وسط الحوش بعد أن أصافح جميع من في البيت لتبدأ حكاوينا الليلية تحت سماء «شبا».. وحين تصلنا لعنات «حبوبتي» لعمي الطيب... نتمرغ في «عناقريبنا» من الضحك: لا بد أن عمي الطيب مارس شغبه اليوم وخرج باحثا عن «الحياة» في «إنداية كريمة».. وحتما سيعود من «خفساته» تلك منفرج الأسارير.. ثم يطلق ضحكته التي أصبحت جزءا من ليل «شبا»: هاهاهااااااااااااااااي أنا الطيب ود قرنين.. ضحكة تتبسم لها كل القرية وهي في سكونها.. حيث رجع الرجال إلى أحضان زوجاتهم وأطفالهم ينشدون السكون والطمأنينة.. كان دائما يقول لي: نحن يا ولدي من التمُر للتمُر... اليوم كله نزرع ونقرع تحته ووكتين الشمس تغيب نمشي نشرب عرقي التمُر.. كان حين تتوقف حمارته يعلم أنه وصل إلى بيته.. ينزل من الحمارة يجرجر «قبانته» ثم يغني: ود قرنين في عُلُو يا خلايق الله خلُو عندي صيدا في «الكُرو» خايف العين لا تحصلو ثم يتبعها: هاهاهااااااااااااااااي أنا الطيب ود قرنين.. وتتبعه حبوبتي: ان شاء الله العرقي اليغمتك... يا الله هوووووووووووووووووي تهديك يا الطيب حبيب قساي.. ــــــــــــــــــــــــــــ * القراعة مرادفة شايقية لسقي الزرع ** الكُشر مفتاح من الخشب تُفتح به الأبواب في منطقة الشايقية ‫شتيلة القرير - عز الدين شكر - مطر الالوان‬‎ - YouTube
  8. قاااااعد يا حبيب انتو الوينكم
  9. كعادة حبوبتي الفردوس وما أن تطأ قدمي بيت جدي ود أبو دية حتى وتقودني إلى حيث «الجَر» الذي تخفي لي فيه «التمر».. - دة بركاوي من تمري في أوسلي دسيتو ليك هني فشان عارفاك جنك تمُر.. عانقتها وقلت لها: يا حبوبة ياخي انت زولة منقة بس ضمتني إلى صدرها بحنية بائنة ثم قبلتني... كنا نزورها كل عام في نفس الشهر ونظل معها طيلة عطلة المدارس.. كان هذا الزخم الذي نحدثه حين نأتي إلى شبا يسعدها كثيرا.. كانت ابنة وحيدة وسط أخوانها لذا كانت كثيرة الاهتمام بأحفادها.. تركتها وطفقت أتجول في الحوش وبين الغرف.. كانت «المزيرة» مكاني الأثير.. حيث أضع أمامي «كورية» «البركاوي» وأظل أراقب حركة الطيور في «الحوش».. ما أن تحبل الأرض هناك «بي تحت» إلا ويحتوي هذا «الحوش» طيبات تلك الأرض.. وتظل حركة الطيور من قمري وكرجة وطير الجنة مرتبطة بعطاء الأرض هناك.. حين رجعت منذ عامين إلى شبا وجدت المزيرة والحوش على حالهما وإن كانت الغرف تهدم جزء منها.. حتى قصص غرامياتي وجدتها على حائط المزيرة: أنا بحب A أنا بريد H أحب «وجدان» لم أتذكر صاحبات تلك الحروف لكنني وقفت عند وجدان كثيرا... إنها ترهات الصبا على كل حال.. ...... «ناكفت» حبوبتي نفيسي القوم وضحكوا من لسانها المتفلت ثم خرجنا سويا إلى بيت جدي لأبي ود القروني.. المسافة بين البيتين على مرمى حجر... لكن هناك سأكون حرا طليقا في كنف نفيسي.. سأفعل ما أريد دون مراقبة من أحد.. سأطلع في جذوع النخيل وأشجار المنقة وسأبحث عن أعشاش القُمري وسأسبح في النيل دون هاجس أن يكون أحدهم يراقبني.. لن يجرؤ أحد من أقراني علي نعتي بـ«ود البندر المرخرخ» بحكم نشأتي في الخرطوم.. لأنهم