• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/

alaabid

عضو مستمع
  • مجموع المشاركات

    2
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

نظرة عامة على : alaabid

  • رتــبـة الـعـضـو :
    عضو مستمع

Contact Methods

  • ICQ
    0
  1. مع الهادي آدم بقلم : محمد عبدالله الزين كان بدء تعرفنا على الشاعر الهادي آدم في العام 1961م. كان شاباً ممتلئاً شباباً ونضارة كان رئيس شعبة اللغة العربية بمدرسة حنتوب الثانوية.. كان نجماً.. كان ملاحاً ماهراً.. عندما يبحر بنا في لجة اللغة العربية.. يفسر حوشيها ويشرح غريبها ويتعمق في سهلها.. كان الطلبة يطلقون عليه اسم الهدهد.. وكان الهدهد هو رمز مدرسة حنتوب الثانوية.. إلا نذكر اغنية حنتوب الجميلة التي يؤديها الفنان الخير عثمان (حنتوب الجميلة... والهدهد علامة) (وللنيل باقية شامة) فالهادي آدم كان علامة المدرسة وشامتها... تعلمنا على يديه الكثير في تلك المرحلة من اشعار العربية الفصحى التي كانت تدرس ضمن منهج اللغة العربية لوزارة التربية والتعليم. ولكنه كان لا يكتفي بالمنهج المرسوم فيزيدنا من الدرر والروائع ما زلنا نذكر مثلاً قوله لنا ان ذلك من التشبيهات البديعة للشاعر الحطيئة في قصيدة له يسترحم فيها امير المؤمنين عمر بن الخطاب.. فقد كان الحطيئة شاعراً هجاء لم يسلم الناس من لسانه فقام أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب بسجنه فانشأ قصيدة يستعطفه فيها جاء فيها: ماذا تقــول لافــــراخ بذي مـــرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت بكاسبهم في قعر مظلمة اغفـر عليك سلام الله يا عمــر وكان يشرح لنا ويستفيض في تنوير عقولنا الصغيرة آنئذ ببراعة التشبيه في عجز البيت الأول (زغب الحواصل لا ماء ولا شجر) وفعلاً كان التشبيه بليغاً انظر إلى زغب الحواصل والحوصلة للطير بمثابة المعدة وزغب لا يغطيها ريش عارية تدل علي صغرها وانها لم تتعلم الطيران بعد ولا تقوي على شئ فما اشد شقاءها عندما تفتقد الماء والظل.. لا استطيع نقل الصورة البديعة كما شرحها لنا استاذنا الهادي آدم في تلك السنوات الباكرة ونحن في اولى درجات سلم الدراسة الجادة والعميقة للغة العربية فكأنما كان يهيئنا لتلقى مزيد من العلم والفهم للغة العربية لتساعدنا في تلقي العلم بالمرحلة الجامعية. إلى جانب تلقينا العلم المنهجي بالمدرسة تعرفنا على اشعار استاذنا الهادي آدم.. مسرحية سعاد والتي كنا نقوم بتمثيلها على خشبة المسرح المدرسي بحنتوي وكنا نحفظ اشعارها ونرددها (عياد فتش عن فتاتك... في البوادي والاكنة عسى ان تكنو فتاتك بينهن.. وسعد الفتاة اذا دنا رهن بأول خاطبيها... الخ..) وبدأنا نتذوق شعر الهادي آدم وبدأنا نتعرف على ديوان (كوخ الاشواق) وفي الامسيات بالمحاضرات الثقافية كنا نستمع لقراءات من بعض اشعاره فنطرب لها أيما طرب ونذكر قصيدته التي تصور الجوع ببلادنا آنذاك في قصيدة القطار (وانا خلفك واعدو ابتغي بعض رغفيف) أولئك الصبية الذين تراهم يعدون خلف القطار سواء على طريق الشرق أو قطار الشمال يعدون خلف القطار وهم يصيحون ويلوحون بايديهم رغيف.. رغيف.. صيحات تعكس الفقر والجوع.. فما ابدع التصوير. دار الزمان دورته وجاءت حرب «67» والهزيمة المنكرة والمجهود الحربي وشارك الجميع فكان ان اختارت السيدة أم كلثوم قصيدة اغدا القاك لتغنيها ضمن حملتها للمجهود الحربي