• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/

مرارات

عضو مشارك
  • مجموع المشاركات

    10
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

نظرة عامة على : مرارات

  • رتــبـة الـعـضـو :
    عضو مشارك

Contact Methods

  • ICQ
    0
  1. كانت تقود سيارتها الفارهة بسرعة، غير آبه بما حولها رغم إشارات التنبيه التي تلاحقها من كل قائد سيارة تخطته بصورة جنونية او أزعجته سرعتها .... غرقت مع شريط من الذكريات كان يلاحقها و يفرض نفسه عليها، كلما حاولت ان تمزق نسخه أو تتخطى الزمن .. كان يتشبث بقوه اكبر على مخيلتها حتى اصبح زائرا لا يحتاج لاستئذان. على الرغم من جمالها الممزوج بروح طيبة .. وشهاداتها الجامعية، وعلى الرغم من أسرتها الميسورة الحال .. ووالدها مرموق المكانة بوظيفته التي اعتلاها حال تغير إحدى الحكومات .. الا أنها لا تحس بهذه الامتيازات الى جنبها بل هى ضد لها وأسباب إعاقة لمسيرة حبها الذي تكنه لفتى مشاكس. كثير من أبناء أهلها كانوا يعرضون بضاعة حبهم وإعجابهم .. و لكن قلبها آبى اى من هذه النداءات .. لان القلب قد أوصد بابه على حب ذو النون .. الفتى المشاكس الذي شاركها قاعات المحاضرات .. لم يعيرها اهتمام بالغ كما يفعل بقية زملائها من الجنسين .. كانوا يحيطون بها ويتقربون إليها، ويحاولون ان يكسبوا ودها ورضاها بتعليق تفوهوا به او حركة قاموا بها .. أو اى شي من ذلك القبيل. أما هو فكان يصارع آلامه .. لم يكن من أسرة ميسورة الحال .. والده مزارع بسيط فى إحدى قرى الشمال التي تقتسم العيش مع الأرض .. فالأرض هناك تحتاج للكثير حتى تعطى القليل. كان ذا النون يهتم بدراسته في إخلاص شديد وجديه مفرطة .. وكان كأي طالب جامعي لديه نشاطاته الأخرى، فهو مبرز في شتى النشاطات الثقافية والعلمية و كذلك الرياضية حتى أصبحت سيرته على كل لسان فى الجامعة بأنه خيرة شباب بلده. حاولت ان تستميله اكثر من مره، وحينما يبدو لها أحيانا انه قد لان لحلاوة أسلوبه معها ولباقة كلماته ... سرعان ما كانت تكتشف أنها ما زالت على العتبة الأولى من محرابه ذي الدرجات العلا، وتمر السنين و يصبح الكل على أعتاب التخرج ... وهى لا تفتر تطرق بابه فى كل مرة حتى اصبح الأمر لا يخفى على احد فى الجامعة. بدأ ذا النون الذي نال شرف الطالب المثالي فى هذه السنة يخطط لما بعد التخرج، فهو بلا شك سوف يكون الاول على دفعته .. استوقفته كثير من المواقف فليست خديجة المهلة هى الوحيدة التي كانت تلاطفه .. بل الكثيرات منهن كن معجبات او متوددات، و إن كان دوما يزيحهن بلطف لا يجرحهن او يخدش شى من مشاعرهن بلباقته .. مستفيدا من شخصيته القوية و مواقفه الصلبة .. غير آبه بحسد زملائه من ملاطفة ذوات الخدور له. راجع نفسه كثيرا فوجد أنه يميل إليها .. بل يحبها .. و لكنه كان يكابر ظناً أنه لن يبلغ منالها ومكانتها، ولكن .... الحب دوماً لا يعرف المستحيل ... استطاعت خديجة ان تصل الى البوابة الشرقية للجامعة فى الوقت المناسب .. قبيل تعليق نتائج السنة الأخيرة .. كانت سنة تخرجها في الجامعة، وسنة فراقها له ... كانت متلهفة لمعرفة أخبار نتيجتها ودرجاتها ... ليتها تتمكن من التفوق عليه ومنافسته في عام وداعهما ... لكن المفاجأة كانت أعظم ... أمام باب مكتب المدير كان ذا النون يحمل لها عقد زهور .... ألبسها العقد أمام دهشة الزملاء والزميلات ... ونظر في عينيها عميقاً ... وأعلن ما كان يخفيه دون كلمات ... أندفع شرطي المرور الذي كان يلاحقها إلى داخل الجامعة وهو يشطط غضبا ... تلك الفتاة الفارعة الحسناء بت الـ ... قطعت شارة المرور وهي حمراء .. ولكن الشرطي وقف عند باب المدير ينظر بدهشة لما فعل ذا النون ... مزق أوراق دفاتره التي كتب عليها رقم لوحة سيارتها ... وضع يده على خده ينظر إليهما في اندهاش متزايد وقد اتكأ على لوحة معدنية عند مدخل الجامعة كتب عليها ... غير مسموح بدمعقولة بس العسكر و رجال الأمن. للقاص :جمال الدين محمد الامين على
  2. حالما تلقيت النبأ وأنا بالكاد أفرغ من تسويك اسناني وبأنفاسي تعبق رائحة المعجون العاطرة، شخصت الى دارهم ولم أعبأ بصيحات اختي "اشرب الشاي.. اشرب الشاي يا مجنون!" ولكني وبجنوني ذاك انفلت لا ألوي على شئ. رذاذ الضحكات يتناثر في فضاء الساحة.. حركة نساء دائبة. كانت الشمس تتسكع على مرج الصباح.. والغرفة مسدلة الستائر.. وأزيز المروحة خافت الرنين.. وضوع العطر عالي الصوت المبهج. ما توانيت.. دلفت.. في موكيت الغرفة الوثير بنعلي سرت.. ما تلفت.. النساء الفاغرات الأفواه بهن لم أعبأ.. يسعين نحوي يقدمن لي الأخبزة والحلوى.. يظنني جئت أملأ جيوبي بأخبزتهن الملونة! كان مخدعها في ركن الغرفة يبدو في مهابة الجلال.. وعلى رأسها طبق من البراتيل ملون الضفائر، يتلاصف في وهج الضوء الخافت.. والشاش الأبيض يفترش مساحة الطبق في وقار رزين. وبالتجلة كلها والإحترام الوقور وضع على ذلك البرتال الكتاب العظيم.. ثم السيف الصقيل في قرابه الأحمر، وسيوره المدلاة. شخصت اليها وهي في مخدعها ذاك.. ناظرة اليّ كاتمة فرحتها المنطلقة.. خاضعة لطقوسهم، وأنا أجدها حلوة المنسم.. جميلة الميسم! النساء حولي يتحدث عن جرأتي وفضولي.. اقتربت منها.. منه.. أرسلت يدي كشفت عنه الغطاء.. يا الله.. كم هو جميل؟؟ كم هو صغير.. مغمض العينين كان.. مغمض الكفين كان.. يلتقم حلمة الثدي الوافر.. انظر الى الثدي العاري العامر.. عظيم الامتلاء.. عروقه الخضراء النافرة.. الدهشة تكسو نظراتي.. الدوامة تدور بي.. الشيماء.. خضرة العروق النافرة مثل مياه الكونية العميقة الاخضرار.. الأصداف واللؤلؤ والمحار.. تنكرني العطور الباذخة.. أنظر إليها اللحظة كأني لم أرها من قبل، تزداد تألقاً وبهجة مترفة. أنظر الى عينيها الكاحلتين، العميقتين كما البحيرة.. ثم أعود لأرنو الى الطفل.. يا الله.. لنفسي أقول: كم هو جميل.. إنه يشبهها تماماً.. أقترب منه.. ألثمه في جبينه.. تروح يدها تسافر في شعري الأكرت.. تداعبه.. أستنيم لدغدغة أصابعها الجائشة.. تغمرني عطورها الناعسة. أود لو أني أتدثر في تلك الأقماط.. فاحتشد بحلمي.. أنصت الى همسات قميصها الشفاف.. أتملى خطوط الطول والعرض.. "جوديسيا" التضاريس.. أرخبيل الروح الهيمان.. ثم أروح أنظر الى ذلك المخلوق.. في ساعده تميمة.. في يده الأخرى ودعات وسكسك.. ثم خرزة كبيرة خضراء اللون.. وعلى صينية دائرية حبات ملونة من أصداف وسوميت.. وعظام فقارية لأسماك.. وسبحة من يسر.. وسعفة لدنة وجريدة من نخل خضراء، وفال وبشريات مقبلات! النساء الموجودات يستغربن وقفتي وتأملي.. بل انبهاري وشرودي.. وأنا بهن غير معنٍ.. فقط تفعمني اللحظة. نوم الطفل الهادئ.. ألق السكينة البادي.. رفيف طيوف السعادة المؤتلقة.. اريج الطيوب السابحة.. تعابير الوجوه المفعمة بالحنان الوثير. أروح أغمض عيني.. أتوهم الزمان والمكان.. الانطلاق.. وسائد الأحلام.. عسل المساءات الخضيلة.. نداء الشوق المتأجج. آه.. لماذا تخرجني لغة الطفولة، وأنا الذي أريد الانفلات من قبضتها.. لا أحفل بارتباكي اتنشق مزيجاً من مشاعر الخوف واللذة.. تردان في داخلي أراجيح الشهيق والزفير.. الإقبال والإدبار.. الجفوة والنشوة.. المشاعر الشفيفة.. أتملى تقاطيعي.. تغيرات جمة تعروني. دلفت ذات مساء أبيض الى دارنا تستأذن لي: "وحيدة أنا.. وأخاف ظلمة الليالي وزوار الليل.. وأبونا في مأمورية تطول بضعة أيام نريده أن يكون رجل البيت الحامي.." وملتفتة اليّ ومردفة: من حسن حظك ستجد من يذاكر لك!! أحمل كراساتي وأشيائي وأنا أكاد أطير.. رغم أن البيت في الجوار.. وأنا في الهزيع الأخير من الطفولة. وهكذا توالت الأيام.. والحلم يشرئب.. والقلب لا يهدأ.. ويطول الانتظار.. أحدق على نافذة الوقت.. أين بوح السحاب الهامي؟؟ أين تدفقات النزيف المداري؟؟ يا طبقة الأزون والاحتباس الحراري!! ما هذا النثيث الذي يتآكلني؟؟ ما هذه الإحساسات التي تنتابني؟؟ ما هذه المشاعر التي تتلبسني؟؟ أأظل هكذا لا أجد تفسيراً لهذا الذي يعروني؟؟ تتداخل الحروف في كراساتي وأنا أسترق النظر.. أضيق بقلقي.. أتناعس.. جدد نشاطك تقول.. أدخل اغسل التكلس من جسد الأشرئباب العجول.. أغطس في عطر الصابون ليداعب جسدك حفيف الماء الفاتر ورذاذه المنثال عبر الصنبور.. كيف التوافق بين الإنثيال والاحتباس؟؟ با بتلاتي المتلفة بين الواحب والمستحيل.. يا عرقي المتفصد عبر مسام التوقد والاشتهاء.. يا جهد المدارة المبذول.. يا صبري الذي عيل.. يا وجعي المتجدد.. يا إفراز الروائح الغريبة.. يا نظرات الضراعة المريبة.. إني أكاد أجن.. بمن ألوذ ليعيد إليّ هدوئي وسكينتي؟؟ الآن أحس بأن جولات من الملح قد غادرتني.. أكاد أرف في سديم الجو المنتعش برغوة الصابون العطير.. لعلك ارتحت الآن أيها الصغير المشاغب من تعب النهارات التي لا تفتر بين الجري والطراد والدافوري؟؟ فأين الاستذكار؟ يتناثر الماء في جسدي.. أفزع الى البشكير الأزرق ألف به جسدي.. أدلف الى الردهة.. المرايا الصقيلة تعطيني صورتي.. أمد يدي الى قواريرها أمس عطورها.. أرجل شعري.. يحملني العطر الى أجواز علوية.. ترف أجنحتي على أثير الزمن الجانح.. يتسع المدى.. الآفاق الأرجوانية.. الأقواس القزحية.. الأطياف السماوية.. تشكل المرائي والألوان.. خضرة اليخضور.. والدوامات العميقة تأخذني الى مداها الأعمق.. استكفي في دهاليزها الخبيئة. تتركني وتمضي.. رذاذ الماء ينساب من الصنبور.. الصابون يذيع سره العاطر.. أسمعها تدندن بلحنها الأثير.. الصدى والماء يحملان روعة الصوت الدافئ الملتاع في شجوه الشاجي. تأتي نضرة متألقة.. يلتصق ثوبها البرتقالي بناعم الجسد البض.. تقتحمها نظراتي.. تستغرب اضطرابي ولهوجتي البادية. تدلف الى المرآة الكبيرة.. تجلس الى كرسيها.. تروح تمشط شعرها الأثيث.. تلتفت فجأة الى ناحيتي.. تضبطني وأنا استرق النظر الشهواني اليها.. تقول وهي شبه غاضبة، وما هي بالغاضبة: أيها الهباش.. من أذن لك باستعمال هذا العطر؟ لم أرد.. هي نفسها ما كانت تنتظر رداً.. أكملت تسريحها.. مسحت جسدها بطيوبها.. صارت أكثر طيبوبة عندما ألقت على وجهها بعض ما عنّ لها من مساحيقها. حين جاءت ثانية كدت أشهق.. كان شكلها مختلفاً.. قالت وهي لا تكاد تنظر اليّ "اني ذاهبة لأنام.. اطفئ التلفاز حالما تتعب!!" أولم أتعب حتى الآن؟؟ تظنين؟؟ قلت: "أين غطائي؟؟ اني في الفرجة زاهد!!" سبحت الغرفة في الظلام.. وفي فضاءاتها سبحت شلالات العطور تذيع أسراراها.. والنوم شط المزار.. والفكر يسافر بي نحو البعيد.. الى جزر عميقة الغور.. أروح ألوب وأدور.. بفكر آحادي المنحى.. الحلقة المفرغة.. الدوامة المتلفة.. الدرويش وهو في عمق الدائرة يلف بقدمه الواحدة.. أسقط في بئر الردى والتردد وأنا بانتظار سيارة يدلون دلوهم فيصيح صائحهم حين يشرق الصباح يا بشراي هذا غلام طيب!! يا برهة في ذاك الزمان الخضيل حين قامت تسير نحوي في بطيئ خطواتها.. يا شجوى الذي ما ونى.. يا ضربات قلبي المتسارعة.. صبراً جزيلاً.. ها هي آتية لتحملك الى عرش الدهشة والبهاء.. لتمنحك بادرة اللذة والجنون.. لتغدق عليك سخي عطائها- لتحملك الى أرض القرنفل والحبهان.. اللحظة سيبدأ الخط الفاصل بين الكائن الجديد والطفل الذي كان.. ستهتز الأرض وستربو وتنبت من كل زوج بهيج.. الخضرة الهانئة.. اللحظة المانعة.. هاهي قد دنت وتدلت.. أقبلت صوبي.. أخيراً أخيراً.. هاهي حيالي قد وقفت.. ظلت واقفة لبرهة من الزمن.. أكانت تتأمل نومتي الهادئة؟؟ أم تراها حائرة وخائفة؟؟ أم هي مترددة واجفة؟؟ أقبلي ولا تراع إن قلبي إليك اشد هيجاً و احتداما.. فإلى ما هذا الوقوف الى ما؟؟ وأخيراً هاهي اسدلت عليّ الغطاء.. لم تتركني للبرد.. يا للحنان الوثير.. يا للقلب الكبير.. تسدل عليّ الغطاء وهذا الليل هو الآخر قد أسدل علي ستائره وغلق أبوابه وأهداني الى السهر؟؟ وهي لم تقل لي هيت لك!! وهكذا انقضت الليالي.. بين المد الجاسر والجزر الحاسر.. وأنا تلتهمني رغائبي.. ووحش الأليال الذي يحرك ذيوله، ويكشر عن نابه.. لم أعد أذهب الى دارها بعد أن عاد صاحبها.. بل لم أعد اراها حتى إلا لماما وعلى البعد.. وفي المرات القليلة التي رأيتها عن قرب بدت أكثر تفتحاً وتألقاً. وازداد لدي ذلك الشئ الذي لا أعرف أن أسميه، ولا أعرف له تفسيراً كل ما رأيتها.. حتى أن أقراني تجاسروا يسألونني عن حقيقة أمري! دلفت الى دارها في تلك الصباحية غب المطر.. لأرجع بكتاب لي كنت قد تركته هناك.. كان الجو غائماً ورطباً.. وثمة أدخنة ناعمة تنسرب من اتجاه المطبخ النائي.. وصاحبها كنت قد لمحته قد خرج.. أصدرت صوتاً خافتاً وأنا أرسل التحية.. نادتني تعال الى هنا ايها الطفل المشاغب.. لقد جئت في الوقت تماماً!! كانت مستسلمة لأدخنة الطلح العاطرة، والعرق يتفصد عبر مسام جسدها العاري فيما هي تجول بعينيها يمنة ويسرة للتفادى الأدخنة اللطيفة.. اقشعر بدني.. وتقافز ذلك الشئ في داخلي.. رأتني في قمة تعبي واضطرابي، فما زادت على أن قالت اعطني كوباً من الماء أيها المجنون! فظللت في وقوفي كأني لم أسمع الذي قالت. ألا تسمعني؟ قلت لك اني عطشى.. وانك جئت في الوقت لتعطيني الماء، فهات أسقني واترك هذا التبله!! ناولتها ما طلبت.. وانسللت جارياً أبكي!! والآن ما زال رذاذ الضحكات يتناثر في فضاء الساحة.. والنساء في حركة دائبة.. والشمس كانت تتسكع على مرج الصباح، والغرفة مسدلة الستائر.. وأزيز المروحة خافت الرنين.. وضوع العطر عالي الصوت المبهج.. وأنا ما زلت أنظر الى الطفل في أقماطه.. في ما كانت يدها الخضيبة الناعمة تواصل مداعبة شعري الأكرت!!