يعلمون سلاطة لسان نفيسي وحدتها في الدفاع عن أحفادها.. هناك اعتقاد راسخ لدى الكثيرين من أطفال تلك البقاع أن «أولاد الخرطوم» ليسوا سوى «باطلين» ويمكنهم أن يكونوا حتى وعاء لتفريغ المكبوت الجنسي.. كانت نفيسي ذات صيت هنا ويهاب لسانها الجميع.. وكان لديها ستة أبناء نزح خمسة منهم إلى الخرطوم وبقي عمي الطيب وفيا لها وللأرض.. لذا حين كنا نأتي في عطلة المدارس كانت التحذيرات واضحة وصارمة جدا: ولاد ولاد نفيسي ديل ألعبوا معاهم لكن لا تكاتلوهم شي.. هي مرتا زيني لكن آآآآبترضى في ولاد ولادها وتقوم تشيل حالنا لي الله وخلقه.. تخطينا أنا ونفيسي رمال «خور السواعير» وهي تضحك مع «ود تميم» - ود تميم: انت الولد ما تخلي يبيت مع جدو لي باكر - نفيسي: نان ود القروني ماهو جدو ولا فشان انت معرس من ود ابو دية يا ود الهرمة - ود تميم: هههههههههههههههههه الله لا كسبك نفيسي: أطلعاك يا طارق لي بيت جدك دة راجلا مخرف من يومه خور السواعير: باب بيت جدي يوسف ود أبو دية المزيرة في بيت جدي ود ابو دية
  10. يتسالم القادمون ويمسحون دموعهم في «الدرب» قبل وصولهم إلا منازل ذويهم.. القرية يعتليها شئ من الفرح لقدوم الأحباب من الخرطوم وبورتسودان.. فحياة الناس هنا هينة وسهلة لا يعتريها شئ إلا سفر حبيب هنا.. أو موت عزيز هناك.. أو زواج قبلي أو بحري.. لكن سيرورة الحياة تستمر.. يتسالم الناس هنا ويضحكون وهم يبكون.. دموع حنينة تحس دفئها وتغوص داخلك دون استئذان.. ما أن تطأ قدماي أرض شبا حتى تتلقفني أيادي نساء القرية: طروووق واحلاتي حمد لله بالسلامة.. في تلك اللحظة تكتشف أن كل القرية تجمعك بها صلة دم وقرابة.. - دي عمتك حواء بت الخضر ود كنيش - وديك عمتك فاطني بت كنيش - وديك خالتك بت موزة - وداك جدك الدقير ود الريح - وداك عمك طه ود جعفر ود خالة ابوك لزم - ودي عمتك زينب القروني ومرت جدك عمر ود بغداد - ودة ود عمك سيد أحمد القروني كانوا يمطرونني قُبلا ويسمعوني كلاما حنينا لا زال رنينه في أذني.. صدق مشاعر الناس هنا وحبهم لا تخطئه الأحاسيس مطلقا.. كما النيل والنخيل والأرض.. يهبوهم الحياة ويصدقونهم المشاعر.. لكنني كنت أتوق إلى «بت بغداد» إلى «نفيسي» حبوبتي.. كان وجهها يتراءى لي بين القوم وهي ممسكة بعكازها كأنها «تُحفة» وضعت عند «بير ود جبارة».. ما أن أصلها إلا وأرتمي في حضنها: حبوبتي انتي طيبي تضمني إلى صدرها: الزين ودي الزين جاني واجيدلي ما أن تجلس في ذلك «العنقريب» الذي ارتبط بـ«بير ود جبارة» إلا وتتضعني في حجرها وتسألني: أبوك كيفنه يا الحبيب.. طيب في عضامه ديل؟ - نصيح يا حبوبتي وصلنا المحطة ويسلم عليك مرسلك سُكر وقروش مع أمي.. - عفيت منه قدر الجبال وقدر السحاب ما شال جبيرين ود حشاي.. وأخوك إبراهيم نعل ما صايدو شي باقي طول مني يا الزين؟.. - قطعلنا التصاريح وقالي سلم علي أمي نفيسي وقولها بس آخد إجازتي وأجيك.. شوفتو يغمتلو في شي لي أمي ويقولها: ديل أديهن أمي نفيسي.. - عفيت منه الحبيب ود الحبيب ماني مرباهو أنا يا ولدي.. ما أن يتسالم القوم هنا ويمسحون دموعهم إلا وتحمل بعضهم الحمير إلى بيوتهم في أطراف الصحراء عند «الحُجار» و«جبل السروي».. كنت في الغالب أذهب مع والدتي إلى بيت جدي «ود أبو دية» في «السواعير» هناك حيث جدي يوسف ود أبو دية وحبوبتي فردوس الريح.. فبعد أن تحتضنني حبوبتي الفردوس وتمطرني قبلا تأخذني إلى جدي الضرير ود أبو دية وقبل أن اسلم عليه تكون هي قد أخبرته: طارق ود عاشا.. يتوسط جدي «عنقريبه» ثم يرفع يديه باحثا عني: حباب طارق ود عاشا.. ما أن تلمسني يديه حتى يضمني باكيا كعادته ودموعه تنزل على صدره.. هذا المنظر رسخ في ذهني لكثرة تكراره كل عام.. كان بعد أن يبكي يستغفر وينادي حبوبتي: يا الفردوس سولوم الغداء لا تخلوهم يجوعوا.. كنت أقف قليلا لأتأمله.. رجل في الثمانين من عمره.. ضرير لا يشغل باله سوى مواقيت الصلاة وصحة بناته وولديه فتح الرحمن وعبد العزيز.. لأول مرة في حياتي أرى إنسانا ضريرا.. كان الأمر غريبا على طفل مثلي لكنني استوعبته ثاني يوم وصولي وأصبح مقبولا بالنسبة إلي.. كان يحضن أمي باكيا بصوت يهز سكون ذلك المكان من القرية.. إلى أن «تنهره» «حبوبتي» الفردوس: يا راجل هي جات فشان تسالمك ولا تبكيها.. يستغفر ربه ثم يرد عليها: نان أنا أبكي ما من شوقي لي عاشا.. ماها بتي - الفردوس: نان في زولا غالتك خلها الترتاح وبعدين أشبع منها - عاشا: يمة الرسول فيكي لا تكاتليهو أبوي خليني اللشبع منه هذا المشهد كان يبكي كل من في البيت وحتى القادمون من الجيران والأهل للسلام علينا..
  11. نيمة ود جبارة في شبا لها «حكاوي» تغوص في أعماق قرية ساكنة في الظاهر لكنها تضج بالحياة في أعماقها... ما أن هدأت عجلات «قطار كريمة» على رصيف المحطة.. حتى وبدأ صخب العناق والنحيب والفرح يتناثر هنا وهناك.. إنها مسيرة ثلاثة أيام من الخرطوم.. مسيرة لهفة وشوق إلى عناق الأهل هناك عند «جبل السروي» و«درب الباشا».. جمعنا «عفشنا» كعادتنا عند الوصول وأعيننا تتفحص المستقبلين على الرصيف.. ضجيج المحطة وصخبها ولهفتنا يجعل من المحطة مشهدا مليودراميا بامتياز.. الدهسيرة، حزيمة، مقاشي... شبا، البركل، عسوم.. الأراك، الكنيسة، المقل... هكذا هي أصوات «كماسرة» لواري كريمة.. ما أن يخفت صرير عجلات القطار إلا وتختلط تلك الأصوات بأصوات المستقبلين والباعة المتجولين... كات ذلك المنظر واحدا من أجمل ما عايشت خلال طفولتي وأنا في طريقي إلى «شبا».. قريتي الوادعة في خاصرة النيل.. كنت وأنا في القطار يسرح بي خيالي إلى أهلي وعشيرتي هناك.. إلى أقراني وأصدقائي: مامون مكاوي، مبروك قرن، النزير الساعوري، مجدي فاروق، مزمل ومحمد الرحيمة، وعادل الجُضل، وأولاد علي الجدي وآخرين.. لكنني وبشكل خاص كنت أتوق إلى امرأة كانت ذائعة الصيت هناك.. امرأة يخشى لسانها الجميع.. امرأة قادرة على رسم البسمة في شفاه الجميع.. امرأة تملك قدرا من «المحنة» قادر على تذويب آلام الكون نفسه.. فما أن تتوقف عربة «عم رابح» أمام نادي شبا، إلا ويتيه نظري بين أهل القرية باحثا عن «نفيسي بت بغداد» أم «القُرونة»..