وضمن اختيارها لقصيدة من كل بلد عربي.. وليست هي اجمل قصائد الهادي آدم ولكنها ربما كانت كذلك أو صادفت هوى في نفس أم كلثوم.. فكان ان تم تلحينها وبثها عبر الاذاعات العربية فكانت مما اسهم نوعاً ما في تعريف العالم العربي بالسودان وبالشعر السوداني.. يذكر السودان فيذكر الهادي آدم وغدا القاك على الاقل لمن يهتمون بالفن. والهادي آدم كما نعلم من مدينة الهلالية على الضفة الشرقية للنيل الازرق ومن اسرة عريقة يعود نسبهم لقبيلة جهينة.. جل ابنائها من الادباء فهي اسرة عريقة عميدها المرحوم الشيخ آدم الهادي من شيوخ الاسلام ومن اوائل حفظة القرآن الكريم بأم ضوابان.. ولا عجب اذا كان الربان مسلما فقيها وعالماً كذلك باللغة العربية ان ينشأ اكبر اولاده شاعرا في قامة الهادي آدم فقبل ان يتلقى العلم بمصر تشربه من والده الشيخ آدم الهادي.. وجميع افراد الاسرة ادباء فالسفير مبارك آدم الهادي اديب وشاعر صدر له ديوان من الشعر.. وكذلك حسب الرسول آدم الهادي يقرض الشعر وله قصائد جميلة وطريفة قافيتها كلها بالكلمات الانجليزية ذات الايقاع الواحد (قافية أيشن).. وكذا بقية اخوانه فالفاتح آدم فنان رسام ماهر فكلهم اديب ماهر من اكبرهم وحتى آخر العنقود محمد الناصف.. ولا عجب فلم تكتف الاسرة بالتفوق والنبوغ الادبي ولم ينحصر في الابناء فقط فقد امتد إلى البنات فمنهن الشاعرات والاديبات.. لا غرو ان تنبت مثل هكذا اسرة شاعراً مثالاً كالهادي آدم فهو من جيل العباقرة ومن زملائه إدريس جماع. اين نحن من كل هذا الالق.. الآن الهرم الشامخ طريح المستشفى ببحري.. لا ادري ان كان قد زاره من يهتمون بأمر الادب في بلادي أم لا.. ادري اين اتحاد الادباء واين الكتاب ووسائل الاعلام والدولة والجامعات واين وزير الثقافة.. لم تقصر الدولة من قبل في تكريمه كما لم تقصر الجامعات في تكريمه من منحة الاوسمة من الدولة والدكتوراة الفخرية من الجامعات.. ورغم كل هذا نود التكريم والاهتمام من الجميع دولة وافراداً خاصة في مثل هذه اللحظات التي يمر بها من معاناة مع المرض.. فمما لا شك فيه ان الاهتمام الذي ينبغي ان يحاط به من كان في مثل الهرم الشامخ الهادي آدم والذي يتمتع بروح عبقرية وكبرياء محببة لدى النفوس لا يسعى وراء مدحاً أو ذما أو هجاء يتقى به شر البشر أو دنيا يصيبها.. نحن نرغب ان نرى يد الدولة والادباء تمتد ولو رمزيا لتسهم في علاجه أو الاهتمام به تكريماً لهرم شامخ رفع اسم السودان عاليا.. انا كاحد طلبته في بداية الستينات لا املك غير ان ادعو له الله ان يمده بالصحة ويلبسه ثوب العافية ولنرفع اكفنا بالدعاء له من جانبنا ولتقم الدولة وبقية الاطراف الادبية بما يتحتم عليها تجاه هرم من اهرامات السـودان.
  2. د.الطيب زروق ولد في الخرطوم (السودان) عام 1935. تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة أم درمان والإعدادي والثانوي في الخرطوم ثم تابع تحصيله الجامعي في جامعة القاهرة فنال البكالوريوس في الطب والجراحة وهو زميل في الكلية الملكية البريطانية- الأطباء النفسيين- لندن-. عمل مستشاراً في الطب النفسي- وسبق أن عمل طبيب امتياز في مستشفيات القاهرة- وطبيباً عاماً في السودان. عضو جمعية القصة والرواية. مؤلفاته: 1- قصص سودانية- القاهرة 1957. 2- الأرض الصفراء- قصص- القاهرة 1970. 3- الشيء الذي تحت- قصص- القاهرة 1970. 4- الرجل ذو الوجه المألوف- قصص- الخرطوم.
