• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/

سيد اللبن

عضو موثق
  • مجموع المشاركات

    59
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

نظرة عامة على : سيد اللبن

  • رتــبـة الـعـضـو :
    عضو موثق

Contact Methods

  • MSN
    samer_musbah@hotmail.com
  • Website URL
    http://www.myspace.com/musbah
  • ICQ
    0
  • Yahoo
    samer_musbah@yahoo.com

Profile Information

  • Location
    ارض الله الواسعه
  1. واللهي ما عارف اقول شنو .. كلام كتير في عجايز امدرمان ديل .. بس بخاف من الطرد.. بس سمعت انها يونانيه انا برضوا .. والله اعلم لوووووووووول
  2. الله ارحم زمن الفن الاصيل ...
  3. انا غايتوا مع ابوا سامر في كلاموا .. لكن الروايه بتاعتك يا البدوي دي اول مره اسمع بيها . سمعت روايه مختلفه تمام الاختلاف عن روايتك دي .. الروايه السمعتها قريبه جدا من روايه الاخ ابو سامر .. دوماً
  4. حمد الله علي السلامه انوا نزل يا المنسي . علشان لو ما نزل حا تحرمنا من الحاجات الحلوه دي . ولك جزيل الشكر .. دوما . سيد اللبن
  5. حاتم السر على سكينجو تاريخ الميلاد: 1960م مكان الميلاد: مرنجان البلد: قرية البسابير جنوب شندى المؤهلات الاكاديمية درس بمدرسة الدامر الثانوية من 1977 الى 1979 ثم جامعة القاهرة بالخرطوم كلية الحقوق من 1979 الى1982 الخبرة العملية عملت بالمحاماة من 1983الى 1985 ثم عملت مستشارا قانونيا بالبنك الاسلامى السودانى الى 1989 و التحق بالعمل بمكتب مولانا السيد محمد عثمان الميرغنى فى 1985بعد الانتفاضة. انخرط فى العمل التنظيمى الحزبى منذ المرحلة الثانوية بالدامر، مرورا بالمرحلة الجامعية ، عضوا عاملا بروابط الطلاب الاتحاديين وعلى علاقة وصلة بالقيادة الحزبية ابان معارضة نظام جعفر نميرى لعب دور حلقة الوصل بين الروابط الطلابية الاتحادية وقيادة الحزب ممثلة فى مولانا السيد محمد عثمان الميرغنى ابان العهد المايوى.عمل فى روابط الختمية بالجامعات والمعاهد العليا وقمت بدور المنسق بينها وبين روابط الطلاب الاتحاديين. عضوا باللجنة التنفيذية لرابطة المحامين الاتحاديين الديمقراطيين . فى حكومة مارس 1989م تم تعيينه محافظا لمديرية النيل الى 30 يونيو 1989م. غادر السودان فى معية السيد محمد عثمان الميرغنى فى عام 1990م فى عام 1995 تم انتخابه فى مؤتمر الحزب بالخارج سكرتيرا للجنة المركزية للحزب بالخارج والتى كانت تقوم بالاشراف على كل فروع الحزب ومناشطه بدول المهجر. تم تكليفه بتمثيل الحزب الاتحادى الديمقراطى فى المكتب التنفيذى للتجمع الوطنى الديمقراطى بعد مؤتمر مصوع عام 2000 و شغل منصب الناطق الرسمى باسم التجمع . عضوا بالمكتب السياسى والمكتب التنفيذى للحزب الاتحادى الديمقراطى فى مؤتمر المرجعية 2004م .
  6. العيون الفيهم نعاس هن اساسا معني الجناس هن بثيرن في الناس حماس هن بسوقوا الزول للجنون علي الطلاق السودانيين ديل اكتر ناس مجانين في الكتابه . ياخي عندنا ناس بتكتب كلام . اوديك التجاني الماحي طوالي ... واللهي كلام عجيب عجيب عجيب .. ولا رايكم شنو يا حلوين ؟؟؟
  7. علب من صناديق ووضعها على الرف بعد ذلك تحرك محجوب وجلس قبالة الدكان ، ليس على الكنبة ولكن على الرمل مكانهم المفضل ، حيث ضوء المصباح يمسهم بطرف لسانه . فإذا ماجوا في ضحكهم أحيانا تراقص الضوء والظل على رؤوسهم ، فكأنهم غرقى في بحر يغطسون ويطفون ، بعد ذلك جاء أحمد إسماعيل يجرجر رجلية كعادته ، واستلقى بظهره على الرمل قريبا من محجوب دون أن يقول شيئا ، ثم جاء عبد الحفيظ وحمد ود الريس ، وكانا يضحكان لم يسلما على صديقهما ، وهذان لم يسألاهما عن سر ضحكهما ذلك شيء آخر في تلك الفئة . كانوا يعلمون ، بطريقة ما ، ما يدور في ذهن كل منهم دون سؤال ، وقال محجوب بعد أن بصق على الأرض : " أنتو لسع في حكايات سعيد البوم " ؟ كان أحمد إسماعيل قد انقلب على بطنه فقال وكأنه يحدث الرمل " " لازم المره عاوزه تطلقه " . وقال عبد الحفيظ في مرح ، أن زوجة سعيد البوم جاءته في الحقل وقالت له وهي تبكي أنها تريد أن تطلق من سعيد . ولما سألها عن السبب قالت له أن سعيد كلمها كلاما قاسيا في الليلة الماضية وقال لها امرأة " جيفة " - هكذا لأنها لا تتعطر ولا تنزين كبقية النساء . ولما قارعته الكلام ، صفعها على وجهها وقال لها : " امشي اخدي دروس من بنات الناظر " . وكان الطاهر الرواسي قد وصل أثناء ذلك وجلس في هدوء في المكان والذي لا يصله النور من بقعة الرمل . ضحك وقال : " المسنوح يمكن قايل للناظر بيعرس له واحده من بناته " . وقال عبد الحفيظ أنه طيب خاطر المرأة ودورها إلى بيتها وقال لها أنه سيجيئهم ليكلم سعيد وفعلا غدا إليهما وقت الظهيرة . لكنه تريث عند باب الدار ، فقد وجده مغلقا ، وسمع داخله ضحكات سعيد وزوجته ، ضحكات هنيئة منشرحة ، وسمع سعيد يقول لزوجته ، وكأنه يعض أذنها : " ابكي يا خيتي ابكي " . وضحكوا كلهم : كل واحد منهم على طريقته : أحمد إسماعيل يكركر بضحك يزمجر بين بطنه وصدره . ومحجوب يضحك في فمه ويحدث طقطقة بلسانه ، وعبد الحفيظ يضحك كالطفل . وحمد ود الريس يضحك بجسمه كله ، وخاصة رجلية والطاهر الرواسي يمسك رأسه بجماع يديه حين يضحك ، وكان سعيد في دكانه ، فضحك ضحكته الخشنة التي تشبه صوت المنشار في الخشب ، وقال محجوب : " المسنوح كيفن قدر في الحردا ؟ " . واستمر حديثهم هكذا حديث منقطع تتخلله فترات صمت . ولم يكن صمتهم ثغرات في الحديث بقدر ما كان امتدادا له ، يقول أحدهم جملة مبتورة : " ... ما عنده فهم " ويقول الآخر : " ... الفاضي يعمل قاضي " . ويضيف الآخر : " ... زمان قلنا لكم طلعوه من اللجنة قلتولا " . ويقول الآخر : " ... بإذن الله دي آخر سنة ليه " . ولا يدري الغريب عنهم عمن يتكلمون . لكن ذلك شأنهم ، يتحدثون وكأنهم يفكرون جهارا ، وكأن عقولهم تتحرك في تناسق ، وكأنهم بشكل أو بآخر عقل كبير واحد يمضي الحديث رتيبا مثل هذا ، ثم يذكر أحدهم عرضا جميلة أو حادثة تثير خيالهم جميعا في وقت واحد ، وفجأة تسرى فيهم الحياة فكأنهم كومة قش أشعلت فيها النار ، يستوي جالسا الذي كان راقدا على ظهره ، ويضم الآخر ذراعيه على ركبتيه ويقترب الذي كان جالسا بعيد إلا . ويخرج سعيد من دكانه ، يقتربون بعضهم من بعض حينئذ . كأنهم يتحركون نحو تلك النقطة ، ذلك الشيء في الوسط الذي يسعون إليه جميعا يميل محجوب إلى الإمام ، وتنغرس يدا أحمد إسماعيل في الرمل ، ويضغط ود الريس بيديه على رقبته . هذه هي اللحظة التي تلمحهم فيها ، بين النور والظلام ، وكأنهم غرقى في بحر ، وأحيانا يحتدون في كلامهم ، يتشاجرون ، تخرج الكلمات من أفواههم كأنما قطع من الصخر ، تتقاطع جملهم ، يتحدثون في آن واحد ، ترتفع أصواتهم ، في مثل هذه الحالات يظن الغريب عنهم أنهم غلاظ الطبع ، لهذا تختلف الآراء عنهم ، حسب اللحظات التي يراهم فيها الناس ، بعض أهل البلد يعتبرونهم صامتين قليلي الكلام ، لأنهم يصادفونهم في إحدى تلك الحالات ، حين يقف حديثهم عند " آ " و " أو " و " لا " و " نعم " . وبعض الناس يقولون عنهم أنهم " ضحاكون " كالأطفال ، لأنهم صادف أن وجدوهم في إحدى حالات غرتهم ، ويحلف موسى البصير أنه زامل محجوب إلى السوق - مسافة ساعتين بالحمار - فلم يقل له كلمة واحدة . كان الناس يبتعدون عن مجالسهم ، لأنهم حينئذ يحسون إحساس الغريب ، وكانوا هم يفضلون ألا يكون بينهم غريب ، كانوا كأنهم توائم ، ولكن إذا عاشرتهم مدة تدرك الاختلافات التي تجعل كلا منهم فردا قائما بذاته . أحمد إسماعيل بحكم سنة ، كان أميلهم إلى المرح ولم يكن يبالي إذا انتشى بالخمر في المناسك ، وكان أحسنهم رقصا في الأعراس وعبد الحفيظ كان أكثرهم مجاملة للناس الذين لا يفكرون مثل تفكير " العصابة " ، كما كانوا يسمون أنفسهم ويسميهم الناس ، كان هو الذي ينبههم إلى أن ابن فلان تزوج ، وفلانا مات أبوه ، وفلانا عاد من السفر ( من سكان الأحياء البعيدة عن حيهم ) فيذهبون جماعة في الغالب للتهنئة أو للتعزية ، وكان أحيانا يذهب للمسجد للصلاة ويحاول ألا يقول لهم ، وكان الطاهر الرواسي أقربهم إلى الغضب وأسرعهم إلى إمساك عصاه ، أو سحب سكينة في أوقات " الزنقة " ، وكان سعيد أحسنهم في محاجبة الحكام ، يسمونه " القانون " . وكان حمد ود الريس ذا أذن حساسة لأخبار الفضائح يجمعها من أطراف البلد ، من الأحياء البعيدة . ويلقيها عليهم في أوقات معينة في مجالسهم . وكانوا يندبونه في الغالب لمعالجة مشاكل النسوان في البلد . وكان محجوب أعمقهم وأنضجهم . كان مثل الصخرة المدفونة تحت الرمل . تصطدم بها إذا عمقت في حفرك . وكانت صلابته تظهر في الأزمات الحقيقة : حينئذ يصير " ريس المركب " ، يأمر وهم ينفذون . جاءهم مرة مفتش جديد للمركز اجتمعوا به مرة ومرتين . تحدثوا إليه ، وتناقشوا معه . ثم قرروا فيما بينهم أنه غير صالح . وبعد شهر تأزمت الأمور ، فقد قال المفتش لبعض الناس أن " عصابة محجوب " تسيطر على كل شيء في البلد : فهم أعضاء في لجنة المستشفى ، ولجان المدارس ، وهم وحدهم لجنة المشروع الزراعي ووصل إليهم أن المفتش قال : " ما فيش في البلد رجال غير الجماعة دول ؟ " لما تشاوروا في الأمر بينهم ، كانوا أميل إلى الرضوخ للمر الواقع ، وبعضهم عرض أن يستقيل من عضوية اللجان التي هو فيها ، ولكن محجوب قال : " ما في إنسان يتحرك من مكانه " ثم لم يلبث المفتش غير شهر آخر حتى نقل كيف تم ذلك ؟ لمحجوب أساليبه الخاصة . في الحالات القصوى . كانوا يضحكون ، حين سمعوا الزين يشتم بأعلى صوته : " الراجل الباطل ، الحمار الدكر " . ووصل عندهم . فوقف برهة فوقهم. ساقاه منفرجتان ، ويداه على خصره كان نصفه الأعلى كله في الضوء ولاحظوا أن عينيه محمرتان أكثر من إحمرارهما الطبيعي قال الطاهر الرواسي : " واقف فوقنا مالك داير تشرب دمنا ؟ يا تقعد يا تغور " . وقال أحمد إسماعيل : " لازم الزين سكران الليلة " . وقال عبد الحفيظ : " اقعد خد لك نفس " . وقال حمد ود الريس : " قالوا الليلة كت في حوش العمدة . شن مشيث تكوس ؟ البث وعرسوها ، تاني شن داير ؟ " وأمسك الزين السيجاره من عبد الحفيظ وجلس صامتا وأخذ ينفخ فيها بغيظ . ضحك الطاهر الرواسي وقال له : " مو كيدي يا مرمد . عامل نفسك فنجري ومتعلهم السيجارة ماك عارف تشريها جرها لي ورا ، أي كدي .. زي كأنك تمص فيها " ونجح الزين في جذب الدخان إلى فمه فلفث منه غمامة كبيرة ، وقفت ساكنه برهة ثم ذابت في خيوط دقيقة ، بعضها نجا نحو الضوء والآخر اختلط مع سواد الليل في الجانب المظلم وجاء بدوي من عرب القوز يقصد الدكان ونص رطل شاي " . وقال أحمد إسماعيل : " العرب ديل كل قروشين مودرنها في السكر والشاي " . وهنا صاح الزين بسعيد : " خلي المره تعمل شاي مضبوط باللبن . يكون مضبوط " . ثم نادى من شباك يصل بين المتجر والدار خلفه : " اعملوا قوام شاي ثقيل باللبن للزعيم " وانتعش الزين . فقال برمح : " أنا راجل راجل في البلد دي ولا لا ؟ " فقال له الطاهر : " طبعا " . " طيب ليه الحمار الدكر ويروح لي عمي ويقول له الزين مش راجل بتاع عرس ؟ " وقال محجوب : " الداهي بقي افرنجي . وين عرفت الفصاحة دي ؟ مش راجل بتاع عرس ؟ " وقال ود الريس : " الإمام غاير منك . داير المره لي رقبته " . فقال الزين :" بت عمي ولا لا ؟ يروح يشوف له بت عم " . قال له محجوب بحزم : " العقد يوم الخميس الجايي : يعد دا ما فيش طرطشة ورقيص وكلام فاضي . سمعت ولا لا ؟ سكت الزين : وسأله الطاهر الرواسي : " منو القال لك ؟ " فقال الزين " هي نفسها كلمتني " . كان محجوب ممدا رجليه على الرمل ، متكئا على ذراعيه فلما سمع هذا ، تشنج جسمه كأن أحدا قرصه ، واستوى جالسا : " هي بنفسها كلمتك ؟ " اي . جاتني الصباح بدري في بيتنا . وقالت لي قدام مي : يوم الخميس يعقدوا لك على . أنا و أنت نبقي راجل ومره نسكن سوا . ونعيش سوا " . وارتفع صوت محجوب من فرط حماسته . وقال في إعجاب ليس له حد . " على باليمين مره تملأ العين طلاق . بت ما ليها أخت " . وجاء سعيد يحمل الشاي فقال له محجوب : " سمعت الكلام دا ؟ البت مشت كلمته بنفسها " . فقال سعيد : " بت عنيدة رأسها قوي ربنا يستر " صمت الباقون برهة ولكن محجوب ضرب فخذه براحة يده عدة مرات وقال هو يتلفت يمينا وشمالا بحماسة وانفعال : " يمين الزين ماش يعرس له بتا تمشيه فوق العجين ما يلخبطه " . وشرب الزين الشاي في صخب كعادته ، يمص الشاي مصا له زئير وفجأة وضع الكوب من يده ثم ضحك وقال في سرور : " الحنين قال في قدامكن كلكم : باكر تعرس أحسن بت في البلد " . ثم انفجر بزغرودة عظيمة كزغاريد النساء في العرس ، وصاح بأعلى صوته :" أروك يا ناس الغريق يا أهل البلد ، الزين مكتول . كتلته نعمة بنت الحاج إبراهيم " وصمت بعد ذلك فلم يفه بكلمة . ولم يلبثوا أن سمعوا صوت سيف الدين ( انتصارا آخر للإمام ) يؤذن لصلاة العشاء فسرت فيهم حركة خفيفة جدا . تنحنح محجوب وحرك أحمد إسماعيل أصابع قدمه بطريقة لا شعورية ، وتنهد عبد الحفيظ ، ومال الطاهر الرواسي إلى الوراء قليلا ، قال سعيد : " أشهد ألا ه إلا الله " وراء المؤذن بصوت خافت ، ونفخ حمد ود الريس في رمل لا وجود له من يده ولما انتهى الآذان وسمعوا صوت الإمام ينادي في صحن المسجد : " الصلاة الصلاة " قام كل واحد منهم إلى بيته ليحضر عشاءه وكما يصلي الناس جماعة في المسجد ، سيتعشون هم مجتمعين جالسين في دائرة حول صحون الطعام ، يرف عليهم ضوء المصباح الكبير المعلق في متجر سعيد . يأكلون بنهم ، شأن الرجال الذين تعرق جباههم من الجهد سحابة يومهم ، يأكلون الدجاج المحمر والملوخية بالمرق . والبامية المصنوعة في الطاجن في كل ليلة يذبح أحدهم إما شاة صغيرة وإما حملا . ويغدو عليهم أطفالهم بمزيد من الأكل ينزل الصحن مليئا وما يلبث أن يرتد فارغا هذا الوقت من الليل هو قمة يومهم : لمثل هذا تعمل زوجاتهم من طلوع الشمس إلى غروبها . يأتيهم المرق في صحون عميقة واللحم المحمر في صحون بيضاوية واسعة يأكلون الأرز وخبزا سميكا من القمح ، وفطائر رقيقة تصنع على صاجات ملساء من الحديد ، يأكلون السمك واللحم والخصار ، والبصل والفجل لا يبالون ماذا يأكلون . حينئذ تتوتر عضلاتهم ، ويصبح حديثهم حادا مبتورا ، يتحدثون وأفواههم ملأى . ويأكلون في صخب . تسمع صرير أسنانهم وهي تمضغ الطعام . وإذا شربوا قرقرت حلوقهم بالماء يتكرعون بأصوات عالية ويمصمصون بشفاههم . وحين ترتد الأواني فارغة ، يؤتى بالشاي ، فيملأون أكوابهم ، ويشعل كل واحد منهم سيجارة ، ويمد رجليه ويسترخي في جلسته . يكون الناس قد فرغوا من صلاة العشاء يتحدثون في هدوء وقناعة ولعلهم حينئذ يشعرون ذلك الشعور الدافئ المطمئن . الذي يحسه المصلون وهم يقفون صفا خلف الإمام . كتفا بكتف ينظرون إلى نقطة بعيدة غامضة تلتقي عندها صلواتهم . في هذا الوقت تخف الحدة في عيني محجوب . وهما سارحتان في الخط الضئيل الباهت الذي ينتهي عند ضوء المصباح ويبدأ الظلام ؟ ) يعمق صمته وقتذاك ، وإذا سأله أحد أصدقائه فلا يسمع ولا يرد . هذا هو الوقت الذي يقول فيه ود الريس . فجأة جملة واحدة كأنها حجر يقع في بركة : " الله حي " ، ويميل أحمد إسماعيل برأسه قليلا ناحية النهر ، كأنه يستمع إلى صوت يأتيه من هناك . في مثل هذا الوقت أيضا يطقطق عبد الحفيظ أصابعه في صمت ، ويتنهد الطاهر الرواسي ملء صدره ويقول : " روح يا زمان وتعال يا زمان " . هل يحسون حينئذ أنهم يزدادون قربا من تلك النقطة ؟ أم تراهم يدركون أن النقطة الغامضة الصامته في الوسط ، أمر تنتهي الحياة ولا ينتهي إليها المرءايوى ... ايوى ... ايوى ... ايويا " .أول من زغردت أم الزين . كانت فرحة لأسباب عدة . فرحة فرح الأم الغريزي لزواج ابنها . تلك مرحلة حاسمة ، وكل أم تقول لابنها : " اشتهي أن أفرح بزواجك قبل أن أموت " . وكانت أم الزين تحس أن حياتها تنحدر للغروب . ثم إن الزين كان ابنها الوحيد . بل كان كل ما أنجبت ، ولم يكن كبقية الناس فخافت أن تموت ولا يجد من يرعاه . فهذا الزواج أراح بالها ، وزواج الزين مناسبة تسترد فيها هداياها لأهل البلد في زواج أبنائهم وبناتهم . وكان الناس أحيانا يتعجبون وهم يرونها تسارع بدفع ربع الجنيه ونصف الجنيه في الأعراس ، لأية غاية ؟ " هل تظن أنها سترده في عرس الزين ؟ فكان عرس الزين مناسبة قطعت ألسنة الشامتين والزين لن يتزوج امرأة من عامة الناس ، ولكنه سيتزوج نعمة بنت الحاج إبراهيم ، وناهيك بهذا دليلا على كرم الأصل ، والفضل ، والجاه والحسب ، ستدخل ذلك البيت الكبير المبني من الطوب الأحمر ( فليس كل بيوت البلد من الطوب الأحمر ) ، تدخل مرفوعة الرأس ثابتة الخطوة . سيقومون لها إذا دخلت ، ويوصلونها للباب إذا خرجت ويعودونها كل يوم إذا مرضت . ستقضي الأيام الباقية في حياتها في فراش وثير من الرعاية والحب . ولعل القدر يمهلها فتحمل حفيدها أو حفيدتها في حضنها . تزغرد أم الزين ، وتتوارد هذه الخواطر في ذهنها فتشتد زغاريدها . وزغرد معها جيرانها وأحبائها ، وأهلها وعشيرتها . لكن كيف حدثت المعجزة ؟ اختلفت الأقاويل ، قالت حليمة بائعة اللبن لآمنة ، وكأنها تغيظها بمزيد من أنباء عرس الزين ، أن نعمة رأت الحنين في منامها فقال لها " عرسي الزين . التعرس الزين ما بتندم " . وأصبحت الفتاة فحدثت أباها وأمها ، فأجمعوا على الأمر ، وهزت آمنة رأسها وقالت : " كلام " وزعم الطريفي لزملائه في المدرسة أن نعمة وجدت الزين في حشد من النساء . يغازلهن ويعبثن به . فحدجتهن بنظرة صارمة وقالت لهن . " باكر كلكن تأكلن وتشربن في عرسه " . وخرجت من وقتها فقالت لأبيها وأمها ، فوافقا على ذلك . وروى عبد الصمد للناس في السوق . أن الزين هو الذي طلب الزواج من نعمة . وأنه صادفها في الطريق فقال لها : " بت عمر " تعرسيني ؟ " فقالت نعم . وأنه هو الذي ذهب إلى عمه وكلمه في الأمر فقبل الرجل إلا أن المرجح أن الذي حدث غير هذا ، وأن نعمة بما فيها من عناد واستقلال في الرأي ، وربما يوازع الشفقة على الزين ، أو تحت تأثير القيام بتضحية ، وهو أمر منسجم مع طبيعتها ، قررت أن تتزوج الزين ، ويرجح أن معركة عنيفة دارت في بيت حاج إبراهيم بين الأب والأم في طرف ، والبنت في الطرف الآخر . كان أخواتها غائبين فكتبوا لهم . ويقال إن الأخوين الكبيرين رفضا البتة . وأن الأخ الأصغر قبل وقال في جوابه لأبيه : " أن نعمة كانت دائما عنيدة في رأيها . والآن وقد اختارت زوجها بنفسها فدعوها وشأنها " . خلاصة القول إن حاج إبراهيم أعلن النبأ فجأة . وكأن الناس كانوا يتوقعونه بعد حادث الحنين . الغريب أن أحدا لم يضحك أو يسخر ، ولكنهم هزوا رؤوسهم وزادت حيرتهم وهم ينظرون إلى الزين - ينظرون إليه فيتضخم في نظرهم وأهلها وحبانها وعشيرتها ، وكل من يتمنى لها الخير " أيوي أيوي أيوي أيويا " لو أن العرس لم يكن عرسه . لميز الزين صوت كل منهن في زغاريدها . هذه بت عبد الله ، صوتها عذب وصرختها قوية من كثرة ما زغردت في أعراس الآخرين . ظلت عانسا عمرها فلم تتزوج . لكنا كانت تفرح لأفراح كل أحد في الحي . أجواج أجوج أجوج أجوجا " . هذه سلامة ، كانت جميلة ، وكانت تنطق الياء هكذا وكانت مرهفة الحس ، لم يسعدها جمالها ، فتزوجت وطلقت وطلقت وتزوجت ولم تستقر مع رجل ولم تنجب أولادا ، حلوة الحديث ، مهزارة لها مع الزين قصص وحكايات ، تزغرد لأنها تحب الحياة . أيوي أيوي أيويا " هذه آمنة تزغرد من شدة غيظها . ( هل تذكر آمنة وكيف أرادت البنت لابنها فقالوا لها البنت قاصر لم تصر للزواج ؟ ) أوو .. اوو ... اووا " . هذه عشمانة الطرشاء قلبها الأصم عربد بالحب في عرس الزين . ثم اشتعلت شعلة من الزغاريد في دار حاج إبراهيم . قرابة مائتي صوت . انطلقت مرة واحدة فارتجت نوافذ الدار . وتزغرد أم الزين فيرد عليها النساء ، وتسمع زغاريدهن فتزغرد من جديد . لم تبق امرأة لم تزغرد في عرس الزين . وماج الحي من أركانه ، وامتلأت الدور بالوافدين ، لم يبق بيت إلا أنزلوا فيه جماعة من القوم ، دار حاج إبراهيم على سعتها ، امتلأت ، ودور كل من محجوب ، وعبد الحفيظ وسعيد ، وأحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي وحمد ود الريس . دار الناظر ، ودار العمدة وبيت القاضي الشرعي . وقال شيخ علي لحاج عبد الصمد : " عرس زي دا الله خلقني ما شفت زيه " وقال حاج عبد الصمد : " على بالطلاق الزين عرس عرس صح مو كدب " . جرى الإمام مراسم الزواج في المسجد . ناب حاج إبراهيم عن ابنته . وناب محجوب عن الزين . ولما تم العقد . قام محجوب ، ووضع المهر على صحن ، حتى يراه كل أحد مائة جنيه ذهبا ، وهي من حر مال حاج إبراهيم . ووقف الإمام بعد ذلك ، وأدار عينيه في الرجال المجتمعين ( كانت أم الزين المرأة الوحيدة بينهم ) وقال إن الجميع يعلمون أنه عارض هذا الزواج ، أما وأن الله شاء له أن يتم فهو يسأله سبحانه وتعالى أن يجعله زواجا سعيدا مباركا . التفت الناس إلى الزين ولكنه كان مطرقا . وقال محجوب لعبد الحفيظ بصوت خافت : " ايه لزوم ذكر المعارضة والكلام الفارغ ؟" وعجبوا حين رأوا الإمام يمشي نحو الزين ويضع يده على كتفه ، فالتفت إليه الزين بشيء من الدهشة . أمسك الإمام يده وشد عليها بقوة ، وقال بصوت متأثر : " مبروك . ربنا يجعله بيت مال وعيال " . تلفت الزين حوله ببلاهة ، ولكن أحمد إسماعيل نظر إليه نظرة صارمة فطأطأ برأسه . دمدم طبل النحاس الكبير وهدر ، يقولون أنه يتكلم . وقالت بت عبد الله لسلامة : " النحاس يقول : الزين عرس الزين عرس " . فزغردت سلامة بصوتها الحلو . تقاطر على الحقل عرب القوز . يتسابقون على جمالهم ، فاستقبلهم الطاهر الرواسي وأنزلهم في إحدى الدور ، وأمر لهم بالطعام والشراب . وجاء فريق الطلحة عن بكرة أبيه - على رأي المثل - فتصدى لهم أحمد إسماعيل وأنزلهم ، ربط دوابهم وجاء لها بالعلف ، ثم أمر لهم بالطعام فطعموا وشربوا . وجاء الناس من بحري وجاء الناس من قبلي . .