  12. (7) أكملنا أيها الأحباب طقوس صلاة العيد وهنأنا بعضنا بعضا وتمنينا دوام الصحة للجميع.. حين رجعنا لدارنا أحسست أنني أفتقد شيئا لم أفعله منذ سنين،... دخلت بيوت الحلة بيتا بيتا، هنأت الجميع وبكيت مع الجميع لفقدي وفقدهم.. كنا نواسي بعضنا في أيام مباركة.. ثمة آلام في العمق لكن اليوم يوم فرح.. عُلقت الأكباش على الأبواب وبدأت مراحل السلخ وأحضرت «الصواني» و«السواطير» و«التلكي».. ورجع القوم لسجيتهم التي أعرف منذ أن بدأت أدرك محيطي الضيق.. «شية جمر» و«شية صاج» و«دمعة» و«مرارة» و«شطوط» و«الشربوت»... وضحكات من القلب.. وأحضان دافئة وعناقات الأحبة و«تعود الأيام» و«كل سنة وانتو طيبين يا رب».. حين يجتاحك ألم المنافي وتجد نفسك وسط هذا الكم الهائل من المحبة.. لا محالة ستصاب بدوار الحنين... قضيت سحابة يومي ذاك مهنئا ومعايدا وفرحا وشبعانا... إلتقيت بأصدقاء الطفولة وسنوات الصبا... ضحكنا وأكلنا .. عشرون عاما لم أذق طعما لهذا الحنين... عشرون عاما ويوم العيد يمر علي كئيبا حزينا... إلا من ضحكات أطفالي وابتسامة أمهم... يا لعبث الرحيل.. ليتكم أيها الساسة تعلمون مدى الجحيم الذي رميتمونا فيه.. حقيقة ليتكم تعلمون.. حين أتى المساء كانت الأكباش في طريقها إلى المراحيض.. نقضي عمرنا كله نلعن في هذه الأرض التي تطعمنا وتأوينا وتتحمل قاذوراتنا .. وحين نرى الجمال تشخص أبصارنا إلى القمر لنشبه به من نحب ونحن جلوس على سطح هذه المستديرة.. اجتمعنا في غرفة قصية من البيت نتدارس تحضيرات زواج شقيقي الصغير تجاني.. كنا في السابق نجهز كروت الدعوات ونبحث عن أكثرنا جمالا للخط ليُمهر أسماء الأسر التي نود دعوتها لعرس أحبتنا... تغير الزمن كثيرا.. قضى الموبايل على جميع تلك الطقوس... ولم يستغرق الأمر سوى سويعات ولائحة من نود دعوتهم: سلام.. سلام.. زواج شقيقنا يو كذا وحنته يوم كذا حبابكم.. لا أدري لماذا تذكرت علوية بت الجريف... كانت أفضل «داعية للزواج» في حينا ما أن تجد عرسا في الحي إلا ويلجأ إليها الجميع للقيام بمهمة الدعوة الخاصة بالنساء ويتكفل اثنان من الحي بدعوة الرجال،..وآخران بتوصيل دعوات الأهل والأحبة.. أصررت أن تكون «الحنة» كلها «طمبور».. منذ زمن بعيد لم أحضر حفل طمبور حي.. وددت أن أعيش طقوس سنوات خلت... جاء يوم الحنة وتحول المنزل لخلية من النحل.. - يا لطفي ياخي الطباخ دة قال عايز صيوان من الشمس - يا راشد ناس الصيوان ديل ما ما رصوا البساطات - يا ابراهيم ياخي الحاجة الباردة لسة ما وصلت - يا خالو عليك الله أرقعني ياخي عايزة أمشي الكوفير كنت مليئا بالحبور وسط هذا الزخم من الشجن.. لبسنا جلابيبنا ووضعنا العِمَم وكنا في استقبال الضيوف.. أشرفنا على راحة ضيوفنا وأكلهم وشرابهم.. ثم دخل ثنائي العامراب.. وقفت في مكان قصي أراقب الحفل.. حين رنة الطمبور.. أحسست بدوار حقيقي.. هذا لعمري نغم حي يشجيك ويطربك حتى الثمالة هاج القوم.. ودخل «الدارة» إمام مكاوي وحاجة رقية ابنعوف.. إمام أبدع في «الترترة».. كانت عضلاته مطواعة يوجهها حيث تتناغم مع نغمات الطمبور.. ترك لنفسه متعة الفرح.. ثم دخلت فتحية محمد الحسن.. وملأت «الدارة» بهجة.. دخلنا نصفق ونضرب بأرجلنا ونردد مع الفنان أغانيه.. وحين صدح ثنائي العامراب: الرايقة شتيلة قريرة الفجر نبحن بوابيرها تصببت عرقا.. ولم أحس إلا وأنا وسط «الدارة» «أترتر» مع القوم أحاط بي الصفاقون.. تركت العنان لنفسي لتمرح.. لم يعهد في القوم ذلك الإقدام... لكنني كنت مليئ بالشجن والحنين .. لمحت عمي حسن يصفق «ترترت» حتى وصلت إليه وأعطيته الشبال.. ثم عدت لوسط «الدارة» يتبعني الصفاقون.. وكأنما أحس بي ثنائي العامراب فأردفوا: ومالكن يا قماري بتشدن إيش لازمة تغنّن نغيماتكن تهيج أشواقي للعينين يبكّن بدّيكن وصية أمانة لي سيد روحي طيرن أحسست أن جسمي ينتفض كسكرات الموت.. حين رفعت رأسي وجدت شقيقاتي وأشقاي حلوا مكان الصفاقين،.. إحاطوا بي مبتهجين، وبادلتهم البسمات والرقيص.. أحسست أنني نبتة عادت لأرضها وارتوت.. كم هي جميلة نوستالجيا المكان وساكنيه.. حين اقتربت الساعة الحادية عشرة وبدأ الجميع النظر في الساعة.. حينها فقط أدركت فداحة «المشروع الحضاري».. «مشروع» سرق حتى البهجة من القوم.. ....