  3. عن الجاز والمعمار والشرط الانساني.. البحر هو بداية السؤال وجسر الولاء والانتماء جمال محجوب كاتب سوداني، أصدر حتى الآن ست روايات نالت حفاوة نقدية، ولأنه يعبر عن ثقافة المزيج، بريطاني ـ سوداني مثلا فرواياته تدور في هذا الإطارـ محاولة استكشاف الهوية والولاء والانتماء، والتأكيد على أن معرفة العالم غير ممكنة بدون معرفة النفس، وأن معرفة الطريقة للنهاية غير متاح دون معرفة البداية. وقارئ روايات محجوب يعثر على هذا التوزع والتجاذب بين السودانية في حياته والأوروبية، فهو أي جمال محجوب قادر على استعادة الجو أو الفضاء السوداني إذا أراد العودة لذلك وقادر على تصوير المجال الأوروبي الذي يتحرك فيه الأبطال إن أرادوا، ولكن في كل العلاقات التي يقوم بها الأبطال تنتهي، وكأن الزواج بين الأعراق محكوم عليه بالفشل، مثلا في رواية الرحيل مع الجن تعلن ايلين نهاية الزواج لياسين ظاهر في البداية، وفي رواية علامات الساعة يعود هاوي من رحلته الاوروبية بدون ان يقيم علاقات مع نساء اوروبا، اما في عمله الاخيرة (انحراف باتجاه خط العرض) فراشيل تنهي زواجها من امين بعد النهاية المفجعة لابنها سيف، الذي يقتل اثناء مشاركته في الحرب في الجنوب، وتعود لاستكشاف تاريخ والدها وعلاقتها المضطربة مع امها وتاريخ والدها الالماني الرحالة والمخترع. لعل ما يميز الرواية الجديدة ان البحر فيها موضوع فهي عن البحث عن الذات، في داخلها جيد المعمارية التي تعمل في شركة تصميم وهندسة معمارية محترمة (غايلز، ستوك اند ويفرلي)، وتواجه عددا من التحديات لعل اهمها وفاة عامل غير شرعي في المشروع الذي صممته ومحاولة المعمارية المنافسة لها الاستفادة من هذا الحادث لكي تجد حظوة عند مدير المكتب المعماري، يطلب منها كايل، المدير ان تختفي قليلا عن العمل حتي يتم التغلب علي الصعوبات، وهي تجد صعوبة في قبول الامر لانها المسؤولة عن التصميم ولان تصميمها هو ما جلب العقد للمكتب. نعرف فيما بعد ان عملها في هذه الشركة بدأ عندما كانت صغيرة مع والد كايل، المدير الجديد، ونعرف ان عملها كان بداية النهاية لزواجها. تحدثنا جيد عن كايل، الشاب المتردد، الذي لم يكن بمستوي المهمة بعد وفاة والده، ولكنه استطاع الحفاظ علي مستواها كأحسن مؤسسة تصميم معماري في لندن، واعتمد في هذا علي الجيل الذي عمل مع والده، وكانت جيد واحدة منهم، اي قبل الحادث الذي سيعيد جيد للبحث عن مركز جذب حياتها، والرحيل في ذاكرة والدها. حينما تشعر انها في مازق ومركزها مهدد، تدفع الي جافة الادمان والبحث عن ماضي والدها، حيث تحدثها اختها غير الشقيقة عن علاقة والدها ارنست فراغر مع والدو شميدت، وعندها تذهب للبحث عن والدها وتتعرف عليه وهو شاب في خمسينات القرن الماضي في ليفربول، المدينة التي كان يعيش فيها اشتات من البشر، الميناء الذي تحضر اليه البضائع لكي تملأ المخازن وجيوب التجار بالمال. في هذا الفضاء المتنوع يتعرف فراغو الذي فر من المانيا وذكريات الحرب فيها علي فتاة من ترينداد، ميرندا، وهو ما يفسر لون جيد، فهي هجين ومزيج بين اب ابيض وام سمراء من الكاريبي. جيد تقول يبدو لي ان هناك لحظات في الحياة لا نبحث عنها ولكنها تأتي الينا، والطريقة التي نرد فيها علي تلك اللحظات تحدد من نحن وكيف نواصل الحياة.... . يلتقي الاب ارنست مع الام في ناد للموسيقي يملكه نوبي