  8. عرس الزين - الحلقة الرابعة بعد ذلك توالت الخوارق معجزة تلو معجزة . بشكل يأخذ باللب . لم تر البلد في حياتها عاما رخيا مباركا مثل ( عام الحنين ) عام أخذوا يسمونه صحيح أن أسعار القطن ارتفعت ارتفاعا منقطع النظير في ذلك العام وإن الحكومة لأول مرة في التاريخ سمحت لهم بزراعته بعد أن كان ذلك وقفا على مناطق معينة في القطر ( محجوب وحده ، وباعتراف منه ربح أكثر من ألف جنيه من قطنه ) ، وصحيح أيضا أن الحكومة لغير ما سبب أو لسبب خفي لا يعلمونه ، بنت معسكرا كبيرا للجيش في الصحراء على بعد ميلين من بلدهم ، والجنود يأكلون ويشربون ، فانتعشت البلد من توريد الخضروات واللحوم والفواكه واللبن للجيش حتى أسعار التمر ارتفعت ارتفاعا ليس له نظير في ذلك العام ، وصحيح أيضا أن الحكومة هذا المخلوق الذي يشبهونه في نوادرهم بالحمار الحرون ، قررت لغير ما سبب ظاهر أيضا أن تبني في بلدتهم - دون سائر بلدان الجزء الشمالي من القطر وهم قوم لا حول لهم ولا طول ، ولا نفوذ ولا صوت يتحدث باسمهم في محافل الحكام - قررت الحكومة أن تبني في بلدهم ، دفعة واحدة مستشفى كبيرا يتسع لخمسمائة مريض ، ومدرسة ثانوية ومدرسة للزراعة ومرة أخرى عادت الفائدة على البلد ، في الأيدي العاملة ومواد البناء وتوريد الغذاء ناهيك بأن مرضاهم سيضمنون العلاج وإن إبناءهم سينالون حقهم من التعليم ، وإذا كانت كل هذه الأدلة لا تكفي ، فكيف تفسر بأن الحكومة هذا ( الحمار الحرون ) في اعتقادهم ، قررت أيضا في العام ذاته ولم يمض على وفاة الحنين أكثر من شهرين أن تنظم أراضيهم كلها في مشروع زراعي كبير تشرف عليه الحكومة نفسها بما لها من قوة وسلطان ؟ وجدوا بلدهم فجأة تعج بالمساحين والمهندسين والمفتشين والحكومة إذا عزمت على أمر فإنها قادرة على تنفيذه فما هو إلا يوم في أثر يوم وشهر يعقبه شهر ، حتى قام على ضفة النيل في بلدهم بناء شامخ من الطوب الأحمر مثل المعبد يلقي ظلاله على النيل ، وبعد ذلك بقليل ، بين لغط العاملين وقرقعة الحديد إذا بعجلات ذلك المارد تدور ، وإذا بمصاصاته تشفط من ماء النيل ، كما يشفط الرجل الشاي ، في لمح البصر ، كميات لا تقوي عليها عشرات من سواقيهم في عشرات الأيام ، وإذا بالأرض على اتساعها من ضفة النيل إلى طرف الصحراء يغمرها الماء بعضها أراض لم تر الماء منذ أقدم السنين. وإذا بها تموج بالحياة ، كيف تفسر هذا ؟ عبد الحفيظ يعلم السر ، فهو يقول لمحجوب ، وهو يجمع بين عينيه الحقل الواسع الذي هو حقله والريح تلعب بالقمح فتثني صفوفه فكأنه حوريات رشيقة تجفف شعرها في الهواء ( معجزة يا زول . ما في أدني شك ) . جلس الطريفي خلسة في مقعده بعد أن حدث الناظر بخبر عرس الزين ، جلس خلسة على طرف مؤخرته كأنه يتهيأ للهروب في أية لحظة ، فقد كان في سمته وطبعه شيء من سمت الضبع وطبعه . ونظر حوله بعينيه الماكرتين ، وهمس في أذن جاره من اليمين : ( نجينا الليلة من الجغرافيا ، أشارطك الناظر ما يتم الحصة ) . وكما تنبأ الطريفي أعلن الناظر في صوت فاتر غير مكترث أنه خارج لأمر عاجل : ( راجعوا الدرس بتاع منطقة زراعة القمح في كندا ) ، وخرج في خطوات متوترة ، وراقبه الطريفي ، وهو يحاول ألا يهرول حتى وصل باب فناء المدرسة ، وضحك الطريفي بخبث حين رأى الناظر يمسك بذيل عباءته في يده ، ويهرول مكبا على وجهه في الرمل . ووصل الناظر إلى دكان شيخ علي في السوق ، لاهث النفس ، جاف الحلق ، إذ أن المدرسة لم تكن قريبة كل القرب من السوق وبينها وبينه رمل تغوص فيه القدم ، والناظر قد جاوز الخمسين ، كان دكان شيخ علي في السوق مقره المفضل . سر لما رأي عبد الصمد أيضا فقد كانت بينه وبينه صداقة مريرة ، لا يطيب له المجلس أو لعب الطاولة بدونه . وكان بينه وبين المتجر مقدار عشرة أمتار لكنه لم يطق صبرا . فبدأ يتحدث وهو مقبل عليهما : ( شيخ علي ، حاج عبد الصمد ، السنة دي سنة العجايب دا كلام أيه دا ؟ ) وأوصلته الجملة عندهم ، فأجلسوه على مقعده المفضل ، مقعد وطيء من خشب وجبال عليه مسند وله متكآت على جانبيه : وكانت القهوة ما تزال ساخنة ، تفوح منها رائحة القرفة والحبهان والجنزبيل ، أمسك بالفنجان وقربه إلى فمه ، لكنه لم يلبث أن رده وقال : ( الخبر دا صحيح ؟ ) . وضحك عبد الصمد وقال للناظر : ( كدى أشرب القهوة قبل تبرد . الكلام صحيح ) . وقال الشيخ علي وهو يحرك التبغ الممضوغ من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر في فمه ( حكاية عرس الزين موكدي ؟ صحيح وأبوه صحيح كمان ) . وشفط الناظر شفطة كبيرة من الفنجان ، ثم وضعه على منضدة صغيرة أمامه وأشعل لنفسه سيجارة شد منها نفسا عميقا ( يا رجل دي سنة غريبة جدا ، وألا أنا غلطان ؟ ) لم يكن الناظر يستعمل عبارة ( زول ) أي ( شخص ) كبقية أهل البلد، بل كان يقول ( رجل ) في بداية جملة . وقال عبد الصمد : ( كلامك صحيح جناب الناظر ، سنة عجيبة فعلا النسوان القنعن من الولادة ولدن ، البقر والغنم جابت الاثنين والثلاثة ) . وواصل حاج علي تعداد المعجزات التي حدثت ذلك العام : ( تمر النخيل كثير لا من غلبنا من الشولات النشيلة فيها الثلج نزل . دا كلام ! الثلج في ذلك العام شيئا حيرهم جميعا . ولم يستطع الناظر مع طول باعه في علم الجغرافيا أن يجد له تعليلا ، وقال الناظر : ( لكين المعجزة الكبرى موضوع زواج الزين ) -هذه كانت عادته ، يزج الكلمات الفصحى في حديثه . وقال شيخ علي : ( الواحد ما يكاد يصدق ) كان الناظر يعديه هو وعبد الصمد بكلماته الفصحى ، فيحاولان مجاراته . وقال عبد الصمد : ( كلام الحنين ما وقع البحر ، قال له باكر تعرس أحسن بت في البلد ) . وقال الناظر : ( أي نعم والله . أحسن بنت في البلد إطلاقا ، أي جمال ! أي أدب ! حشمة !). وقال عبد الصمد مستفزا : ( أي فلوس ! أنا عارفك كت خات عينك عليها عشان مال أبوها ) واحتد الناظر وهو يرد التهمة عن نفسه : ( أنا خاف الله يا رجل هذه في عمر بناتي ) . وقال شيخ علي يسري عنه : ( عمر بناتك ايه يا شيخ ؟ الراجل راجل حتى في أرزل العمر ، والبنت من سن أربعتاشر قابلة للزواج من أي راجل ولو كان زي جنابك في الستين ) . ( خاف الله يا رجل ، أنا في الخمسين ، أصغر منك ومن عبد الصمد قطع شك ) . وقهقهة عبد الصمد قهقته المشهور من جوف صدره وقال : ( طيب بلاش موضوع العمر ، أيه رأيك في حكاية عرس الزين ؟ ) وقال الناظر : يا رجل دا موضوع مدهش . ازي حاج إبراهيم يقبل ؟ الزين رجل درويش ماله ومال الزواج ؟ ) . وأضاف شيخ علي أيضاً : ( رحمة الله عليه . جاب لنا الخير في البلد ) . وقال عبد الصمد : ( وكله عشان خاطر الزين ) . وقال الناظر : ( يا رجل ما دخلنا في موضوع الكرامات ؟ لكن برضه ... ) وقاطعه شيخ علي : ( مهما يكون ، الراجل راجل والمره مره ) . وأضاف عبد الصمد : ( والبت بت عمه على كل حال ) . صمت الناظر ، فإنه لم يجد ما يرد به على كلامهما - من الناحية الشكلية على الأقل : فكون بنت العم لابن العم حجة ليس بعدها حجة في عرف أهل البلد ، أنه تقليد قديم عندهم ، في قدم غريزة الحياة نفسها ، غريزة البقاء وحفظ النوع . لكنه في قرارة نفسه كان مثل آمنة . يحس بلطمة شخصية موجهة له ، وأحس برهة بارتياح : أن علي وعبد الصمد لا يعلمان بأنه فاتح حاج إبراهيم في أمر نعمة لو علما إذا لما استطاع أن ينجو من لسانيهما السليطين . وسأل نفسه وهو يشرب الفنجان الخامس من قهوة شيخ علي ، لماذا طلب يدها ؟ فتاة صغيرة في سن بناته . أنه لا يدري تماما . لكنه رآها ذات يوم خارجه من الدار ، ترتدي ثوبا أبيض . صادفها وجها لوجه . راعه جمالها سلم عليها بصوت مرتعش فردت سلامة بصوت هادئ رزين . قال له : ( أنت نعمة بنت حاج إبراهيم ؟ ) فقالت دون تردد أو وجل : ( نعم ) وبسرعة بحث في ذهنه عن سؤال آخر يستبطئها به قبل أن تذهب فلم يجد خيرا : ( أخوك أحمد كيف حاله ؟ ) - كان هذا أخاها الأصغر الذي كان من تلاميذه . فقالت له ووجهها الجريء قبالة وجهه : ( طيب ) ثم ذهبت ... وعاش الناظر بعد ذلك ليالي وصورتها لا تفارق ذهنه . لعلها أيقظت في قلبه إحساسا دفينا . لم يذكره منذ عشرين عاما . وأخيرا لم يقو على الصبر فانتهز وعكة خفيفة ألمت بأبيها فذهب إليه بحجة عيادته . وجده وحده لحسن حظه ، وبعد حديث سطحي عن أسعار القمح وحال المدرسة ، دخل الناظر في الموضوع ، وبسرعة طلب يد نعمة من أبيها ، لم يفهم حاج إبراهيم شيئا أول الأمر ، أو لعله تغابى فاستوضح الناظر في جملة أو جملتين حزنا في نفسه قال له أولا : ( داير نعمة لي منو ؟ ) فقال الناظر بشيء من العجرفة : ( لي منو ؟ أنا طبعا ) . وكأنما حاج إبراهيم غرس خنجرا ثم ضغط على مقبضه ليثبته أكثر في قلبه حين قال له : ( ليك أنت ؟ ) خلاصة القول أن زيارته كانت خطأ فادحا . وحاول حاج إبراهيم أن يخفف عنه الوقع فألقى خطبة طويلة عن الشرف الذي أسبغه عليه الناظر بطلبه وأنه خير صهر له وو ... لكن ، وهذا هو المهم ، لكن الفرق بين سنة وسن البنت يجعله لا يستطيع أن يقبل ، فهو بهذا لا يرضي ضميره ، ثم أن أخوانها سيعترضون ، وأخيرا حاول الناظر ملافاة الضرر ، فاستحلف حاج إبراهيم إلا يذكر شيئا مما دار بينهما لمخلوق ، وأن يعتبر الأمر كأن لم يكن . ( نحفر حفرة وندفنه في محله دا). وكان حاج إبراهيم عند حسن ظنه . لكن الناظر في قراره نفسه ، على الرغم من اقتناعه بخطئة ، لم يستطع أن يتخلص من الطعم المر في حلقه ، ولما سمع بأنها ستزف للزين دون سائر الناس أحس ، الخنجر ينغرس أكثر في قلبه ، وذعر الناظر قليلا حين سمع عبد الصمد يقول له : ( جنابك ما تزعل أبدا ، إذا كنت عاوز تعرس . البلد مليانة نسوان عزبات ، المطلقة والراجلها مات أجمل نسوان علي باليمين ) . وهنا ثار الناظر فعلا . انصب حنقه الداخلي كله على عبد الصمد : ( يا رجل أنت مجنون ؟ أنت ما تعرف تفرق بين الجد والهزار ؟ ما أنت راجل اونطة صحيح ! ) . وقهقهة عبد الصمد بلذة عميقة ، فقد نجح في استثارة الناظر ، أنه يتصيد هذه الفرص ، لعل الذي آلمه في الموضوع ذكر النساء الثيبات ! وقال شيخ علي يزيد النار اشتعالا : ( يعني جناب الناظر لما يحب يتزوج فوق أم أولاده . يتزوج نسوان سكندهاند ؟ أما فعلا يا حاج عبد الصمد أنت راجل اونطة صحيح ) . وتمسك عبد الصمد بكلمة ( سكندهاند ) يغيظ بها علي هذه المرة : ( قت شنو آشيخ علي ؟ سكن دهان ؟ والله عجايب ! عشنا وشفنا علي ود الشايب يتكلم الأفرنجي ) . وضحك الناظر بإفراط محاولا قدر المستطاع تحويل الهجوم عن شخصه إلى شخص شيخ علي ، لكن شيخ علي كان عليما بنزوات عبد الصمد وحركات الناظر فتجاهل هجوم عبد الصمد وعاد بالحديث إلى موضوع زواج الزين : ( المهم زي ما قلنا العرس مو قاسي . والراجل راجل وأن كان بي رياله والمره مره وأن كانت شجرة الدر ) . تعجب الناظر في سره كيف عرف شيخ علي اسم شجرة الدر . ووقع الاسم موقعا حسنا على أذن عبد الصمد وكان جاهلا به لكنه تحرج من السؤال مخافة أن يفضح جهله . ومضى شيخ علي يعدد لهما أسماء الرجال الذين لم يكن لهم شأن يذكر ومع ذلك تزوجوا نساء بارعات الذكاء مفرطات الحسن . استحوذ على اهتمام خصميه مدة غير قليلة من الزمن . وغمرته السعادة وهو يرى الدهشة والإعجاب يبدوان على وجهيهما . ذكرهما بقصة كثير الذي أحبته عزة على قصره وبشاعة هيئته . وقصة الأعرابية التي سألوها كيف تزوجت رجلا جلفا قميئا فقالت لهم ( والله لو .. إلخ ) وكاد الناظر وعبد الصمد يستلقيان على ظهريهما من الضحك حين سمعا ما قالته الأعرابية . ثم أشار إلى قبيلة الإبراهيمات الذين انحدروا جميعا من صلب رجل درويش يدعى إبراهيم أبو جبة ، وكيف أنه .. لكن عبد الصمد ضاق ذرعا بطلاوة لسان شيخ علي ، فقاطعه بشيء من الحدة قائلا : ( أنت رايح بعيد ليه لي كثير عزة وقبيلة الأبراهيمات ؟ عند سعيد البوم .. ماك طاري حكاية عرسه ؟ ) ابتسم الناظر ، فقد كان بينه وبين سعيد البوم مدة خاصة ، أم لعله كان يستغل سعيد في جلب الحطب والماء لبيته ؟ وكان سعيد يبيع حطب الوقود ويخدم في البيوت ، ويدخر ماله عند الناظر ، ولما أراد الزواج جاء إلى الناظر واستشاره ، وتباهى بعد ذلك أن الناظر في جلالة قدره شهد عقد زواجه . كل أحد في البلد يعرف قصة زواج سعيد ، وأنه عاش مع زوجته قريبا من الحلول لا يمسها وكادت تيأس وتطلقه وكان سعيد يقول إذا سألوه عن سبب إبطائه : ( التررن بالمهلة ) . لكنه فيما بعد على أي حال أولدها أولاد وبنات . وفجأة لمح الناظر في خياله وجه نعمة ، ومرة أخرى أحس بالخنجر يتحرك في قلبه ، فقال وكأنه لم يسمع كل القصص التي قصها عليه شيخ علي وحاج عبد الصمد : ( لكين تتزوج الزين ؟ دا اسمه كلام يا رجل ؟ والله عجايب ! ) تأثر أمام المسجد أيضا بالحوداث العجيبة التي شهدتها القرية ذلك العام . كان رجلا ملحاحا متزمتا كثير الكلام ، في رأي أهل البلد . كانوا في دخيلتهم يحتقرونه ، لأنه كان الوحيد بينهم الذي لا يعمل عملا واضحا - في زعمهم . لم يكن له حقل يزرعه ولا تجارة يهتم بها ولكنه كان يعيش من تعليم الصبيان له في كل بيت ضريبة مفروضة ، يدفعها الناس عن غير طيب خاطر ، وكان يرتبط في أذهانهم بأمور يحلو لهم أحيانا أن ينسوها : الموت والآخرة والصلاة فعلق على شخصه في أذهانهم شيء قديم كئيب مثل نسيج العنكبوت ، إذا ذكر اسمه خطر على بالهم تلقائيا موت عزيز لديهم ، أو تذكروا صلاة الفجر في عز الشتاء ، وما يرتبط بذلك من وضوء بالماء البارد يشقق الرجلين ، وخروج من الفراش الدافئ إلى لفح الصقيع وسير في غبش الفجر إلى المسجد . هذا إذا كان الواحد منهم يذهب بالفعل إلى الصلاة . أما إذا كان مثل محجوب ، وعبد الحفيظ ، وأحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي ، وحمد ود الريس ، من النفر " العصاة " الذين لا يصلون ، فإنه يحس كل صباح بإحساس غامض يثير القلق ، من نوع الإحساس الذي يحسه الواحد منهم إذا نظر خلسة إلى امرأة جاره ، ويقول لك محجوب إذا سألته عن إمام المسجد أنه " راجل صعب . لا يأخذ ولا يدي " معنى ذلك أنه لم ن يسايرهم أو يخوض معهم في أحاديثهم - لم يكن يعنيه ، كما يعنيهم ، أوان زراعه القمح وسبل ريه وسماده وقطعه أو حصاده . لم يكن يهمه هل موسم الذرة في حقل عبد الحفيظ نجح أم فسد ، وهل البطيخ في حقل ود الريس كبر أم صغر ؟ كم سعر أردب الفول في السوق ؟ هل هبط سعر البصل ؟ لماذا تأخر لقاح النخل ؟ كانت تلك أمور ينفر منه بطبعه ويحتقرها بسبب جهله بها . ومن ناحية أخرى ، كان هو يهتم بأمور لا يأبه لها إلا القليلون من البلد . كان يتتبع الأخبار من الإذاعة والصحف ويحب أن يناقش هل ستقوم الحرب أم لا ؟ هل الروس أقوى أم الأمريكان ؟ ماذا قال نهرو وماذا قال تيتو ؟ وكان أهل البلد مشغولين بجزئيات الحياة ، لا تعنيهم عمومياتها . وهكذا نشأت الهوة بينه وبينهم لكنهم إن لم يحبوه ، فقد كانوا يعترفون بحاجتهم إليه . يعترفون مثلا بعلمه ، فقد قضى عشر سنوات في الأزهر ، يقول الواحد منهم : " الإمام ما عنده شغلة " . ثم يضيف : " لكن الحق لسانه فصيح كلام " كان يلهب ظهورهم في خطبه . وكأنه ينتقم لنفسه منهم . بكلام متدفق فصيح عن الحساب والعقاب ، والجنة والنار ، ومعصية الله والتوبة إليه ، كلام ينزل في حلوقهم كالسم . يخرج الرجل من المسجد بعد صلاة الجمعة زائغ العينين ويحس وهلة كأن سير الحياة قد توقف ينظر إلى حقله بما فيه من نخل وزرع وشجر ، فلا يحس بأي غبطة في نفسه . يحس أنها جميعا عرض زائل ، وأن الحياة التي يحياها بما فيها من فرح وحزن ، ما هي إلا جسر إلى عالم آخر . ويقف برهة يسأل نفسه ماذا أعد لذلك العالم الآخر ؟ لكن جزئيات الحياة ما تلبث أن تشغل فكره : وسريعا أسرع مما كان يتوقع تغيب صورة العالم الآخر البعيد ، وتأخذ الأشياء أوضاعها الطبيعية . وينظر إلى حقله فيحس مرة أخرى بذلك الفرح القديم الذي يعطيه مبررات وجوده . ومع ذلك فأكثرهم يعودون إليه في كل مرة ليجربوا نفس الصراع الغامض . يعودون إليه لأن صوته قوي واضح وهو يخطب . عذب رخيم وهو يرتل القرآن ، مهيب حين يصلي على الأموات ، حازم عليم ببواطن الأمور وهو يقوم بعقود الزواج . وكانت في عينيه نظرة احتقار وترفع يحس الواحد منهم وقعها حين يفقد ثقته بنفسه ، كان مثل الضريح الكبير وسط المقبرة . وكانت البلد منقسمة إلى معسكرات واضحة المعالم إزاء الإمام ( لم يكونوا أبدا ينادونه باسمه ، فكأنه في أذهانهم ليس شخصا بل مؤسسة ) . معسكر أغلبه من الرجال الكبار العقلاء يتزعمه حاج إبراهيم . أبو نعمة ، يعامل الإمام معاملة ود يشوبه تحفظ هؤلاء كانوا يحضرون كل الصلوات في المسجد ويبدو على وجوههم على الأقل أنهم يفهمون ما يقول . يدعونه إلى الغداء كل يوم جمعة بعد الصلاة كل واحد منهم يدعوه يوما بالتناوب . كانوا يدفعونه إليه بصدقة الفطر في عيد رمضان ، ويعطونه جلود الذبائح في عيد الأضحى إذا تزوج أحد أبنائهم أو بناتهم ، أعطوه حقه نقدا ومعه رداء أو ثوب . شذ عن هذا الفريق رجل في السبعين اسمه إبراهيم ود طه . لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يعترف بوجود الإمام والفريق الثاني . وأغلبه من الشبان دون العشرين يعادي إمام المسجد عداءا سافرا . بعضهم تلاميذ في المدارس . وبعضهم سافر وعاد، وبعضهم يحس على أي حال بفيض الحياة حارا قويا في دمه فلا يحفل برجل صناعته تذكير الناس بالموت . هذا كان فريق المغامرين - منهم من يشرب الخمر سرا ويلم خفية بالواحة في طرف الصحراء - . وفريق المتعلمين الذين قرأوا أو سمعوا بالمادية الجدلية ، وفريق المتمردين ، وفريق الكسالى الذين يصعب عليهم الوضوء في الفجر في عز الشتاء . ومن عجب أن زعيم هذه الفئة كان إبراهيم ود طه ، الرجل الذي جاوز السبعين ، لكنه كان يقرض الشعر ، والفريق الثالث ، وقد كان أكثر المعسكرات وزنا فريق محجوب وعبد الحفيظ والطاهر الرواسي وحمد ود الريس وأحمد إسماعيل وسعيد . كانوا متقاربي الأعمار ، بين الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين ، إلا أحمد إسماعيل فقد كان في العشرين لكنه بحكم مسؤوليته وطريقة تفكيره كان واحدا منهم . هؤلاء كانوا الرجال أصحاب النفوذ الفعلي في البلد . كان لكل واحد منهم حقل يزرعه ، في الغالب أكبر من حقول بقية الناس ، وتجارة يخوض فيها . كان لكل واحد منهم زوجة وأولاد . كانوا الرجال الذين تلقاهم في كل أمر جليل يحل بالبلد . كل عرس هم القائمون عليه . كل مأتم هم الذين يرتبونه وينظمونه . يغسلون الميت فيما بينهم ويتناوبون حملة إلى المقبرة هم الذين يحفرون التربة ، ويجلبون الماء وينزلون الميت في قبره . ويهيلون عليه التراب ، ثم تجدهم بعد ذلك في ( الفراش ) يستقبلون المعزين ، ويديرون عليهم فناجين القهوة المرة ، إذا فاض النيل أو أنهم سيل فهم الذين يحفرون المجاري ، ويقيمون التروس ، ويطوفون على الحي ليلا وفي أيديهم المصابيح يتفقدون أحوال الناس ، ويحصرون التلف الذي أحدثه الفيضان أو السيل . إذا قيل أن امرأة أو بنتا نظرت نظرة فاجرة إلى أحد ، فهم الذين يكلمونها وأحيانا يضربونها ، لا يعنيهم بنت من تكون . إذا علموا أن غريبا حام حول الحي حول المغيب فهم الذين يوقفونه عند حده . إذا جاء العمدة لجمع العوائد فهم الذين يتصدون له ، ويقولون هذا كثير على فلان ، وهذا معقول وهذا غير معقول . إذا ألم بالبلد أحد رسل الحكومة ( وهم لا يأتون إلا لماما ) فهم الذين يستقبلونه ويضيفونه ، ويذبحون له الشاة أو الخروف ، وفي الصباح يناقشونه الحساب ، قبل أن يقابل أحدا من أهل البلد ، والآن وقد قامت في البلد مدارس ، ومستشفى ، ومشروع زراعي ، فهم المتعهدون . وهم المشرفون ، وهم اللجنة المسؤولة عن كل شيء كان الإمام لا يحبهم ولكنه كان يعلم أنه سجين في قبضتهم ، إذا أنهم هم الذين كانوا يدفعون له مرتبه آخر كل شهر ، يجمعونه من أهل الحي ، كل موظف حكومة يحل بالبلد ، وكل من له حاجة يريد أن يقضيها ، سرعان ما يكتشف هذا الفريق فلا تنجح له مهمة أو يتم له عمل إلا إذا تفاهم معهم . لكنهم كانوا ، ككل صاحب سلطان ونفوذ لا يظهرون نزعاتهم الشخصية ( إلا في مجالسهم الخاصة أمام متجر سعيد ) ، الإمام مثلا كانوا يعتبرونه شرا لا بد منه فيحبسون ألسنتهم عن ذمه ما استطاعوا ، ويقومون " بالواجب والمجاملة " كما يقول محجوب . لم يكونوا يصلون ، ولكن واحدا منهم على الأقل كان يحضر الصلاة مرة في الشهر ، إما الظهر أو العشاء في الغالب فالفجر لا طاقة لهم به - ويكون غرض الزيارة في الواقع شيئا غير الاستماع لعظة الإمام حينئذ يعطون الإمام مرتبه ويتفقدون بناء المسجد إذا كان يحتاج إلى إصلاح . وكان الزين فريقا قائما بذاته ، كان يقضي أعظم أوقاته مع شلة محجوب ، بل أنه كان في الواقع إحدى المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاقتهم كانوا يحرصون على إبعاده عن المشاكل ، وإذا وقع في ورطة أخرجوه منها ، كانوا يعلمون عنه أكثر مما تعلم أمه ، يشملونه بعنايتهم وترعاه عيونهم من بعيد . وكانوا يحبونه ويحبهم . لكن الزين في موضوع الإمام كان معسكرا قائما بذاته ، يعامله بفظاظة ، وإذا قابله قادما من بعيد ترك له الطريق ، ولعل الإمام كان الشخص الوحيد الذي يكرهه الزين ، كان مجرد وجوده في مجلس يكفي لإثارته . فيسب ويصرخ ويتعكر مزاجه ويتحمل الإمام في وقار هيجان الزين ، ويقول أحيانا أن الناس أفسدوه بمعاملتهم له كأنه شخص شاذ وإن كون الزين ولي صالح حديث خرافة ، وأنه لو ربي تربية حسنة لنشأ عاديا كبقية الناس ، لكن من يدري ، لعله هو الآخر أحس بقلب في صدره حين حدجه الزين بإحدى نظراته ، فكل أحد يعلم أن الزين أثير عند الحنين ، والحنين ولي صالح وهو لا يصادق أحدا إلا إذا أحس فيه قبسا من نور . إلا أن الأمور اختلطت اختلاطا غير يسير في ( عام الحنين ) فإن ( خيانة ) سيف الدين ، أو ( توبته ) ( حسب المعسكر الذي أنت فيه ) ، أضعف فريقا وقوى فريقا . كان سيف الدين بطل الواحة وفارسها وزعيمها فلما تحول إلى معسكر الأتقياء العقلاء سرى الرعب في قلوب أصدقائه القدامى . كان من ناحية وارثا . فكان هو الذي يدفع ثمن الشراب في غالب الأحيان . وكان ستارا مفيدا يختفون وراءه في مجونهم ، إذ كانت البلد مشغولة به عنهم ، وكان بعضهم يرى فيه رمزا حقيقا لروح الانطلاق والتمرد . وفجأة انهدت الأرض تحت أرجلهم ، ثم أن سيف الدين استغل معرفته بخباياهم ، فأصبح أخطر خصم لهم . واشتد ساعد الإمام بسيف الدين . كانت الواحة دائما شغلة الشاغل ، وتقوم في نظره رمزا للفساد والشر ، ونادرا ما كانت تخلو خطبة من خطبه من ذكرها . والآن وقد عاد سيف الدين إلى جادة الصواب ، فقد زادت خطب الإمام قسوة ، وزادت حملته قوة ، وأصبح سيف الدين المثل الذي يضربه كل مرة على أن الخير ينتصر في النهاية . لم يحفل الإمام بأن الحنين ، وهو يمثل الجانب الخفي في عالم الروحانيات ( وهو جانب لا يعترف به الإمام ) كان هو السبب المباشر في توبة سيف الدين . معكسر ( الوسط ) ، جماعة محجوب لم يتأثر كثيرا ، فهم يعتبرون الواحة ، كالإمام سواء بسواء شرا لا بد منه ، ولم يكونوا يأبهون كثيرا إلى أن بعض شبان البلد يسكرون ، ما دام ذلك لا يؤثر على سيرة الحياة الطبيعي ، لا يتدخلون إلا إذا سمعوا أن شابا سكرانا تهجم على أنثى أو رجل من أهل الحي ، حينئذ يلجأون إلى أساليبهم الخاصة ، التي تختلف عن أساليب الإمام ، وفي تأييدهم لبقية الناس ، في محاولة تهديم الواحة ، لم يكونوا ينظرون إلى عملهم كما ينظر له الإمام محاولة لتغليب الخير على الشر . لا بل لأن زوال الواحة سيغنيهم عن متاعب عملية ، لا حاجة لهم فيها . المهم أن الإمام فرح بسيف الدين فرحا عظيما ، أصبح يذكره في خطبه ، يتكلم وكأنه يتحدث إليه شخصيا ، تراه خارجا داخلا معه . وقال أحمد إسماعيل لمحجوب مرة وهو يرى سيف الدين والإمام يمشيان معا ذراعا في ذراع : ( ود البدوي من الخدم للإمام ) . وكان للإمام رأي في أمر زواج الزين من نعمة بنت الحاج إبراهيم . ودخل محجوب دكان سعيد ، ووضع قطعة نقد على الطاولة فأخذها سعيد في صمت وانزل من الرف علبة سجاير بحاري ، ووضعها في يد محجوب ومعها الباقي قطع معدنية صغيرة ، أشعل محجوب سيجارة شدة منها نفسين أو ثلاثة ثم رفع وجهه إلى السماء وتمعن عليها دون إحساس ، كأنه قطعة أرض رملية لا تصلح للزراعة ، وقال فتور : " الثريا طلعت . وقت زراعة المريق " وظل سعيد مشغولا بتفريغ _________________
  9. عرس الزين - الحلقة الثالثة ووفدت على الزين سنوات خصب مفعمة بالحب . فقد أصبحت أمهات البنات يخطبن وده ويستدرجنه إلى البيوت فيقدمن له الطعام ، ويسقينه الشاي والقهوة ، يدخل الزبن الدار من تلك الدور . فيفرش له السرير ، ويقدم له الفطور أو الغداء في صينية وأوان ، ويؤتى بعد ذلك بالشاي السادة بالنعناع إذا كان الوقت ضحى ، والشاي الثقيل باللبن إذا كان الوقت عصرا . وبعد الشاي يؤتى بالقهوة بالقرفة والحبهان والجنزبيل ، سواء كان الوقت ضحى أو عصرا وما يسمع النساء أن الزين في دار قريبة حتى يتقاطرن عليه ، والسعيدة منهن من تقع في قلبه موقعا ، والتي يخرج واسمها على فمه ، تلك الفتاة تضمن زوجا في خلال شهر أو شهرين . ولعل الزين ، بفطرة فيه ، أدرك خطورة مركزه الجديد ، فأصبح يتدلل على أمهات البنات ويتردد قبل أن يجيب دعوة إحداهن للإفطار أو للغداء . ، كل هذا وفي الحي فتاة واحدة لا يتحدث الزين عنها ، ولا يعبث معها ، فتاة تراقب من بعد بعيون حلوة غاضبة ، كلما رآها مقبلة يصمت ويترك عبثه ومزاحه ، وإذا رآها من بعد فر من بين يديها وترك لها الطريق . ..وروجت أم الزين أن ابنها ولي من أولياء الله . وقوي هذا الاعتقاد صداقة الزين مع الحنين . كان رجلا صالحا منقطعا للعبادة ، يقيم في البلد ستة أشهر في صلاة وصوم ، ثم يحمل إبريقه ومصلاته ويضرب مصعدا في الصحراء ، ويغيب ستة أشهر ، ثم يعود ولا يدري أحد أين ذهب . ولكن الناس يتناقلون قصصا غريبة عنه ، يحلف أحدهم أنه رآه في مروى في وقت معين . بينما يقسم آخر أنه شاهده في كرمه في ذلك الوقت نفسه - وبين البلدين مسيرة ستة أيام . ويزعم أناس أن الحنين برفقة من الأولياء السائحين الذين يضربون في الأرض يتعبدون والحنين قلما يتحدث مع أحد من أهل البلد ، وإن سئل أين يذهب ستة أشهر كل عام . لا يجيب . ولا أحد يدري ماذا يأكل وماذا يشرب ، فهو لا يحمل زادا في أسفاره الطويلة . ،ولكن في البلد إنسانا واحد يأنس إليه الحنين ويهش له ويتحدث معه - ذلك هو الزين ، كان إذا قابله في الطريق عانقه وقبله على رأسه ، وكان يناديه " المبروك " . وكان الزين أيضا إذا رأى الحنين مقبلا ، ترك عبثه وهذره وأسرع إليه وعانقه . ولم يكن الحنين يأكل طعاما في بيت أحد ، إلا دار أهل الزين يسوقه الزين معه إلى أمه ويأمرها بصنع الغداء أو الشاي أو القهوة . ويظل الزين والحنين ساعات في ضحك وكلام ، ويحاول أهل البلد أن يعرفوا من الزين سر الصداقة التي بينه وبين الحنين فلا يزيد على قوله : " الحنين راجل مبروك " . كانت للزين صداقات عديدة من هذا النوع ، مع أشخاص يعتبرهم أهل البلد من الشواذ ، مثل عشمانة الطرشاء ، وموسى الأعرج ، وبخيت الذي ولد مشوها ، ليست له شفة عليا ، جنبه الأيسر مشلول ، كان الزين يحنو على هؤلاء القوم ، إذا رأى عشمانة قادمة من الحقل وعلى رأسها حمل ثقيل من الحطب حمله عنها وهش لها وداعبها ، كانت فتاة تخاف من كل أحد ، إذا صادفت امرأة أو رجلا في طريقها ارتعبت وفزعت ، كأنهم وحوش مفترسة ، ولكنها كانت تأنس للزين وتضحك له ضحكتها البكماء المحزنة التي تشبه صياح الدجاج ، وموسى الذي لا يذكر الناس اسمه ولكنهم يسمونه الأعرج ، رجل طاعن في السن ، حين تراه مقبلا ينفطر قلبك من كثرة ما يعاني في مشيه ، الحياة بالنسبة له طريق متعب شاق ، كان عبدا رقيقا لرجل موسر في البلد ، ولما منحت الحكومة الرقيق حريتهم ، آثر موسى أن يبقى مع مولاه ، كان مولاه شغوفا به يحبه ويبره ويعامله معاملة الابن ، ولما توفي آلت الثروة إلى ابن سفيه ، فبددها وطرد موسى . وأدركته الشيخوخة وهو معدم لا أهل له ، ولا أحد يعنيه أمره . فعاش على حافة الحياة في البلد ، كما تعيش بعض الكلاب العجوزة الضالة ، التي تأوي إلى الخرابات في الليل ، وتبحث عن القوت نهاراً في فجوات الحي ، يتحرش بها الصبيان ، عطف الزين على هذا الرجل ، وبنى له بيتا من جريد النخل وأعطاه معزة ملبنة كان يأتيه في الصباح فيسأله كيف بات ليله ، ويأتيه بعد غروب الشمس ، مالئا جيوبه بالتمر وثوبه منتفخ بالطعام ، فيلقيه بين يديه ، وأحيانا يجيء ومعه وقية شاي أو رطل سكر أو شيء من البن ، وتسأل موسى الأعرج عن الصداقة التي بينه وبين الزين فيقول لك وفي عينيه غشاوة من الدمع: " الزين حبابه عشرة الزين ود حلال " . ويرى أهل البلد هذه الأعمال من الزين فيزداد عجبهم . لعله نبي الله الخضر لعله ملاك أنزله الله في هيكل آدمي زري ليذكر عباده أن القلب الكبير قد يخفق حتى في الصدر المجوف والسمت المضحك كصدر الزين وسمته ،، وبعضهم يقول : " يضع سره في أضعف خلقه " . ولكن صوت الزين لا يلبث أن يرتفع مناديا : " يا أهل الغريق .. يا ناس الحلة . أنا مكتول ". فتتحطم هذه الصورة ، وتعود صورة الزين التي يألفها الناس ويؤثرونها . كل هذا وفي الحي صبية حلوة ، وقورة المحيا ، غاضبة العينين ، تراقب الزين في عبثه ومزاحه وهزاره ، وجدته يوما في مجموعة من النساء يضاحكهن كعادته ، فانتهرته قائلة : " ما تخلي الطرطشة والكلام الفارغ تمشي تشوف أشغالك ؟ " وحدجت النساء بعينيها الجميلتين . سكت الزين عن الضحك وطأطأ رأسه حياء ثم أنسل بين النساء ومضى في سبيله . ،لم تصدق آمنة أذنيها . وسألت حليمة بائعة اللبن ، للمرة العاشرة " فتي داير يعرس منو ؟ " وللمرة العاشرة قالت حليمة :" نعمة " مستحيل . لا بد أن الفتاة فقدت عقلها نعمة تتزوج الزين ؟ واختلطت الدهشة في صدر آمنة بالغضب وتذكرت بوضوح ذلك اليوم قبل شهرين حين بلغت كرامتها وتحاملت على نفسها وذهبت إلى أم نعمة ، كانت قد حلفت ألا تكلم سعدية بعد ذلك في حياتها ، فقد توفيت أم آمنة وجاء نساء البلد جميعا يعزينها إلا سعدية ، ولم تهتم آمنة أن سعدية كانت غائبة عن البلد في الوقت الذي توفيت فيه أمها . كانت مريضة في المستشفى في مروى حيث ظلت طريحة الفراش شهرا كاملا وحين عادت من مروى جاءت النساء جميعا يستفسرن عن صحتها إلا آمنة . وانقسم النساء فريقين ، فريق يخطئ سعدية ويقلن أن الواجب كان يحتم عليها أن تبدأ آمنة بالزيارة ، فالموت أكبر من المرض وفريق من النساء يتحزب لسعدية ، ويقلن أن أم آمنة بلغت أرذل العمر على أي حال ، والحي خير من الميت وزاد اللغط وتعقدت المشكلة ، وأصرت كل من المرأتين على رأيها ، وأصبحت آمنة لا تكلم سعدية وسعدية لا تكلم آمنة . حتى قبل شهرين حين أصر ابن آمنة عليها أن تذهب وتخطب نعمة . وبلعت المرأة كرامتها وتحاملت على نفسها ودخلت على سعدية في دراها . وقت الضحى وعلى النار قهوة تغلي ، وعلى المائدة فناجين وسكر وأشياء استقبلتها سعدية استقبالا فاترا ، وعرضت عليها القهوة بصوت بارد ، فرفضت آمنة ، ولم تزد سعدية ، لم تحلفها ولم تخصصها . لم تقل لها : " الرسول يتعرض لك النبي عليك ، الله يهديك تشربي القهوة " . لم تزد على جملة واحدة ، وتطلبت آمنة شجاعة كبيرة ، لكي تحدث سعدية في موضوع ابنها أحمد ، ونعمة ابنة سعدية ، عرقت وجفت وبلعت ريقها . , أخيرا قالت في صوت مرتعش وفي داخلها تلعن ابنها الذي عرضها لكل هذا الاحتقار : " سعدية أختي . أنا كت حالفه تاني الحاية ولا الممات ما يجيبني ليكي ، بحال أنت من دون الناس كلهم ابيتي تجي تعزيني في أمي . لكين برضه المؤمن مسامح .. دحيني يا ختي أنا عافالك . الغرض الجابني ليكي حسع ، الشيء الجيتك من شأنه ، أحمد ولدي أبو أحمد وأنا عندنا رغبة في نعمة لي أحمد " . ولما فرغت من حديثها ، شعرت بلسانها كقطعة من الخشب في فمها وأحست بحلقها قد تقلص فتنحنحت مرتين وارتعشت يداها . ولم تقل سعدية شيئا . لو أنها فاهت بكلمة واحدة لهدأ روع آمنة قليلا . سعدية دائما تشعرها بأنها أقل منها شأنا . أنها امرأة جميلة نبيلة الملامح والسلوك ، تحس وأنت تنظر إلى وجهها الوقور السمح بثروة أخوانها السبعة ، وأملاك أبيها الواسعة ونخل زوجها وشجره وبقره ومواشيه التي لا يحصيها العد . هذه المرأة لها أولاد ثلاثة تعلموا في المدارس واشتغلوا في الحكومة ولها بنت جميلة يتطلع إليها الفتيان ، والناس يذكرونها بالخير ، هذه المرأة القليلة الكلام ، لماذا لا تقول شيئا ؟ وأخيرا رفعت سعدية أهداب عينيها الطويلة ، ونظرت إلى آمنة نظرة لم تفهمها . لم يكن فيها غضب أو حقد أو عتاب أو ود . وقالت بصوتها الهادئ الذي لا يهتز ولا يثور : " إن شاء الله خير . طبعا الشورى عند أبو البت ، وقت يجي نكلمه " تذكرت آمنة كل هذا ، وتذكرت كيف أنهم رفضوا بعد ذلك ، والآن يزوجونها للزين - هذا الرجل الهبيل الغشيم ! يزوجونها للزين دون سائر الناس ، وشعرت آمنة كأن في الأمر إساءة موجهة يها شخصيا ، عن عمد ، وارتاعت حليمة بائعة اللبن حين لاحظت عيني آمنة تتسعان بالغضب ، وحسبت أن آمنة أدركت أنها غشتها اللبن ، فزادته وقالت لآمنة : " كمان ها كي دا زيادة عشان ما تزعلي "