  13. سلام أيها الجميلين (6) الخرطوم في الساعات الأولى من الصباح هادئة وتعبة من حِراك النهار.. الشوارع يملأها التعب.. لكنها تهمهم... تحس أن بها أنينا خافت.. حين دلفنا إلى حي العمارات هاجت في دواخلي موجات من الحنين القديم.. كنت يافعا حينها.. وكان عوض مندفعا إلى أبعد الحدود... أن تُمهر حياتك بتوقيع الحُب حينها كان قمة المليودراما... الفقر والحُب ضدان.. أو هكذا كنت أظن حينها.. تذكرت الشوارع المظلمة في هذا الحي.. وكيف كانت ملجأ لسرقة تحرر الجسد.. كان عوض مغامرا من الطراز الأول.. جلس في أحد المرات على مسطبة أحد الفلل.. ووضع حبيبته على فخذه وراحا ينشدان الحياة.. تواعدا ألا يفترقا.. ظللت أرغبهما من بعيد.. التصقا ببعضهما وأصبحا كومة من المناغاة.. كان حبا عاصفا بين حيين تفصل بينهما هوة سحيقة... ما بين «العمارات» و«الإمتداد» حينها برازخ من الزمن والطبقات.. قطع علي لطفي سباحتي في الماضي الجميل.. سألني عن اطفالي وأمهم.. وكنت أعلم أنه يود أن يسأل عن ابنه الذي يدرس في المغرب.. - وضاح بخير لا تحمل همه سيعتاد على البلد ويدرس - وأولادك كيف - بخير الحمد لله... كان لديهم رغبة قوية في الحضور لكن المدارس وقفت ضد ذلك حين تخطينا الامتداد ودخلنا حي الصحافة بدأت توتراتي في الظهور.. - رحمها الله يا طارق موتها لا يُصدق أصبح حي الصحافة الذي سُميت به مقابر الصحافة، أصبح في مخيلتي جزء من الألم دخلنا المقابر على إيقاع ذلك الألم الكبير الذي ما فتئ يناوشني منذ ذلك اليوم الحزين زادت القبور عن العام الفائت بشكل ملحوظ داخل المقبرة.. رحم الله الجميع.. لم أخن عادتي.. جلست عند رأسها.. بت أبو دية سلام يغشاك... كل سنة وانت طيبي.. الحمد لله انا طيب ووليداتي طيبين... محمد دخلناهو المدرسة السنة دي والحمد ليك يا رب ماشي كويس.. يمة العيد الليلي... باقيلك بيبقى بلاك.. يمة كنت متمني نمشي لي صلاة العيد سوا زي زمان.. - استغفر يا طارق - رحم الله بت ابو دية يا لطفي.. قمت وتوضيت وصيلت الصبح وصليت ركعتين لروحها.. حضنت الشاهد: كل سنة وانت طيبي يا بت ابو دية وعيدك مبارك ذهبت إلى قبر أخي متوكل وترحمت عليه وباركت له العيد.. خطوت من وسط القبور متثاقلا... يعتصرني الألم... لله ما أعطى ولله ما أخذ.. اللهم أجعلهما من الصديقين والشهداء.. حين وصلت إلى دارنا وجدت الجميع في انتظاري.. تعانقنا وبكينا كثيرا كعادتنا منذ وفاة والدتي رحمها الله.. وجيئ بالشاي المقنن والقرقوش.. وبدأ العيد يأخذ طريقه إلى نفسي.. كنت سعيدا وسطهم كطفل في دكان للألعاب.. لغطنا وضحكنا كعادتنا منذ الصغر... حين أعلنت الشمس عن حضورها ذهبت إلى «الديوان»... ارتميت في حضن أبي وبكيت بكاءا مريرا.. الشلل خانه هذه المرة في أن يحضنني كما