سوداني، ناد للجاز اسمه النيل الازرق ، ميرندا التي نلتقي بها وقد بدأت تفقد عقلها كانت منذ البداية فتاة غير مشوشة. اما عن راشيل فهي اخت ليست شقيقة كانت نتاجا لعلاقة بين الاب ارنست وصاحب وكالة استيراد وتوريد الات ارثر بريستون. راشيل تهاجر الي السودان مع زوجها امين الذي يتحول لمكة والدين وتختفي لديه الطموحات الكبري، السودان الذي رحلت اليه راشيل كان بلدا ريفيا ـ مضيافا كالعادة ورغم الحفاوة ومحاولة تقبل الفتاة الانكليزية القادمة من المدينة ولا تعرف الطبخ فان ما كانت تعاني منه راشيل هو غياب الخصوصية، فالحياة في السودان تعني الانتماء للجماعة والعيش في داخلها. لكن الخيط الذس يقطع علاقتها مع السودان وزوجها هو تحول ابنها الي التشدد الديني. في هذا السياق تبدأ راشيل تتحدث عن علاقة والدها مع مزور اللوحات الفنية شميدت. العالم الذي يقدمه محجوب هو عالم فوضوي، يتقاطع احيانا، يتداخل، ويدور حول نفسه من المانيا النازية وحرائق اللوحات الفنية، الي الايام الاخيرة في جمهورية فايمار، والدو شميدت يهاجر من المانيا في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، ويلتقي مع ارنست، الذي كان نسخة متناقضة عنه، فالاب/ ارنست كان مخلصا، واضحا في ولائه لبلده، علي خلاف شميدت الذي كان يبحث في ارنست عن علاقاته، ولهذا لم تكن مصادفة ان يلتقيا في معرض لندن التجاري. وبعيدا عن اجواء لندن واوروبا، تبحر الرواية في السودان الذي شهد تحولات كبيرة منذ الاستقلال، من الشباب الساعي لبناء بلده بعد الاستقلال الي الخيبة والسجون والتعذيب الي الثورة الاسلامية وعهد ثورة الانقاذ. وفي هذا العالم يمزج محجوب بين المعمار، الموسيقي، الذاكرة والزمن بحيث يصبح فيه السرد او الكتاب غرفة صدي، ويدور الابطال هنا في داخل ثلاث حركات يقطعها صوت راشيل الذي يصبح بمثابة الدليل لجيد، هنا تقدم لنا رسائل او بطاقات راشيل لاختها من السودان صورة عن الهواجس والهموم التي احاطت بهذا البلد، وهموم الجيل، الذي عاش ذروة الامل والخيبة في كل تجلياتها. يستخدم محجوب هيرمان ميلفيل الذي كان يبحث عن والده في ليفربول. وهنا لا بد من الاشارة الي رمزية البحر في هذا العمل، فالبحر المحيط هو الذي يربط الدول والقارات وهو المسافة التي تفصل بينها، وهو الزمن الذي يفصل بين جيل وجيل داخل العائلة، والعبور في البحر، بالذاكرة او عبر غواصة هو في النهاية عبور او ابحار باتجاه الهوية الحقيقية. يمثل والد جيد، صورة عن هاجس التجوال، فهو ليس مشردا او شخصا مسكونا بهم ما، بقدر ما يتعلق الامر بعدم قدرته علي بناء جذور في مكان، ولهذا يرحل دائما بهدوء، تستقيظ يوما ميراندا التي شاركها اياما جميلة في غرفة في مدينة ليفربول في احد الصباحات لتجد الرجل، رجلها قد رحل. هاجس الرحيل، هو في النهاية صورة عن رضوض الذاكرة في الوطن، فهو يخشي من البقاء لئلا يتعرض لاثار لوثة السياسيين. جمال محجوب، الذي يجدل اشياء كثيرة في عملية السرد، الفن والموسيقي، اوروبا الصناعية، والنهضة، الدين والسياسة، معني بتوضيح كيف تتحول مأساة الحاضر وتعقيدات اليوم الي صورة عن تعقيدات الماضي، خفاء ولغز النشوء، الولاء والانتماء. حتي عندما تبدأ جيد رحلة استعادة سيطرتها علي زمنها في شركة المعمار، وتعتمد علي خبرات محقق خاص لكي يحدد هوية هذا العامل غير الشرعي الذي سقط ميتا