  10. -------------------------------------------------------------------------------- عرس الزين - الحلقة الثانية تتابعت الأعوام ، عام يتلو عاما ، ينتفخ صدر النيل ، كما يمتلئ صدر الرجل بالغيظ ويسيل الماء على الضفتين ، فيغطي الأرض المزروعة حتى يصل إلى حافة الصحراء عند أسفل البيوت ، تنق الضفادع بالليل ، وتهب من الشمال ريح رطبة مفعمة بالندى تحمل رائحة هي مزيج من أريج زهر الطلح ورائحة الحطب المبتل ورائحة الأرض الخصبة الظمأى حين ترتوي بالماء ورائحة الأسماك الميتة التي يلقيها الموج على الرمل ، وفي الليالي المقمرة حين يستدير وجه القمر يتحول الماء إلى مرآة ضخمة مضيئة تتحرك فوق صفحتها ظلال النخل وأغصان الشجر والماء يحمل الأصوات إلى أبعاد كبيرة ، فإذا أقيم حفل عرس على بعد ميلين تسمع زغاريده ودق طبوله وعزف طنابيره ومزاميره كأنه إلى يمين دارك . ويتنفس النيل الصعداء ، وتستيقظ ذات يوم فإذا صدر النيل قد هبط وإذا الماء قد انحسر عن الجانبين ، يستقر في مجرى واحد كبير يمتد شرقا وغربا ، تطلع منه الشمس في الصباح وتغطس فيه عند المغيب . وتنظر فإذا أرض ممتده ريانة ملساء ترك عليها الماء دروبا رشيقة مصقولة في هروبه إلى مجراه الطبيعي . رائحة الأرض الآن تملأ أنفك فتذكرك برائحة النخل حين يتهيأ اللقاح . الأرض ساكنة مبتلة ، ولكنك تحس أن بطنها ينطوي على سر عظيم ، كأنها امرأة عارمة الشهوة تستعد لملاقاة بعلها . الأرض ساكنة ولكن أحشاءها تضج بماء دافق هو ماء الحياة والخصب . الأرض مبتلة متوثبة ، تتهيأ للعطاء ، ويطعن شيء حادا أحشاء الأرض . لحظة نشوة وألم وعطاء . وفي المكان الذي طعن في أحشاء الأرض ، تتدفق البذور ، وكما يضم رحم الأنثى الجنين في حنان ودفء حب . كذلك ينطوي باطن الأرض على حب القمح والذرة واللوبيا ، وتتشقق الأرض عن نبات وثمر . تذكر نعمة وهي طفلة أن النساء كن إذا جئن لزيارة أمها كن يجلسنها على حجورهن ، ويمسحن بأيديهن على شعرها الغزير المتهدل على كتفيها ، ويقبلنها على خدها وشفتها ويدغدغنها ، ويضممنها إلى صدورهن . وكانت تمقت ذلك ، وتتلوى في أذرعهن ، ومرة ضجرت عبث امرأة بدينة بها ، وشعرت بذراعي المرأة الغليظتين تنطبقان عليها ، كأنهما فكا حيوان مفترس ، وبردفي المرأة المثقلة وعطرها القوي ، كأنها تخنقها ، وتململت نعمة وحاولت أن تتخلص من قبضة المرأة . ولكن المرأة ضمتها إلى صدرها بقوة وانقضت على وجهها بشفتيها المكتنزتين تقبلها على رقبتها وعلى خدها ، وتشمها ، صفعتها نعمة على وجهها صفعة قاسية ، وذعرت المرأة وانفك ذراعاها وانفلتت نعمة وتركت الغرفة . ولما كبرت ولم تعد طفلة ، أصبحت رؤوس النساء والرجال على السواء تلتفت إليها ، حين تمر بهم في الطريق . لكنها لم تكن تأبه لجمالها ، وتذكر أيضا كيف أرغمت أباها أن يدخلها في الكُتَّاب لتتعلم القرآن . كانت الطفلة الوحيدة بين الصبيان . وبعد شهر واحد تعلمت الكتابة ، وكانت تستمع إلى صبيان يكبرونها يقرأون سورا من القرآن ، فتستفر في ذهنها ، وأقبلت على القرآن ، تحفظه بنهم ، وتستلذ بتلاوته وكانت تعجبها آيات معينة منه ، تنزل على قلبها كالخبر السار ، كانت تؤثر مما حفظته سورة الرحمن وسورة مريم وسورة القصص ، وتشعر بقلبها يعتصره الحزن وهي تقرأ عن أيوب وتشعر بنشوة عظيمة حين تصل إلى الآية وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا . وتتخيل رحمة امرأة رائعة الحسن متفانية في خدمة زوجها ، وتتمنى لو أن أهلها اسموها رحمة . كانت تحلم بتضحية عظيمة لا تدري نوعها ، تضحية ضخمة تؤديها في يوم من الأيام ، فيها ذلك الإحساس الغريب الذي تحسه حين تقرأ سورة مريم ونشأت نعمة طفلة وقورة ، محور شخصيتها الشعور بالمسؤولية ، تشارك أمها في أعباء البيت ، وتناقشها في كل شيء ، وتتحدث إلى أبيها حديثا ناضجا جريئا يذهله في بعض الأحيان ، كان أخوها الذي يكبرها بعامين يحثها على مواصلة التعليم في المدارس ويقول لها : " يمكن تبقي دكتورة ولا محامية " . ولكنها لم تكن تؤمن بذلك النوع من التعليم . تقول لأخيها وعلى وجهها ذلك القناع الكثيف من الوقار : " التعليم في المدارس كله طرطشة . كفاية القراية والكتابة ومعرفة القرآن وفرايض الصلاة " . ويضحك أخوها ويقول : " باكر يجي ود حلال يعرسك وتنفك مع حججك " . أفراد أسرتها يقولون لها هذا مع إحساس بالخوف ، فهم يدركون أن هذه الفتاة الغاضبة العينين الوقورة المحيا ، تضم صدرها على أمر تخفيه عنهم ، ولما بلغت السادسة عشرة و بدأت أمها تتحدث عن الفتيان الذين يصلحون أصهارا . ولكن نعمة تهز كتفيها ولا تقول شيئا . ولما جاءت آمنة إلى سعدية تحدثها في أمر زواج نعمة من أحمد وقالت لها سعدية : " الشورى عند أبو البت " كانت تعلم في قرارة نفسها أن ( الرأي ) لا لأحد غير نعمة نفسها . وكان لابد من خيارها . فهزت كتفيها وقالت : أنا لي الليلة ما بقيت للعرس ) وكان من العبث مناقشتها ، خاصة وأن سعدية لم تكن متحمسة لأن تصبح حماة لآمنة . لم يمض بعد ذلك وقت طويل حتى ظهر خطيب آخر : إدريس . فتيات كثيرات في البلد كن يتمنين أن يصبحن زوجات له فقد كان متعلما ، يعمل مدرسا في مدرسة ابتدائية . وكان دمث الأخلاق ، حسن السيرة بين أهل البلد ومع أن عائلته لم تكن من العوائل ذوات الأصل ، التي يشار إليها في البلد ، إلا أن أباه كون لنفسه مكانة بين الناس بجده وحسن عشرته كانت أسرة طيبة ميسورة الحال ، وكان حاج إبراهيم والد نعمة ، وأمها سعدية ، وأخوانها الثلاثة ، يميلون إلى قبول إدريس . بيد أن نعمة كان لها رأي غير ذلك . هزت كتفيها وقالت : " ما بدوره ) . واحتد حاج إبراهيم في كلامه معها وهم بصفعها . ولكنه توقف فجأة . شيء ما في محيا تلك الفتاة العنيدة قتل الغضب في صدره . لعله تعبير عينيها ، لعله التصميم الرزين على وجهها . وكأنما أحس الرجل بأن هذه الفتاة ليست عاقة ولا متمردة . ولكنها مدفوعة بإيعاز داخلي إلى الإقدام على أمر لا يستطيع أحد ردها عنه . ومن يومها لم يكلمها أحد في أمر الزواج . وكانت نعمة حين تفرغ نفسها وأفكارها ، وتخطر على ذهنها خواطر الزواج . تحس أن الزواج سيجيئها من حيث لا تحتسب . كما يقع قضاء الله على عباده . مثل ما يولد الناس ويموتون ويمرضون ، مثل ما يبيض النيل ، وتهب العواصف ، ويثمر النخل كل عام ، كما ينبت القمح ويهطل المطر وتتبدل الفصول كذلك سيكون زواجها ، قسمة قسمها الله لها في لوح محفوظ قبل أن تولد ، وقبل أن يجري النيل ، وقبل أن يخلق الله الأرض وما عليها ، لم تكن تحس بفرح أو خوف أو أسى حين تفكر في هذا ، ولكنها كانت تشعر بمسؤولية كبيرة ستوضع على كتفيها في وقت ما ، قد يكون قريبا ، وقد يكون بعيدا ، صاحباتها في الحي ، كل فتاة تشب وفي ذهنها صورة معينة عن الفارس الذي يربط فرسه ذات مساء ساجي الضوء خارج الدار ، ويدخل ويختطفها من بين أهلها ، ويهرب بها بعيدا إلى عوالم سحرية من السعادة ورغد العيش ، أما نعمة فلم ترتسم في ذهنها صورة محددة ، كبرت وكبر معها حب فياض ستسبغه يوما ما على رجل ما قد يكون الرجل متزوجا له أبناء ، يتزوجها على زوجته الأولى قد يكون شابا وسيما متعلما ، أو مزارعا من عامة أهل البلد مشقق الكفين والرجلين ، من كثرة ما خاض وضرب المعول ، قد يكون الزين ... وحين يخطر الزين على بال نعمة تحس إحساسا دافئا في قلبها ، من فصيلة الشعور الذي تحسه الأم نحو أبنائها ، ويمتزج بهذا الإحساس شعور آخر ، بالشفقة ، يخطر الزين على بالها كطفل يتيم عديم الأهل ، في حاجة إلى الرعاية ، أنه ابن عمها على كل حال ، وما في شفقتها عليه شيء غريب . ،، لم تكن أم الزين تبالي أين يقضي الزين ليله ، فقد كان كروح قلق ليس له مستقر ، حيثما أقيم عرس تجد الزين : في فريق الطلحة أو عند عرب القوز في قبلي أو بحري ، لا يحبسه برد ، ولا عاصفة تهب بالليل ولا النيل الطامي في موسم فيضانه ، تلتقط أذنه بحساسية نادرة زغاريد النساء على بعد أميال ، فيضع ثوبه على كتفه ويهرول كأن شيئا يجذبه إلى مصدر الصوت . وأحيانا يسطع النور فجأة من وراء كثبان الرمل ، حين تعدو السيارات آتية من أم درمان ، فإذا شخص نحيل يحب في الرمل يميل بجسمه إلى الأمام قليلا وعيناه تنظران إلى الأرض ، يحث الخطى متجها شرقا . يرى الركاب الزين فيعلمون أن ثمة حفل عرس في طرف الحي ، فإما صاحوا به حين يمرون عليه ، وأما أوقفوا السيارة وتحرشوا به . وأحيانا يسير وراءه كوكبة منهم ، وتقترب زغاريد النساء وتتضح معالمها . ويستطيع الزين أن يميز النساء . أية امرأة زغردت ، ثم تبدو الأنوار وتبدو أشباح مجتمعة تصعد وتهبط كأنها شياطين في وادي الجن . ثم يظهر الغبار الذي تثيره أرجل الناس في رقصها ، يتشبث بخيوط الضوء . وفجأة ينشق الليل عن نداء يعرفه كل أحد : " عوك يا أهل العرس ، يا ناس الرقيص الزين جاكم " . وإذا الزين قد قفز كالقضاء واستقر في حلقه الرقص . ويفور المكان فجأة فقد نفث فيه الزين طاقة جديدة . ومن بعيد يسمع المرء صيحاتهم يرحبون به : " ابشر . ابشر . حبابك عشرة " . وحين تموت أصوات النساء في حلوقهن ، وتطفأ الأنوار ، ويتراوح الناس إلى دورهم قبيل طلوع الفجر ، يسند الزين رأسه إلى حجر أو إلى جذع شجرة ، وينام برهة نوما خفيفا كنوم الطير . وحين يؤذن المؤذن لصلاة الفجر ، يقفل عائدا إلى أهله ، فيوقظ أمه لتصنع الشاي . بيد أن المؤذن قد أذن ذات صباح ، ولم يعد الزين . وأحمر الأفق الشرقي قبيل طلوع الشمس ، ثم ارتفعت الشمس قدر قامة الرجل ولم يعد الزين . وأحست أم الزين برجفة خفيفة في جنبها الأيسر فلم تستبشر خيرا . إنها تعتقد أن جنبها الأيسر إذا رجف فإن شرا سيلم بها أو بأحد ذويها لا محالة . وهمت أن تذهب لعم الزين . ولكنها سمعت حركة عند باب الحوش وسمعت باب الحوش الكبير يصر ، ثم سمعت خبطة قوية ، وفجأة رأت أمامها شيئا مريعا . فصرخت صرخة سمعها حاج إبراهيم أبو لحمة في رابع بيت وهو جالس على مصلاته يشرب قهوة الصباح . امتلأت الدار بالناس رجالا ونساء وحملوا أم الزين فاقدة الوعي . وانشق الناس نصفين . نصفا راح مع الأم ، ونصف أغلبهم من الرجال التفوا حول الزين ، كان على رأسه جرح كبير يصل إلى قريب من عينه اليمنى ، وصدره وثوبه وسرواله ملطخة بالدم . وفقد الناس رشدهم . وأخذ عبد الحفيظ يصيح في الزين وقد احمرت عيناه من الغضب : " كلمنا مين عمل فيك العملة دي ؟ مين الكلب المجرم الضربك ؟ " وتصارخت النساء وبعضهن أخذن في البكاء وكانت نعمة تقف عن بعد ، صامته ، وعيناها مركزتان على وجه الزين ، وقد حل محل الغضب فيهما حنو عظيم . وقال حاج إبراهيم : " الحكيم " . وكان للكلمة وقع الماء على النار ، فهدا عويل النساء وصاح محجوب : " الحكيم " وصاح عبد الحفيظ : " الحكيم " وانطلق أحمد إسماعيل على حماره ليحضره . ولما عاد الزين من المستشفى في مروى حيث ظل أسبوعين كان وجهه نظيفا يلمع . وثيابه بيضاء ناصعة . وضحك فلم ير الناس كما عهدوا سنين صفراوين في فمه ، ولكنهم رأوا صفا من السنان اللامعة في فكه الأعلى ، وصفا من أسنان كأنها من صدف البحر في فكه الأسفل . وكأنما الزين تحول إلى شخص آخر . وخطر لنعمة وهي واقفة بين صفوف المستقبلين أن الزين في الواقع لا يخلو من وسامة . وظل الزين بعد ذلك زمنا طويلا ، ولا حديث له إلا رحلته لمروى . كان يلذ له أن يجتمع حوله رفاقه القدامى ، محجوب ، وعبد الحفيظ ، وأحمد إسماعيل ، وحمد ود الريس والطاهر الرواسي ، وسعيد التاجر ، فيحكي لهم ما جرى له . أول ما وصلت يا زول قلعوني هدومي ولبسوني هدوما نظاف .. السرير يرقش . الملايات بيض زي اللبن والبطاطين والبلاط يزلق الكراع ... " وقاطعة محجوب متحرشا : " خلك من البطاطين والبلاط كرشك الكبيرة دي ملوها ليك بي شنو ؟ " وارتجف فم الزين كأنه مقبل على وليمة : " هلا هلا الأكل في استبالية مروى ولا بلاش . هو عاد جنس أكل . شيتن سمك شيتن بيض شيتن لحم شيتن دجاج " . وقاطعه محجوب مرة أخرى : " الأكل في الاستباليات ما قالوا شوية ؟ كيفن كت بتشبع ؟ " وابتسم الزين ابتسامة كبيرة ميدرة ، حتى يظهر أسنانه الجديدة : " بحال التمرجية كان صاحبتي قعد قدام الأكل " . وصاح عبد الحفيظ : " أي لا إله إلا الله ... آمسنوح . كمان مشيت تتعلبس على التمرجيات ؟ " وارتج جسم الزين بضحك مكتوم : " أي .. أي ... أمانة يا زول مي شافعتن سميحة " . وتدخل ود الرواسي بعد أن كان يستمع ويضحك دون أن يقول شيئا : " عليك الرسول ‍! الزين كدى وصفها لينا " . والتفت الزين خلفه كأنه يخاف أن يسمعه أحد وخفض صوته : " عليك أمان يا زول عليها كبر صلبن " . وانقطع حبل الحديث وقتا . فقد ضج المجلس بالضحك وحين استجمع حمد ود الريس أنفاسه قال ، وما يزال في صدره بقية من ضحك : " شن سويت معاها آمقطوع الطاري ؟ " واصل الزين حديثه كأنه لم يسمع هذا السؤال الأخير : " بنيتن سميحة من أمدرمان ، مرها ، ماها مشلخة " . وزحف ود الرواسي قريبا من الزين وأعاد سؤاله بطريقة أخرى : " أنت شن أوراك كبر صلبها ؟ " وقال الزين على الفور : ( قالوا لك أنا عميان ؟ الشي وقت يبقي قدامي ما بشوفه ؟ " وكأن محجوب سر من هذا الرد فقال وهو ينظر إلى ود الريس : " الداهي نجيض . ساكت قايلنه عويد ) . ووضع الزين يديه خلف رأسه ومال إلى الوراء قليلا ، ثم قال ببطء وعلى وجهه ابتسامة خبيثة : " دايرين يا جماعة تعرفو شن سويت لها ؟ " وقال ود الريس بلهفة : " الرسول الزين حدثنا شن سويت لها " . واتسعت ابتسامة الزين ، ثم فتح فمه ليتكلم ، فانعكس شيء من ضوء المصباح الكبير المعلق في دكان سعيد على أسنانه . وفجأة ، وفي وقت واحد ، قفز محجوب والطاهر الرواسي ، وحمد ود الريس . وصاح عبد الحفيظ : ( امسكوه ) . لكنه كان أسرع منهم في لمح البصر كان الزين قد أمسك بالرجل ورفعه في الهواء بعنف ثم رماه في الأرض ، ثم شده من رقبته وانكبوا كلهم عليه ، أحمد إسماعيل أمسك بذراعه اليمنى ، وعبد الحفيظ أمسك بذراعه اليسرى ، والطاهر الرواسي أمسك به من وسطه . وحمد ود الريس أمسك بساقيه ، وكان سعيد يزن شيئا في دكانه ، فخرج مشرعا وأمسك بساقي الزين أيضا ، لكنهم لم يفلحوا . . تدفقت في جسم الزين النحيل قوة مريعة جبارة لا طاقة لأحد بها أهل البلد جميعا يعرفون هذه القوة الرهيبة ويهابونها ، وأهل الزين يبذلون جهدهم حتى لا يستعملها الزين ضد أحد . أنهم يرتعدون روعا كلما ذكروا أن الزين أمسك مرة بقرني ثور جامح استفزه في الحقل ، أمسك به من قرنيه ، ورفعه عن الأرض كأنه حزمة قش وطرح به ثم ألقاه أرضا مهشم العظام ، وكيف أنه مرة في فورة من فورات حمساة قلع شجرة سنط من جذورها وكأنها عود ذرة . كلهم يعلم أن في هذا الجسم الضاوي قوة خارقة ليست في مقدور بشر : وسيف الدين .. هذه الفريسة التي انقض عليها الزين الآن ، أنه لا محالة هالك واختلطت أصواتهم برهة . كان الزين يردد في غضب ( الحمار الدكر لازم أكتله ) - والحمار الدكر أقصى ذم يلحقه الزين برجل . وارتفع صوت عبد الحفيظ في توتر وخوف : ( الرسول الزين عليك الله خليه ) . وأخذ محجوب يشتم في يأس . وكان أحمد إسماعيل أصغرهم سنا وأقواهم ، ولما أعيته الحيلة عض الزين في ظهره . وكان الطاهر الرواسي رجلا مشهورا بقوته ، كان في بحثه عن السمك في الليل يعوم النيل ذهابا وجيئة ويغطس في الماء نصف الساعة فلا ينقطع نفسه . لكن قوته لم تكن شيئا بجانب الزين . وفي ضوضائهم سمعوا شخيرا يصدر من حلق سيف الدين وأوه يضرب برجليه الطويلتين في الهواء . وصاح محجوب : " مات كتله " .لكن صوت الحنين ارتفع هادئا وقورا فوق الضجة : ( الزين . المبروك . الله يرضى عليك ) وانفكت قبضة الزين ووقع سيف الدين على الأرض هامدا ساكنا ووقع الرجال الستة دفعة واحدة . فقد فاجأهم صوت الحنين وباغتهم الزين بسكوته المفاجئ فكأن حائطا أمامهم كانوا يدفعونه ، إنهد بغته ، ومضت برهة قصيرة جدا ، مقدار طرفة العين ساد فيها صمت كامل ، لا بد أنه كان صمتا مزيجا من رعب وحيرة وأمل ، بعد ذلك جاشت الحياة فيهم مرة أخرى وتذكروا سيف الدين ، أنكبت رؤوسهم عليه ، ثم صاح محجوب بصوت فرح مرتعش ( الحمد لله . الحمد لله ) وحملوا سيف الدين ووضعوه على كنبة أمام دكان سعيد وفي أصوات متوترة خافتة أخذوا يعيدونه إلى الحياة حينئذ فقط تذكروا الزين فرأوه جالسا على مؤخرته ويداه بين ركبتيه مطأطئاًَ رأسه ، وكان الحنين قد وضع يده على كتف الزين في حنان بالغ ، كان يتحدث إليه في صوت حازم لكنه مليء بالحب : ( الزين المبروك . ليه عملت كده ؟ ) . وجاء محجوب وانتهر الزين ، لكن الحنين نظر إليه نظرة أسكنته . وبعد برهة قال محجوب للحنين : لو ما كت جيت يا شيخنا كان كتله ، وانضم إليهم أحمد إسماعيل والطاهر الرواسي ، وبقي عبد الحفيظ وسعيد التاجر وحمد ود الريس مع سيف الدين ، وبعد برهة قال الزين وهو ما يزال مطأطئ الرأس ، مرددا كلام محجوب : " إن كت ما جيت يا شيخنا كت كتلته ، الحمار الدكر ، وقت ضربني في رأسي بالفأس قايل ماش اسكت له " . لم يكن في صوته غضب ، كان صوته أقرب إلى مرحه الطبيعي منه إلى الغضب ، وسرت في الحاضرين رعشة مرح خفيفة ، لكنهم ظلوا صامتين ، وقال الحنين : " لكين أنت ما كت غلطان ؟ ) . وظل الزين صامتا ، فقال الحنين مواصلا كلامه ( متين سيف الدين ضربك بالفأس في رأسك ؟ فأجاب الزين ضاحكا ووجهه مشبع بالمرح : ( وصت عرس أخته ) . واستمر الحنين وفي صوته هو الآخر رنة مرح : ( شن سويت لي أخته يوم عرسها ؟ ) . أخته كانت دايراني أنا . مشو عرسوها للراجل الباطل داك ) وضحك أحمد إسماعيل بالرغم منه . وقال الحنين في صوت أكثر رقة وحنانا : ( كل البنات دايرتنك يا لمبروك . بارك تعرس أحسن بت في البلد دي ) . وأحس محجوب بخفقة خفية في قلبه . كان فيه رهبة دفينة من أهل الدين ، خاصة النساك منهم أمثال الحنين . كان يهابهم ويبتعد عن طريقهم ولا يتعامل معهم . وكان يحاذر نبوءاتهم ويحس بالرغم من عدم اهتمامه الظاهري ، بأن لها أثرا غامضا . ( نبوءات هؤلاء النساك لا تذهب هدرا ) ، يقول في سره لعل هذا هو الذي جعله يقول بصوت مرتفع فيه رنة واحتقار : ( منو البتعرس البهيم دا ؟ كمان على العلية ، داير يجيب لنا جنيه ) . ونظر الحنين إلى محجوب نظرة صارمة ، ارتعدت لها فرائض محجوب لولا أنه تشجع ، وقال : ( الزين مو بهيم الزين مبروك ، باكر يعرس أحسن بت في البلد ) . وفجأة ضحك الزين ضحكة بريئة ، ضحكة طفل ، وقال ( كت داير أموته ، الحمار الدكر يفلقني بالفاس علشان أخته دايراني أنا ؟ ) فقال الحنين يحزم : ( دحين دايزنك تصالحه . خلاص الفات مات ، هو ضربك ، وأنت ضربته ) . ونادى سيف الدين ، فجأة بقامته الطويلة وحوله سعيد وعبد الحفيظ وحمد ود الريس . فقال الحنين للزين ( قوم سلم فوق رأسه ) . فقام الزين دون أي اعتراض وأمسك برأس سيف الدين وقبله ، ثم أهوى على رأس الحنين وأشبعها قبلا وهو يقول : ( شيخنا الحنين . أبونا المبروك ) وكانت لحظة مؤثرة أثارت الصمت في نفوس أولئك الرجال ، ودمعت عينا سيف الدين وقال للزين : ( أنا غلطان في حقك ، سامحني ) وقام وقبل رأس الزين ثم أمسك بيد الحنين وقبلها ، وجاء الرجال كلهم ، محجوب ، وعبد الحفيظ وحمد ود الريس ، والطاهر الرواسي ، وأحمد إسماعيل ، وسعيد التاجر ، كل واحد منهم أمسك بيد الحنين في صمت وقبلها . وقال الحنين بصوته الرقيق الوديع : ( ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم ) ووقف وأمسك إبريقه في يده . فسارع محجوب يستضيفه : ( لازم تتعشى معانا الليلة ) لكن الحنين رفض بلطف وقال وهو يمسك بيده الأخرى كتف الزين : ( العشا في بيت المبروك ) ، وغابا معاً في الظلام . رف على رأسيهما برهة قبس من ضوء المصباح المعلق في دكان سعيد ، ثم انزلق الضوء عنهما كما ضوء المصباح المعلق في دكان سعيد . ثم انزلق الضوء عنهما كما ينزلق الرداء الحريري الأبيض عن منكب الرجل . ونظر محجوب إلى عبد الحفيظ ونظر سعيد إلى سيف الدين ، ونظروا كلهم بعضهم إلى بعض وهزوا رؤوسهم بعد هذا الحادث بأعوام طويلة ، حين أصبح محجوب جداً لأحفاد كثيرين . كذلك أصبح عبد الحفيظ والطاهر الرواسي والباقون ، وحين أصبح أحمد إسماعيل أبا وصارت بناته للزاوج ، كان أهل البلد - وبينهم هؤلاء - يعودون بذاكرتهم إلى ذلك العام ، وإلى حادث الزين والحنين وسيف الدين الذي وقع أمام دكان سعيد ، الذين اشتركوا في ذلك الحادث يذكرونه برهبة وخشوع ، بما فيهم محجوب الذي لم يكن يأبه لشيء من قبل ، لقد تأثرت حياة كل واحد من أولئك الرجال الثمانية ، يستعيدون فيما بينهم . آلاف المرات تفاصيل الحادث . وفي كل مرة ، كانت الحقائق تتخذ وقعا أكثر سحرا . يذكرون في عجب كيف أن الحنين هل عليهم من حيث لا يعلمون ، في اللحظة ، عين اللحظة ليس قبل ولا بعد ، حين ضاقت قبضة الزين على خناق سيف الدين وكادت تودي به ، بل أن بعضهم يجزم أن سيف الدين قد مات بالفعل : لفظ نفسه الأخير ، ووقع على الأرض جثة هامدة ، وسيف الدين نفسه يؤكد هذا الزعم ، يقول أه مات بالفعل ، وفي اللحظة التي ضاقت فيها قبضة الزين على حلقه ، يقول أنه غاب عن الدنيا البتة ، ورأى تمساحا ضخما في حجم الثور الكبير فاتحا فمه . وانطبق فكا التمساح عليه ، وجاءت موجة كبيرة كأنها الجبل فحملت التمساح في هوة سحيقة ليس لها قرار ، في هذا الوقت ، يقول سيف الدين أنه رأى الموت وجها لوجه ، ويجزم عبد الحفيظ ، وقد كان أقرب الناس إلى سيف الدين حين عاد إلى وعيه ، أن أول كلمات فاه بها ، حين جاش النفس في رئتيه من جديد ، أول شيء تفوه به حين فتح عينيه ، أنه قال : " أشهد إلا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله " ومهما يكون فمما لا شك فيه أن حياة سيف الدين ، منذ تلك اللحظة ، تغيرت تغيرا لم يكن يحلم به أحد ، كان سيف الدين الابن الوحيد للبدوي الصائغ - سمي الصائغ لأن تلك كانت حرفته في بداية حياته ، ولما أثرى ولم يعد صائغا لصق به الاسم فلم يفارقه ، كان البدوي رجلا موسرا ، ولعله أثرى رجل في البلد ، جمع بعض ثروته بعرق جبينه ، من الصياغة والتجارة والسفر ، وبعضها آل إليه عن طريق زوجته . كان كما يقول أهل البلد . رجلا ( أخضر الذراع ) لا يمس شيئا إلا تحول بين يديه إلى مال ، في أقل من عشرين عاما ، كون من العدم . ثروة بعضها أرض وضياع ، وبعضها تجارة منتشرة على طول النيل من كرمه إلى كرمه ، وبعضها مراكب موسقة بالتمر والبضائع تجوب النهر طولا وعرضا ، وبعضها ذهب كثير تلبسه زوجته وبناته في شكل حلي يملأ رقابهن وإيديهن . ونشأ سيف الدين ولداً واحداً بين خمس بنات ، تدلله أمه ، ويد لله أبوه ، وتدلله أخواته الخمس . فكان لا بد أن يفسد ، أو كما يقول أهل البلد ، كان لا بد أن ينشأ هشا رخوا ، كالشجيرة التي تنو في ظل شجرة أكبر منها . لا تتعرض للريح لا ترى ضوء الشمس ، مات البدوي وفي حلقه غصة مريرة من ابنه . أنفق عليه مالاً كثيراً لكي يتعلم . فلم يفلح وأنشأ له متجراً في البلد فأفلس في شهر ، ثم الحقه بورشة ليتعلم الصناعة فهرب . وبعد لأي ، ووساطة وتشفع نجح في تعيينه موظفا صغيرا في الحكومة لعله يتعلم كيف يعتمد على نفسه . لكن لم تمضي أشهر حتى جاءته الأنباء تترى . من أفواه الأعداء والأصدقاء . من الشامتين والمشفقين على السواء أن ابنه يبيت ليله كله في خماره ولا يرى المكتب إلا مرة أو مرتين في الأسبوع . وأن رؤساءه أنذروه مراراً وهددوا بفصله من العمل ، فسافر الرجل إلى المدينة وعاد يسوق ابنه كالسجين وحلف ليسجننه طول حياته في الحقل - كالعبد الرقيق . هكذا قال . ومضى عام على سيف الدين وهو يجمع العلف للبقر ويرعى الماشية على أطراف الحقل سحابة نهاره . يزرع ويحصد ويقطع ويتأوه . ومع ذلك فلم يعدم تلسية بالليل . كان يعرف أماكن صنع الخمر . ويصادق الجواري اللائي يصنعنها - ( الخدم ) : كما يقول أهل البلد كن رقيقا أعطي حريته . بعضهن هاجرن من البلد وتزوجن بعيدا عن موطن رقهن ، وبعضهن تزوجن الرقيق المعتقين في البلد وعشن حياة كريمة بينهن وبين سادتهن السابقين ود وتواصل وبعضهن لم تستهوهن حياة الاستقرار فبقين على حافة الحياة في البلد . محطا لطلاب الهوى واللذة . والحق أن مجتمع الجواري هذا كان شيئا غريبا . فيه روح المغامرة والتمرد والخروج على المألوف . هناك في طرف الصحراء بعيدا عن الحي ، تقبع بيوتهن المصنوعة من القش . بالليل حين ينام الناس . ترتعش من فرجاتها أضواء المصابيح وتسمع منها ضحكات مخمورة نشوى . ضاق بها أهل البلد فأحرقوها ، لكنها عادت إلى الحياة مثل نبات الحلفا . لا يموت . وطردوا سكانها وعذبوهم بشتى السبل . لكنهم لم يلبثوا أن تجمعوا من جديد كالذباب الذي يحط على بقرة ميتة وكم من شاب مراهق ، خفق قلبه في جنح الظلام حين حمل إليه الليل ضحكات الجواري وصياح المخمورين . في تلك ( الواحة ) على حافة الصحراء . بشيء مخيف ، لذيذ رهيب ، يغري بالاستكشاف . ولم يكن عسيرا على سيف الدين أن يجد طريقه إليها . هنالك كان يقضي لياليه ، وكانت له من بينهن خليلة . كل هذا تحمله أبوه في صبر . كانت الأخبار تأتيه ، فكان يتغاضى أحيانا ، وأحيانا يثور . لكن صبره نفذ حين جاء سيف الدين ذات ليلة ، وهو على سجادته بعد صلاة العشاء . كان تفوح من فمه رائحة الخمر ، وقال له ، بصوت أجش من فعل الشراب والسهر ، أنه يحب الساره ( إحدى الجواري ) ويريد أن يتزوجها ، اسودت الدنيا في وجه الرجل وفقد صوابه ، ابنه الوحيد سكران ، فاسق ، يقول له ، وهو على مصلاته ، أنه " يحب " - الكلمة التي تثير في عقول الآباء في البلد كل معاني البطالة والخمول وعدم الرجولة - وأنه يريد أن يتزوج جارية ماجنة فارغة العين ... قام الأب وهو بين الحياة والموت . وحلف الأب أن الولد الفاسق - هكذا قال - لا يبيت ليلة واحدة تحت سقف بيته ، وأنه ليس ابنه وأنه براء منه . قضى سيف الدين ليلته في بيت خاله ، وفي الصباح اختفى . وعاش البدوي الصائغ بقية حياته مثل رجل به عاهة . كان الألم يحز في قلبه ، ووجهه معروق كوجوه المرضى بالسل ، كان يقول أن ابنه مات ، وكان أحيانا إذا خانه لسانه وذكر ابنه ، يذكره كأنه مات بالفعل . وكانت تترى على البلد أخبار مريعة عن سيف الدين ، كيف أنه سجن في الخرطوم بتهمة السرقة وكيف أنه اتهم مرة بقتل رجل في بور سودان وكاد يشنق لولا أنهم وجدوا القاتل الفعلي في النهاية وكيف أنه يعيش " صائعا " سفيها فاسقا مع العاهرات في كل مدينة يحل فيها . يقولون مرة أنه يعمل حمالا يحمل بالات القطن على ظهره في الميناء . ومرة يقولون أنه يعمل سواقا لسيارة شاحنة بين الفاشر والأبيض وأحيانا يقولون أنه يزرع القطن في طوكر ، وحاول أعمامه وأخواله إقناع أبيه بأن يكتب وصية يترك فيها ثروته كلها لزوجته وبناته . كل الرجال العقلاء في البلد أمّنوا أيضا على صواب هذا الرأي لكن الأب كان يتهرب دائما ويتعلل بأنه سيفعل ذلك حين يدنو أجله ، وأنه ما زال قويا لا حاجة به إلى كتابة وصية . لكن الرجال العقلاء كانوا في مجالسهم يهزون رؤوسهم حسرة ، ويقولون أن البدوي ما زال يأمل أن ابنه سيعود إلى صوابه . شيء ما : لم يفهمه أهل البلد ، منع الرجل من اتخاذ الخطوة الحاسمة : حرمان ابنه من الميراث وفي ليلة من ليالي شهر رمضان ، مات البدوي على مصلاته بعد أن صلى التراويح . كان رجلا طيبا فمات ميتة كل الرجال الطيبين : في شهر رمضان ، في الثلث الأخير منه ، وهو الثلث الأكثر بركة ، على مصلاته ، بعد أن صلى التراويح ، وهز أهل البلد رؤوسهم وقالوا " يرحم الله البدوي . كان رجلا طيبا . كان يستاهل أبناء خيرا من ابنه الفاسق ذاك " . وذات يوم . والناس ما زالوا على ( فراش البكاء ) وقد فرغوا لتوهم من إقامة ( الصدقة ) دخل عليهم سيف الدين . كان يحمل في يده عصا غليظة من النوع الذي يستعمل في شرق السودان ، ولم يكن معه متاع على الإطلاق . كان شعره منفوشا كأنه شجيرة سيال ، ولحيته كثة متسخة ووجهه وجه رجل عاد من الجحيم ، لم يسلم على أحد ، وتجنبته كل العيون ، لكن عمه الأكبر قام وبصق على وجهه ، ولما وصل النبأ بقدومه إلى أمه في الجناح الآخر من البيت وهي وسط الحريم على ( فراش البكاء ) وولولت من جديد كأن زوجها مات لتوه . وولولت أخوات سيف الدين ، وعماته وخالاته وفار جناح الحريم في البيت وماج . إلا أن العم قام إليهن وانتهرهن فسكتن . كل هذا لم يمنع سيف الدين أن يضع يده على أموال أبيه ، كل ما استطاع عمله أعماله وأخواله أنهم خلصوا نصيب أمه وأخواته ، وبقي لب الثروة في يده . هنا أيضا تبدأ حياة العذاب لموسى صديق الزين - موسى الأعرج - كما يسميه أهل البلد . طرده سيف الدين بحجة أنه لم يعد رقيقا . وأنه ليس مسؤولا عنه . وعاش سيف الدين بعد هذا حياة مستهترة . زاد في استهتارها توفر المال في يده . كان في سفر متواصل ، ومرة في الشرق ومرة في الغرب ، يقضي شهرا في الخرطوم وشهرا في القاهرة وشهرا في أسمرا ، ولا يجيء البلد إلا لبيع أرضا أو يتخلص من ثمر ، كان نوعا من الناس لم يعرفه أهل البلد في حياتهم ، يجافونه كما يجافي المريض بالجذام . حتى أقرب الناس إليه . أعمامه وأخواله لم يكونوا يأمنونه في بيوتهم ، فسدوا الباب في وجهه مخافة أن يفسد أبناءهم أو يفسق ببناتهم ، وفي إحدى زياراته المتقطعة للبلد وجد عرس أخته - فإن أهله كانوا يتجنبون حضوره لأفراحهم ولم يكن هو بطبعه يحضر مأتما . وكاد ذلك العرس ينقلب بسببه إلى مأساة . أولاً حادثة الزين . جاء الزين كعادته في مرحه وهذره ولم يكن أحد يأبه له . لكن سيف الدين لم يعجبه ذلك فضربه بفاس على رأسه وكادت المسألة تنتهي بالسجن . لولا تدخل العقلاء من أهل البلد الذين قالوا أن سيف الدين لا يستحق الوقت الذي ينفقونه عليه في المحاكم. ثانيا : كاد العريس يغير رأيه في آخر لحظة لأنه تشاجرمع سيف الدين أخي العروس ومرة أخرى تجمع العقلاء من أهل البلد ، بما فيهم أبو العريس ، وقالوا إن سيف الدين ليس منهم ، وأن حضوره العرس شر لا يستطيعون رده . ثالثاً : في الأسبوع الأخير في حفل الزواج انهمر على الدار عشرات من الناس الغرباء الذين لم يرهم أحد من قبل . نساء ماجنات ورجال زائغو النظرات وصعاليك ، وسفهاء جاؤوا من حيث لا يدري أحد . كلهم أصدقاء سيف الدين دعاهم لحفل زواج أخته . وهنا لم يجد أهل البلد بداً من القيام بعمل . قبل أن يستقر هؤلاء الضيوف في جلساتهم إذا بصف من رجال البلد يتقدمهم أحمد إسماعيل . ثم محجوب ، ثم عبد الحفيظ فالطاهر الرواسي ، فحمد ود الريس ، وأعمام سيف الدين وأخواله ، نحو من ثلاثين رجلا في أيديهم عصي غليظة وفؤوس ، أغلقوا الأبواب عليهم وأشبعوهم ضربا . وأكثر من ضربوا منهم سيف الدين . ثم ألقوا بهم في الطريق . وبينما البلد بأسرها تضج من ذلك البلاء الذي اسمه سيف الدين ، إذا به فجأة بعد ( حادث الحنين ) يتغير كأنه ولد من جديد . لم يصدق الناس عيونهم بادئ الأمر ، ولكن سيف الدين أخذ كل يوم يأتي بجديد . سمعوا أولا أنه ذهب من صباحه إلى أمه وقبل رأسها وبكى طويلا بين يديها . وما كادوا يستجمعون أنفاسهم حتى سمعوا أنه جمع أعمامه وأخواله وأنه تاب واستغفر أمامهم . وأنه تأكيدا لتوبته أخرج ما تبقى من ثروة أبيه من ذمته ، وجعل عمه الأكبر وصيا عليها حتى يصير هو صالحا تماما لمباشرة مسؤوليته . كاد أهل البلد يعودون آذانهم على ذلك ، حتى رأوا لعجبهم سيف الدين يدخل المسجد لصلاة الجمعة ، كان حليق اللحية ، مهذب الشارب ، ونظيف الثياب ، ويقول الذين حضروا الصلاة أنه لما سمع خطبة الإمام ، وكان موضوعها البر بالوالدين ، أجهش طويلا بالبكاء حتى أغمي عليه ، وتجمهر حوله الناس يطيبون خاطره ، ولما خرج من المسجد ، ذهب من فوره إلى موسى الأعرج وقال له أنه أخطأ في حقه وطلب صفحة وقال له أنه سيبره كما بره أبوه . وعاشت البلد شهرا أو قرابة شهر وهي تلهث كل يوم من عمل جديد قام به سيف الدين عزوفه عن الخمر ، ابتعاده عن أصدقاء السوء ، مواظبته على الصلاة انصرافه إلى إصلاح ما فسد من تجارة أبيه بره بأ‏مه . خطوبته لبنت عمه . وأخيرا عزمه على تأدية فريضة الحج ذلك العام ، وكان عبد الحفيظ ، وكان من أكثر الناس إيمانا بمعجزة الحنين ، كما تجلت في سيف الدين ، كلما سمع نبأ جديدا يسرع به إلى محجوب . وكان معروفا بجفائه لأهل الدين والنساك منهم بوجه خالص ( معجزة يا زول ، ما في اثنين ثلاثة ) ، ويصمت محجوب وهو يحس في جوفه بذلك القلق الغامض الذي يساوره إزاء هذه الحالات ( سيف الدين عزم على الحج تصدق بالله يا زول ؟ تآمن وألا ما تآمن ؟ معجزة يا زول دون أدنى شك ) كان محجوب يقول لعبد الحفيظ لما بدأت القصة أن سيف الدين شبع من السفاهة ، أو على قوله ( وصل السفاهة حدها ) ، وكان لا بد أن يتغير في يوم من الأيام ، لكنه وهو يسمع كل يوم شيئا جديدا مذهلا لم يعد قادرا حتى على الجدال ، فلاذ بالصمتكانت معجزة سيف الدين بداية لأشياء غريبة تواردت على البلد في ذلك العام . ولم يعد ثمة شك في ذهن أحد ، حتى محجوب ، وهم يرون المعجزة تلو المعجزة أن مرد ذلك كله أن الحنين قال لأولئك الرجال الثمانية أمام متجر سعيد ذات ليلة : ( ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم ) كان الوقت قبيل صلاة العشاء بقليل ، وهو وقت يستجاب فيه الدعاء ، خاصة من أولياء الله الصالحين أمثال الحنين كانت البلد هادئة ساكنة ، إلا من ريح خفيفة منعشة تلعب بجريد النخيل , إنهم جميعا . الرجال الثمانية الذين شهدوا الحادث وبقية الناس في بيوتهم وحقولهم ، يذكرون تلك الليلة بوضوح كأنها كانت ليلة البارحة وكان الظلام المخملي الكثيف يريض على أركان البلد ، عدا أضواء مصابيح خافته تسربت من نوافذ البيوت ، والضوء الساطع من المصباح الكبير في متجر سعيد . كان الوقت وقت تحول الفصول ، من الصيف إلى الخريف . يذكر سعيد صاحب الدكان أن الليلة لم تكن قائظة كسابقتها وأنه لم يكن رطب الوجه من العرق وهو يزن سكرا لسيف الدين ، وأنه لما ( وقعت الوقعة ) كما يسميها ، وترك ميزانه وخرج من دكانه ليحول بين الزين وسيف الدين ، يذكر أن نسيما باردا هب على وجهه ! ويذكر الناس الذين لم يسعدهم الحظ بحضور الحادث لأنهم كانوا يتهيأون لصلاة العشاء في المسجد ، أن الإمام تلا في تلك الليلة ، حين صلى بهم جزءا من سورة مريم ، وحاج إبراهيم ، عم الزين ووالد نعمة ، وهو رجل مشهود له بالصدق ، يذكر تماما أن الإمام قرأ الآية وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ويصف حمد ود الريس ، وهو مشهور في البلد بسعة الخيال والجنوح إلى المبالغة ، بأن نجما له ذنب سطح تلك الليلة في الأفق الغربي فوق المقابر ، لكن أحدا غيره لا يذكر نجما له ذنب سطح في تلك الليلة ، على أي حال ، لا شك في أن الحنين ، ذلك الرجل الصالح ، قال على مسمع من ثمانية رجال ، في تلك الليلة المباركة بين الصيف والخريف ، قبيل صلاة العشاء بقليل : ( ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم ) وكأنما قوي خارقة في السماء قالت بصوت واحدا : ( آمين ) ونواصل ..