  3. بقلم / عمر حسن غلام الله ما إن ولجت ساره من باب الحوش حتى ألقت بحقيبة كتبها في أقرب سرير وأسرعت الى المطبخ، وتناولت خبزة وفتحت قدر الطهي- الذي ما زال على النار- وأدخلت طرف الخبزة فيه تغمسها في محتوياته. - يا بت انت مالك بقيتي اول ما تجي من المدرسة تكابسي حلة الملاح كأنك ما أكلتي من الصباح؟ ما قاعدة تشيلي سندويتشيك معاك؟ - قاعده أشيلو يا أمي. - ما قاعد يكفيك؟ - ..... - مالك ما بتردي؟ - بصراحة يا يمه ما قاعد يكفيني. - عيشه كاملة ما قاعده تكفيك؟ أصلو بطنك دي مسكونه؟ - ..... - ما تردي! كانت لحظتها تنفخ في الإدام الساخن في طرف الخبزة ليبرد حتى تستطيع التهامها، فلم تكن لتصبر حتى يبرد بفعل الهواء، وقضمت منه قضمة قبل أن ترد على أمها: - لا يا أمي، ما مسكونه ولا حاجه، بس.. - بس شنو؟ - بس كل يوم قاعده أفطّر معاي بنتين ما عندهن فطور. عندما سمعت هذا الحوار في منزل شقيقتي أكبرت في إبنتها سارة تطبيق التكافل رغم أنها لم تتلق فيه دروساً في المدرسة، وتصرفها النبيل هذا ليس بغريب على مجتمع عرف التكافل ممارسة بالفطرة، وسارة لم تخبر أمها قبل ذلك رغم أن نصيبها في فطورها تقلص الى الثلث؛ فهي تكتفي بثلث وجبتها لتساهم بالثلثين في إبعاد شبح الجوع- ولو جزئياً- عن زميلتين قهرت الظروف أسرتيهما فأضُطرتا أن ترسلاهما الى المدرسة بدون فطور أو بدون مصاريف الفطور. ولم أكن أعلم قبل اليوم أن مثل هاتين التلميذتين كثير هذه الأيام.. أعلم أنه ضاقت على الناس سبل الحياة، ولا أدري من كان السبب، هل هي الحكومات الوطنية المتعاقبة، أم أولئك الذين حاربوا بلادنا وحاصروها وقاطعوها وألبوا عليها حتى الأشقاء والجيران.. ولكني لم أتوقع أن تكون الأمور قد وصلت لهذا الحد، لكن بالفعل وصل الحال الى أن من تدرس الآن- وينقصها الفطور فقط- فهي في نعمة، وخير من إخوانها الذكور الذين أخرجهم أهلوهم من المدارس ليساعدوهم في توفير القوت الضروري، الذي اختُزِل الى وجبة واحدة في اليوم غالباً تتكون من دكوة بالطماطم في الشتاء- لرخص سعر الطماطم- أو طحنية مذابة في الماء أو سخينة أو شئ من هذا القبيل في غير الشتاء، مضحين- وقلوبهم دامية - بمستقبل التلميذ الدراسي مقابل تلك الوجبة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، تجتمع حولها الأسرة في آخر اليوم وتكمل غداءها/ عشاءها بالماء. ويمر من أمامي شريط للبلاد التي أعيش فيها في مغتربي، وأرى حاويات النفايات تمتلئ باللحم والأرز والدجاج وأطايب الطعام، بل وبالتفاح والبرتقال وفاكهة من الشرق وأخرى من الغرب، حيث تجتمع على تلك الولائم اليومية القطط المدللة التي إن رأت فأراً جلست باسترخاء تتفرج عليه- كأنما تراه على شاشة التلفاز- وهو يتبختر أمامها في طمأنينة، بل ويشاركها ما لذ وطاب من المندي والمظبي والسليق والحنيذ، ويبدو أن طبيعتها التي جُبِلت عليها قد تغيرت، فلم تعد تشتهي طعام بني جنسها المفضل لهم منذ القدم، فقد توفر لها المشوي والمحمر والمسلوق، فلماذا تستبدله بلحم فئراني نيئ! أتُحِس ساره الطفلة الصغيرة بمعاناة الغير، وأنا في غفلة من كل ذلك؟ أتكون قد أنستني سنين الغربة المترفة مرارات الماضي وأحزان الحاضر، وأعمتني فلم أعد أرى تلك المعاناة، ؟ لا.. لا يمكن أن أكون في غفلة، ولن أقف متفرجاً على تلك المعاناة. *** دلفت عبر المدخل المخلوعة بوابته لمدرسة السكة حديد الإبتدائية بود مدني قاصداً النيمة العتيقة حيث تجلس تحتها (ست الفطور) التي رأيتها تعمل منهمكة في تجهيز السندوتشات للتلاميذ، ويبدو أن وقت خروج التلاميذ في فسحة الفطور قد أزف لذلك هي تسابق الزمن لإعداد أكبر عدد من الساندويتشات قبل هجومهم لشراء ما لديها، لذا لم تتنبه لوصولي ووقوفي أمامها قبل أن ألقي عليها السلام، ولم ترفع بصرها عما في يدها من الخبز والطعمية عندما ردت السلام، إلا بعد هنيهة وبطريقة سريعة ومباغتة- وكأنها استوعبت لحظتها فقط أن صوتي ليس مألوفاً لها- وارتبكت عندما رأتني (يبدو أنها ظنتني موظفاً في المجلس المحلي جئت لأرمي برأسمالها- الحلة والصحون والخبز والفول والسلطة- في برميل القمامة)، ولكن عندما لم تجد وجهي مكفهراً ولا نبرتي حادة ومهددة؛ هدأت نفسها، وتحولت تعابير وجهها الى وضع التساؤل عما جاء بي، دون أن تترجم ذلك الى كلمات. سألتها عما إذا كان هناك تلاميذ لا يجدون ما يفطرون به، فأجابت بالإيجاب، فمددت لها يدي بورقتين نقديتين من فئة العشرة آلاف جنيه، فلم تمد يدها لاستلامهما، وبدأ على وجهها الحذر والتردد، بل وشئ من التوجس والريبة، فأدركت على الفور ما تفكر فيه. - ديل قروش فطور للأولاد الماعندهم حق فطور - لكن ديل كتار - فطري بيهم الليلة وبكره لغاية ما يكملوا - كان كدي معليش توجسها وريبتها التي ظهرت على وجهها في البداية نبهتني إلى أنها في مثل سني تقريباً، أي لم تكن (حبوبة ستنا) التي كانت تبيعنا الفطور منذ ثلاثين عاماً في هذا المكان نفسه، تحت هذه النيمة بالذات.. حبوبة ستنا.. وفي ثوان كنت على متن (آلة الزمان) في رحلة الى أواخر ستينات القرن العشرين.. وأنا أقف على مقربة من حبوبة ستنا والتلاميذ يتدافعون ويتزاحمون حولها لشراء فطورهم منها، ولما انفض الجمع من حولها وبدأت تعد قروشها، كانت حلة الفول وصحن سلطة الأسود وكورية الشطة وكذلك قفة الخبز، كلها خاوية.. لم أزاحم مع التلاميذ لأحصل على ساندوتش، لأنني ببساطة لا أملك قرش الفطور، كنت أطمع فقط في قطعة خبز صغيرة تغمسها حبوبة ستنا في (موية الفول) وتعطيني إياها لأسد بها رمقي، لكن لم يبق شئ من فول ولا (موية فول). وجلس التلاميذ تحت الشجر وفي ظل الفصل يأكلون طعامهم، ذهبت للمزيره لأشرب الماء ظناً مني أنه يمكن أن يُسكِت جوعي، لكنني لم أستطع أن أتجرع شيئاً منه، فقد جعله الجوع يؤلمني في فم المعدة، فرجعت لأجلس تحت ظل الشجرة، تصارع مصاريني نفسها في معركة خاسرة أحس نتائجها في لعابي الذي يسيل بلا لقمة توقفه.. راقبت عمر وهو يقضم من ساندوتش ضخم لا يتناسب وسنه الصغيرة، ولكن يبدو أن أسرته الثرية تحشو له الساندوتش بما لذ وطاب حتى تكاد الخبزة تتفجر مما في جوفها.. ويسيل لعابي أكثر، وأحس بالجوع أكثر فأكثر لدرجة الغثيان. ويضع عمر ما تبقى من ساندوتشه على الأرض ويذهب، لقد شبع وترك أكثر من نصفه.. لم يعد لي شئ أفكر فيه غير بقية الساندوتش الذي تركه عمر.. لا أستطيع أن أقاوم تلك الرغبة العارمة في الأكل.. *** لماذا لم يرجع أبي منذ أن فارقنا قبل شهور طويلة؟ لماذا لم يرسل لأمي المصاريف لتعطيني منها (حق الفطور)، أو لتشتري منها الدقيق (الفينو) لتصنع لي منه (قراصة الطوه) وتضعها في (الكورية الصغيرة) وتربطها بالمنديل- كما كانت تفعل- لأحملها معي الى المدرسة وأفطر بها؟ لماذا لا يرجع لنا لنشتري اللحم والخضار؟ لقد مللنا أكل السخينة وبليلة الذرة.. كل الناس عندهم قروش الفطور أو يحملون معهم فطورهم من البيت إلا أنا! حتى التميرات- التي كانت تعطيني إياها جدتي في الصباح وأنا ذاهب للمدرسة وتقول إنها تقيني زمهرير الشتاء-لم أعد أحصل عليها لتوقف إرسال البلح لنا من أهلنا بالشمالية لأنه ما عاد لنا أهل هناك، فقد استقروا كلهم معنا في المدن. *** قمت من مكاني ومشيت في الاتجاه المعاكس لموقع الساندوتش، ثم بعد التفافة كاملة مراوغة مشيت باتجاهه وأنا أنظر بطرف خفي لبقية التلاميذ حتى لا يلاحظوا ما أنا مقبل على فعله، ولما كان كل واحد مشغول بما في يده من طعام، جلست بجانب ما بقي من ساندوتش عمر، ومددت يدي خلسة إليه فالتقطته، وقربته الى فمي، كانت رائحته لذيذة، ونظرت فيه فإذا النمل قد سبقني إليه.. لا لن أسمح للنمل بسلبي هذا الطعام الشهي، فنفضت النمل عنه وقضمت منه قضمة، وبدأت ألوكها.. لم أستطع مضغها؛ فقد جف لعابي تماماً، وحاولت أن أبتلعها كما هي، لكن حلقي كان قد انسد.. وتورم.. لقد خنقتني عبرة حرى.. وتدافع جوفي بأكمله الى حلقي يريد أن يخرج عبره، لكن لم يكن في معدتي شئ يخرج، لذا أوجعتني وجعاً شديداً إذ تكاد تنخلع من مكانها.. ونزلت دمعتان ساخنتان على خداي، وحاولت أن ألفظ اللقمة من فمي فلم استطع، لقد تيبس فمي تماماً، وتحجرت عضلات فكي ووجهي.. فلم يكن بدٌ من إخراجها بيدي، وطرحتها وبقية الساندوتش على الأرض، وتلاحقت دموعي التي لم أستطع حبسها، لكني جاهدت لأكتم نشيجي.. وبعد هنيهة سمعت نشيجاً حسبت أنه غالبني فغلبني ثم أفلت مني، لكني تنبهت إلى أنه ليس صادراً مني، بل من شخص آخر، مسحت دموعي المنهمرة لأتبين الأمر، فإذا بـ (ست الفطور) هي التي يصدر منها النشيج، مالها حبوبة ستنا تبكي؟ لا، لم تكن هي حبوبة ستنا، بل كانت هي (ست الفطور) الأخرى، الشابة، لقد عادت بي آلة الزمان من ستينات القرن العشرين الى غرة الألفية الثالثة.. وما زالت يدي ممدودة إليها بالورقتين النقديتين. - تبكي مالك يا ود عمي؟ بكيتني معاك - أنا؟ ما كنت ببكي، الكان بيبكي ولد صغير عمره 8 سنوات - وينو؟ مافي ولد هنا، مافي غيرك هنا - قصدي أنا ذاتي بكاني الولد ده - وينو؟ انا ما شايفه ولد هنا - لأنو كبر وبقى فوق الأربعين - ما فاهمة اي حاجة - هاك امسكي ديل وأخرجت بقية رزمة الأوراق النقدية من جيببي- بربطتها وعليها ورقة البنك- ومددتها لها، فرجعت الى الوراء قليلاً كأنما خافت من الرزمة.. - أمسكي يا بت عمي - ديل شنو؟ - قروش - عارفاهن قروش، لكن لشنو؟ - اي شافع ما جاب فطور من بيتهم، ولا عندو حق فطور تديه فطور وتخصمي من القروش دي - لكن دي قروشاً كتيره - يا ريتا كان تكفي لغاية ما أجيك تاني في الإجازة الجايه، أو أرسل ليك مع زول جاي البلد - طيب حقو تسلمها لمدير المدرسة، دي قروش كتيره وخايفه تروح مني واللا يسرقوهن - أديها انتي للمدير، وكلميه يوصي المدرسين انو اي شافع ما عندو فطور يجيك طوالي - لكن يا ود عمي.. *** وغادرت المدرسة، ومشيت في طريق البيت، عيوني محمرة ومنتفخة، تتقاذفني مشاعر شتى، خليط من الحزن والأسى وراحة الضمير، سرت صامتاً، مطرقاً إلى الأرض طوال الوقت، ووصلت إلى منزلنا، ومددت يدي لأفتح باب الحوش، إلا أن صوت طفل صغير أوقفني: - داير منو يا عمو؟ - داير.... وتبينت في وجه الطفل الذي كان يلعب بالطين أمام باب الحوش.. إنه لم يكن قمر الدولة- أخي الصغير- بل طفل آخر.. فأدركت أن قدماي قادتني لبيتنا القديم.. - إزيك يا ولد - أهلا يا عمو - ده بيتكم؟ - آي ولم أجد ما أقوله.. وبعد هنيهة قلت له: - ده كان بيتنا زمان - ..... ويبدو أن الطفل لم يستوعب ما قلته، فحدّق في وجهي ثم عاد يلعب بالطين.. لقد قادتني قدماي دون وعي مني - وفي تأرجح بين الماضي والحاضر- الى بقعة مولدي ومرتع صباي، وكأنني راجع من المدرسة أحمل مخلاية كتبي على ظهري.. هأنذا قد سلكت نفس الطريق الذي كنت أسلكه في الماضي من المدرسة إلى البيت، مشحونة مشاعري بذكريات ذلك الماضي البعيد، والذي طالما حلمت- وأنا أزرعه جيئة وذهاباً من المدرسة- بمستقبلٍ مشرقٍ يزيح عني شبح الجوع، وأكتسي فيه ملابس جميلة كالتي أراها عند الأطفال يوم العيد، وبدراجة تريح أرجلي الصغيرة وأقدامي، وأحمل عليها كتبي ودفاتري التي تثقل كاهلي الصغير.. ويا حبذا لو كانت هذه الدراجة (عجلة سرعة). وقفلت راجعاً الى حيث كنت قد أوقفت سيارتي –عند مدخل مدرسة السكة حديد الابتدائية- ويبدو أنني في خضم المشاعر والأحاسيس المتباينة، والسفر والعودة في الماضي والحاضر، نسيت أن أهلي قد رحلوا من هذا البيت ومن هذا الحي منذ عقد من الزمان.. ونسيت أنني قد تخرجت من هذه المدرسة قبل ثلاثة عقود.. ونسيت أنني جئتها اليوم بسيارة.. فتحت باب السيارة وركبت خلف عجلة القيادة، وأدرت مفتاح التشغيل. - فضلاً أربط الحزام ذكّرني الكمبيوتر الناطق في سيارتي بربط الحزام.. *** تالله ما أعذب أحلام الطفولة: ساندوتش فول، و(عجلة سرعة).