في موقع العمل، فان عمل المحقق يتحول الي بحث في حياتها، فهنا يعكس التحقيق تاريخها الملغز اكثر من هوية العامل المجهولة. فجيد، تبحر في تاريخها وهي بحاجة لمرساة او عمود امان يساعدها علي الوصول لبر الامان. وفي هذا السياق تبدو مأساة اختها غير الشقيقة، التي تجسد في كل شيء هوس والدها في الترحال والهجرة، علامة الامان لها، فخسارة راشيل، تصبح فوزا لجيد، حيث تستعيد كل الاماكن التي مر بها والدها، ومن ضمنها نادي النيل الازرق الذي غني فيه عدد من فناني الجاز، والمثير للسخرية ان البحار الذي تحول الي صاحب ناد، اسماعيل بلال لم يكن يعرف عن الجاز شيئا، ولكن النادي صار بمثابة الواحة للباحثين عن حب او علاقة دافئة، وهو بمثابة مكان يقف علي تقاطع الطريق بين اوروبا وافريقيا، الذي يمثلهما هنا، ارنست، وميراندا. رواية محجوب هي عن الشرط الانساني، وعن اهمية الولاء والانتماء خاصة للاشخاص الذين يجدون انفسهم علي حافة الطريق، في الهامش او الذين يعيشون في المركز ويحملون في داخلهم تاريخا معقدا، فالبحث عن الشيء المفقود يفضي في النهاية للبحث داخل النفس. في روايته الاخري اسفار مع الجن ، يحاول ياسين ظاهر، شرح تاريخ اوروبا لابنه، بعد اعلان زوجته ايلين انفصالهما، ولكنها تطلب منه ان يقيم علاقة مع الابن قبل فوات الاوان، يقرر ياسين اخذ ابنه في رحلة الي اوروبا، بدلا من بلده السودان، فظاهر يشعر بالانتماء لاوروبا اكثر من وطنه الاصلي، وتصبح الرحلة ضربا من العبث امام انشغال الاب باكتشاف نفسه وعكس تاريخه الشخصي علي تاريخ اوروبا، وفي النهاية يقدم ياسين روايته عن التاريخ التي تختلف بالضرورة عن التاريخ الذي يدرس في المدارس الاوروبية، ولكن الرحلة التي لم تنجح باستعادة الاب لابنه، او عقد صداقة، تتحول في مداها الي رحلة في الذات، وتشير لعزلة ياسين عن عالمه الذي اعتقد انه ينتمي اليه، تماما كما يشعر بالعزلة في وطنه الام، هنا تجربة الهجرة والمهاجر، تخلق زمن المابين، فهو ليس هنا او هناك، في مسجد باريس، يقول لنا الروائي ان ياسين اجبر علي الخروج لاعتقاد البعض ان ياسين هو سائح اوروبي. في حالة جيد، فان نهاية رحلة البحث ليست مهمة، فالبحث في الماضي، الذكريات، هو جزء من البحث عن محددات الشرط الانساني، فهي لم تعد في نهاية الطريقة تحلم ببناء الابراج العالية، ونهاية الرحلة تعني ان عليها الاعتراف بنقصها او عدم اكتمال حياتها، فالصعود للسماء وبناء العمارات العالية للشركات العملاقة والمتعددة الجنسيات لم يعد يثير اهتمامها، فهي تريد العودة لمعمار المدن، معمار الحياة الانسانية، وكيف يعيش الناس حياتهم الاعتيادية في هذه المدن. اما عن راشيل، فهي تعيش معزولة في عالمها تنتظر سيف، الذي يأتيها، وناداها عندما مات في الجنوب ولم تكن معه، وهي مثل اختها في رحلة بحث عن الماضي، والذي تعثر عليه احيانا مخبأ في اوراق الليمون. ما يثير في قراءة محجوب ان اعماله لا تتحدث بجدية عن علاقة الشمال بالجنوب، وعبثية العلاقات بين الاعراق او الزيجات المختلطة، فهو مشغول اكثر بالهم الانساني العام، ورحلة الانسان في بحثه عن قدره، وعثوره علي مستقبله من عبر الماضي. كما ان الكاتب هنا ليس معنيا بتحليل فكرة التدين او الدين، فالابن سيف يذهب الي الجنوب ليقاتل في جهاد ضد المتمردين، ولكن الكاتب هنا ليس معنيا بالادانة، او الدفاع، انه