تعودت.. قبلت رأسه ويده.. ثم جلست ووضعت رجليه على حجري - كيف صحتك يابة إن شاء الله مافي شي قاعد يوجعك.. - الحمد لله يا ولدي.. خلاص انتهينا الله يرزقنا حسن الخاتمة - بتبقى كويس يابة ان شاء الله... وكل سنة وانت طيب بعدين بنختك في العجلة وتمشي تصلي معانا صلاة العيد في الجامع.. - باقيلك بقدر يا ولدي بعد دة - بتقدر ابوي... إن شاء الله بتقدر.. بدأ يحكي لي عن أصحابه ومن مات منهم.. كان يواسي نفسه في محنته مع المرض قادتنا الونسة إلي البلد وإلى نفيسي بت بغداد وعوالمها... ضحك حتى دمعت عيناه: الله يرحمها يا ولدي كانت مرة عجيبة.. أدخلناه الحمام وألبسناه جلبابا جديدا وتحركنا إلى الجامع نهلل ونكبر ونحمد الله طقوس إفتقدتها كثيرا في غربة ممتدة.. لكنني على كل حال سعيد بهذه اللحظات.. دفء الأهل والعشيرة لا تعادله أي متعة أخرى في الكون.. ...
  14. (5) عدنا.. نزلت إلى مطار القاهرة ولفتني سحب من الذكريات.. كم مرة دخلت وخرجت من هذا المطار أيام الدراسة.. كنت يافعا حينها وكانت أحلامي لا تتعدى الوصول إلى الزقازيق ورؤية أصدقائي هناك.. رياح الثورة اجتاحت مصر حتى في طريقة تعامل ضُباطها.. سألني أحدهم بأدب جم لم أعهده عن وجهتي.. أخبرته أنني قادم من المغرب وفي طريقي إلى الخرطوم.. وصف لي صالة استخراج تذكرة الخرطوم مرحبا: أهلا يا ابن النيل... اخذت تذكرتي ودخلت إلى دهاليز مطار القاهرة التي تغير كثيرا.. تسكعت كالعادة في جنبات المطار محاولا قتل الوقت ما أمكنني ذلك.. فأمامي ساعتين لركوب الطائرة.. كالعادة كنت أعرف السودانيين في المطار من سحناتهم.. كنا في ذلك الزمان نحيي بعضنا بعضا.. لكن بدأنا نفقد هذه الصفة.. تألمت كثيرا عندما رأيت شيخا يسنده شاب وبعض أجهزة الأوكسجين موضوعة على أنفه.. ساعدته في الجلوس على أحد كراسي المقاهي المنتشرة كالفطر في المطار.. شكرني الرجل: الله يرضى عليك يا ولدي.. قفزت إلى ذهني صورة والدي الذي اتوق لرؤيته بعد سويعات.. يا ترى كيف هو الآن؟؟ هل لا زال مرابطا في «الدرابزين» كعادته؟؟ هل تسعفه الصحة الآن أم بدأت تخزله؟؟ أسئلة كثيرة ملأى بالحنين كانت تطوف بي وأنا على بعد سويعات من أهلي وعشيرتي ومراتع الصبا.. يظل الإنسان يضرب في الأرض باحثا عن القفز فوق سلالم الحياة لكن الحنين دائما ما يشده إلى حيث صرخ صرخته الأولى.. تظل ذكريات تلك المرحلة زادا لأيام قاسية في غربة يعلم الله متى ستنتهي.. هالني أن كمية مقدرة من العرسان الجدد في طريقهم إلى الخرطوم.. فرائحة «الخومرة» والدلكة لاتخطئها الأنوف.. مصر كانت على الدوام ملاذا لأول أيام الانعتاق من العزوبية... هناك يحاول العريس اثبات فحولته وتحاول العروس الأعلان عن أنوثتها.. إنه موسم الدلكة والغنج والدلال إذن.. وها هم