  11. ملأ صدره بالهواء ، وترك وجهه يغتسل بنسيم الفجر . لكن روحه لم تنتعش . تريث قبل أن ينحدر في الأرض المسواة الممتدة ، وراءها غابات النخل ، ووراء ذلك النهر ، يلوح هنا وهنا بين فرجات الشجر . المنظر ، كأن محيميد يراه آخر مرة . وجهه متوتر كأنه يقاوم رغبة جارفة بالبكاء . أنظر يميناً . هناك . أين غابة الطلح الكثة التي كانوا يلعبون فيها أيام الطفولة ؟ رائحة البرم ، زهر الطلح ، خصوصاً أيام الفيضان . وهناك عند منعطف الدرب حذاء الجدول الكبير كانت تشمخ شجرة حراز ضخمة معرشة ، تلمع ثمارها الصفراء كأنها حلقان الذهب . ذلك الماء كان له طعم آخر . بلا غطاء ، ذلك السبيل ، عليه قرعة تتأرجح فوق الماء ، تضرب فم الزير يسرة ويمنة ، يشرب منه الغادي والرائح . من أقامه ؟ لا أحد يذكر . ولكنه لم يعدم أحدا يملأه صباح مساء . طعم الجلد المدبوغ ، طعم الماء في القربة المدلاه من الشعب في سقيفة جده . وطعم ماء النيل أيام الفيضان ، طعم الأخشاب المبتلة ، وأوراق الشجر ، والطين . طعم الموت . صافي في أماكن الرمل ، عكر في محلات الطين . عصارة الحياة كلها في ود حامد . مشدد قبضته على المقبض العاجي ، مقبض عصى الأبنوس ، ومضى بعزم يضعف ويقوى . غريبة تلك العصا ، الآن ، كأنها أمرأة عارية وسط رجال. يس ملمسها ويتذكر مريم . ذلك الصوت . ذلك الشباب . ذلك الحلم . يخرج من داره كل يوم عند الفجر ، ويمشي هذا المشوار حتى النهر . يسبح ويعود مع الشروق . يحاول أن يوقظ الأشباح النائمة في روحه . أحيانا الحظ يؤاتيه ، فيسمع ويرى . الرؤى والأصوات كأنها تنبع من تحت قدميه وع خبط عصاه على الدرب . هنا كان مكان النورج أيام الحصاد . رائحة التبن . رائحة القمح . رائحة روث البقر . رائحة اللبن أول ما يحلب . رائحة النعناع . رائحة الليمون . محجوب وعبد الحفيظ والطاهر وهو . يغمض عينيه . يراهم كما كانوا . متحركين أبدا ، يجرون ، يقفزون ، يتشعلقون ، ينطون من الفرح ، يتمرغون في الرمل ، يعيشون مثل الماء والهواء . ينقر بعصاه على جزع شجرة . يسمع ضحكة جده . يرة وجها ضاحكا . العينان الصغيرتان الغائرتان. الحنك الناتئ قليلا . الجبهة البارزة . الخدان المعصوصان . الفم الصغير . الشفتان الرقيقتان . وجه أسود ، ناعم السواد مثل القطيفة ، وعينان تزرقان وتخضران حسب الظروف والأحوال . لا يتخيله مفردا أبدا . دائما يراه في جماعة ، على يمينه مختار ود حسب الرسول ، وعلى يساره حمد ود حليمة ، في وسط الجمع . يتذكره الآن بخليط من الحزن والحقد . لقد إختاره دون سائر أبنائه ليكون ظلا له على الأرض ، وخلف له الدار وفروة الصلاة وإبريق النحاس ومسبحة من خشب الصندل ، وهذه العصا . ماذا تعكس المرآه الآن كان قد إجتاز الدرب الكبير المؤدي إلى السوق . رأى النخلة عند تقاطع الدروب فقصدها بلا تفكير . تهالك عندها وأسند قامته إلى جذعها . كانا مثل أخوين توأمين ، كأنهما أقتسما حصيلة أعمارهما بالتساوي ، فلا هو يصغر جده ، ولا الجد يصغر حفيده . ما كان أعجب ذلك ! يتسابقان ويصلان معا كتفا بكتف . يشركان للطير معاً ، ويصطادان السمك ، ويتباريان في تسلق مستعصيات النخل . يتصارعان ، يوما له ويوما عليه . يدخلان حلقة الرقص معا فلا يثبت أمامهما راقص أو مصفق ، وترقص الفتاة بين الجد وحفيده في دائرة جذب مغنطيسي مدمر . تكثف الحلقة ، ويشتد التصفيق ، وتتأرجح الراقصة ، كأنها مشدودة بخيوط غير مرئية ، بين قطبي البوصلة ، ترمي شعرها المعطر على وجه الماضي مرة وعلى وجه المستقبل مرة . يقتسمان الغنيمة فيما بينهما لا غالب ولا مغلوب . تلمع عيونهما ويزعقان ، بطيران في الهواء ويحطان مثل نسرين جارحين . ماكان أعجبه منظراً . لكن الحفيد في ذلك الصباح ، ذهب أبعد ، ولعل صوت الجد في تلك اللحظة ، كما يتخيل محيميد الآن ، لم يخل من رنة غيرة . حينئذٍ أحس نحوه بكراهية مريرة ، ولو أن القارب إنقلب بهم وغرق لما مد الحفيد في تلك اللحظة يدا لمساعدته . لقد تقفى أثره خطوة خطوة ، وصار مثله ، حذوك النعل بالنعل . كانت الفكرة تخطر لجده ، فإذا هي قد خطرت له في عين اللحظة ، ويقول أحدهما الجملة فيكملها الآخر ، ويتقاصصان أحلامهما فإذا هي تنبع من مصدر واحد . كان في نظره أشجع الناس وأكرم الناس وأذكى الناس وأكثرهم حكمة وهيبة . وكان أبوه أصغر الأبناء ، وأكثرهم خيبة أمل لأبيه وأكثرهم تعرضاً لسخريته. وكان الإبن الأكبر ، عبد لكريم أسطورة قائمة بذاتها قبل أن يظهر الحفيد . هو الذي سافر بالجمال محملة بالتمر إلى ديار الكبابيش ، وعاد يسوق أمامه قطعان الإبل والضأن . هو الذي جلب البضائع م حدود الريف وبلاد تقلي والفرتيت . هو الذي أضاف أرضاً إلى الأرض ، وبيوتا إلى البيوت ، وعمارة إلى العمارة . هو الذي أقام الديوان الكبير ، وجاء لأبيه بإبريق النحاس ذي النقوش ، ومسبحة الصندل ، وعصى الأبنوس ، وفروة الصلاة المعمولة من جلود ثلاثة نمور . كانا في الديوان وقت القيلولة حين جاء بنبا طلاقه وزواجه . قال لعمه نيابة عن جده إنه رجل باطل ، كل همه الجري وراء النساء . كان دون الخامسة عشرة وعمه في الأربعين . تضاربا والجد مستلق على سريره لا يقول شيئاً ، وكان الإبن يضرب أباه . بعد ذلك ذهب ولم يعد . وانفضوا كلهم واحدا واحداً . ولما مات الأب لم يحضره واحدا من أبنائه . وكان الحفيد قد ذهب أبعد ، فوصل بعد فوات الأوان . ما كان أعجب ذلك . طغت خشخشة الجريد اليابس على الأصوات في خياله فانتبه . أصغى لجريدة النخلة في هبوب الريح مثل هيكل عظمي في أكفانه . شاخت الآن ، تلك النخلة كما شاخ هو ، وقد كانت في شبابها تثمر أبكر وتعطي أكثر ، من تمر السكوت العزيز ، زرعها بيديه منذ أربعين عاما ، وأطلق إسمها على مريم " القنديل " تسميه مريود ويسميها مريوم . رف طيف الصبا مثل برق في أفق بعيد ، وأحس للحظة عابرة ، مذاق الثمر ، ونهد مريم يضغط على صدره وهما متماسكان في الماء . كان ثغرها مثل برق يشيل ويحط . ينتظرانها هو ومحجوب خارج الحي في الصباح . ومعهما الجلباب والعمة والحذاء ، وما تلبس مريم أن تخلع هذا وتكتسي هذا فتتحول من بنت إلى ولد . كانت تتعام كأنها كانت تتذكر أشياء كانت تعرفها من زمن . ثلاثة أعوام والخدعة لم تنكشف . لم يتركوا حيلة لم يلجأوا إليها . ثم فارت الطبيعة فورتها ، وأخذ جسم مريم يذعن لنداء الحياة الأعمق . وذات يوم إستقرت عينا الناظر عليها وهي مدبرة عنه في حوش المدرسة . اعترفت في الحال كأنها كانت قد سئمت اللعبة . غضب أول الأمر ، ثم لاحت له وجوه الطرافة في الموضوع ، فأسرع إلى حاج عبدالصمد وعلي ود الشايب وبين يوم وليلة ، تحولت مريم ، تحت سلطان تيارات الطبيعة التي لا تقاوم إلى مخلوق آخر . أصبحت تغض طرفها ، وتتريث في مشيها ، وتخفض صوتها في الحديث ، ولم تعد تسبح معهم في النهر أو تلعب أو تعمل في الحقل . تحولت مريم بين عشية وضحاها بفعل مؤامرة الطيبعة والعرف الإجتماعي ، إلى أنثى وحسب . وكذلك حدث إنفجار في وجدان محيميد ، بدأ وضعه إذا مريم يتضح ويتحدد ، وأدرك أنها هي الإمتداد الطبيعي لوجوده ، وانها هي التي تعطيه إحساسه بنفسه وبموضعه في نظام الأشياء . يومذاك بدأ يتراجع عن الدور الذي كان جده يهيئه له ، وكان عليه أن يحارب بسلاحه هو ، فحارب بسلاح جده ، وانهزم ، وذهب ولم يعد إلا بعد أن غنتهى كل شيء . في تلك العشية ، حين حمل جثمان مريم في ذراعيه ، كان كأنه يعود القهقري إلى نقطة البدء ، حين كانت الإحتمالات جميعها قائمة . هل كان الطريفي يدرك ، وهو ينوح على حافة القبر ، أي ثمن باهظ يدفعه الإنسان حتى تتضح له حقيقة نفسه وحقيقة الأشياء ؟ هل يقوى على دفع الثمن ؟ هو ، محيميد قد دفع الثمن وأكثر . كل سبر في هذه الأرض التي أحبها ثم تنكر لها ، يشهد أنه قد دفع الثمن وأكثر . هن هب واقفا بعزم ، أعضاؤه بعضها يأخذ بتلابيب بعض ، والألم في قلبه أعظم كثيرا من الألم في مفاصله وظهره وساقيه . خطا خطوة واحدة ، ثم ألتفت كمن يريد أن يقول كلمة أخيره . رفع رأسه إلى جريد النخلة اليابس . نعم إنها شاخت كما شاخ ، وشعرها سقط كما سقط شعره . نقر جذعها برفق بعصاه كأنه يواسيها ، وحياها مودعا بصوت مسموع . لا عجب فهي تعلم سره ونجواه . بعدها ظهر يضرب على الدرب حاملا يأسه صوب النهر . راى ضوءاً خافتا على الضفة الأخرى ولم يكن ثمة صوت إلا تلاثغ الأمواج الصغيرة تتراكض عند قدميه . لا . ثمة صوت آخر . ذلك الأزيز الذي يصدر من النهر . أحيانا وهو يسبح ، يحس أنه لن يبالي إذا غستسلم لذلك النداء . لبث وقتا وهو يرمي الحجارة في الماء كما كان يفعل إذ كان طفلاً ، ويلتفت للأصوات الخافتة التي تصدر هنا وهناك مع تباشير الصباح . سمكة تنط وتغطس ، أو طائر ينتفض في عشه . وفجأة إرتعد جسمه كله كان الموت قد وضع يده الباردة على كتفيه . كاد يستسلم في ذلك الفجر . لم تكن سنه تزيد عن السابعة يوم ألقاه جده في ماء النهر يعلمه السباحة . أخذ يضرب بيديه ورجليه في الماء على غير هدى والجد على مبعده منه يناديه بصوت فيه قسوة " إسبح ، إسبح " كيف يسبح ؟ وأخذ يغطس ويقلع ، وكان طعم ماء النهر طعم الهلاك ، وصوت الجد كأنه صوت قدر أعمى " إسبح . إسبح " لا يدري ماذا حدث ، ولكنه يذكر لذعة شمس الصباح وهو يستيقظ على الشاطئ ويذكر ضحك جده . قال له إنه سبح بالفعل دون معونة ، ليس صوب الجد ولكن صوب الشاطئ ، كأنه تذكر فجأة شيئاً كان قد نسيه ، وقال له إنه سبح مثل التمساح العشاري ، صدره بارز فوق الماء مقدار ذراع . بعد ذلك أخذا يسبحان معا كل صباح ، وفي كل مرة يمعنان أكثر تجاه الشاطئ المقابل . كل صباح كأنه آخر صباح ، وكأن الموت يتربص له على قمة كل موجة . لكنه تعلم كيف يستمرئ ذلك الإحساس بالخوف والترقب والمجازفة ، ولذة الإنتصار على النهر حين تلمس قدماه الأرض في الماء الضحل ، ثم وهو يتمدد على حجرة القيف ويصطاد شعاع الشمس بين جفنيه . وذات صباح كاد ينهزم . قال له جده إن الوقت قد حان ليسبحا إلى الدوامة في منتصف النهر . ارتعد حين قال جده ذلك . كانت الدوامة التي يسمونها " الكونية " ملتقى تيارات رهيبة ، يتجنبها أطول السباحين باعا. إن الموت ولا شك يسكن في تلك البقعة من النهر ، مثل حيوان خرافي مروع ، ومع الخوف بدأ يحس لذة الخطر . ثم تماسك على نفسه وقد وطن نفسه على الخوض في المخاطرة حتى الموت . كان جده ينظر إليه وفي عينيه ذلك البريق . كان وجهه مقنعا بقناع الموت . فيما بعد ، حين كبر ، وأصبح أقدر على الفهم ، أدرك أن الشعور الذي ربط بينه وبين جده في تلك اللحظة ، قبيل الشروق ، على شاطئ النهر ، كان شعورا بالكراهية مثل لهب النار ، ولكن كما يكره الإنسان نفسه . لم يتكلم ، ولكنه قفز في الماء ، وقفز جده ، وأخذا يسبحان معا جنبا إلى جنب ، يفصل بينهما ذراعان أو ثلاثة ، خمسون عاما أو تزيد ، الماضي إزاء المستقبل ، كأنهما قدر واحد . كان ذهنه مرهفا مسيطرا على كل عضلة في جسمه . يذكر برودة الماء قريبا من الشاطئ ، ويذكر جذع نخلة طاف على يساره ، ويذكر غرابا ينعق صوب الشرق . ثم أحس بالماء دافئا وكأن كل خلية في جسمه تسمع وترى . وبدأ حس الدوامة يعلو والنداء يشتد . في برهة لمح وجه مريم وسمع صوتها ينادي " يا مريود . يا مريود " . وأخذ الصوتان يتجاذبانه . وأخذ صوت الدوامة الكونية يعلو حتى طغى على الأصوات كلها . لا يذكر أين كان جده حينئذٍ . إنقطع الحبل الذي كان يربط ما بينهما . أصبح وحده إزاء قدر يخصه هو . ثم حملته موجة إلى مركز الفوضى . كأن ألف برق برق ، وألف رعد رعد . ثم ساد صمت ليس كالصمت . أحس كأنه يجلس فوق عرش الفوضى مثل شعاع باهر مدمر . كأنه إله . وكان يريد أن يقتل ويدمر ويشعل حريقا في الكون كله ، ويقف وسط النار ويرقص ويتراقص اللهب حوله . لم يعد مسيطرا على قوى جسمه وحسب ، ولا على قوى النهر وحسب ، بل على كل إحتمالات المستقبل . الخوف جاء بعد ذلك . فتح عينيه كمن يخرج من كابوس ، ورأى أول ما رأى طيف مريم يرف فوقه . نظر فإذا هو قد سبح الشوط كله ، عبر الدوامة ، إلى الشاطئ الآخر . ورأى جده يقفل عائدا حيث أتى . يا الله . إنه فعل المستحيل . بذّ جده . سبح المسافة كلها من الجنوب إلى الشمال . نظر إلى جلد النهر يقشعر وسمع الصوت المرعب ، وأخذ ينتفض خوفا كما يخاف الناس العاديون ، من الجوع والوحدة والموت . جاء جده بقارب وعاد به إلى الشاطئ الجنوبي . كان يجدف ويتكلم ويضحك طول الطريق . سيحكي القصة لحمد ود حليمة ومختار ود حسب الرسول ، وسيقول بزهو كما يقول كل مرة ، محيميد صورة طبق الأصل مني ، الخالق الناطق . لكن الحفيد في ذلك الصباح ذهب ولم يعد . لم يفطر مع جده كما كانت عادتهم كل صباح بعد السباحة . لم يذهب وقت القيلولة ليقرأ له حتى ينام . لم يتعش ويسمر معه كما كان يفعل كل ليلة ، ولم يباكره في الصباح ليشرب معه الشاي ويحكي له أنباء الأعراس التي إرتادها بالليل مع أصدقائه محجوب والطاهر وعبد الحفيظ وسعيد ، والمغامرات والمعابثات والحماقات . وفي اليوم الرابع كان حقده على جده أنه رماه في وجه الموت قد خف ، ولما سمع صوت جده يناديه ، إمتلأ قلبه بالفرح ، وهش وقال نعم . ولعل كل شيء كان سيظل كما هو ، لولا أنه أحب مريم ، وجده قال لا . فجأة سمع صوت حداء يطفو على وجه الماء ، وينتشر بين الضفتين ، صوتا قويا ممتلئا كأنه صوت الشباب ، قانعا بقسمته . والتفت فإذا قرن الشمس قد ذر ، وإذا بقارب يشق عباب الماء بعزم كأنما خرج من منبع الشروق ، وكأن الغناء العذب يعقد بين عناصر الطبيعة على عدوتي النهر بخيوط من حرير.