يرسم لنا مشهدا عن المأساة والفجيعة الانسانية وفقد الام لابنها، وعودتها الي زمنها الاخر، الذي تركته وراء ظهرها في بريطانيا. في اعمال جمال محجوب الاولي كان مشغولا بتاريخ السودان اجنحة الغبار (1994) عن منفي سوداني يحلل سنوات الاستقلال، علامات الساعة ، تاريخية عن الثورة المهدية في السودان والاحتلال البريطاني، حيث يحضر المصلح السوداني محمد احمد المهدي، والجنرال البريطاني غوردون باشا الذي قتله اتباع المهدي كرمزين، يلقيان ظلهما علي الابطال العاديين من الرعاة، والمزارعين والجنود. في رواية المرسال (1998) عن علم الفلك، ورحلة نوبي سوداني راشد الكنزي، ابن عبد نوبي يشتري حياته بعد ان اتهم ظلما بالقتل من خلال الحصول علي تلسكوب يمكن استخدامه في سرد اجمل واغرب الحكايات. والرواية تغوص في مسألة العرق، والعبودية ولكنها ايضا عن الفضول العلمي، حيث اظهرت الرواية اهتمام كاتبها بالتطور العلمي الغربي وسبب عدم حدوث مثل هذا في التفكير الاسلامي. ولد في لندن عام 1960، حيث كان والده يعمل في المركز الثقافي بيت السودان ، وقضت عائلته فترة في مدينة ليفربول، عاش طفولته في الخرطوم، ودرس في كلية كامبونيس قبل ان يحصل علي منحة للدراسة في كلية اتلانتيك في ويلز، ودرس علم الجيولوجيا في جامعة شيفيلد، وخلال دراسته كان ينشر قصصا واعمالا ادبية. رجع محجوب الي السودان بحثا عن عمل ولكنه قرر تكريس نفسه للكتابة، وعاش في لندن، والدنمارك، والان يعيش في برشلونة، اسبانيا، وكذلك قضي فترة طويلة في فرنسا. عمل في اكثر من مجال، في مجال الغداء، والتسويق، والعمل الصحافي، والترجمة من العربية والدانماركية، والكاتالانية، ونشر اعماله الثلاثة الاولي ضمن سلسلة الكتاب الافارقة التي اصدرتها دار هاينمان. واول عمل نشره كان رحلات صانع المطر (1989). The Drift Latitudes Jamal Mahjoub Chao & Windus, London/2006
  4. يا ليندي انت مدهش .. و مبدع و ذواق .. و اشكرك ..
  5. أبو القاسم حاج حمد مفكر سوداني أبو القاسم حاج حمد توفي المفكر السوداني "محمد أبو القاسم حاج حمد" في الخرطوم إثر نوبة قلبية في 20 كانون الأول 2004. وقد عرف أبو القاسم بأفكار ومواقف مثيرة للجدل، وخصوصا في المجال السياسي (كان -مثلا- مستشارا لأسياس أفورقي رئيس إريتريا!). وبرغم كل ما قيل عنه فإنه يبقى مفكرا إسلاميّا، وهو يصرُّ بأن ((حاج حمد السياسي هو امتداد لحاج حمد الديني))، وأيّا ما كان فإن أطروحات "أبو القاسم" قدمت إسهاما مميزا في الفكر الإسلامي المعاصر والدراسات القرآنية على وجه الخصوص، في دراسته الفريدة ((العالمية الإسلامية الثانية: جدل الغيب والإنسان والطبيعة)). لقد كانت وفاته محزنة جدّا بالنسبة إليّ، ليس فقط لأنه من المفكرين الإسلاميين القلائل الذين يملكون رؤى جديدة؛ بل لأنه أيضا أرسل لي من "أبو ظبي" رسالة مُطوَّلة في 23 آذار 2004 يشرح فيها خلاصة أفكاره، ويبرر بها مواقفه السياسية، ويعلق أيضا على بعض آرائي دون أن يكون لي به أي اتصال أو معرفة شخصية سابقة به، عندما استفزه نقدي للعالمية الثانية في عدد من كتاباتي وأبحاثي المنشورة في موقعنا على الإنترنت (الملتقى الفكري للإبداع) وموقع (إسلام أون لاين.