  4. بقلم / عمر حسن غلام الله تراصت التاكسيات الصفراء الأنيقة ومعظمها من ماركة هيلمان وكونسول وموسكوفيتش في طابور طويل أمام زنك الخضار في وسط الخرطوم انتظاراً لركاب بحري ممن يفضلون الطراحات، وجلس السواقين يحتسون الشاي والقهوة التي تجيد إعدادها (فطومه) يتجاذبون الحديث في هموم مهنتهم ثم يتناقشون في السياسة كالمعتاد، وهو طبق يومي لا بد من تناوله خاصة أن حولهم في كل جدار وحتى على زنك الخضار واللحمة ملصقات المرشحين للانتخابات (انتخبوا حامد شاكر الرمز الفيل، انتخبوا عبد الجليل المحامي الرمز القطية، انتخبوا…) وكان ذلك بعد ثورة أكتوبر 1964م.. - نفر بحري ، نفر واحد.. نفر والسفر.. يللا يا مبارك عربيتك تمت ينادي عم حسن الكمسيونجي ، فيتحرك مبارك نحو عربيته وهو لا زال يصيح مدافعاً عن حزبه إلى أن يقعد وراء مقود التاكسي ويدير المفتاح، حينها يلتفت الى الركاب : - معليش يا جماعة، السلام عليكم، الجماعة لخمونا بالكلام. ثم ينطلق بسيارته مواصلاً نفس النقاش مع الركاب، تاركاً خلفه حلقة النقاش ساخنة، الى أن قطعها سراج: - يا اخوانا خلونا من الكلام قوموا اتوضوا للصلاة. واستخرج كل واحد إبريقه من ضهرية العربية وبدؤوا يتوضأون، وخلع جبريل عمته المكروبة بشدة على رأسه وإلى ما تحت أذنيه ووضعها على ركبته ليمسح رأسه، وبدأ شكله غريباً إذ كان رأسه بلا تضاريس جانبية، أي كان بلا أذنين.. وبسرعة أعاد العمة الى رأسه بعد مسحه، وفي هذه اللحظة مرّ صبي صغير فأرعبه منظر الرجل بلا أذنين فخطا مسرعاً بعيداً عن المكان وهو يلتفت خلفه خائفاً من هذا المخلوق الغريب، ولفت ذلك نظر السواقين، وكان بعضهم قد لاحظ من قبل أن جبريل بلا أذنين، ولكنهم كانوا محرجين من سؤاله. صلوا صلاة الظهر جماعة على سباته، وعقب الصلاة وبعد التسبيح والدعاء، فاجأ عبد الودود جبريل بالسؤال الذي كان يتردد في طرحه منذ زمن، وأخرجه على لسانه موقف الطفل الخائف: - الولد خاف منك يا جبريل.. ما قلت لي، إضنينك مشن وين؟ ويبدو أن جبريل كان يتوقع السؤال منذ زمن أيضاً، - أكلتهن في بطني دي أجاب وهو يضع يده على بطنه كأنه يؤكد ما يقول، ورغم ذلك ظن الجميع أنه يمزح، فعاودوا السؤال: - بالجد إضنينك راحن وين؟ فكرر الإجابة : - أكلتهن في بطني دي، وذهل الجميع : - كيفن يا زول أكلتهن في بطنك؟ فرد جبريل : - حأحكي ليكم حكايتن - ود أحمد؛ عربيتك تمت، قوم ودي الركاب صاح الكمسيونجي، فرد ود احمد بعصبية ظاهره - هو ده وقته، دقيقة يا جماعة، جاييكم، جاييكم، يللا قول يا جبريل ولكن جبريل لم يبرد بطنه : - الحكاية طويلة يا ود أحمد، قوم ودي الركاب ولامن تجي بعدين أحكي ليك.. - يا اخواني سيد العربية دي وينو؟ ما يجي يتحرك، الحر كتلنا جاء صوت إحدى الراكبات المتذمرات من داخل تاكسي ود احمد، فقام ود احمد الى عربيته وهو يطنطن، إذ ستفوته الحكاية والقصة.. - أنا زمان في الأربعينات كنت رباطي وقاطع طريق بدأ جبريل الحكاية وآذان السواقين صاغية باهتمام، ووضعت فطومه ست الشاي- التي تجلس على مسافة منهم- كفها حول أذنها لتسمع بوضوح ما يقال، وقد فوجئوا بتلك المهنة التي ذكر جبريل أنه كان يمتهنها، فقاطعه محمد خير : - قطّاع طريق عديل كدي، اتاريك همباتي ونحن ما عارفين وبعد ضحكة قصيرة واصل جبريل : - كان عاجباني روحي بلحيل، وكنت صبياً متعافي، وفارس في المبارزة بالسيف، وما كان فيّ زول بفلت من إيدي، أحياناً كنت أبارز الثلاثة والأربعة في وقت واحد وأقلع العندهم وركوبتهم، المهم استمر الحال على كده لغاية ما يوم قطعت طريق مسافر ومعاهو مرتو، فقلت في نفسي ده دورو ساهل، فطلبت منو اللي عندو فسخر مني وقال لي أمشي ألعب بعيد يا وليد، أنا أخوك يا حليمه، الحكاية دي زعلتني، رفعت سيفي عشان أخوفو، طلّع سيفو هو كمان، بدت المبارزة، لقيت زولي ما هو هين، قلت الحكاية باين إنها جد، قدر ما بارزت الزول ده ما لقيت فيه فرقة تب، كلما أقول اتمكنت منو وأضرب بالسيف ألاقيهو نطّ أعلى من كتفي وسيفي يضرب الهواء تحتو. لما تعبت خلاص وغلبني أعمل فيهو حاجه قعدت في الواطه وختيت سيفي قدامي.. - يعني سلمت قاطعه سراج - أيوه سلمت، فارس زي ده ما مرّ علي أبداً، الزول شال سيفي ختاهو بعيد وطلّع سكينو وحزّ إضنيني الاثنين، وقطعهم حتت وقال لمرتو جيبي الدقه، خت لي الدقه قدامي وجنبها إضنيني المقطعات وقال لي اكلن، يا تاكلن يا أقطع راسك بالسيف.. أكلتهن - اكلت إضنيك؟ سأل محمود باشمئزاز واضح - أيوه أكلت إضنيني أكد جبريل - عوع جاء صوت فطومه ست الشاي كأنها على وشك أن تتقيأ ما في بطنها - هسه إضنينك في بطنك عقّب سراج - كانن في بطني، لكن زمان نزلن في المستراح أهه كمل الحكاية قال محمود يستحثه على مواصلة الكلام - بعد داك الفارس خلاني مشيت، لكن بلا إضنين- وأنا القايل نفسي فارس الفرسان، أتاري حواء والده- ومن ديك توبة يا حبوبه.
  5. بسم الله الرحمن الرحيم الصلاة والسلام علي اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم رئاسة سجادة العركيين القادرية طيبة الشيخ عبد الباقي الحمد لله الودود وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي المعبود الآمر بالركوع والسجود وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبده ورسوله الذي جاء بكل شئ محمد اللهم صلى وسلم عليه وعلي آله وصحبه أقمار الوجود وبعد العركيون أشراف حسينيين ينتهي نسبهم عند الإمام إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام على زين العابدين بن الإمام الحسين رضي الله عنهم وعنا بهم . في عهد دولة الأمويين هاجر أجدادهم من أرض الحجاز حينما دخلها الحجاج بن يوسف متجهين إلي مصر ومنها إلي المغرب ومنها قدم جدهم السيد مقبل بن نافع إلي السودان وتزوج إبنة زعيم قبيلة العركيين الموجودة في منطقة بئر سّرار بكردفان وأنجب إبنه دفع الله الذي ساعد والده في بناء المسجد وتعليم القرآن وعلومه بعد أن أتقنها من والده . ثم رحل الشيخ دفع الله ود مقبل بعد وفاة والده لشح الماء في كردفان حتى نزل بمنطقة الجيلى شمال أم درمان حيث أسس مسجد وخلوات لتعليم الدين وتزوج هديه بنت عاطف الجميعابيه وأنجب منها أبناءه الخمسة المشهورين ( بالخمسة العدول ) لغزارة علمهم وتفردهم ومنهم تفرعت بطون العركيين الأشراف ومنهم حمد المُلقّب بالنيل وعبد الله العركى ومحمد المشهور بأبي إدريس وأبو بكر المكنى بأبي عائشة وعمر الزير . ترك السيد مقبل منطقة الجيلى وسكن منطقة الهلالية حيث أسس مسجداً وخلوات إلى أن توفى بالهلالية فهجرها أبناءه الخمسة العدول بأهلهم وساروا مع محاذاة النيل الأزرق إلى أن وصلوا منطقة مليئة بأشجار الحراز فقطعوا شجرها وأسسوا مملكتهم الدينية ( بأبي حراز ) مع بداية القرن السادس عشر الميلادي 1520م تقريباً غرسوا زروع الفضل في سوداننا ودنا القطاف بيانع الأثمــار يسعى بهم قوم إلي الأوج الذي يرضاه خالقنا العزيز الباري حدث عن الأعراك صاح مردداً وصُغ العقود من القريض درارى يزهو بها جِيد الزمان ويزدهي فالقوم قدمـاً جملـوا للــدار من أمهم يبغى القِرَى سيناله فيضاً يفوق غوادياً وسـوارى أوقاتهم وقفٌ لإسداء الجَدا لا يرتضون سوى رضا الغفار ويهزني ذكر أب حراز تشوقاً ويزيد وجدي طيبــة الأخيار الشيخ عبد الله العركى أحد الخمسة العدول درس القرآن لدى أولاد جابر بالشمالية والعلوم الإسلامية علي أخيه الشيخ حمد النيل وتولى القضاء في عهد السلطنة الزرقاء وقضى إثنتى عشر عاماً بالمدينة المنورة قاضياً وإماماً لمذهب المالكية ومفتى المدينة وهنالك سلك الطريقة القادرية علي الشيخ حبيب العجمي خليفة الشيخ تاج الدين البهارى وبوصية منه وعاد إلي السودان لحاجة الأهل والبلاد إليه لتعليم القرآن وعلومه ونشر الطريقة وله مؤلفات في علم التوحيد والفقه والفرائض والأدب وقد إنتشرت طريقته عمن سبقوه لبنائها علي العلم هكذا ذكر الشيخ ود ضيف الله في طبقاته ومنه تسلسلت خلافة العركيين إلي أخيه الشيخ محمد أبو إدريس فالشيخ دفع الله المصوبن ومن ثم الشيخ محمد القنديل بن الشيخ عبد الله الطريفى ومنه إلي الشيخ دفع الله الصاموته ومن ثم إلي الشيخ يوسف أبو شراء بن الشيخ محمد القنديل . بالعركى وأبو عائشة وحمد النيل عمر وأبو إدريس ودفـع الجليل الكشيف والطريفى وكـذا القنديل يوسف ومحمد والريــح والنيل الأربعاء 5 رمضان 1425هـ طيبة الشـــيخ عبد الــبـــاقي لنا عوده
  6. مشكور الاستاذ محمد الرشيد على المعلومه القيمه
  7. للقاص :عمر دفع الله لا أحد يعرف من أي مكان بالتحديد يجئ هذا الرجل الغريب ، و لا أحد يعرف إلى أين يذهب مع الشمس حين تغيب ، الكل يراه يمشي و يمشي في انكسار الزاهدين حتى يتلاشى في عتمة المساء ، في المساحة الواقعة خلف القرية جهة الغرب ، ثم يتراءى لهم مرة أخرى في اليوم التالي عند غلس الفجر ، في الخلاء الواقع أمام القرية جهة الشرق ، حيث يجئ مقبلا من بعيد ، فيبدو صغيرا و بلا ملامح ثم يكبر و يكبر و تتضح هويته شيئا فشيئا إلى أن يحل في القرية كاملا مع الشروق كأنما هو صنو الشمس أو خيطا من خيوطها. كل أهل القرية و جيرانهم يشهدون لبعضهم و لزوارهم بأنهم منذ أن شبوا عن الطوق و تفتحت عيونهم على حركة الحياة ، و رغم اختلاف أعمارهم ، قد رأوا الرجل بهيئته تلك يتجول في (سوق القرى) و يميط الأذى عن الطرق ، ثم يجلس في مكانه المعهود يرجز و يصلي و يضرع لله و يرفع بصره إلى السماء و يخفضه في رضا العارفين ، في حركة مستمرة حتى آخر المعمرين شاهد طقوسه تلك على مر الأيام و شهد عليها ، وعلى أنه رآه هكذا ، كما هو عليه الآن بجسمه الناحل الطويل و لحيته الكثة البيضاء و شاربه الكثيف ، داخلا في ذات الجلباب القصير و السروال الطويل ، وبلفة عمامته التي تشبه العصاية و حذائه الجلدي السميك و على كتفه ذات (الفروة) و بيمينه ذات الإبريق المعدني الصقيل ، إنه لم يتغير أبدا ، ولم يتحول عن عاداته مطلقا ، وقد قالوا الكثير المثير عنه ، فمثلا قالوا أن صلاته المنفردة في ظاهرها تحضرها أرواح كثيرة من الأولياء و الجن الصالحين ، خاصة و أنه يتلفت قبل الدمعقولة بس في الصلاة إلى الوراء و ينظر يمينا و يسارا و يتمتم بحديث قيل أنه حديث الإمام للمأمومين " استووا . سووا صفوفكم يرحمني و يرحمكم الله ……" ثم يدخل في الصلاة ، أما نساء القرية متوسطات العمر فقد كن يتطلعن إليه ويتقن للوصول لسر السحر الروحي الكامن في أعماقه العذبة ، وكن يتهامسن عن عالمه الخلوي و ارتباطه الوثيق بمغيب الشمس و شروقها ، ويقلن أن له اتصال بعالم الجن ، و أن له امرأة فيهن تدعى حاجة النفوس ، يوم زفافها له حفل العرس الجنيين كل أركان الدنيا ، انحدروا من الأنهار والبحار و جاؤا من الوديان و السهول و الصحارى و من الربى و الوهاد و قناني الجبال و سفوحها ومن بطن الأديم و قد حملوا عرش زفافها و طاروا به خارج الأرض إلى حجرات قمرية ، أبوابها و نوافذها صنعت من خشب الصندل و مقابضها من الذهب و الفضة و سويت أعتابها بالرخام و سقوفها من أخشاب الطلح و الشاف و قد بنيت جدرانها بالمسك و الزعفران ، و فرشت بالحرير و زينت بثريات اللؤلؤ و الفيروز المعلق و النجف الماسي ، وقد لمعت في أرجائها الأحجار الكريمة التي جلبت من أودية القمر . و استمرت احتفالاتهم ثلاثون يوما حضرها أقطاب القبيل من الكواكب الأخرى و قلن أن أباها من سلالة الجن الذي تباهت بإحضار عرش بلقيس إلى سيدنا سليمان قبل أن يقوم من مقامه . إ ن النساء متوسطات العمر دائما يتحدثن عن عالمه ذاك ، أما الرجال و