يعودون حيث ستبدأ الحياة في مشاغباتهم.. تذكرت عم حسن وابتسمت: يا طارق يا ولدي انا كنت شغال في فندق بجوا فيهو العرسان الليل كله تسمع: بتكتلني يا محمد.. وعمري ما شفتة لي جثة عروس طالعة من الفندق.. الصباح تلقاهن يضاحكن.. عم حسن... ذلك رجل يعشق العِهر والمجون... كلما احس انني اود الترويح عن نفسي كنت اذهب اليه وأعود باكيا من الضحك.. هذه المرة سأحاول تدوين قصصه الكثيرة عن الخرطوم ومواخيرها في ذلك الزمان.. أُعلن قيام الرحلة إلى الخرطوم في صالة f5.. حينها فقط انفرجت أساريري.. أخيرا سأحتضن أحبتي وأهلي هناك.. عادتي نفسها لم أتركها.. تظل الطائرة مكمن خوفي الأزلي.. ما أن تختفي علامة ربط الأحزمة حتى أعود إلى هدوئي.. جلس بالقرب مني زوجان جديدان.. راحا يناغيان بعضهما... لا بد أن «شهر العسل كان قصيرا».. مالت ووضعت رأسها على كتفه ويدها ممسكة بيده في حجره.. وراح هو يهمس لها في أذنها.. جاءتني لحظة ظننت فيها أنهما سيتعريان أمام الجميع ويتركان للجسد خوض معركته.. تبسمت وسرحت بعيدا وأغمضت عيني علني أنام قليلا فمنذ البارحة لم أذق طعما للنوم... لم استيقظ إلا على هزات الطائرة وهي في طريقها للنزول في مطار الخرطوم.. فرحة معانقة أهلي أنستني متاعب الهبوط.. تحسست بطني.. وجدتها في مكانها.. لكن عادة التعرق لم تبارحني.. سرقت نظرة خاطفة للعروسين.. لا زال الحال كما هو.. هي تغمض وتفتح في عينهيا وهو لا زال صامدا في الهمس على أذنها.. فليسعدهما الله.. الزواج أخطر قرار في حياة المرء... هكذا أظن.. نزلت الطائرة بسلام في مطار الخرطوم.. الساعات الأولى من الصباح.. حين خرجت من جسم الطائرة إلى السلم.. لفحني نسيم الخرطوم.. لعمري هذه الرائحة أعشقها.. ملأت رأتي بالهواء.. ووقفت برهة أنظر إلى سماء الخرطوم... ما أجمل تلك الأيام.. يا إلهي.. تذكرت أترابي .. يا ترى طارق لا زال كما هو يضحك.. وأسامة أين طوحت به الأيام.. وعوض وقدورة وشكور وعبد الوهاب.. فجأة قفز إلى ذهني أحمد.. لم ألتقيه منذ أكثر من عقدين من الزمان.. أحب زميلة له في الكلية وجن جنونه بها وحين فاتح أهله في الأمر رحبوا بالفكرة.. لكن أحد أبناء عمومته اكتشف أن أم الفتاة كانت لعوبا في مرحلة ما فأخبر والده الذي حلف يمينا أن لا يتم الزواج... منذ ذلك اليوم غادر الخرطوم ولم يعد أحدا يسمع عنه شئ.. يرسل لهم مصاريفهم دون أن يكتب حرفا واحدا.. إنه وزر الآباء الذي يجعل أحيانا حياة الأبناء جحيما.. ثمة ألم عظيم في قلب أحمد لم نستطع جميعا أن ننسيه الأمر... أتمنى حقيقة أن اسمع عنه شيئا هذه المرة.. خرجت من المطار مسرعا بعد مروري بالجوازات والجمارك.. تلقفني شقيقي لطفي.. تعانقنا كثيرا.. ثم ركبنا سيارته.. ودون أن أقول له شيئا توجه صوب المقابر.. ....