نت)، لكن الرسالة لم تصلني، فأرسل رسالة إلى الأستاذ محمد العاني في 14 تموز 2004 يقول له فيها إنه لم يتلقَّ جوابا مني حتى هذا التاريخ؛ ولأنني لا أعرف من هو ((الأستاذ العاني))، فإن الرسالة لم تصلني إلا قبل أسبوعين من تاريخ وفاته صدفة وعبر بعض الأصدقاء. وفور وصولها لي ذهبت إلى بيروت (وهناك كان مقر إقامته) واتصلت به، فأخبرني ذووه أنه في السودان، ولكنه لم يعد بعد من السودان. وهكذا أحزنني خبر وفاته مرتين، الأولى لأنه توفي، والثانية لأنني لم أجب على رسالته؛ ونظرا لأن الرسالة تشرح مواقفه وآراءه الأخيرة، خصوصا أنها جاءتني مع آخر مجموعة مما كتب من أبحاثه ومقالاته فإن جواب الرسالة يتضمن عرضا ونقدا لما كتب أبو القاسم مما يهم القراء معرفته في وفاته رحمه الله تعالى. ولد محمد أبو القاسم حاج حمد في الخرطوم عام 1941 لعائلة ميسورة تنتسب للطريقة الصوفية الختمية، وساهم في الثورة الإريترية ضد الاحتلال الإثيوبي، قيل إنه انتسب لحزب البعث العربي، وكانت له اتصالات مع البعث السوري بحكم كونه من العاملين بمكاتب الثوار الإريتريين في دمشق وبيروت، وكان منظّرا لمشروع سياسي أطلق عليه ((القرن الإفريقي الكبير))، وشارك في عدد من التظيمات والأحزاب السياسية السودانية، منها ((حزب الشعب))، الذي كان يلقب فيه ((الشيخ الأحمر)) بسبب ميوله الثورية اليسارية وتمسكه الإسلامي في وقت واحد. منهجية القرآن المعرفية أسس تنظيم ((حسم)) في إطار قانون ((التوالي)) الحزبي في نهاية التسعينيات، وكان مستشارا للخارجية في أبو ظبي، ومستشارا لعدد من كبار الأمراء السعوديين، ومستشارا للرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وبقي مدَّة مستشارا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن. أصدر أول كتاب له بعنوان ((الوجود القومي)) عام 1964 عالج فيه مشكلة تنازع القومية العربية والأفرقة في السودان، ثم عام 1970 أصدر دراسة صغيرة بعنوان ((الثورة والثورة المضادة في السودان))، وفي عام 1974 أصدر كتابه ((الأبعاد الكونية لمعركة إريتريا))، وهي في مجملها موضوعات سياسية، ثم أصدر دراسته المثيرة للجدل ((العالمية الإسلامية الثانية)) عام 1979، وظنَّ وقتها أنها بتأثير الثورة الإيرانية، غير أنه نفى ذلك مرارا، وحظيت أطروحاته في الكتاب باهتمام واسع لدى حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وجمعية الترقي الاجتماعي في الجزائر، وشباب الصحوة في اليمن، ثم لدى الباحثين في جامعة القاهرة والمعهد العالمي للفكر الإسلامي ثم الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وقد قدمت عنه فيها أطروحة جامعية بدرجة الماجستير، وفي تونس قدمت فيه أطروحة دكتوراة. ثم أصدر مطلع التسعينيات كتابا عن ((منهجية القرآن المعرفية)) ألف خصيصا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وطبع بطبعة محدودة التداول، وفي عام 1995 كتاب ((السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل))، وهو كتاب سياسي بالكامل، ثم كتاب ((السعودية))، ولعل آخر ما أصدر دراسة صغيرة عن دار القرآن الكريم في البحرين بعنوان: ((الإسلام ومنعطف التجديد)) عام 2003، وربما كان آخر ما كتب من الأبحاث بحث بعنوان: ((المداخل المنهجية والمعرفية للنص القرآني والتجديد: مع دراسة تطبيقية حول المرأة المسلمة ودونيات مفهوم الخلف الأسطوري الإسرائيلي، والعرف الاجتماعي العربي)) في 7 تموز/يوليو 2004، وأهمية ما كتبه فيه مفهومة من عنوانه.