النساء كبار السن فقد كانوا يقولون أنه ولي ، و أن سر ديمومة الخضرة في المراعي و عنفوان الطبيعة في حقول القرى إنما هو من بركات هذا الرجل الصالح . و كان بعضهم يعتقد و البعض يجزم بأنه الخضر عليه السلام بذاته ، أما شباب القرية من الجنسين كانوا ينظرون إليه على أنه رجل إنساني ، إلا أن واحدة من النساء متوسطات العمر كانت تنظر إليه نظرة كبيرة وواسعة ، كانت ترى سعادتها بيديه و الطريق إلى الجنة يمر به ، و أن كل رجل سواه لا يمكن أن ينتصر لأنوثتها و ضعفها و يقودها إلى ذاك العالم الخافق بالحق و الخير و الجمال ، و يرويها من عاطفته العلوية الراقية ، إنها المرأة الأكثر توقدا و اشتعالا في سبيله ، فقد كانت تتبعه بعينين عاطفتين من داخل حوش منزلهم القصير الواقع في طرف القرية ، تستطلعه عند كل فجر و تشيعه مع الغروب إلى عالمه الغيبي ، غير أنها في أحد الأيام وضعت حدا لعذاباتها و صممت على الوصول إلى قرارة الرجل فانحدرت مع الشمس قبيل غروبها إلى خارج القرية ، ولم تنتبه لكثرة الغربان التي حلقت صبيحة هذا اليوم باكرا و بقيت تنعق حتى الأصيل ، فقد كانت مشغولة عنها بترتيب أمورها و أحاديثها التي تود أن تقولها و احتمالات الطريق . توغلت في الخلاء مع رضيعتها اليتيمة إلى أن وصلت إلى واد صغير به شجيرات نخل متناثرة فاختارت منهن المثمرة الباسقة و جمعت من تحتها مما ساقطته الطبيعة من ثمارها و غسلته من بركة بقربها و كومته في خرقة لها أمام طفلتها ثم تقرفصت تحت النخلة و أسندت ظهرها إلى عمودها و عينها على الشرق ، في المساحة التي تمتد من القرية إلى سديم الغروب ، في الخلاء الشاسع ، في انتظار الرجل حين يجيء سالكا درب المغيب ، فقد عزمت على أن تلتقيه عند منتصف المسافة لاعتقادها بأن صلته تنقطع في هذه المنطقة بعالمنا البشري . كانت الشمس من خلفها تسحب خيوط أشعتها الزيتية الباردة من مسرح الحياة والعصافير تشقشق بحده كأنها تحتج على مغيب الشمس أو تبكي على قتيل لها ، بينما مي تسبح في أنهار الخلد ، في حلمها الفضي . و هناك في الطرف الآخر ، على دكة في سوق القرى تنسحب الروح من جسد الرجل الغريب ، و أثناء ما هي في ذلك جاءها _ بين الشك و اليقين _ صوت جني حزين كأنه منبعث من رأس النخلة أو من فضاء بعيد (( مكة بنية الحجاز حزينه ، الليلة مكة تعزيها المدينة ، يا سند الأجنة في الأرحام ، يا ضوء العشا ، يا سراج الظلمة الانطفا )) و يتكرر الصوت الجني الباكي ملء وجودها حيرة (( يا ضوء العشا يا سراج الظلمة الانطفا ، يا سراج الظلمة الانطفا ، يا سراج الظلمة الانطفا …)) و قد صاحت الديوك في غير أوانها و جاءت الأبقار و خارت الثيران في المرابط و رغت الجمال في معاقلها ، ثم شق النواح يقينا عنان الفضاء ، و صعق من في البلد ، و قد حمل الصبية الفوانيس و المصابيح الكهربائية و مشوا فوق الحقول و النجود و الوهاد و عبروا الجداول إلى القرى المجاورة
  8. الجدار مرتفعاً عالياً جداً بالنسبة لقاماتهم القصيرة وصلباً سميكاً أملس يصعب على أجسادهم النحيلة تسلقه ... دائماً ما كانوا يجابهون بالسباب واللّعان والزجر والوعيد من حارس تلك السرايا الذى لا ينسى سلاحه أبداً ويظلُ ممسكاً به على الدوام .. واقفاً كان أم جالساً .. غافياً أو فاتحاً أعينه التى تشبه عيون الثعالب راسماً تلك النظرة المتحفزة المتوثبة حتى ظنوا أن سلاحه هذا وُلد معه كرجله أو يّدِه أو أذنيه مكملاً لأعضائه وربما ، مميزاً لشخصيته التى سُورت بجدار قاس من الخوف فى نفوسهم يصعب إختراقه ... لا يستطيع أحد من أهل البلدة أن يقدّر عمر هذا المبنى الذى يحبون أن يطلقوا عليه السرايا .. فمنذ أن وعوا وعرفوا ووعى وعرف أباؤهم وربما أجدادهم .. وهو كما هو .. لا أحد يعلم متى شُيّد وما الغرض منه وفيما يستخدم ... لا أحد يعلم شيئاً وكأنهم ناموا ذات ليلة نوماً عميقاً هانئاً بعد أداء واجباتهم العادية والليلية وغير العادية وغير ليلية ليتفاجئوا فى الصباح بهذا البناء الضخم الجميل الساحر بأحجاره الملونة وأنواره المضيئة ليلاً بكثافة شاملة مساحة واسعة حول البناء الواقع وحيداً فى الركن البعيد من البلدة وكأنه نبت هكذا عملاقاً من جوف الأرض ... كثيراً ما سمعوا من الكبار سناً الحكايا عن هذه السرايا .. فمنهم من يزعم أنها مقبرة لمن يلقى حتفه فى الإعتقال ومن يصرّ على كثرة الحديث بالحق أو بالباطل .. ومنهم من يعتقد أنها مركز أبحاث يُنتج فيه بشراً بمواصفات خاصة أهمها أن لا يقول لا أبداً ولا يعرف معناها ويجزم هؤلاء أنهم رأوا إنتاج هذا المركز من البشر ذوى المواصفات الخاصة .. وبعض الكبار من أهل البلدة يظن أنها مصنع سلاح أو طائرات أو صواريخ ... إختلفوا فى حكاياهم وإتفق كلهم فى شىء واحد أن هذا المبنى خطير خطيرٌ جداً ولا يجب الإقتراب منه .. زاد الفضول لدى الصغار والأشقياء من الصغار لرؤية ما وراء الجدار العالى .. كانوا يتجمعون وينقسمون مجموعات ، مجموعة لتشغل الحارس وتشاغبه .. مجموعة لجلب الأدوات وتجهيزها والأخرى للتنفيذ .. أحضروا قضيباً صلباً ومطرقة قوية لفتح ثقب يتيح لهم رؤية ما بالداخل ، ولكن الجدار صلب قاسى .. إنثنى القضيب وفشلت المحاولة ... أحضروا سُلّماً حسبوه طويلاً ليتسلقوا عليه ولكنه تسبب فى كسر قدم أحدهم .. فخافوا من التكرار .. إنتبه أحدهم يوماً إلى الشجرة العالية الضخمة التى تقف على مسافة ليست بعيدة من السور.. قال بفرح : - يمكننا أن نرى من على الشجرة .. سأتسلق عليها ..! فرحوا وتدافعوا وصاحوا : سنساعدك إنحنى أحدهم وطلع على كتفيه آخر .. وآخر وآخر إلى أن اصبحوا سُلماُ من الأجساد ساعده على التسلق بمشقة أقل .. أصبح كل المبنى تحت ناظريه فرأى وصُدم لما رأى .. لم يكن مركزاً أو مصنعاً أو حتى مقبرة لمَنْ يُكثر الحديث .. كان عبارة عن مبنى فى الوسط مطلى باللون الأبيض .. الباب مفتوحاً هاهو يلمح الأرض عارية من كل شىء وزاوية لشىء مسطح ربما كان سريراً أو منضدة لا يدرِ ولم يستطع التمييز لبعد المسافة .. أما ما يحيط بالمبنى والمساحة التى تقع أمام ناظريه معبّرة عن قُبحها بوضوح ، فهى مجرد خراب ملىء بأوراق الأشجار الصفراء المتساقطة وأكياس النايلون وأخشاب وحجارة وأوراق كثيرة يحركها الهواء فتطير من جهة إلى أخرى و.. و.. و.. وكلباً ضخماً ينبش فى تلةٍ من القمامة باحثاً عن رزقه ...!
  9. العفوس للقاص :عبد الباسط آدم مر يود هانذا التصق بالشيء الأملس الناعم كخدٍ اثيل .. التصاقي باربعاتي ، يداي تحاولان الالتفاف حول خصره لكنها لا تحيطه ، كم تمنيت أن تكون لي مخالب باشق لحظتئذٍ لاغرزها في هذا الشيء الأملس ، ورجلاي تحاولان التثبت بمؤخرته التي لا تشبه أي مؤخرة ، وصدري المهتز بفعل ضربات قلبي الواجف ، هو الآخر يحاول الالتصاق ، وكل نهاياتي العصيبة ترتج وتصرخ … أحاول الزحف الى الأمام اللامتناهي في نظري القاصر فلا اقدر ، أحرك يدي اليمني ، غارزاً أسناني في شفتي السفلي ، تجاه نتوء قريب لكنه يبتعد عني جافلاً شامتاً ، مخرجاً لسانه فتغشاني موجة رذاذ لزج وعفونه واضحة ، طارت بومة من الهوة السحيقة اسفل مني فاصطفق جناحاها ونثرا رذاذاً نتناً لزجاً أبيضاً ، وصوت أخي الأصغر في الاسفل يصلني أنيناً متقطعاً ، محاولاً توجيهي للامساك بتلابيب الأفرع العنيدة . : حرك يدك اليمني قليلاً .. لا ترفع رجلك مد يدك فقط !!! وأنا أحاول جاهداً أن افعل ما يشير به علي خارت قواي وتيبست قدماي وتسمرت يداي ، وشعرت بالخدر ينتشر في كل جسدي ، أخرجت عينيَ من محجريهما لتعانقان الأرض البعيدة وكأنما تفصلني عنها قارة أخرى ، فارتد إلى بصري وهو حسير ، أصدرت أذناي طنيناً متواصلاً وصدري الذي يعلو ويهبط ، وأنفاسي اللاهثة كالحمي تحبس الكلمات فتخرج متقطعة ، تذكرت وقتها ثغاء (المكسور) الحزين وهو متعلقَ بين الأرض والسماء و أرجله تتخابط سكري ، كان سخلاً مشاكساً عسلي العيون متهدل شعر المقدمة كقصة الحناكيش تزين المسافة بين قرنيه المعكوفين كهلالين ، وكان يسير وسط القطيع متباهياً بسواده اللامع ، وغرته الوضاءة التي تجعل السخلات يحمن حوله ويصدرن ثغاء حميماً : ميع .. ميع … ميع .. كان (المكسور) سخلنا في نفس هذا المكان اسفل مني ، يداعب (عصار القايلة) جمل شيلنا ، محاولاً اختطاف عليقته مستقلاً بطئ حركته وهو بارك محتضناً الأرض ، فتارة يأتيه عن يمينه و أخرى عن شماله ، وعندما بلغ سيل عصار القايلة ذباه وقف علي اربعاته راشحاً سائلاً نتناً وزعه بذنبه بين رجليه الخلفيتين وظهره ، ونفخ بالونته الوردية علي صدغه الأيمن واصدر هديراً تساقطت له بعض وريقات التبلدية خائفات كان ذلك بمثابة صافرة لوقف الهزار للازيرق (كان يَعرف وقتها) لكنه تمادي في هزله فقفز إلى وسط طست العليقة فتلقفه عصار القايلة بفم ملؤه حبات الذرة والزبد الأبيض الهلامي وامسك بمؤخرته وتله الى اعلي كالونش أضحى ثغاء السخل مواءً خافتاً فتداركه والدي لحظتها انفكتا فكي عصار القايلة وسقط الازيرق متمسحاً بالأرض وانغرزت قرناه بها ، ومن يومها صار يحبو على رجليه الأماميتين وصار المكسور .. هاهو مواءه يطن في أذني وصلبه المهشم الذي يكنس به الأرض يجعل قدماي ومؤخرتي يغشاهما خدرُ كاملُ … فأحاول جاهداً أن التصق أكثر وأكثر بالشيء الأملس الناعم وأن الصق خدي عليه في استسلام كامل , أخرجت عيناي من محجريهما للمرة الثانية لمعرفة مكان أخي الذي اسفل منى ولكنى عدلت عن تلك المحاولة بعد غياب صوته وأدركت أنني سأسقط لا محالة , وتخيلت جسدي يتوزع مزعاً بفعل الاصطدام العنيف بالأفرع التي تسد المسافة البعيدة بيني والأرض ، فالرأس غادرت أولاً لكم تفوهت بفاحش وكم نممت وكم اغتبت يا فمي فوداعاً وأنت تصدر صرخة داوية زلزلت أركان التبلدية , غادر الرأس يحمل العينين اللتيين كم نظرتا الى المحارم ولم يغضضن البصر بنظراتهما الزائغة الوجلة والوجه الممتلئ رعباً وقف له كل شعر الرأس … ثم غادرت اليدان اللتان كم اغترفتا من خطايا , ثم القدمان فالصدر .. البطن الذي كرع الحرام افرغ كل محتوياته وصارت حبالاً تتعلق في المسافة بين الجذوع والأرض وهكذا غادرت إلى الله بالقطاعي ، حركت يدي اليمني مرة أخرى محاولاً الإمساك بذاك النتوء المبتعد أغمضت عيناي وعضضت علي أسناني لتمديد يدي أقصى ما يمكن وفردت أصابعها ولكن منالي كان ابعد وغشيتني جدلية سقوطي العظيم ، فتخيلتها كسقوط (المحينة) من نفس هذه التبلدية وهو يغافل الكل فيصعد إليها متوشحاً قربة ماء فيدلقها علي قرص النحل البري طامعاً في عسله الغالي بداخل فتحتها التي تستودع لنا ماء المطر الخريفي لسقيانا صيفاً ، وكان ظن (المحينة) أن انسكاب الماء يعطل طيران النحل الشرس ولكن قبل أن يجمع العسل جفت أجنحة النحلات الحرشفية فأوسعته لسعاً أطاح به من علو التبلدية متكوماً أسفلها ومن يومها صار اعرجاً وفاقداً لماء الولد ، فحرم من طفل يؤسس له ويكون له جذراً له انتماء ثابت واصل ، أيكون اصطدامي اعنف لاني التصق الآن بأعلى الجذوع واسفلي جذوع وجذوع ثم مغارة فاغرة فاهها تحدق في شامته هي الأخرى .. فتشخص أمامي المحينة الأعرج مثل حلمَ قادم من العتمة ، ها هو يعرج قبالتي ويفتح أحضانه لي ، التي تتشكل كما الغبار من ذرة والماء من قطرة ، رجلاه ينسلان منه كهايفات الفطر كأطراف الأخطبوط لكن لها شرشرة كشرشرة المنشار حادة .. التفت حولي ، هصرتنى ، حلبتنى ، صرت كعصارة تقطر منى ماء الولد كثيفاً لزجاً له رائحة الدبق ، فازددت التصاقاً بفريع الموت ، وهو الفرع الغربي الأكبر بين كل الأفرع الغربية ، لتبلديتنا