  12. كانت فاطمة .,في لحظات وحدتها الكثيفة , تستعيد ذكريات تبدو لها قريبة , بقدر ما هي بعيدة , حيث تتكثف تلك اللحظة بالذات أمام ناظريها (كأنها تراها الآن رؤية العين) .. اللحظة التي دفعها فيها ود النمير بقسوة , وبكت وهي ترمي بنفسها في الوادي العميق اللهفة , لتتلقفها ذراعي أمونة أمها , وصديقاتها الحوريات . يسبحن بها بعيدا عن مفرق الوادي , قريبا من شط عرديبة الدود , على البر الغربي . لتحملها أمونة بعد ذلك., إلى بيتها المخبأ .,في عرين الوحوش بعناية .. في قلب دغل من أشجار القنا والجميز , في مكان غير مطروق. فبلدة الأرباب كانت تخشى هذا المكان., الذي عرفته بعرين الوحوش .,وارض الجن الكافر , ولم يجرؤ أحدا من الأهالي لهذا السبب .,من الاقتراب منه أبدا (بعد عشرات السنين القادمة .,سيكتشف بعض الأثريون والمؤرخون الخواجات , مخطوطة بهذا المكان , هي من الآثار التي تركها أبو جريد , عندما كان في أول عهده مع مسك النبي , حيث يعتزل في هذا المكان., ليقيم طقوسه , وحيدا يعاني أفكاره الكبيرة ) .. ستجد أمونة هذه المخطوطة., التي لا تفهم منها شيئا , لكنها مع ذلك .,تحفظها بعناية فائقة , وتعيدها إلى مخبأها .,إلى أن تقع في يد الأثاريين والمؤرخين مصادفة , ككل شيء يحدث في البلاد الكبيرة . كانت أمونة قد اكتشفت منذ وقت بعيد ,أن هذا المكان ليس عرينا للوحوش والجن ,كما يدعي الأهالي . إذ وجدته أكثر الأماكن أمانا .,وبعدا عن الأنظار , فشيدت فيه كوخا من القنا والقصب , لم يدخله احد سواها . بقيت فاطمة مع أمونة ,في وحدة لا تخلو من الألوان الزاهية , والروائح الغامضة ,والأحاسيس المخدرة .,التي توحي بها أرض"عرين الوحوش", ولم تكن تخرج سوى في الليالي المقمرة . تتنكر , وتذهب إلى البلدة., لتسمع ما يدور من همس: عن ود النمير وفاطمة السمحة . وتأتي لفاطمة بالأخبار , إلى أن تمكنت من إقناعها بالظهور ,عند الغسق حتى تتمكن., من العودة إلى حبيبها , فهي ليست مثلها منذورة للوحدة والوحشة., في عرين الوحوش . ولم تمض سوى فترة قصيرة , منذ عادت فاطمة إلى بلدة الأرباب., حتى جرى بينها وود النمير ما أدى لطلاقها وجنونه . كان الأرباب , بعد أن قال كلماته الأخيرة .,حول عجزه .,عن شفاء ود النمير .قد اعتزل الناس ,على نحو غامض ومريب .. وظل أهالي البلدة لعدة أيام ,يتساءلون عن سر اعتزاله , حينما شاهدوه بعيدا , فترددوا في الاقتراب منه .,وقلق خفي ينتابهم على نحو مفاجيء ,إلى أن حسموا أمرهم., واخذوا يقتربون منه ببطء شديد . كان سبب قلقهم: أن العزلة لم تشمل الأرباب فحسب , إذ فجأة اختفت العيون , وطائفة العميان , وبدا واضحا أن جو من الاضطراب, قد ساد في أوساط الجند . لكن لم يكن ثمة., من يقول لهم عما يجري , فالجميع لا يعرفون شيئا , كأن الأمر سرا خطيرا . ولذلك تعاظم إحساسهم باعتزال الأرباب , فلأول مرة منذ تاريخ تأسيس البلدة وحواضرها , لم يسد مثل هذا المناخ, الذي ينذر باقتراب خطر وشيك .. خطر يحسونه ولا يعلمون عنه شيئا . كانوا قد اقتربوا من الأرباب الذي كان يقف وحيدا كصنم .,تحت عرديبة الدود, وقفوا حوله .,دون أن يجرؤ احد على محادثته .. لساعات طوال ظلوا واقفين... خيم جو من التوتر والاضطراب , عندما عانقت أشعة الشمس الغاربة ,بلدة الأرباب وبدت وسط الأجمة كشمعة مشتعلة ,وهم في وقفتهم الطويلة تلك, بدا لهم الزمن بطيئا .,كأنه لا ينقضي , إلى أن أطلت أولى خيوط الفجر .,دون أن يتزحزح الأرباب من مكانه ,ودون أن يجرؤ احدهم على سؤاله, أو مغادرة المكان .. إلى أن اشتعلت نيران عظيمة بالفعل, في كل أركان البلدة .فراح الجميع يهيم على وجهه .,على غير هدى , وهو في حالة من الهياج .. كانت الجيوش تدهم بلدة الأرباب , وبدت البلدة كشمعة مشتعلة... خوزق الجند الأرباب تحت شجرة الدود , بعد أن اقتلعوا عينيه من رأسه., واحرقوا قبته , التي كانت ترقد فيها تاجوج., دون أن يأبهوا للصرخات الثكلى لأمها ,وهي تحاول إنقاذها ,واحرقوا عرديبة الدود, بعد أن اجتثوها من عروقها .وردموا الأودية الثلاثة , ولم يبقوا على شيء حي, بمنجاة من القتل والحريق ,سوى النساء.. أصبحت فجأة ارض البلدة جرداء , ساخنة , يتساقط الرماد على ترابها المسود .كأنها لم تكن خضراء يوما . تم كل ذلك بسرعة مدهشة ,كأن الجيوش المتحالفة .,لم تكن تحارب وحدها . كأن جنودا من الجن تقتل وتحرق معهم . ( وهناك عند منتهى دريب الريح , حيث ضريح العرافة العجوز., مسك النبي ومقامها , أوقفوا حشودهم لتقسيم الأسيرات, بين جيوشهم المتحالفة. فاختلفوا على فاطمة السمحة, لجمالها الفتان .,الذي لم يرو مثيلا له أبدا .. كان كل فريق منهم يريدها لنفسه , حتى كادوا., أن يسفكوا دماء بعضهم البعض . لكن كان لعمدتا الصعيد والسافل., رأي مختلف : - فاطمة ليست من نصيب احد . كانا قد طعنا فاطمة بحربتيهما في الفؤاد , طعنة رجل واحد . فعلا هرج الجند ومرجهم . وتعالى عويل النساء الأسيرات . لكن .. وعلى نحو مباغت . خيم على الجميع الصمت , وهم يرون فاطمة, تنهض من جديد كطائر السمندل .,ترفرف بذراعيها وتحلق عاليا في الفضاء , تكمل دورة كاملة حولهم , ودمائها تنقط في الوجوه التي ألجمتها الدهشة , وقد انتزع الخوف عيون الجميع من محجريها , كانوا يتتبعونها بأبصارهم, إلى أن اختفت في عمق الفضاء الرحيب . عندما حاولوا استرداد رباطة جأشهم , ونظروا إلى الموضع., الذي كانت فيه فاطمة ملقاة., موشحة بنزيف,جرح طعن عمدتا الصعيد والسافل , رأوها موجودة في موضعها , كأنها لم تكن تحلق قبل قليل .. سألوا بعضهم البعض, ودعكوا عيونهم "علهم نائمين " .. بدا لهم الأمر برمته غريبا !!!!... اندثرت بلدة الأرباب., التي أبدا لم تكن في يوم من الأيام .,مكانا دافئا يأوي إلى حضنه الأهالي . فهي بلدة مضعضعة, شيدت من الدم والدموع ,والأوهام والغربة والحنين, إلى وطن متوهم . وبعد عشرات السنين, ستنهض مكان الأرباب بلدة أخرى , تستمد أسباب وجودها., من ذاكرة المكان . حيث كانت الأرباب يوما .
  13. عندما تزوج ود النمير من فاطمة السمحة, كان حبه لها قد أخذ يتنامى., أضعافا أضعافا يوما بعد يوم , كان حبا عظيما يقترب من العبادة . وكان لا يزال ملاحقا بتلك اللحظة, التي رمت فيها بنفسها ,في الماء.فتوقف بصر ذاكرته., في جسمها البديع .,الذي لم يره أبدا.. حتى وهما مستلقيان تحت شجرة الجميز , في ذلك المساء البعيد . فقد كانت فاطمة., حريصة على ستر ما برز من جسمها .. هذا الإخفاء لمحاسنها .,جعله مشغول الفكر . حتى أن حلقه كان دائم الطقطقة والاحتلاب , كلما نظر إليها .,وتخيل ما تخفيه., تحت هذه الثياب . كان في وحدته الناعمة وهو معها , يتخيل عريها , ملمس اشرميها , نعومتهما , فتجوس أصابعه أدغالا.. تتسللها ببطء , لتندس في مواطن دافئة , تفوح برائحة المسك والقمبيل .,والقرنفل والزنجبيل والقرفة .. مزيجا مخدرا .,يجعل رعشا ته الهائمة., لا تتوقف عند حد .و فتمضي, وتمضي ..و حتى يتقطر منه الدم . وهو لا يزال يذكر بحثه عنها ,في كل الديار : الصعيد والسافل .. دار الريح ودار صباح ,عبر الشعاب بين وديان البلدة.. الطرق الصخرية التي حفرتها الإرادة الصلبة للأرباب , ومواطنيه العابرين بين الجبال والسهوب., والانهيارات .,التي تتشظى عبر أشكال من خرافة القوى التاريخية .,التي تقف خلف كل., أحزان ومواجد البلاد الكبيرة .. القوى التاريخية التي تتصور دار صباح إنها تمثلها .. هكذا مضى يساءل عنها الطير والشجر., والزمن المخفي بعناية., في ذاكرة اليوم والمكان.. مضى يبحث عنها في كل مكان به واد ,من الصعيد إلى السافل حتى دار صباح ودار الريح وأودية الأرباب الثلاثة .وعندما وجدها اخذ يحس بها , بابا من اللظى .,كلما ناما معا متصالبين ... عرى فاطمة .,حصنا منيعا لم يستطع تجريده , فظلت رؤية جسدها في الكنفوس على صلبها ,والمئزر على نهديها , شغلا شاغلا حرمه النوم . كان يتوقها عارية من كل سؤ. ينعكس ضوء النهار على جسدها , وينكسر عند عجيزتها , يرتد عند نهديها , ويتغور عميقا., ليرجع كالصدى ليصدمه , ويستعيده ,إلى تلك الحالة من الحمى .,التي تركز فيها تفكيره . جسم فاطمة واشرميها . ركزا حياته . كل حياته في نقطة واحدة , ظل يقاومها , كما تقاوم محاولاته تجريدها . إلى أن نطق بحدة وقد طفح به الكيل : - أريدك أن تمشي متجردة أمامي . إنها رغبتي الوحيدة., التي دونها أموت . فأبت فاطمة وقالت : -إذا أجبت إلى طلبك , فماذا تفعل في المقابل لي ؟.. قال: - كل ما تريدين ؟.. قالت : - اقسم على ذلك . فاقسم لها , فتجردت فاطمة., ومشت أمامه ذهابا وإيابا . كانا عند الوادي , تحت شجرة الجميز ذاتها .. مشت فاطمة أمامه ذهابا وإيابا .. عزفت أشجار القمبيل , وشجيرات السعات .,وأشجار الجميز الهرمة , حفيفا ناعما , وأطلقت عبيرها . . مشت فاطمة ذهابا وإيابا .. أصبحت السماء , كل السماء بلون الغروب , ورزاز لطيف يلامس ارض الوادي ,دون غيم . كأنه معلقا في الهواء , وكان ود النمير ينظر إلى صدرها المتحفز , المجنون . وعجيزتها الفاتنة . يتحسس ببصره اشرميها ويدخل في حالة .,من الجذب كالدراويش , في حضرة الأرباب . خرير الجدول ومهرجان الفراش , واحتفاء الشجر والطير ., كل ذلك , كأنما توحد في صرخة واحدة : - كفى ... توقف تيار الزمن , ولملمت فاطمة كنفوسها ومئزرها , وران الصمت على كل شيء . حتى الوادي ما عاد له صوت . قال ود النمير : - الآن اطلبي ما تشائين . فردت عليه وهي تزم شفتيها بحزم : - طلقني في الحال . لم يكن ما جرى بين فاطمة وود النمير , هو أول العلاقات التي تنهض في غمار التاريخ , فتذروها رياحه العاتية , وتعصف بها إلى قيعانه . فهو أمر معتاد , مثل كل الأمور .,التي تحدث في بلدة الأرباب , وذلك لأنها بلدة مسمومة الروح , في جوهرها . غير راسخة , كالرمال المتحركة , تخنق من يمشي عليها . أو هي كالأرض الزلقة , التي يصاب بالكسور., أو الرضوض كل من يطأها , أو يتحرك فيها . ولذلك وسمت الأرباب .,حياة سكانها بالهشاشة والرقة , حتى أن البصمة يمكن أن ترى واضحة .,في كل شيء يلمس فيها . ومن هنا كانت حياة الناس .,وعلاقاتهم الحميمة, وإرادة تمتعهم بالجمال., واستيعاب هذه الإرادة /الرغبة , موضع التباس ... إذ ينهض كل ذلك في سطح تراب البلدة , دون أن يمد جذوره .,إلى أعماق الرمل , وصولا إلى طبقات الأرض , حيث الجانب الأخر من البلدة . إذ أن الأرباب كانت مجرد طيف , انعكاس لبلدة أخرى , في عالم آخر . عالم متعال , كأنها محض صدى لصوت خفي .وربما كان ذاك بالتحديد., سبب أزمتها التاريخية والوجودية . وما كانت الأرباب بهذه الهشاشة , إلا لأن مؤسسيها أبو جريد و الأرباب , دون أن يدريا (ربما كانا يدريا) شيداها في الزعزعة , وعدم الاستقرار , الأمر الذي أفضى بالناس ., الذين جاءوها من "القبل الأربعة " بالحنين إلى تلك القبل الاربعة., التي جاءوا منها , رغم أنهم يجدون كل المتع التي يحلمون بها., في الأرباب . لكن خوفهم الدائم (ربما ) من عيون ود النمير .,والجثث التي يجدونها ملقاة خارج البلدة , أو تحت عرديبة الدود., وهي تحمل من آثار التعذيب ما تحمل .. والخازوق الذي يهيمن على ذاكرتهم , حتى يشعرون بآلام بشعة في مؤخراتهم . هذه الأشياء وأشياء أخرى , ربما كانت هي .,ما يقف وراء شعورهم, بأنهم لا ينتمون إلى هذا المكان , فينهض الحنين داخلهم , حيث يرون وطنهم المفتقد , في طفولاتهم الهاربة . يمنحهم الدفء والحماية .,من كوابيس الأرباب . وبالطبع كان هذا الوطن الذي يلتمسونه لا وجود له , فهو افتراضي , مجرد تصور ذهني , استلهموه من تاريخ لا ينتمون له , ولا يعرفون عنه شيئا , فهو ليس تاريخ أسلافهم , انه مجرد تاريخ تم نقله إليهم .,عن طريق التواتر , جيلا بعد جيل .ومع ذلك يلتمسون فيه ., في أوقات الوحدة والبرد القارص., الذي ينهض في هشيم علاقاتهم . الدفء والحماية. التي لم تتمكن الطوائف التي شيد الأرباب., على أساسها مجتمع البلدة أن تمنحهم إياه . فالأرباب كان لا يفتأ يقسم البلدة إلى العديد من الطوائف , حتى جعل (أخيرا طوائف ظل للطوائف الأساسية) طائفة للحدادين , وطائفة للجند , وطائفة الحيران , وطائفة المزارعين (وعندما رفض الصيادون., أن يكونوا طائفة واحدة ,مع المزارعين وجانيي الثمار , قمعهم الأرباب , واعتبر أن ذلك تمرد , فوجد الصيادون ,في اليوم التالي لاحتجاجهم , قيادتهم كلها "مخوزقة" تحت عرديبة الدود .. لم يكن الأرباب يأبه لرغبة احد , فقد كان الرجل ظلا لله ,في ارض البلدة . يفعل بأهلها ما يشاء . كما فعل مع الصيادين , رغم وجهة نظرهم الوجيهة . إذ كانوا يرون ضرورة وجود طائفة تخصهم وحدهم , وذلك لاختلاف نشاطهم عن المزارعين , وجانيي الثمار , والعاملين بالبستنة عموما . الذين يتعدى نشاطهم ذلك, إلى نصب دناقل العسل في الأشجار .. لكن الأرباب أُلّهم بحل المسألة : خوزقة قيادتهم تحت عرديبة الدود . كل أموال تلك الطوائف .,تأتي إلى بيت مال البلدة , فلا يأخذ أي شخص إلا قدر حاجته,مهما كان مقدار المال الذي أودعه,أو المجهود الذي بذله . فالأرباب ,كان مهموما جدا بمركزة الموارد , في سبيل استقرار البلدة . جعل الأرباب من أصفيائه العميان, طائفة للعمد والشيوخ , يعين على رأسها من يشاء . فقد كان الرجل مطلق اليد .,وجبارا عتيا . ولم يغفل أمر الاهتمام بالأدب., فجعل هناك طائفة., من المتأدبين , وفقا لمنهج أبو جريد . وكان هؤلاء هم ذاتهم., الذين يقع على عاتقهم., أمر التعليم . وكان لكل طائفة , من هذه الطوائف., قانونها الخاص. فهي محكومة بما يشبه الفدرالية , التي صاغها الأرباب ذات نفسه , ولذلك لا تلجأ إليه ,في مشكلاتها البينية الصغيرة , ولا يتدخل الأرباب, إلا في مشكلاتها الكبيرة الشائكة, والعويصة . وقضاياها المعقدة المتشابكة , التي تعجز عن حلها وحدها ,دون الاستعانة بحكمته البارعة. كانت طائفة المتأدبين, وبائعات المريسة في بلدة الأرباب ,من أكثر الطوائف ذات الحظوة والنشاط , إذ أعطاها الأرباب عناية خاصة , ومنحها امتيازات., لم تحظى بها أي طائفة من الطوائف الأخرى . إذ كان يسمح لهاتين الطائفتين., عند توريدهما للمال., بالاحتفاظ بشيء يسير منه., للترفيه به عن نفوسهم .,فيما يرونه مناسبا . ثمة طائفتين معزولتين عن المجتمع , لكنهما تجدان العناية الكافية من طائفة الحكماء , فهما من اكبر طوائف بلدة الأرباب., والحواضر التابعة لها . هما طائفتي النساء المطلقات ,والرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ وطائفة الرجال المجانين . وهما الطائفتين اللتين انضمت اليهما فاطمة السمحة وود النمير مؤخرا. لكن فاطمة السمحة كانت معزولة حتى عن طائفتها . تعيش نفيها الوجودي, على ذكريات ماضية , محمولة على سواعد الفراشات المحترقة , بنار لا توصيف لها . نار غامضة . غامضة ومبهمة فحسب , فهي نار تحرق ولا تقتل , تحرق ولا تأكل .. عندما تفيق فاطمة لنفسها , خارجة من السنة هذه النار المتأججة , تلاعب طفلتها الصغيرة تاجوج, علها تنسى كل ما مر بها , تحدق في وجه تاجوج, فتنساب أمام عينيا أخيلة وصور, متداخلة , لا تنبي بخير . فتنقبض نفسها , ويرتجف قلبها , وجسمها يرتعش كالمقرورة . ببرد الشتاء المجنون . الذي يحرق أشجار الوادي بالزيفة .. ولم تكن فاطمة وحدها التي تعيش مثل هذا العذاب . فقد كان ود النمير متآكلا بالندم , يشعر بالحسرة كالصديد ,تملأ جسمه قروحا ودمامل , تنفتح ولا يخرج منها قيح , فتظل تعذبه بالنقحان .. كأن لعنة سوداء أصابته وشوهت وسامته , وجعلته لا مفطور الفؤاد فحسب( من فراق فاطمة له) بل من إحساسه أيضا., ببلوغه النهايات . انقشعت عن خواطره كل تلك الأحلام المجيدة , بالمضي مع فاطمة والطفلة الصغيرة ,للعيش بعيدا عن بلدة الأرباب . لكن تلك الرؤى الملعونة, التي حاصرته وجعلته يجبر فاطمة على التجرد , جردته هي الأخرى من هذه الأحلام . فقد كل شيء وصار مذهولا , مسكونا بالوحدة والوحشة والحزن الأبدي .. حاول إقناع فاطمة بالعدول عن رغبتها في الطلاق , لكن فاطمة (رأسها وألف سيف ) أصرت أن يبر بوعده .. كانت عنيدة كالفرس "المكادي" . يابسة كالحجر الصوان . وكان رقيق الفؤاد عذب المشاعر, لا يحتمل الصدمة ومشاهد الأسى واللوعة (هل هذا هو ود النمير حقا !!) ود لو عاد الزمن إلى الوراء , ليتمكن من مقاومة تلك الرغبة , فلا يدع فاطمة تتجرد أمامه , وضوء النهار يسقط على تضاريس جسدها المتناسق., بكل ما أوتي الضوء من فجاجة . يتسلل منعرجاته , فجاجه , وتحفزاته . يا لذلك الجنون الذي أودى به (يا لهذا العذاب الذي ليس كمثله عذاب ) .. كأن تلك الأمطار التي هطلت 40 عاما على الجد الأول لابو جريد .,وهو بعد محض طين صلصال , تهطل عليه الآن .. أمطار الحزن تهطل عليه الآن., لا أربعين عاما فحسب , بل منذ تلك اللحظة, التي هطلت فيها على أبو جريد , وهو بعد مجرد فكرة .,في خاطر الغيب , لم يتكون كتصور كامل , ثم جسم من لحم ودم اسمه : ود النمير . منذ لحظة الخاطر تلك في تفكير الجد , يشعر ود النمير., أن أمطار الحزن تعجنه وتصوغه , كفكرة للأسى, وموضوع للألم والعذاب . مضى ود النمير للأرباب كي يتوسط له عند فاطمة , حتى تقبل وتعود إليه . مضى إلى بنت مسيمس . خاطب روح الجد أبو جريد , والجد الأول في الحضرات . لكن كل ذلك لم يجدي نفعا مع فاطمة السمحة . حتى طوب الأرض نفسه .,ونجوم السما وطيور السمندل ودعا ش الوادي ,والقماري وأشجار الجميز , عجزت كلها عن إقناع فاطمة بالعدول., عن قرارها . فاعتزل ود النمير الناس, ولم يعد يذهب إلى عمله ليعتقل أحدا أو يعذب أحدا . اعتزل اعتزالا لا يشبه عزلته السابقة , قبل أن يتعرف فاطمة ,ويغرم بها . دخل في نوع غريب من العزلة , ليس له اسم سوى : الجنون .. عزلة جعلته في همس البلدة ,محض عبارة راثية وآسية : - ود النمير جن .. فقد كان يمضي في دروب البلدة., وشوارعها منكفئا على نفسه , يلتقط الحجارة والاغصان الجافة.,وبقايا الجلود .وهو يحادث نفسه., بصوت يسمعه كل المارة : - أنا مكتول بفاطمة السمحة . رجعوا لي فاطمة السمحة .. حاول الأرباب تحت ضغوط بنت مسيمس .,مداواته (وانطلقت وقتها شائعة أن الأرباب., أطلق عليه واحدة من أسوا لعناته الزرقاء , وذاك هو السبب الحقيقي لجنونه , لا ترك فاطمة له .,كما اعتقد هو شخصيا .,وكما روج الزعيم الجديد لطائفة العميان., بترتيب خاص من الأرباب, وأكد بعض الخبثاء: أن الأرباب لم يشأ مداواته , فهو لا يفشل في علاج احد ) .. هكذا ملأ الهمس بيوت البلدة وشوارعها . أكد الأرباب : - أن علاجه ليس بيدي . ليس أمامه سوى استرداد فاطمة .,طوعا أو الموت .