  15. (4) يأخذك ماركيز بعيدا.. إلى عوالم أمريكا اللاتينية،، الحياة هناك لها صخبا مختلفا وأجواء استوائية مدهشة.. ينقل لك مجتمع تلك البقاع بصورة ثلاثية الأبعاد.. عاش ضنكا لا يُضاهى في بداياته.. لكن هذا الضنك دفعه للإبداع.. لا أدري أين يكمن السر.. الكثير من الإبداع ولد في بيئة العدم.. موسيقى الجاز في أمريكا ولدت على أنات عبيد المزارع وحزنهم على فراق أرض أجدادهم.. نجيب محفوظ نقل لنا كما هائلا من حكايات الشوارع الخلفية للقاهرة.. أغاني الطمبور الخالدة وأشعارها وروايات شيخ الطيب صالح أتتنا من قرى معدمة «عند منحنى النيل».. يخامرني إساس قوي أن الإبداع يأتي تعويضا عن الحرمان والفاقة.. أفكار تأتيني هكذا دون دليل واضح.. بدأت المضيفات في توزيع السماعات لمن يود الاسترخاء بالقرآن أو بصوت «الست» أو لمتابعة أحد الأفلام العربية.. وضعت السماعة جانبا وأغمضت عيني لبرهة.. متى ما كنت على متن طائرة يأتيني طيف أمي.. لها الرحمة والمغفرة.. حين أنظر إلى طفلتي ريم وهي تلعب يتراءى لي طيف أمي في ملامحها.. كانت إمرأة صبورة جدا جدا.. كانت تقول أن رهانها وسط «عائلة ممتدة» أن يتعلم أبناءها.. كانت مستعدة لحفر الصخر من أجل هذا الهدف وانتزاعه من براثن الفقر.. بمقاييسي أنا نجحت إلى حد كبير في الرهان ولله الحمد.. تذكرت سجالاتنا وأنا آخر أطفالها «الحتالة».. عند دخولي مرحلة الثانوي.. وجدتني وحيدا معها.. بقية أخواني غادروا إلى المهاجر وأخواتي تزوجن.. كنت سعيدا أنني أصبحت محور اهتمامها.. حين إضطرتني الظروف للدراسة في مصر.. كان فراقنا صعبا ومؤلما معا.. كانت تأتيني لحظات في الهزيع الأخير من الليل اتذكرها لأجد دمعة طفرت مني.. لكنني أعود واتذكر كلماتها: ذاكر كويس وانجح ان بقيت داير رضاي.. وان احتجت لي شي اكتبلي جواب.. اتذكر انني في سنتي الأولى استلمت 189 خطابا.. اتذكرها الآن وانا في طريقي إلى الخرطوم.. كانت دائما تنتظر حضوري من المطار في الدرابزين.. حين احضنها احس بطمأنينة غريبة.. كانت رائحتها خليطا من النيل والنخيل والأرض التي سقيت لتوها... مرات عديدة وأنا معها أجدني أتأمل شلوخها.. كانوا يكنونها بـ«عشة الشايقية» في الامتداد... حين اتذكر تلك اللقاءات يعتريني الكثير من الألم.. لذا أول ما أفعله حين تطأ قدماي الخرطوم أذهب لزيارتها والترحم على قبرها ومن ثم أذهب إلى بيتنا في الامتداد.. كانت أمتع لحظات حياتي حين أجلس في «بنبر» معها في المطبخ.. تنحنح الرجل الذي يجلس بجواري بصورة قطعت علي تأملاتي تلك.. اعتذر الرجل بلباقة.. وكانت هذه بداية لـ«ونسة» بين طيات السحاب.. عرفت أنه من زامبيا جاء لمؤتمر عن الاستعمال المدني للطاقة النووية.. المشاكل ذاتها تتكرر في أفريقيا.. كأننا ننقل تجاربنا المريرة بالحرف.. دكتاتور يأتي بخطاب رنان عن إنقاذ البلاد وحين يتمكن رائحة فساده والمحيطون به تذكم الأنوف.. كان هو الآخر حزينا لما يحدث في بلاده.. قطعت علينا إحدى المضيفات حديثنا بوجبة الغداء: فراخ ولا لحمة - أنا صائم اليوم عرفة - يا فاتن سجلي عندك هنا برضو راكب صائم - شكرا - لم يحين وقت الفطار حا اجيبلك الفطار يا فندم - شكرا اضطررت أن اشرح لذلك الزامبي أننا نصوم يوم عرفة ايمانا واحتسابا.. قادنا النقاش إلى بن لادن والقاعدة... وجدت نفسي مضطرا للدفاع عن الإسلام رغما عني ولعنت القاعدة ألف مرة... هناك تنميط غريب في العالم عن الإسلام.. وآلة الإعلام المضادة تبذل جهدا كبيرا لتشويه صورة هذا الدين.. والمتطرفون منا يساعدون كثيرا في ذلك.. - اقتربنا من مطار القاهرة ارجو الرجوع الى أماكنكم وربط الأحزمة تلك كانت كلمات كابتن الطائرة.. وهذا كان إيذانا أن أعود إلى حالة الهوس تلك.. نزلت الطائرة بسلام في مطار القاهرة.. ونزلت أنا أتصبب عرقا كالعادة وأحمل هما جديدا بالصعود إلى طائرة أخرى تقودني إلى الخرطوم.. .....