أم توكيل والتي اسميها أنا Om two kill ، والتي تسلقتها إرضاء لأحلامي الحمقاء في اصطياد الثراء من أودية مجهولة الهوية ، ثم إرضاء لنزقي الخاص ، ولشهوتي والدتي وصويحباتها اللاتي تجمعن لمص القهوة ودم أهل الحي بقطيعتهن ، لشهوتهن في أكل العفوس بالدكوة وبصل زالنجي الأبيض ، فيعفسن الأوراق اليانعة التي يبتسم بها التبلدي في أول تباشير الخريف (شقت الشدر) تنامت أحلام ثرائي الطفولي بطفيلية عندما نادتني أمي … : نزل لخالاتك ديل عفوس ثم ألصقت فيها بأذني : بيع ليهن الربطة بتعريفة أغراني حديثها بالمغامرة ، وانتشرت رغم انفي أحلامي في الثراء وتتمددت فتسلقت أم توكيل بهمة قرد ماهر ، والتفت أحلامي المنتشرة حول أخي الأصغر فظل يجمع ربط العفوس واضعاً إياها في جوال ، رافعاً صوته الذي كان له سحره في دفعي إلى الأعالي رويداً رويداً هكذا جبت الشجرة شرقاً ، غرباً ، فرعاً فرعاً حتى ساقتني قدماي الطامعة هي الأخرى إلى فريع الموت الذي التصقت به و هانذا التصق به فاجده املساً ناعماً يتبدى لي ، وأنا جامد بلا حراك ، وأصوات الناس الذين تجمعوا علي ولولت أمي . : يا رمادي … يا فليلي … الحقوني يا ناس !! وفي محاولة غير موفقة أشاروا على امهر من يتسلق تبلدية في المنطقة أن يلحق بي ويربطني إلى نفسه بثوب ولكنه فشل في أن يصل إلى مكاني عند فريع الموت ، ثم عدلوا عن الفكرة بان ينشروا الثوب بينهم واقفز فيه ، واخيراً اهتدوا إلى أن يستبدلوه بعنقريب يحملوه بين أيديهم واقفز فيه ، داعبت نفسي بنفسي برغم الضجيج الذي اسفل مني ، ابتسمت إليها في محاولة يائسة أن اطرح خلفي هذه التبلدية المسقوفه بالأشياء الرمادية وان انفذ إلى عالمهم الذي يشبه غمامة من عطر اسفل مني ، وصرت عصفوراً ذهبياً جميل الشكل يتحلق حولهم يحمل في منقارة أوراق عفوس ندية ، وصرت أوزعها علي كل نساء البلدة بدءًا بالفقيرات النازحات المسحوقات بين أنياب الحياة اللائى لاكتهن أضراس الزمن القاتم أمثال (بت خاطر) التي جرفها تيار النزوح والجفاف إلى البلدة فأضحت مستأنسة بالجوع والمسغبة والعوز مستعيضة بالعفوس بالسقدى مع تكريعة من مريستها المشوشوة متوارية خلف الحجيل بداخل راكوبتها الكثيرة الرقراق وكنا نستحضرها في حجواتنا تحت ضوء القمر . : حجيتكم ما بجيتكم : خيراً جانا وجاكم : أم شنقنق الفي قعر البيت تنقنق دي شنو ؟ ويظل يبحث أحدنا في مؤخرة ذاكرته صائحاً : : دا البجبجي (مطبوخ مسحون حب البطيخ) : كضباً كاضب ويقفز الآخر : دى برمة الروابة (اللبن الرائب) : كضباً كاضب … نركبكم ولا تدوني لي دار ويهتف الخبثاء منا : ركبنا !! : ركبتكم ما ركبتكم ، ركبتكم ليكم في بعيشيم اجيرب يزرع في بطيناتكم ويتيرب … أم شنقنق دى مريسة بت خاطر …. وهكذا تحلقت موزعاً عفوسى ، والناس اسفل مني يحملون العنقريب ، أخرجت عين واحدة من محجرها وكان مسلياً النظر إليهم بها ، فظلوا يتطاولون ويستطيلون ثم يتربعون ، وقليلاً قليلاً يصيرون اصفاراً تتجمع كنتفٍ من عوالم قديمة تستيقظ في ذاكرة حلمي فإذا بهم أفراد شرطة تجرجر بت خاطر يسحبونها بثوب زراقها الذي غدا اثمالاً ويدوسون عليها فتستفرغ عفوسى اخضراً برائحة خمرتها المشوشوة ، و أخرجت عيني الأخرى فتكاملت الصورة وتشكلت تلك الأصفار أناس يتصايحون اسفل مني . : اقفز .. اقفز .. اقفز فوق العنقريب رفعت رأسي الملتصق قليلاً وشعرت بارجلي ويدي تحاولان الحركة وتغيران وضع الالتصاق الكامل بفريع الموت إلى وضع التهيؤ للقفز لكن فضاءَ بيني وبين العنقريب جعلني أتراجع إلى سابق وضعي سريعاً وتركت أذني تتابعان ضجيج الناس وكلماتهم المشفقة . : الوليد دا احسن تدلوه قبال الهبوب الجاية دى : كتكريه دى كان جات والله توديهو في أم طرقاً عراض جلست إلى انفي تحدثني عن تصيدها لرائحة دعاش قادمة مضخمة بروث البهائم ورائحة المشك الجافة ، عادت أذناي لتلتقط الصيحات المنذرة بقدوم اجتياح ترابي وهفهفة إعصار قادم .. وفتحت عيناي علي تراكم السحب الداكنة التي أضحت مربط عجيل ، والرياح تلون الأفق الشرقي بلون الدم المسفوح ، انعكست أشعة الشمس عليه ، والسماء تحاول ترشح دمعاً كثيراً ، والسحب مرشوشة بمسحوق احمر من الغبار والكتاحة ، انتقلت الأصوات اسفل مني من مرحلة الرجاء بالقفز إلى مرحلة صياح ملؤه الخوف و الانذار بالشؤم والخطر القادم .. تبينت صوت أمي الذي بح ، مواء أخواني الصغار ، وثغاء رفاقي ، فعدت مرة أخرى إلى وضع التهيؤ إلى القفز ، بأن تحركت مني الرجلان واليدان بين ارتشاقي النظري إلى الهبوب القادمة بكل عنفوانها وبين جدلية سقوطي المحتمل ، وتهشمي كبطيخة تعدت طور النضج متفتتاً ، لكني فضلت هذا التفتت ، من غياهب سرمدية بعيدة تناهت إلى أصداء : اقفز … اقفز فقفزت بعد أن تحررت كل أعضائي من اسر الالتصاق بفريع الموت و هانذا اهبط كأني أطير ، والمسافة تراءت لي بعيدة وقريبة ، وصلني صوت ارتطامي باحدي زوايا العنقريب ، و انثني ظهري كالياي المضغوط بين اصبعين ، وتناثرت زوايا العنقريب الأربع وظلت تطارد حاملي العنقريب ومن في جوارهم وهويت . صحوت وجرعات من الألم تطال كل أعضائي بقايا دماء ودموع مالحة عبرت إلى حلقي الجاف ، ولفافات بيضاء تدثرني وجبص سميك يشل عضوي، وبعين واحدة صعب علي فتحها رأيتهم يتحلقون حولي تبينت صويحبات أمي مشتهيات العفوس بالدكوة وبت خاطر التي تفضله بالسقدى … يسبقهن نشيج أمي : حمداً لله علي سلامتك وعلمت أنى كنت اصطاد الثراء في وادى مجهول …
  10. عطر البن 00وأشياء أخرى للشاعر :دفع الله يوسف ابوعاقلة جالسةٌ بيمينها الهوى وبيسارها أنا وبيننا وسادةٌ ومنضدةُ وإناء ودورقٌ ومبخرٌ وأكوابٌ وماء جالسةٌ وبعينيها مساحةُ دهشة وألف أُغنيةٌ وقصيدة0000وبعينيها حديقة وبشفتيها من الفرحة رعشة وفي ابتسامتها حياء وتنافس الشوقُ مع الرجاء وتطاير الدخانُ في الهواء وأرتشف الصمت انتباه من تفاعل الجمر والبخور000 وتحشرج المدى وأحترق الصبر وتدافع النداء وأبصرتُ في وجنتها 000 المساء وأنجم اشتهاء وتصاعد الدعاء بين رائع البخور وعطر البن وفي ارتجاف كفها حناء ورشفةٌ 000 كأن البدر 000 قد تبخر في أعيني والصيفُ والأضواء جالسةٌ 0000 وبيننا طريق0000 من هنا حتى الحريق وسائلٌ000000 في لونه وقار00اسودٌ00وتثاءب النهار وهاجس الأشعار وألفُ شيخ ومسبحة000 وألفُ نار وتغيرت خرائط الأشياء وتعددت لليوم والغد الأسماء وعرفت معنى المستحيل00وتذكرتُ مدينتي00 وأحلامُ الصبا ومعنى أن تزرع ورداً000 وتجني الأنين والحنين والصدى ورأيتُ في عينيها000 أن الحب لا يموت وإن تغيرت الأماني 000 وتبعثرت الرؤى
  11. عمنا الحاج ود عجبنا فى الفريق ياهو الركيزة .. هو البشيل حمل الرضاعة وعنده كلمة على الجماعة .. وفى الفريق باقلنا سابة وكل طيب ليهو غاية وللضعيف .. تلقاهو سادرويقهر الكعب المعاند للضيوف ديوانو فاتح .. ديل يقوموا وديل ينزلوا يا ولد جيب الرتاين وجيهوا الديوان فراشو افرشوا الفراشة الكبيرة والإباريق .. والتباريق وأضبحوا الحمل المدوعل .. عمنا الحاج ودعجبنا فى سنين أيام جهلتو .. ديمة فى دعوات صلاتو يسأل المولى السلامة .. وسترة الحال .. والكرامة وعمنا الحاج ود عجبنا فى ليلة من ذات اليالى .. من زمن حظر التجول جاهو ضيف فى راس حداشر .. رحب الحاج بيهو جدا فرشولو ونزلوهو وكاسوا للعشاء ما أتلقالو ..ما الرغيف ممحوق مقصر والبلد فى حال معسر وعمنا الحاج فى مكانتو و جيت الضيف زى فريضة وهسة ضاقت بيه العريضة .. ضيفوا كيف يترك عشاهو من زايد إختشاهو .. وجاتو فكرة يمشى للفرن المجاور .. ولى لجان العيش يشاور بس عشا الضيف يا جماعة .. وضيفى نازل ليهو ساعة شاكلوهو ودفروهو ونهروهو .. وجاتو دورية الطوارى وأمسى بايت فى الحراسة .. وناسوا جنوا للصباح ما عرفوا حاجة .. وين دا روح وجاهم الخبر المؤكد ود عجبنا فى الحراسة .. ماشى دورية محكمة الطوارى ناسو أولادو وبناتو عرفوا حالوا وبدرى فاتوا راحوا دورية محكمة الطوارى .. فيها فى نص الخلايق شافوا حالا ماهو لايق .. عمنا الحاج بى جلالو فوقو حس السوط يولول .. فوق قفاهو وفوق سنونو فوق رجولو ومرة فوق حجبا حشاهن .. أصلو ما قايل يكونن حتى كان نزلن هجايم .. إلا لكن الليالى .. بترفض كل سارى حاكموا الولد المنصب .. كتفو بالدبور مقصب إنت يا حاج يا مخالف .. زول مخرف وعقلو تالف إنت يازول ماكا دارى .. قلة الناس فى الطوارى أجلدوهو وغرموهو .. ونفذوا الحكم البيهينو شان يفتح تانى عينو تسمع السوط صيحتو داوية .. وتسمع السوط ليهو خاوية وفوق قفا الشيخ صيحتو داوية .. وفجاة رفع الحاج عيونو شاف بنات ولدو وبناتو .. كلهن واقفات يعاينن دمعتن فى العين ترقرق .. وجعتن فى الجوف تحرق و الحزن بيهن يفرق .. دى النجوم الفى سماهن كل سوط نازل عليهو ..من شعاع الضو عماهن عمك الحاج دمعو فره .. وسيلو فوق أشنابو بره تم حكمو وراح بيوتو .. نفسو مكسوره وزليلة كيف ملاقات الحليلة .. وصحوة الروح العليلة يالبيوت الجوه غادى .. عمك الجاج ما اعتيادى فوقو متلمين جماعتو .. والسكيلى ضارب حزاينى وقالوا ناداهو المنادى .. فارق الدنيا المتينة يقطع الزلة وسنينا .. فوق فراش ود حاج عجبنا بسمع الزول البوطى .. أقفلوا الحوش يا جماعة طفوا أنوار الرتاين .. داك حرس حظر التجول من بعيد ليكم يعاين ..يا زمن حظر التجول يا زمن حظر التجول .. يا زمن حظر التجول
  12. كان نفسى قولك من زمان باكاتمو فى سرى ومكتم فى حشاى مدسوس سنين مان نفسى قولك من زمان باشايلو فى عينى معزة وفى القلب ريدا بخاف الغربة والشوق والحنين زاملنى زى خاطر الفرح وقتين يقاسم الهم عذاب وقتين مدامعى تكون جزا وتفتح مباهج الليل ظنون وكان نفسى قولك من زمان سطوة محاسنك عندى ما كسرة جفون وقت العيون تعبرنى زى خاطر المساء مان نفسى قولك من زمان سطوة محاسنك عندى ما الرخام الفى الحرير وقت الثغير يجدعنى بى حرف القسا سطوة محاسنك عندى وقتين كبريائك ينهزم لطيبتى بى لفظة وقتين مشاعرم تنسجم فى عمرى تنفح قلبى بى رعشة حنان سطوة محاسنك عندى وقتين شوقى يصبح فى هواك لعزة ما بتعرف هوان كان نفسى قولك من زمان عينيك وحاتك غربتى وأهلى وبلادك الفيها ضائع لى زمن وأنا كنت دايرك من زمان أشرح حكايتى معاك الف أحكيه وأزيد القول ولف وأتمنى لو كان من زمان قليك عرف من ما قلبى يتحكر زمان الغربة فى جرح لأسى وكان نفسى قولك من زمان