  14. كانت فاطمة السمحة منطوية على نفسها , كحوصلة داخل شرنقة .,من حكايا أم حجل ونبؤاتها , وذكريات أيامها الخوالي . كان كل يوم يمضي من حياتها ,بمثابة سنوات طويلة ,من حكايا تغذيها بطيوف غامضة , مصبوغة بالحنين والحمى , تسبقها نكهات من روائح أشجار مجهولة , لا مثيل لها .,بين روائح أشجار الوادي . وتدهمها الحكايا بالرؤى الملونة, التي تأخذ شكل فارس يأخذ بمجامع قلبها . وكانت قوة الروائح ونفاذها , يشتدان بمرور الوقت, الذي تشعر به خاطفا كلمح البصر , وكلما كبرت فاطمة قليلا . كان طيف الفارس يدخل, في هالة من الضوء .تبدأ في الانقشاع عنه تدريجيا . وما أن تكاد ملامحه تبين , حتى يختفي مرة أخرى . وعندما اكتملت أنوثة فاطمة., وأخذت الجدة لا تستر إلا بارزا , كان قد سبق هذا الاكتمال, تغيرا عاداتها , تبعه تغيرا في مناخ الوادي وطبيعته . إذ ثارت الوديان والشعاب الكثيرة , التي تغذي أودية بلدة الأرباب الثلاثة . في تلك الليلة ,التي اكتشفت فيها فاطمة., لأول مرة دما بين فخذيها . وتحسست صدرها , فوجدته ممتلئا .,ومتألما على غير العادة .. في تلك الليلة .,كانت الوديان تدمر كل ما حولها , إلى حد أن قطعت الطريق بين الأرباب والبلدات الأخرى , ولم تترك حتى الطريق, المؤدي إلى الأرباب من دار الريح والصعيد والسافل ودار صباح .. انمحى دريب الريح بغضبة المياه الهائجة ,كأنه لم يكن موجودا يوما . إذن شكل بلوغ فاطمة : (نضج الأنوثة) نقطة تحول مركزية ,استوقفت حتى الأرباب ذاته كثيرا . فقد استشعر., كما استشعر الجميع ,من غضبة الوادي .,مخاوف لا حصر لها , فقد تحول بلوغ فاطمة إلى كابوس,يجسم الذعر والهواجس والظنون .. وعندما انجلى الموقف , ولملم الناس شتات أفكارهم , وهم يتفقدون بعضهم البعض , متغاضين عن غباينهم وعداواتهم . كان لحظتها الألم في صدر فاطمة قد توقف , وقل دم دورتها ,ولم يعد يسيل فائرا كما الأمس . وكانت الشمس قد أشرقت .,وبدت بلدة الأرباب خضراء ممتلئة بالفراشات وطيور الجنة الملونة على غير العادة.. كأن ما جرى لم يحدث على الإطلاق , فتغيرت هواجس الأرباب إلى نبؤة جميلة , وابتسم وهو يزور فاطمة , وظل مبتسما حتى خرج منها . كان مبتسما طيلة اليوم , على غير عادته . كان جسم فاطمة قد بدا نافرا كغزال ,فصارت للجدة عادة يومية .,ففي كل مساء عندما تفرغ فاطمة من لهوها ومرحها ,وتعلن الدار مجيئها . تأخذها الجدة إلى ركن قصي .. بعيدا عن نظر الخدم , تفك عنها كنفوسها., وتبدأ في تفتيشها . تتلمس أشرميها , وتغور أصابعها عميقا .,تتحسس مواطن القلق والتوتر الأزليين .حتى تطمئن ويهدأ بالها تتركها . في البدء كانت فاطمة ترفض الخضوع للتفتيش , ثم أخذت تقبل على مضض , وهي في ضيق شديد , فكانت الجدة تحكي لها ,عن فارس يدهم خلوتها .,ويفتت وحدتها .,ويحيل وحشتها إلى جمر لا ينطفيء , ولا يتركها إلا و هي مفلوقة القلب., كحبة فول قسمها نقر الطير . فتسخر منها فاطمة . فهي كانت على رغم إحساسها بالخدر الذي يعتريها , لحظة تتسلل إلى منامها تلك الروائح مجهولة المنشأ , معلنة عن اقتراب فارسها الغامض . على الرغم من هذا الخدر,الذي يسكن كل خلية في جسمها , تقاوم وتغذي نفسها .,بمزيج من الشعور المضاد والرفض . كانت فاطمة تخبي في داخلها ناسكة , زاهدة في الرجال . تعتزل حتى ذلك الإحساس .,الذي تشعر به .,وهي تغسل اشرميها في الوادي . فما أن تلامس كفها ذلك الموطن ,حتى يسري فيها شعور غامض , لا تدري كنهه , فتقاومه بالانقباض .,وهي تمسك الأشرمين بسبابتيها وإبهاميها , كأنها تعاقب فتى صغير بشده من خديه . ورغم إدراك الجدة .,لطبع فاطمة السمحة الوحشي, إلا إنها كانت تدرك, فيما يشبه النبؤات الخفية, أن مآلها لا محالة إلى استسلام , عندما يحين الوقت , الذي تكاد ترى اقترابه, رؤية العين العادلة . فكانت تحذرها بتلك الحكايات( التي يبدو أن مردودها كان عكسيا ), إذ ملأت خيال فاطمة ,وعبأته بالروائح المجهولة., والطيوف الغامضة , والمشاعر المتداخلة , المربكة . والأحاسيس الملتبسة , التي أخذت تشعر بها , إزاء الفتيان .,الذين يلاحقونها منذ لحظة خروجها من الدار , حتى عودتها مرة أخرى . كانوا يلاحقونها وهي تستحم في الوادي , مختبئين خلف أشجار القمبيل والقنا والجميز . كانت تحس بوجودهم الغامض الطاغي , الخفي ولا تراهم . يلاحقونها في كل مكان , حتى في الطريق إلى الحقل . وما أن تلتفت خلفها, حتى يتبخرون في الهواء , فلا تجد شيئا . لكنها تشعر بهم يختبئون .,في تلك الأكمة .,أو خلف هذا الجذع الملقى , أو تلك الجميزة على شط الوادي .. حتى باتت تشك في الطيور حولها , تشعر بالعصافير والقماري وطائر السمندل , يتجسسون عليها , يتحسسون بهديلهم وزقزقتهم وغنائهم, تكويرات جسمها المتحفز , فتقذفهم برشاش الماء, أو حفنات الرمل المبتل .غاضبة , ولا تعود تواصل استحمامها, إلا بعد أن تطير الطيور مفزوعة . فتنة الفتيان بفاطمة السمحة ,مردها جمالها الأخاذ., الذي اخذ بألبابهم , وصرع أفئدتهم . مردها .,صوتها الساحر الذي انتزع دهشتهم , من محجريها . وجعل قلوبهم تنتفض .. كانت فتنتها كالموت الأحمر (تحيل أحلامهم .,إلى نوع من الوجع., والاشتياق .الممزوج في الشقاء .,والعذاب والألم ) فيتقلبون مضطربين في أسرتهم ,وهم يهمهمون بلغات عدة , لا يذكرون منها شيئا عندما يفيقون من النوم . تجرأ بعضهم واقترب منها فصدته بقسوة . لم تلن أبدا , فقد كانت قوية الشكيمة , قوة جمالها "الجني" .. في الليالي المقمرة , عندما تخرج فاطمة إلى الوادي, كانت تحس بخطى مختلفة تتبعها, و غير تلك الخطى . خطى ذات جرس خاص : مزيج من هديل اليمام والسمندل .,وخرير الماء في الماء .. مزيج من رائحة القمبيل ونكهة السعات البري .. مزيج من ضربات قلبها .,وطيف فارسها الخفي الذي لم تراه , إلى أن تكشفت لها تلك الخطى, عند اكتمال البدر في احد الليالي الماطرة عن ود النمير , الذي كانت قد سمعت عنه كثيرا , مثلما سمع عنها . فود النمير كان مثلها . فتى وسيما , متقوقعا في ذاته ,و لا يأبه لنساء البلدة وفتياتها , اللواتي لطالما ارتمين عند قدميه , يرجين وصاله . وظللن يلاحقنه أينما مضى . الأمر الذي كان يدفعه للاختباء في تلك المخابيء السرية , منهمكا في تعذيب معتقليه , أو الخروج بعيدا عن البلدة , متخطيا وديانها الثلاثة, إلى حيث لا يكسر احد طوق عزلته .. ورغم الجمال الفتان لفاطمة , الذي لطالما طرق سمعه , لم تحدثه نفسه أبدا ,بالترصد لها ورؤيتها . إلى أن رآها في ذلك اليوم البعيد مصادفة , فتبعها مسلوبا .. هو الذي لم يظن أبدا, أن تدهم وحدته أنثى., فتحدث فيه كل هذه البلبلة و الارتباك . وتطلق جنونا مخزونا في أعماقه , لم يكن يعلم عنه شيئا , فقد كان قد تحصن منذ وقت بعيد., بالسياج الذي شيدته حول وجدانه بنت مسيمس , بحكاياتها المعذبة عن أمه مرج البحرين , التي أحبت ابن العمدة الكبير , في غفوة من غفوات عقلها . غفوة كانت كافية لان تصيبها بالألم .. إذ لم تدر أن ابن العمدة .,إنما أحبها فقط انتقاما لدم أبيه القتيل . إذ سرعان ما هجرها وهرب, تاركا البلدة .,دون أن يقع له احد على اثر . تركها وهي حبلى بود النمير . نسي كل الحكايا التي بذلها لها وهرب ( كان يقول لي : - يا فلذة كبدي , وجرح فؤادي . يا مليكتي وقمر دنيتي ).. تقول مرج البحرين , فيتقطر الدمع غزيرا .,من عيني بنت مسيمس . تمسح بالخرق الباردة جسمها الملتهب , بحمى الهجر , تحاول مواساتها . لكن كانت نيران الهجر قد تآكلتها , فلم تلبث أن ماتت محسورة . هذه الحكاية وحكايات أخرى .,سيجت وجدان ود النمير., فلم يقع في براثن عدوه الحب أبدا . عدوه الذي قتل أمه .,في ريعان صباها . وجعله يتيما دون أم أو أب . سوى الأرباب بمشاعره الغامضة , التي لطالما أحس بها تبعث على الخوف., أكثر مما تبعث على الارتياح . ولذلك عندما رأى وليدته الصغيرة تاجوج, اشتد بكاؤه وحرص على استرداد أمها .,مهما كلفه الأمر . فكان يقف قبالة الوادي كل يوم , معملا بصره , مواجها ذلك الموضع الذي غرقت فيه فاطمة . يحدق في المياه المترامية .,بين القمبيل والقنا والجميز , الذي يحد الوادي من كل جانب . حتى يلتقي عرديبة الدود . حيث يطلق هناك سراحه , فيرتد بصره لتتغور عينيه مرة أخرى في المدى , إلى الجهة الأخرى., من وجنات بلدة الأرباب . يمزق بعينيه الغسق المكفهر , وخياشيمه تتماهى فيه , يزفران معا أشعة الشمس الهاربة . في انتظار فاطمة السمحة . فيشهق , أصبحت لديه أحلام مختلفة عن أحلام بلدة الأرباب , أحلام جديدة بان يجد فاطمة ويمضي معها ليعيشان وطفلتهما تاجوج بعيدا عن الأرباب . وهكذا .. ظل كل يوم يقف قبالة الوادي , ينتظر بصبر على شطه , حذاء الشجرة ممتلئة الجذع , شجرة الجميز التي اتكأا عليها .,واستلقيا تحتها , في ذلك اليوم البعيد .. لزم مكمنه لأيام وأسابيع وشهور., إلى أن خرجت فاطمة من الموضع ,الذي وقعت فيه من الوادي .,عند الغسق تماما , والشمس توشك., أن تلم أخر خيوط تنورتها الذهبية , الزاهية . فمد المرآة بسرعة , بمواجهة وجه فاطمة , التي ما أن نظرت إليها .,حتى أغمى عليها , فسبح يرفعها من الماء ... عندما أفاقت فاطمة , قطبت وجهها , وكان ود النمير يقبلها وهو يبكي بكاء مرا , حفرت دموعه الرمل., وسالت جداولا., لتمتزج مع مياه الوادي .
  15. في وحدتها الكثيفة .,بعد عشرات السنين , يتوقف تيار الزمن : عند أم حجل .,في لحظة واحدة ..هي تلك اللحظة., التي اتخذت فيها قرارها., بأن ليس ثمة بعلا جديرا بها .,سوى الأرباب , الذي جدد فيها لظى ليلتها اللاهبة مع الأشرم ..تلك الليلة اللاهثة المتناقضة , التي ظنت إنها لن تتكرر أبدا ,رغم الانقباض الذي خالطها. تسللت أم حجل خلسة من دار العمدة , تتبع الحمامة الزاجلة إلى الوادي , حيث دغل القمبيل . تركتها الحمامة في الدغل ومضت , وكلما حاولت اللحاق بها , يهبط السمندل من أعلا الشجرة , يضرب بجناحيه , فتتراجع إلى الدغل الكثيف , إلى أن أدركت أن السمندل يخبرها :أن تنتظر مكانها . ولم تلبث إلا قليلا .,حتى أطلت الحمامة يتبعها الأرباب . حملها الأرباب بين ذراعيه., كما يحمل طفلا صغيرا , وأشار إلى السمندل بيديه , فجاء الهدهد والقماري .,والطيور. يحملون ورق الشجر الأخضر والليف , ويسوون فراشا وثيرا . وضعها الأرباب على فراش أوراق الشجر., واخذ يداعبها بلطف ولين .. كان كلاهما صامتا , ما يفصل بينهما مقدار رجفة .,بمثابة هاوية لا قرار لها . عندما عادت أم حجل إلى دار العمدة , كانت ملتبسة الفكر , لا تدري هل حدث ما حدث حقا , أم أن أحلام قيلولاتها جنحت بعيدا., إلى ليلتها مع الأشرم . فقد شعرت وهي بين أحضان الأرباب , كأنها بين أحضان الأشرم : ذات القوة والعنفوان . ذات التلاشي في بؤرة واحدة , يتجمع فيها هلاك الروح ,وغليان الدم والهياج والفوران .. كانا يغرزان اظافرهما في لحم بعضيهما , وينشبان اسنانهما احدهما في الأخر , ويكزان على اسنانهما بهوس . حتى يكاد الدم يخرج من ألسنتهما المتعانقة . كان الصمت قد عم الوادي , وليس سوى حفيف أوراق متساقطة , ووقع خطى على سكة لا متناهية . انه ذات الشعور الذي انتابها .,عندما أفاقت من نومها, تتفقد رجلها الأشرم . لكنها لحظتها .,تمكنت وأختها من التغلب ,على هذا الشعور , فهربتا . تدرك الآن, أنها لن تستطيع .,مقاومة سطوة الأرباب , الذي أيقظ فيها ذكرى ليلة بائدة , ظنتها نسيا منسيا .. لحظة منصرمة, انطفأت مع الأشرم . اللحظة التي جاهد العمدة لإشعالها ,أو إخماد طيفها إلى الأبد , ففشل .. وظلت أم حجل., تحكي لابنتها أمونة ,عن هذه اللحظة بالذات , كأنها تتلو تعاليما مقدسة., من كتاب أبو جريد . فتشعر أمونة ,بقوة اللحظة تحاصرها . تتخلل شرمتي فخذيها , بعنفوان طيف غامض الملامح, يأتيها في الصباحات الباكرة , قبل أن تتسلل خيوط الفجر الأولى , لتنعكس على قبة الفكي الأرباب , فتملأ دروب البلدة .,وأزقتها وحواريها .. لذلك عندما رأت الحوار المهاجري ,رأت فيه ملامح ذلك الطيف الغامض ,الذي يزورها في منامها., ويجعلها تصحو في البواكير الباردة: متعرقة. ساخنة, كالخارجة من فرن .. يحمل مروره رائحة القمبيل والجميز.ويحلق بها, خافقا كجناحي السمندل , فتغيب في رعشته .. منذ رأته غادرها وقارها .,وتمنعها الذي اشتهرت به .. أومأ لها .فأومأت له. وصارا يلتقيان في المفترق الأشرم للوادي الأوسط . يتوغلها بهمسه, ويحتلها محاطا بنكهة غامضة , مصحوبة بهديل القماري والسمندل .فتفتح عينيها .. يختفي الوادي والسمندل والجميز والقمبيل , ولا ترى سوى عرديبة الدود شاهقة , في منتصف المسافة بين السر والجهر ., والشك واليقين .. تنبعث كطيف يتوحد في جسمه الفارع, الذي يدب فيها كله شيئا فشيئا . مخترقا شرمتها اليسرى . فتسحب ساقيها وتغيب في زمان ومكان آخرين . خارج حدود بلدة الأرباب . فلا ترى سوى طيور الجنة الملونة, والسمندل يتبختر أمامها كطاؤوس .. ترمي بنفسها في الماء . وهي تراه .. حبيبها , يشهق ميتا , فتكفنه الحوريات بكسوة من ريش الطاؤوس , وشيئا فشيئا .,يستحيل إلى جميزة ضخمة.. جميزة أضخم من عرديبة الدود . كان التحول التاريخي .,الذي شهدته البلاد الكبيرة ,صوب شكل مختلف من الهيمنة .,عن تلك الهيمنة(التي كانت في السلطنة الزرقاء أومملكة دار فور ,أودولة المهدية, أو خرطوم الانجليز الممتدة كمفهوم متحول في الزمن والمكان) قد أنتج نموذجا مشوها سريع التبدد والزوال, في البلاد الكبيرة, ,سواء على عهد الأتراك., أو إبان الثورة المهدية , أو بعد أن تمكن الإنجليز من الاستيلاء .,على دار صباح والهيمنة على العقول إلى أجل غير مسمى , أو بعد خروجهم وإفساحهم المجال ,لدار صباح لتكرس لذات المعادلة.. لدولة موحدة محتشدة الموارد ,متمركزة في دار صباح, والتي شكلوها من عناصر دولة تتسم بالفناء , تنطوي على تجاريب التبدد والزوال في سنار والفاشر على وجه الخصوص . فجاءت التجربة الجديدة., لعمد ومشايخ وزعماء طوائف دار صباح , بمثابة شبكة من السياسات التي ترتبط بقضية الهوية .وعندما حاول أبو جريد اختراق هذه الشبكة ,جعلت منه دار صباح فزاعة للطيور ,أو خيالا للمآتة , كانت قد شوهته على نحو ممسوخ , وهكذا ظل الصراع والصراع المضاد ,هو ما يحكم العلاقات البينية ,التي كانت تؤكد على الدوام, أن شبكة العلاقات التي تمت صياغته.,ا في دار صباح, تنهض في الانتهازية بدلا عن الحقيقة , وشكل ذلك., أساسا مشتركا ,تقاسمته مع دار صباح ,كل من دار الريح والصعيد والسافل, وفيما بعد ,مثل مرتكزا نهضت عليه بلدة الأرباب .,التي كان مؤسسها يتوقع زيادة في الاهتمام بهوامش البلاد الكبيرة وصدوعاتها . الاهتمام بتلك البقع المبهمة والملتبسة , حيث تبدو قوة دار صباح كنظام هيمنة : مهتزة لا رسوخ فيها .. تلك الهوامش الظليلة ,حيث تسحب دار صباح زيلها في صمت , فإذا ما كان من المتعذر اختراق دار صباح ,فان من الممكن انتهاكها لحظيا على الأقل . وهو ما كان تحاول حملات الغزو التي تقوم بها بلدة الأرباب : أن تقوله لدار الريح والصعيد والسافل ..انه من الممكن سبر النظام (الدار صباحي) وجسه, بحثا عن تلك النقاط الحساسة للألم, حيث تبدي سلطته علائم الانحلال والتداعي .. لكن مع تكرار الغزوات تأكد تماما للأرباب, أن عدم وجود مركز يعني عدم وجود هوامش أيضا , بالتالي إدراك كئيب للتواطؤ بين المركز والهامش , والقوة والانحلال , وللعبة القط والفأر الجارية خلسة بينهما , بالتالي لا معنى للاحتفاء بكل ما هو هامشي أو أقلوي ,بوصفهما ايجابيين ,فما هو هامشي أو أقلوي, وفقا لتجربة دار الريح ودار صباح ينطوي على انتهازية مقيتة .