  13. كانت البداية في ودمدني00تلك المدينة التي ظلت دوماً تعطي و لكنها لا تقبض00لم تستلم مطلقاً ، ربما لأن الله تعالي قد وهبها خاصية العطاء، وياله من عطاء ، حيث كان ولا يزال عطاءً يسع كل شيء ، السياسة والفكر،الطب والهندسة، الرياضة والفنون بمختلف ضروبها، وأهل الطرق الصوفية وإنشادهم اللامتناهي000فكان الكاشف وعلي المساح ، ثم عمر أحمد الذي رحل سريعاً في عمر الصبا بعد ان ترك لنا تلك الخالدة(كان بدري عليك000تودعني وأنا مشتاق ليك) ،وصاحب حنتوب الجميلة الراحل الخير عثمان ،والبقية كثرٌ، ولم تتوقف ودمدني 00فكان أبو الأمين 00هدية ودمدني لكل أهل الإبداع في السودان00وكان فضل الله محمد الذي رافق بجديد مفردات أشعاره ميلاد هذا الفنان الذي دخل الساحة وقد كان عملاقاً متسلحاً بما تحتاجه المنافسة من أعمال كانت مبهرة بحق0لذلك إعتلي القمة ولم يتزحزح عنها قيد أنملة000 حتي الآن 0 الفنان محمد الأمين حمد النيل الإزيرق، أو كما يحلو لأهل ودمدني أن يطلقوا عليه كلمة(وداللمين) ومعجبيه أيضاً يقولون(أبو اللمين) ، نشأ منذ صغره متعلقاً بالفن والموسيقي في تحركات طفولته مابين أهله ودار أبيه وأعمامه في ودمدني تارة وفي (ود النعيم) ضاحية ودمدني حيث الجذور الأولي مرات أُخر كثيرات0 كان أعمامه من قادة العمل الوطني في رئاسة إتحاد مزارعي الجزيرة لعدة دورات قبل عقود طويلة من الزمان0 قال لنا صديق عمره الراحل المرحوم (حسن الباشا) مؤسس إتحاد فناني الجزيرة والذي إنتقل إلي رحمة مولاه في مايو 1997م ، أن محمد الأمين ومنذ في فترة صباه كان يهوي العزف علي آلة (المزمار) قبل إنتقاله إلي آلة العود ، حيث أصبح فيما بعد من أهم عباقرة العزف عليه بتفوق شديد0 وقد كان لمحمد الأمين خال يعمل رئيس حسابات بالإدارة المركزية للمياه بودمدني وهو الأستاذ(بله يوسف الإزيرق) أطال الله في عمره، وكان محمد يزور خاله هذا من وقت لآخر في العمل و قد بدأ الغناء وقتذاك وبدأ نجمه يلمع في المدينة حيث إشتهر بأغنية الحقيبة التي وضع كلماتها الشاعر الراحل صالح عبدالسيد(أبو صلاح) وهي أغنية (بدور القلعه وجوهرا) والتي ظلت مرتبطة بمحمد الأمين عندما وضع لها موسيقي راقية 0 وذات مرة وجد عند خاله هذا بالمكتب الشاعر المراجع(محمد علي جباره) الذي كان يأتي من الخرطوم لمراجعة حسابات هيئة المياه بودمدني وقد علم بموهبة محمد الأمين ، فما كان منه إلاّ وأن أهدي له قصيدة كانت بمثابة جواز مرور عند سفره للخرطوم لإجازة صوته للتسجيل للإذاعة بأم درمان ، وكانت الأغنية هي ( وحياة إبتسامتك) والتي وضع لها محمد الأمين لحناً جميلاً000 وتقول بعض كلماتها: قبل ما أشوفك 000كنت فاكر الريد مستحيل كنت تايه في طريق خالي وطويل ليلي دون الناس كلو 00هات كلو من يوم ماشفتك00قلبي للدنيا إبتسم أشرقت دنياي 00فارق ليلي هم رحت أرعاك في خيالي00وبيك أحلم فكانت مفردات تلك الأغنية فعلاً جديدة ، وفيها إنتقاليه من النمط الشعري الذي كان يسود الساحة الغنائية وقتذاك، لذلك كانت تلك البداية موفقة جداً للفنان محمد الأمين ، وهو بمقدرته اللحنية إستطاع أن يخلق لها ذلك اللحن الذي أثني عليه الجمهور والنقاد والمطربون أيضاً ثناءً جميلاً ، لأن اللحن كان في غاية الهدوء 00مما أتاح لمعاني الكلمات أن تبرز بوضوح للمستمع ويتضح جمالها0ولاننسي هنا (الصولة) بالعود التي صاحبت ذلك اللحن حيث أنها قد أعطت الإشارة للناس أن هذا الفنان يمتلك خاصية العزف المميز لتلك الآلة مما قاده إلي إستعمال عزف منفرد في عدة (صولات) لمجموعة من أعماله الغنائية التي ظهرت فيما بعد0 كان إنتقال محمد الأمين للخرطوم في عام 1962 م حيث كان المرحوم اللواء محمد طلعت فريد وقتها وزيراً للإستعلامات والعمل( الإعلام حالياً) وقد أشرف الوزير علي قيام مهرجان مسابقات فنون المديريات التسع المعروفة آنذاك بمناسبة إفتتاح المسرح القومي بأم درمان لكي تتنافس فرق المديريات في إبراز أعمالها علي المسرح ،وقد شاركت كل مديرية بأحسن مبدعيها في مجال الفنون والرقصات الشعبية ، حيث ظهرت رقصات الكمبلا ورقصات الجنوبيين وظهر العديد من المطربين كالفنان الطيب عبدالله من المديرية الشماليه مثلاً، فكان محمد الأمين من ضمن فرقة مديرية النيل الأزرق بودمدني المشاركة في المهرجان ، حيث كانت تلك المديرية محافظة كبيرة تضم الولايات الثلاثة الحالية وهي (الجزيرة والنيل الابيض والنيل الأزرق )0 وفيما بعد عُرفت بالأقليم الأوسط0 وبعد إنتهاء ذلك المهرجان إستقر محمد الأمين بالعاصمة0000و كان يسكن بأم درمان ومعه أيضاً الفنان أبو عركي البخيت الذي إشتهر بأغنية عمر أحمد في البداية(كان بدري عليك) المذكورة سابقاً، ولم يكن الطريق إلي الشهرة ممهداً أمام ود الأمين ، فصبر صبراً شديداً وإجتهد إجتهاداً كبيراً في تقديم أعمال تقنع الجمهور وترسِّخ أقدامه في ميدان الفن حيث كانت الساحة تعج بالعمالقة وقتها وكانت المنافسة ساخنة والأجهزة محدودة والمردود المادي لا يكفي حتي للقمة العيش0وعنذاك ظهرت أعماله الأولي (أنا وحبيبي) والمشهورة بإسم يا حاسدين غرامنا ، وما أجملك ، والأغنية المختفية(مسيحيه) وبالطبع وحياة إبتسامتك وبدور القلعه0 أما شاعرنا الأستاذ فضل الله محمد فقد ظل إسمه مرتبطاً منذ وقت مبكر بتأليف الأعمال االغنائية للفنان أبو الأمين وهو لايزال طالباً ، حيث كانت فترة إنتقال محمد الأمين إلي العاصمة متقاربة مع فترة إنتقال الأستاذ فضل الله محمد من ودمدني الثانوية إلي كلية الحقوق بجامعة الخرطوم في عام 1963م ، وقد كان إنتاج فضل الله كثيفاً ومتتابعاً ، وقد شهدت حقبة الستينات كذلك إنتقال أعداد من عازفي الموسيقي من ودمدني إلي الخرطوم ، كعازف الكمان الراحل حسين عبداللهِ، ومن قبله بدر التهامي ، وبدر أنجلو، وإسماعيل يحيي (مندكورو) والحبر سليم ، وعازف الإيقاع عبدالله حبه وعلي أكرت0 كانت من أهم ملامح تلك الفترة الخصيبة هي أعمال تمجيد إنتفاضة أكتوبر الشعبية التي كان فضل الله محمد معايشاً لها كطالب نشط بالجامعة حيث كان للشعرالوطني مكانته في تلك السنوات من حقبة الستينيات ، وكانت الجامعة تذخر بالشباب من الشعراء ، كفضل الله وسبدرات وعلي عبد القيوم وصديق محيسي ومحمد المكي إبراهيم وكامل عبد الماجد ومحمد عبدالحي ، حيث تنوعت أعمالهم الشعرية الغنائية والوطنية أيضاً 0ووقتها تباري الشعراء والفنانون في الأناشيد الأكتوبرية ، فظهر نشيد محمد الأمين الذي صاغ كلماته فضل الله محمد وهو بالجامعة طالباً والذي رافق أداؤه مجموعات من الكورال الجميل ، كانت مقدمته تقول: أكتوبر واحد وعشرين00ياصحو الشعب الجبار يالهب الثوره العملاقه00يا مشعل غضب الأحرار وهنا نجد أن الشاعر يصف تلك الصحوة التي إنتظمت الشعب وما رافق ذلك من أحداث إلي أن يصل بنا إلي حادثة إطلاق الشرطة للرصاص لفض ندوة الطلاب الشهيرة حول مشكلة الجنوب داخل ساحات داخليات (البركس) بجامعة الخرطوم ، والتي علي إثرها أستشهد طالب العلوم أحمد القرشي طه من قرية (القراصة) بالجزيرة ، كأول شهيد في تلك الأحداث في يوم 21 أكتوبر 1964م 0وهنا يتألق الشاعر في وصف هذا الحدث في المقطع التالي: من دم القرشي وأخوانه00في الجامعه أرضنا مرويه من وهج الطلقه الناريه00أشعل نيران الحريه بارك وحدتنا القوميه00وأعمل من أجل العمران وهذا العمل الغنائي قد أسهم في رفع إسم محمد الأمين عالياً كعمل مميز وسريع جداً يتناسب مع تلك الفترة التي كانت نشوة الإنتصار تطغي فيهاعلي مشاعر الجماهير ، وقد بدأ وقتذاك أيضاً نجم الشاعر فضل الله محمد يصعد إلي عنان السماء وسط الطلاب وفي الشارع السوداني العريض ، كما أننا في ودمدني وقد كنا وقتها في نهاية المرحلة المتوسطة هناك و عشنا أحداث الإنتفاضة في شوارع المدينة ، قد تملكنا الفخر والإبتهاج لأن محمد الأمين وفضل الله قد إمتلكا أحاسيسنا وإزدادت فرحتنا بهما كنتاج طبيعي (للإنحيازالجهوي) لمدينتـنا0 بعد ذلك العمل أصبح الفنان محمد الأمين رقماً في ساحة الغناء العاطفي والوطني لايمكن تجاوزه بسهولة ، وهنا جاءت تلك الأغنية الخالدة حتي اليوم والتي أسماها شاعرها فضل الله محمد (الحب والظروف) وقد إشتهرت شعبياً تحت إسم (قلنا ما ممكن تسافر) فكانت بداية كبيرة جداً في تلك السن المبكرة للشاعر،ووضع لها محمد الأمين ذلك اللحن الهاديء أيضاً الذي إبتدره بمقدمة موسيقية وبمعالجة وإستخدام واضح لآلة العود ، وقد ابرز فيها آلة الكمان أيضاً في (صوله) رائعة، وحتي إيقاع الأغنية كان أيضاً مميزاً، وقد كان الشاعر يخاطب فيها (الجانب الآخر) بطريقة هادئة تشعرنا وكأنه يناقشه (بكل هدوء ورقة شاعرية) لإثنائه عن قراره في السفر حيث تقول المقدمة: قلنا ما ممكن تسافر00نحن حالفين بالمشاعر لسه ماصدقنا إنك00بجلالك جيتنا زائر السفر ملحوق00ولازم إنت تجبر بالخواطر لو تسافر دون رضانا00بنشقي نحن الدهر كلو مابنضوق في الدنيا متعه00وكل زول غيرك نمِلـّو ولقد تعمدنا هنا أن نلقي ضؤءاً كثيفاً علي أغنية ( الحب والظروف) هذه لأنها وبكل مقاييس الإبداع الفني والموسيقي تعتبر إضافة كبيرة وموفقة جداً في أعمال محمد الأمين الغنائية ، فساعدت علي تثبيت أقدامه أكثر في الساحة الفنية في منصف الستينيات0000 وتأتي الذكري الثانية لإنتفاضة أكتوبر ، وكان يجب علي محمد الأمين أن يواصل إنجازاته في مجال الأغنية الوطنية بعد نجاح نشيده الأول الذي ذكرناه سابقاً، وكان علي الشاعر فضل الله محمد أن يقوم بتأليف إسهام جديد في تلك الفترة ، فأتي نشيد (الإنطلاقه) 000ذلك النشيد الذي كانت حماسة كلماته تجبر محمد الأمين أن يواكب لحنياً قوة تلك الكلمات ، فأخرجها في طابع لحني كان قوياً يلهب المشاعر ، وبإيقاع موسيقي يأخذ شكل المارشات العسكرية ، فكانت الكلمات بالفصحي تقول: المجد للآلاف000تهدر في الشوارع كالسيول يدك زاحفها00قلاع الكبت والظلم الطويل المجد للشهداء00المجد للشرفاء ثم تتواصل كلمات النشيد بنفس وتيرة الحماس ذاك ، إلي أن يأتي المقطع الذي يتحمل فيه الكورال الشبابي أداء الأبيات التاليه مع الفنان في قوة شديدة أعطت للعمل نكهة حماسية أكثر سخونة عندما يقول:- الثورة إنطلقت00شعاراتِِ ترددها القلوب الثورة الحرية الحمراءُ00شمسُُ لا تغيب الثورة التحريرُ تـُرجـِعُ00هيبة الحكم السليب الثورة التحريرُ للثوارِ00في كلِّ الشعوب الثورةُ الإيمانُ 00قاد الشعبُ في اليوم الرهيب0 ثم تلتها أيضاً أنشودة (شهر عشره حبابو عشره) في الذكري التاليه للإنتفاضه ، وبعدها إلتقي محمد الأمين في عام 1967م بذلك العمل الإنتقائي الطويل الضخم الذي أخذ جهداً طويلاً في التلحين والإخراج ، وهو قصة ثورة أو (الملحمه) التي قام بتأليفها الشاعر الفذ (هاشم صديق ) وقد سبق لنا في هذا المجال أن تناولناها عند إستعراضنا لأعمال الشاعر هاشم الشعرية من قبل ، غير انها تبقي محطة هامة جداً من محطات إنجازات الفنان محمد الأمين 0 أما إذا عدنا إلي الغناء العاطفي مرة أخري ، فقد أصبح الفنان محمد الأمين يجد الإقبال من عدة شعراء في الساحة الفنية مع نهاية الستينيات حيث رسخت أقدامه بالعاصمة تماماً ، يغني في إحتفالات الجامعات والمعاهد العليا، وأصبح نجم نجوم الحفلات الخاصة والعامة ، يطوف مدن السودان لينشررسالة الفن الراقي والجميل تلبية لرغبة الجمهور في الحفلات المسرحية العامة0 وهنا تأتي مرحلة الشاعر الراحل (خليفه الصادق) الذي وضع أعذب الكلمات ، فظهرت أغنية أسمر ياساحر المنظر ، وتأتي أغنية من شوفتو طوّ لنا، ويردفها الشاعر خليفه الصادق بثالثه وهي ،بعد الشر عليك0 فعند إلتقاء الفنان محمد الأمين بذلك الشاعر ، إستطاع أن يواصل معه في ثنائية أخري ، فكانت أشعار خليفه ذات نكهة خاصة أيضاً ، ووجدت إستجابة سريعة من جمهور المستمعين ، فتوالت الأغاني تملأ الساحة الفنية ، وكانت مفردات أغنية (بعد الشر) قد لاقت قبولاً كبيراً لإختلاف موضوعها في ذلك الوقت ، حيث كانت بعض مقاطعها تشارك الطرف الآخر مأساة المرض والتوعك وتتمني عاجل الشفاء ، وتقول كلماتها: قالوا متألم شويه00ياخي بُعد الشر عليك النضاره الفي شبابك00والطفوله الفلي عينيك والقلوب الحايمه حولك00ياحلو بتتمني ليك بكره تشفي وبكره تبرا00ياحبيبي العمر ليك ياخي 00بـُعد الشر عليك لم يهمل الفنان محمد الأمين أغاني التراث ، فهاهو قد أتي بأغنية (عيال أب جويلي) ، وهي أغنية تراثية في الفخر وقد رأيناها تمجد (سالم الأرباب ) الذي إستحق الإسم00 وأصبح ركـّازه للمرقاب0 ولكن تظل أشعار الراحل المقيم خليفه الصادق لها بصماتها الواضحة في عدة أعمال للفنان محمد الأمين 0 فإذا أخذنا مثلاً كلمات ولحن أغنية (أسمر )، نجد أن فيها تنويع جميل في المفردات وفي اللحن الذي خرج رشيقاً بالرغم من أنه ذا وتيرة إيقاعية ولحنية واحدة ومكررة ولكن فيها تطريب جميل عندما يقول فيها: عيونو نعسانه00فتاكه فتانه سهامو آسرانا00ولونو ده الأسمر في صوتو أحلي نغم00يشجيك إذا إتكلم والحكمه لو يبسم00يشجي الوجود يسحر أسمر000يا ساحر المنظر فأشعار خليفه الصادق أضافت إلي محمد الأمين نكهة جديدة في أعماله، لأنها كانت تمتاز برقة شاعرية محببة وجدت قبولاً سريعاً من الجمهور 0000 كنت أقول دائماً ولا أتعب من القول في كل مرة ، أن شعراؤنا في السودان لديهم قدرات إبداعية هائله في نسج الشعر ، ويمتلكون خيالاً خصباً، ولكننا نواجه دائماً مشكلة المحلية في أعمالنا وإنسداد وسائل النشر أمام إنتاجنا ، حيث يقف هذا الحاجز حائلاً في طريق الإنتشار الإقليمي لتلك الأعمال علي مستوي المنطقة العربية علي الأقل إن لم يكن علي المستوي العالمي0وإذا أخذنا أي شاعر عربي سواء كان شعره غنائي أم شعر عام بفصيح اللغه أو بدارجيتها وأجرينا مقارنه مهنية متخصصة له بأشعار مبدعينا السودانيين، لوجدنا التفوق عندنا واضحاً ولا يقلُّ جودة عن الأعمال المنتشرة عربياً حالياً وسابقاً إن لم يكن أحسن درجةً ، وربما كان عدم الإستقرار السياسي الذي ظللنا نعانيه منذ الإستقلال وإلي الآن كان له الأثر الواضح في عدم وجود آليات نشر مهنية مؤثرة وقوية ومنتظمه لتسهم في نقل التجربه الشعريه السودانية إلي المصاف العربي أو العالمي0 لم يبتعد فضل الله محمد عن الساحة الشعرية تماماً بعد تخرجه من الجامعة ، إذ ظل بين الحين والآخر تطل أشعاره ، فهاهنا نجده يهدي لمحمد الأمين تلك الأغنية ذات الموضوع الجديد ، فظهرت (أربع سنين) وقد كانت أغنية الشباب المحببه ، لكي –تتحكر- في قلب الساحة الغنائية وتتوسط أعمال محمد الأمين وهي التي تقول كلماتها: أربعه سنين00شافم الحب الليله عيد ميلادو00ياقلب أربعه سنين00تجربه وزاد مهرجانات حُب000وأعياد إشتياقات00قلبي ريّاد إنفعالات00ليها أبعاد وتمر الأيام سراعاً ، لنجد محمد الأمين يفاجيء الوسط الفني بتجربه أخري من تأليف فضل الله محمد ، ولكنها هذه المره تأتي في إيقاع لحني مميز وهاديء ، وهي تتميز بمفردات أيضاً لم تُستخدم من قبل ،وهي هنا لا تصف المحبوب ، بل تتساءل في دهشه حين تقول كلماتها: سارحه مالك ياحبيبه؟؟00ساهيه وأفكارك بعيده بقرأ في عيونك حياتي00وإنتِ مشغوله بجريده بتقري في إيه كلميني00ياسلام مهتمه عامله يعني لازم تقري حسه00مقال بحالو أو قصه كامله كم شهور مرت علينا00فيها بُعد وفـُرقه شامله وأمري لله00000، وحسناً فعل فضل الله أن فوّض أمره لله حين إنعدمت به الحيله ولم يفلح في إثناء الطرف الآخر عن قراءة الجريدة ، مما يُعتبر تهميشاً له ( أو تقله عليه)0وهذا بالطبع نوع جديد في لغة التخاطب الشعرية لم يألفه المستمع السوداني من قبل ، وكانت مقدرة أبو الأمين فائقه في وضع لحن لتلك الكلمات بالرغم من صعوبة تلحينها وكان عنوانها(الجريده)0 ثم تأتي بعدها أغنية (الموعد) لكي يخترق بها فضل الله (حاجز صوت) الفنان محمد الأمين بحلو كلماتها وجديد موسيقاها الراقصة ، حيث كانت فرصة أخري لكي يبدع أبو الأمين في توظيف آلة العود التي يعشقها في وضع موسيقي المقدمه لتلك الأغنية بخربشات رائعه علي العود 0 وكانت كلمات الأغنية تقول: أشوفك بكره في الموعد00تصور روعة المشهد وعدتك قبل كده مرات00ولسه في رؤويتك بحلم مشاغل الدنيا تجبرني00أخالف وعدي وأتلوّم ولو تعرفني كم بتعب00بعيد عنـّك وبتألم إلي ان يصل بنا فضل الله لقمة التفاؤل 00مودعاً ظلام الهم000 ويصرخ هنا محمد الأمين بصوت عالي مختتماً الأغنية :- وداعاً يا ظلام الهم 000علي أبوابنا ماتعتـِّب000ومرحب ياصباح الحب 00تعال ما تبتعد قرِّب0 للشاعر المهاجر (إسحق الحلنقي) أغنية جميلة لا يزال محمد الأمين يترنم بها في كل حفل 00وهي(شال النوار) 00وهي من الأغاني التي تمتاز بكلمات جميله ولحن فرائحي تماماً ياريت من أول000 وريتنا إنك يكمن00 تتأخر يوم كان غائب00أطمنّا شويه وبحرك ياليل00ماشفنا نجوم بيقولوا الغائب00عذرو معاه في غيابك ياما00نشيل اللوم العيد الجاب الناس000لينا ما جابك يعني نسيتنا خلاص مع إنك إنت الخليتنا نغني الحب00ذكري وإخلاص ولازالت الذاكرة تتسع لسرد المزيد من هذه الأعمال الخالدة000 وهنا تستحضرني قصة طريفة حول أغنية( شال النوار) التي تغني بها أبو الأمين من كلمات إسحق الحلنقي كما ذكرنا سابقاً ، والقصة هي أننا كنا مجموعة أصدقاء من الطلاب بجامعة القاهرة بالخرطوم في بداية السبعينات نستأجر منزلاً بأم درمان(حي بيت المال) وقد كنا نعمل وقتذاك بالتدريس نهاراً ونذهب للدراسة بجامعة القاهرة مساءً كشأن الطلاب في ذلك الزمان ، وذات يوم كنا نترنم بالعود في المنزل بأغاني محمد الأمين ، فطلب مني صديقي عباس بابكر أحمد دبوره وقد كان طالباً بالحقوق ، وهو حالياً (قاضي إستئناف) بمدينة عطبره ، بأن أغني له أغنية محددة لمحمد الأمين ، وكان كعادته لايحفظ أسماء الأغاني، وكان يسكن معنا أيضاً الصديق العزيز الراحل العميد حقوقي عبدالرحمن عبداللطيف زيادة والذي توفي إلي رحمة مولاه في بداية عام 1999 م وكان وقتها طالب بكلية الحقوق، واخذ يعدد للأخ عباس أسماء أغاني محمد الأمين لكي نغني له طلبه ، ففشلنا جميعنا في معرفة مقصد ألأخ عباس الذي لم يعرف إسم الأغنية ، وأخيراً طلبنا منه أن يذكر لنا أي مقطع (كوبليه) من الأغنية لكي نتعرف عليها فكان رده:-والله أنا معارف فيها شيء غير أنو محمد الأمين يقول فيها(الناس كلهم جونا في العيد00إلاّ إنت ماجيت معاهم) 00فضحكنا طويلاً لهذه اللخبطة في حفظه للأغاني، وقد عرفنا مقصده00 فهو كان يقصد (العيد الجاب الناس 000لينا ماجابك) وظل الراحل مولانا عبدالرحمن زياده يتناول هذه الطرفة كثيراً حتي وفاته(طيب الله ثراه)0 ومن أعمال أبو الأمين الشهيرة ، لا ننسي تلك الأغنية التي فازت بالمرتبة الأولي في مسابقة الإذاعة السودانية بإستفتاء المستمعين في عام 1979م وهي ( بتتعلم من الأيام) وقد إستخدم فيها أبو الأمين أيضاً آلة العود إستخداماً فيه مهارة فائقة في المقطع الأخير من الأغنية000وقد كانت تحتوي علي مفردات فيها الكثير من أسلوب الملامة الرقيق حين تقول بعض أبياتها: وتعرف كيف 00يكون الريد وكيف الناس00 بتتألم وتتعلم وراء البسمات 00كتمت دموع بكيت 00من غير تحس بيّا ومصيرك بكره000تتعلم ثم تمر الأيام والسنين000ليلتقي محمد الأمين مرة أخري بهاشم صديق 00شاعر الملحمه ذاك 000وقد كان هاشم خارجاً منتشياً بعد نجاح أعماله الدرامية الفذة في منتصف السبعينات 00نبته حبيبتي 00خطوبة سهير00لكي يجد الطريق أمامه ممهداً فيلقي علي مسامعنا بكلمات أغنية محمد الأمين000ويدخل بها أبو الأمين تجربة الغناء بمرافقة آلة (الأورج) فقط 00حيث كان يعزف معه الموسيقار بدرالدين عجاج بدون أوركسترا00ولا حتي إيقاع00فكانت (حروف إسمك) هي فعلاً حروف تستحق أن نقف عندها لنري ماذا تقول : حروف إسمك000جمال الفال وراحة البال00 وهجعة زول 00بعد ترحال وتنية حلوة00للشبال وغنيتنا00مشاوير في كلمات00حلوات00 تتقال يذهب هنا الشاعر أكثر لكي يعكس صورة الفرح كتقليد إجتماعي متوارث في الزواج السوداني حين يقول : أساور 00في إيدين طفله بتحفظ في كتاب الدين زفاف عاشقين00بعد فرقه00 بين إتنين00العديل والزين وسط باقات00دعاء الطيبيبن والليله العديل00ساهله ليك بيضاء ثم تأتي الأغنيات الجديده بعدها 000وقد ظهرت (زورق الألحان) كإضافة لأعمال محمد الأمين في تجربة الغناء بالأورج فقط00ولكن000 لم تستمر التجربه طويلاً 00حيث قام محمد الأمين بتكوين فرقة موسيقية مستديمه وكانت تتكون في معظمها من شباب معهد الموسيقي كالفاتح حسين وفايز مليجي من مدني ويرافقهم من المخضرمين الحبر سليم ومحمد آدم المنصوري قائد الأوركسترا وآخرون00 نصل الآن مع الفنان محمد الأمين إلي (حفلة لندن) الشهيرة في عام 1981 حيث كان ذلك الحفل الضخم قد أقيم في مسرح (لوقال هول) والذي حضره معظم السودانيين من شتي أنحاء المملكة المتحدة، وقد تم طبعه علي أشرطة فيديو وكاسيت وتم توزيعها في كل دول المهجر التي يتواجد بها السودانيون وبداخل السودان ، وأذكر أن الفنان محمد الأمين قد إبتدر ذلك الحفل بأغنية فضل الله محمد الشهيرة والتي تم تأليفها منذ نهاية الستينيات ولكن محمد الأمين قام بإخفائها لمدة عشرين عاماً حتي الثمانينات لكي تظهر وتطغي علي الساحة الفنية ، وقد إمتازت بلحن تطريبي هاديء جداً لا ضجيج فيه ، وهي من النوع الذي يطلق عليه أغنية إستماع مثل أغنيات بتتعلم من الأيام ، والحب والظروف000فكانت تلك الأغنية هي (ذات الشجون)00000حيث تقول مقدمتها: ماهو باين 00في العيون وين حنهرب منو 00وين؟؟ الهوي 00البعث الليالي الحالمه00في ذات الشجون وأذكر هنا أن إبن ود سلفاب العازف الماهر (سعد الطيب) قد تفنن في اللعب علي الأورج في عدة صولات وجولات فيها الكثير من الإبداع خلال موسيقي أغنية ذات الشجون0 وقد تغني في حفل لندن ذاك بالأغنية الجديدة وقتها (عويناتك) وهي ذات مفردات رشيقه ، وقد أعجبني منها المقطع التالي: أقول ليها00عيونك 00 زي سواد قدري00 مكحِّـله00عمري من بدري ولو أقدر أسافر00 في بريق لحظك00وما أرجع تقول لي 000خايفاك بكره تتوجّع آه 000تتوجع0 هذا (الكوبيله) نري أن أبو الأمين قد أدّاهُ بإحساس عالي جداً وتشعر بأنه يتحرّق حين ينطق بذلك اللحن وبتلك الكلمات000 وميزة محمد الأمين أن لديه إحساساً شفيفاً قد خصّه الله به 00وهو يعرف كيف ومتي يظهر ذلك الإحساس الشفيف للناس00وكيف يترجمه إلي عمل موسيقي متكامل0 فالفنان إذا لم يحس بمعني مفردات القصيدة فإنه مهما كان لحنها جميلاً وصوته أجمل ، لا يستطيع أن يقنع المستمع بالعمل0 وهنا000 لايفوتنا ان نشير إلي إنضمام الشاعر الرقيق الدكتور عمر محمود خالد إلي سجل الأعمال الغنائية الخالدة حين أهدي إلي محمد الأمين أجمل الأغنيات ، وفي مقدمتها تلك التي عاد بها محمد الأمين إلي غناء (السنين ) مرة أخري 00فكانت (خمسه سنين) والتي يكثر الفنان من ترديدها في معظم حفلاته ، فهي لها معزة خاصة عنده: خمسه سنين معاك00يازينة الأيام ويانوارة الحلوين00مرّت حلوه زي أنسام وزي أحلام صبيه صغيره زي ياسمين ثم نأتي إلي السنة الأخيرة من نهاية القرن العشرين حيث قامت شركة(سودانيز ساوند) الشهيرة بالخرطوم بتنظيم إستفتاء في عام 1999م حيث اعلنت فوز ألبوم محمد الأمين (ودمدني واحد) بالجائزة الأولي في التوزيع الجماهيري 00وقد كانت مقدمة الشريط بصوت المذيعة التلفزيونية اللامعة (منال محمد سعيد) حيث قالت فيها (هذا الفنان00 أتي من تلك المدينة الرائعه ، من قلب الجزيرة، تلك التي تتوسط السودان الحبيب 000 محمد الأمين ،هذا الفنان الرائع والشامخ، كشموخ وطننا الجميل000 محمد الأمين ، هذا الإنسان ، هذا الفنان، أحب ودمدني 00حتي الوله)0وللعلم فإن أغنية( ودمدني ) قد صاغها شعراً الراحل خليل فرح عام 1930م وهو في طريقه بالقطار من الخرطوم إلي ودمدني للمشاركة في زواج الراحل الفنان الحاج محمد أحمد (سرور) الذي توفي ودفن في أسمرا في أربعينات القرن العشرين ، وقد كان سرور هذا من مواطني قرية (فداسي -وودالمجذوب) بجوار ودمدني ، ووضع محمد الأمين للقصيدة لحناً هادئاً جميلاً ومحبباً كثيراً إلي النفس ، وقام بالتوزيع الموسيقي إبن ودمدني أيضاً الموسيقار دكتور الفاتح حسين مدير الفرقة القومية للموسيقي وعازف الرزم جيتار الشهير00وتقول: مالو أعياه النضال بدني00روحي ليه مشتهيه ودمدني كنت أزور أبويا ودمدني00 وأشكي ليهو الحضري والمدني دار أبويا ومتعتي وعجني00يا سعادتي ومنيتي وشجني ليت حظي يسمح ويسعدني000طوفه فد يوم في ربوع مدني وختاماً نقول000ستمر السنون ، وتتجدد الأجيال، وتتبدل الأحوال، وربما تظهر فنون أخري من نتاج أجيال أخري 00ولكن 0 00ستبقي الأعمال الغنائية لهذا الفنان الموهوب والجاد جداً (ابو الأمين) تراثاً إبداعياً متقدماً ومتميزاً ، تتناقله الساحة الفنية لفترة طويلة من الزمان ، لأن تلك الأعمال الموسيقية بمضامين كلماتها وألحانها الشجية ومفردات أشعار مبدعيها : فضل الله محمد والراحل خليفه الصادق والحلنقي ود0 محمود خالد وهاشم صديق وكل كواكب الشعراء الذين كتبوا من أجل أبو الأمين عبر مختلف الحقب طوال مسيرته الفنية ، ستصمد في الزمن القادم0 00والذي لا علم لنا بظروف مكوناته الإبداعية 0000وإلي اللقاء00والسلام0
  14. شخصيات ظريفة من ودمدني مدني ذاخرة بكل ما هو طريف كما هي ذاخرة بكل ما هو جميل ، فبالإضافة لأهل الفن الطرب والكوره والسياسة والأدب، هناك مجموعة الظرفاء واهل الطرف، شخصيات يعرفها كل اهل مدني في الستينات والسبيعنات وربما الثمانيات (وهذا فقط ما اختزنته ذاكرتي الخربه)، اما شخصيات التسعينات، فلعلي لا أعرف عنها شيئا لبعدي عن مدني في تلك الحقبة، فأرجو منكم اضافتها لهذه الكوكبة.. رحم الله من فارق الدنيا وأمد الله في عمر من بقي منهم على قيد الحياة، واستميح الجميع عذراً ان انحرف قلمي، فلكل جواد كبوة.. ابن مدني البار آدم المشاي ود عم فاروق ود الفتلي جكسا شحاد مدني الكريم سيد قفه الشاعر ود العيلفون حبيب الله كضاب مدني ود الفتلي سباح ماهر، لأنه يسكن جنب البحر، يقطع البحر حتى وقت الدميره، يصطاد الشجر الذي يقتلعه النيل الأزرق ساعة الفيضان من على ضفتيه – ربما شجر إثيوبيا- ويجرفه في تياره القوي عند سقوط الأمطار في الهضبة الحبشية في يوليو وأغسطس، ويبيع ود الفتلي هذا الشجر حطباً ليشتري به البنزين. ابتلى الله ود الفتلي باستنشاق البنزين عبر القطن، اشتهر بذلك في ود مدني، يحمل دائما زجاجة البنزين في جيب جلابيته.. صادف إدمانه ذلك أول أزمة بنزين في السودان في العام 1978م أيام حكم النميري ، وكان ود الفتلي إذا لم يجد البنزين يجلس مستكيناً (ومضبلن) في وسط شارع الزلط، فإذا مر عليه إنسان وسأله لماذا يجلس هكذا وسط الزلط؛ يجيب بأنه (قاطع بنزين)، وحتى لا يموت من قطعة البنزين تلك، أو يعيق حركة المرور، فقد يتبرع له سائق سيارة بشمة بنزين، وحالما يصل البنزين لرئتيه يبدأ بتقليد صوت تدوير موتور السيارة (رررررن، ررررررن، تيت ، تيت) ثم تدب الحركة فيه وينطلق عبر الزلط.. وحسماً لأمر هذه (القطعة التي يمكن ان تؤدي بحياته) فقد صدًق له المحافظ بحصة من البنزين أسوة بالمركبات.. من نوادره ايضا، كان إذا أعطيته قرشاً أكل امامك ضفدعه حية .. وكله يهون في سبيل البنزين.. ود عم فاروق يُسأل عن اسمه فيقول: - اسمي ودأم (ود عم) فاروق، ولا ندري من فاروق هذا (قيل الملك فاروق) ولا أين اسمه هو واسم أبيه، ولماذا ود عم وليس بن أو أبو أو أخو فاروق؟ - بتحب منو؟ - بهب تهيه كاريوكا (بحب تحيه كاريوكا)، ويُسأل نفس السؤال في مأتم آخر فيجيب: - بهب فاتن همامه (فاتن حمامه) ، لا يوجد بيت بكاء إلا وود عم فاروق فيه (خاصة يوم الصدقه)، ولا بيت عرس إلا وحضوره مضمون، هذا غير بيوت الطهوره والسمايه ، ويمكن بيوت الظهر (الزار) كمان. ويلبس كل ملابسه- وربما ملابس أصحابه وجيرانه كمان، صيفية وشتوية، شماعة متحركة، الظاهر منها عليه هو الأوفركوت، كان هذا لبسه صيفا وشتاء.. يلف مدني بأركانها الأربعة، وللمجهود الجبار الذي يبذله في هذه المشاوير بحثاً عن بيوت المناسبات، فإنه عادة ما يحتاج ل (صينية) كاملة له وحده، يأكلها ثم يتفرغ للإجابة على أسئلة المعجبين، وهو موسوعة في أسماء الممثلين والممثلات وأسماء الأفلام العربية، يمكن الاستفادة منه- إذا كان لا يزال على قيد الحياة- في برنامج من سيربح المليون.. وكذلك هو موسوعة في جميلات مدني، فكان يسرد أسماء أجمل 10 بنات في مدني، ولذا كان مرجعاً مهماً يعتد به في هذا المجال، يعني يصلح لجنة اختيار ملكات الجمال، يمكن الاستفادة منه أيضاً – كما كان يستفاد من الشعراء أيام زمان- في لفت الأنظار للجميلات وتسابق وجوه المجتمع للزواج منهن.. آدم المشاي كان الأطفال ينادونه كلما مر من أمامهم (آدم المشاي بسكويت بالشاي)، ربما سمي بالمشاي لأنه لم يُر أبدا راكباً ، كنا نراه - ونحن في طريقنا من مدرسة السكة حديد الابتدائية إلى حي 114 (أواسط الستينات) ماشيا من جهة الدرجة في طريقه الى السوق الصغير (فيما بعد السوق الجديد)، وهو يحمل فأساً على كتفه.. نناديه: عم آدم فاسك وقع.. فيمد يده ليلمس فأسه، ثم نقول له راسك وقع، فيلمس رأسه كذلك ليتأكد انه لم يقع، وهكذا يعددون له أعضاء جسمه واحد واحد لغاية ما يصلوا لـ سروالك وقع (وهو المطلوب من البداية)، فيمد يده ليلمسه.. (يمكن وقع؟) سيد قفه عم سيد من سكان حي الهواره في مدني، من أسرة عريقة ومروقه، لكنه رغم ذلك امتهن شغله متعبة (العتاله) أو بالأصح (الشياله) لأن العتاله تعني حقت العتاوله، وهو يا عيني الهبوب تشيلو، المهم امتهن الشغله دي لأنو ما بيعرف غيرها، كان درويش وزول الله، مسرح شغله ده كان سوق الخضار في السوق الصغير (الجديد فيما بعد)، يشيل الخضار (خضار المناسبات لأنو كتير شويه) للنسوان، يشيل الحاجات اللي ما بتحتاج لعتالة عتاوله، او لعربية، وفي نفس الوقت دايره قفه، لذلك كان عم سيد يشيل القفه على رأسه ، لذلك سمي سيد قفه، ويبدو أنه لا تعجبه كلمة قفه دي، وقد علم الأطفال الشقايا بهذا السر، فصاروا ما إن يروه حتى ينادوه : (قفه)، فيجري وراءهم بعكازه. وفي مرة كان يحمل زيراً فوق رأسه لصالح إحدى النسوان اشترته من السوق في طريقها معه الى بيتها، فرآه الشفع الشقايا فنادوه: قفه، فرمى الزير من على رأسه وجرى وراءهم (وطبعاً لم يكن يلحق بأحدهم أبداً، لأن الذي يشاغله لا بد ان يكون ماراثونياً) ، المهم رجع بعد (الزكه ديك) ليواصل مشواره بالزير ، فوجد الزير قطعاً من قحوف، والمرأة تبكي زيرها المكسَر، فقال لها : ما تبكي ، بيقطوا ييك (يقصد بلقطوا ليك) طبعا كان (ألجن لا يستطيع نطق اللام، بل ينطقها ياء). في مرة كنت في طريقي لمدرستي (الأهلية الوسطى أ) في حي الهواره، ولا بد في طريقي من بيتنا في 114 أن أمر بالسوق الجديد، وكنت أخاف من (قفه) خوفا شديدا ولا أجرؤ على مشاغلته (لأني مؤدب، ولأني لا أمارس الرياضة، ولأني غير ماراثوني)، المهم وأنا شاقي سوق الخضار شاغله شفع، فجرى وراءهم، وكنت في هذه اللحظة مارا بالقرب منه، فملأني الخوف، فأطلقت ساقي للريح، وقفه ورائي بعكازته، وقد ترك الذين شاغلوه وجرى ورائي أنا ، ولولا ستر الله و أحد الماره لنزل العكاز على أم رأسي، فقد اخبرني عريفي- أحد زملائي- بأن قفه بعد أن اقترب مني رفع العكاز يريد إنزاله على دماغي إلا أن أحد الرجال أمسكه في اللحظة الأخيرة. مع ذلك كان صوته رخيماً في المديح والدوبيت، فكنا نراه- في غير أوقات الشغل- جالساً في ضل بيتهم يشدو بالمديح. شحاد مدني الكريم في أوائل السبعينات كنت اشتري بعض الأشياء التي كلفني بشرائها جدي من دكان حمدنا الله بشارع الجمهورية- السوق الكبير، وجاء شحاد عجوز قصير يشحد من الواقفين وأصحاب الدكان، ولم يعطه أحد على ما أذكر، فقفل راجعاً مواصلا بحثه عمن يجود عليه بقرش أو تعريفه، وحالما التفت وجد شحاده قزمه تجلس في برندة الدكاكين وظهرها على عمود البرنده، تنتظر رزقها من أيدي المحسنين، فما كان من الشحاد العجوز- الذي رأي أنها أسوأ حالاً منه، أو ربما أحس بها لأنه مثلها- إلا ان وضع قرشاً كاملا في يدها وانصرف!!! جكسا سمي هكذا لأنه كان يلبس كامل زي الملعب- بما فيه الكداره أم كدايس غالية الثمن- لا يضاهيه في ذلك إلا نصر الدين جكسا لاعب الهلال الشهير، وكان لون زيه هذا الأزرق ، لذا شبهوه بجكسا ، لكنه كان كيشه في اللعب رغم أنه يلعب كل عصر مع الشباب في الفسحة المحصورة بين الإدارة المركزية وبيوت السكة حديد وكلية المعلمات بود مدني قبل أن يضيقوها ببناء صهريج الماء الضخم. كان يداوم في مستشفى مدني يومياً- رغم أنه غير معين رسمياً ولا يتقاضى أجراً ولا راتبا- كانت هوايته أن يحمل الأوراق والملفات من مكتب إلى مكتب ومن عنبر إلى عنبر، تجده يمشي بجدية وهو يحمل أوراقا، وتبدو عليه سيماء الانشغال والأهمية، ودائما كان مهندماً ونظيفاً في بدنه وملابسه، يناديه الناس إعجاباً: يا جكسا، فيجيب: أهلا دون أن يلتفت إليهم (علامة المشغولية)، لكل هذه الأسباب تم تعيينه رسمياً (مراسلة) في المستشفى دون حتى أن يتقدم هو بطلب لذلك، وقبل ذلك وبعده كان جكسا الواسطة القوية لدمعقولة بس المستشفى للزيارة، أيامئذ كانت الزيارة يومي الأحد والجمعة فقط، وكان الناس خاصة النساء يأتين لزيارة قريب أو جار في غير أيام الزيارة فيمنعن من الدمعقولة بس (طبعاً لو دخلن لما خرجن، ولأزعجن المرضى والعاملين بالمستشفى من أطباء وممرضين، ولاجتمعت القرويات تحت الشجر وأوقدن النيران وسون الملحات والشايات).. عموما كان جكسا يمر داخلاً إلى المستشفى فتناديه إحداهن: يا جكسا عليك الله دخلني المستشفى، فلا يرد لها طلباً – ولأن له تقدير عند كل البوابين- فلا يرد له طلب، فيسمح لهذه بالدمعقولة بس ، لقد تقمص دور الشخصية المهمة فأصبح بالفعل مهماً.. كضاب مدني في فراش البكاء جلس كضاب مدني يحكي قصصه الخرافية وحكاويه اللاواقعية كالمعتاد، فقال: - زمان في صباي كان جنًي صيد، وفي يوم لقيت لي صيدة في غابة ام بارونه، طبعا الزمن داك ما كان فيه بنادق، وكنت صبي متعافي وجراي جري، يا زول سكيت الغزالة دي في الغابة ، هي تجري وانا وراها ، هي تجري وانا وراها، لغاية ما فترتها تب، قبضتها في حنتوب، فقاطعه الجماعة: - لكن البحر يا مولانا!! - والله راح من بالي! حبيب الله كان يزرع المنطقة الممتدة ما بين ورشة 114 والسوق الجديد وبيوت حي 114 (مكان النادي الأهلي حالياً- جيئة وذهاباً يتحدث لنفسه بصوت مسموع ثم يرمي بعكازته في السماء فتقع على بعد مسافة منه، فيمشي حتى يلتقطها، ثم يكرر ما فعله مرة أخرى.. وحتى عندما تم بناء وتسوير النادي الأهلي فإنه حصر نشاطه ذاك في الفسحه التي بين النادي الأهلي والطاحونه القديمه وبيوت 114 فضيقوا عليه ذلك أيضا ببناء نادي التربية البدنية .. كنا صغاراً نخاف منه حيث يرسلنا اهلنا لشراء الخضار من السوق الصغير (الجديد فيما بعد)، خاصة عندما يجدع العكاز بعيد، لكن بمرور الزمن اكتشفنا أنه لا يؤذي أحدا أبدا، وحتى إذا تحدث معه أحد فإنه يتحدث معه حديث العقلاء، تصادف مرة أن تعرض لحادث حركة، فرقد في مستشفى مدني في عنبر الحوادث – وكان أبي يرقد في نفس العنبر- فعرفته عن كثب، فكان إنساناً عاديا جدا، وعاقلاً جداً وودودا ووناساً كمان، لكنه ما إن خرج من المستشفى حتى وجدته يمارس عادته القديمة تلك. يقال أن سبب هذه اللوثة أنه كان رجلاً ثرياً يملك قطيعاً كبيراً من المواشي، فتسلط عليه اللصوص فسرقوه منه، فكان ما كان من أمره. الشاعر ود العيلفون كان يحمل معه شعره يطوف به دواوين الحكومة والأندية، يفرح عندما يضحك السامعون، يوزعه مكتوباً بخط يده وأحياناً مطبوعاً بالآلة الكاتبة.. لا بد من إسماعك بعضاً من شعره الظريف: - حبيبي سافر لماذا خلاني مكنكش جنازه - حبيبتي لاقتيها في الكوشه سلمت عليّ ببرطوشها، ودفقت الوسخ كش بقلم / عمر حسن غلام الله