  6. طارق الطيب: كاتب و فنان سودانى عالمى لا يعرفه السودانيين أتمنى دائماً أن يؤدي التغيير فعلاً إلى تغيير الكتابة هي وطن الكاتب في حال القهر حوار أحمد ضحية للمجلة السودانية المحور الأول : طارق الطيب الكاتب 1. كيف بدأت الكتابة (أو كيف بدأتك الكتابة) وكيف تعرفت عليك الحركة الأدبية (أو كيف تعرفت عليها) في مصر والعالم العربي وأوروبا؟ جميل أن تطرح جملة: (كيف بدأتك الكتابة) التي تبدو كأنها إصابة بدواعي حمّى أو وقوع في الحب. فقد بدأت محبتي للحرف العربي منذ الرابعة؛ منذ أن دخلت كتاب الشيخ علي بمسجد الزهراء بعين شمس في القاهرة في أوائل الستينات، تلتها محاولات التقليد الأولى في المدرسة الابتدائية. وحين اكتشفَتْ مُدرّسة العربي أن خطي جميل. بدأت تمرّنني على كتابة الخطوط المختلفة، بقصّ العناوين العريضة للصحف والمجلات في ذاك الوقت والتي كانت تُكتَب في هذا الجيل بخط اليد في حدّ علمي (أتحدث عن منتصف الستينات؛ فأنا من مواليد 1959) وأن ألصقها في كشكول خاص وأعيد تقليد المكتوب، ثم صرت أقرأ نشرة الأخبار الصباحية في طابور الصباح في مدرسة الإمام محمد عبده الابتدائية. كانت حصتي المفضلة هي حصة العربي؛ خاصة حصتيّ التعبير والقراءة لما اكتشف الدكتور عبد الغفار إبراهيم صالح أستاذ الشريعة والقانون (الذي عمل في السودان فترة طويلة في جامعة القاهرة فرع الخرطوم- أرجو أن أسرد المعلومة صحيحة فيما يتعلق بالجامعة) وكان جارنا يسكن في الدور الثاني من المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق- اكتشف محبتي للغة العربية، فصار يخصص لي وقتاً لتعليمي بعض أسرارها. ممنون له جداً على هذه العناية. ممنون أيضاً لوالدي الذي كان من عاشقاً للقراءة واكتظت مكتبته الصغيرة بكمّ كبير من الروايات (إلى جانب الكتب الدينية والحربية) لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين والعقاد وإحسان عبد القدوس وعبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي.. إلى آخر هذه القائمة الطويلة. قام والدي بتجليد هذه الكتب في مجموعات عَنوَن المجموعات بالنوع والرقم وطبع اسمه هو عليها كمالك للمجلد؛ فكنت في صغري أعتقد أن والدي هو مؤلف كل هذه الكتب. بدأتني الكتابة، يا صديق الدرب، بأعراض حمّى القراءة وارتفاع في درجة الاهتمام بالكتاب، مع أعراض جانبية بمحاولات التقليد المعتادة، خصوصاً الأعراض الشعرية . وبما أنني "طفل راديو" كما أذكر دائماً، أي نشأت على الاستماع للراديو، فلم يكن لدينا تلفزيون إلا في وقت متأخر ربما أواخر الستينات أو أوائل السبعينات، ربما جعل هذا الأمر ذاكرتي تحتشد بمئات الأصوات الهامة مع قدرة أوسع للخيال. وأعتقد أنني تعلمت الحكي بسبب امرأتين: جدتي لأمي ومدرّستي في المدرسة الابتدائية. كانت جدتي تطلب في غيابها أن نستمع نحن الأخوة والأخوات إلى الخماسية أو السباعية وهي مسلسل بالراديو، على أن نحكي لها الحلقة التي فاتتها. كان كل منا يحكي لها حكاية مختلفة تماماً وكل واحد يقاطع الآخر بأن المجرم مثلا ليس هو الزوج بل الأخ أو الأخت أو الجار أو أو.. كانت تضحك بعد الاستماع إلى هذه الجوقة المغردة بمسلسل واحد أصبح لها عدة مسلسلات مدرستي في المدرسة الابتدائية كان لديها طفل في الرابعة تقريباً. كان عنيداً مزعجاً شرساً لا يهدأ. تركته لي لإلهائه؛ بأن أسير معه في حوش المدرسة في وقت الفراغ لانشغالها بالتدريس. هذا إن كانت لديّ حصة زراعة مثلاً (التي كنا نجمع فيها أوراق الأشجار من الحوش ولم نتعلم يوماً الفرق بين الملوخية والبرسيم أو بين الوردة والبصلة) أو حصة غابت فيها مدرسة زميلة أو حصة الألعاب. كنت أسير مع هذا العنيد، فيبدأ في العصلجة والعفرتة ويتعبني كثيراً. يضرب شبابيك الفصول والأولاد والبنات بالزلط والطوب ويتشعبط على كل ما يراه. كان الوقت يمرّ عليّ ثقيلاً عسيراً وأنا لا أدري كيف أتخلص من هذه المهمة الشاقة التي وقعت على طفل صغير مثلي لجأت إلى حيلة ذات مرة وكانت ناجعة. بدأت أحكي له حكايات اخترعتها من الخيال، مثلاً عن أن هذه النخلة التي أمامه تسلقتها يوماً سحلية، فلما رأتها العنزة أرادت أن تتسلق بدورها النخلة وفعلت ذلك. لكنها لم تجرؤ على النزول، فطارت إليها الحمامة وقالت أنها ستعيرها جناحيها شرط أن تعطيها بعض شعرها لتصنع عشاً دافئاً لصغارها، وهكذا. مع الوقت بدأ الطفل يميل إليّ ويستسلم لسطوة الحكايات، وفور أن يراني، يخلع يده من يد أمه ويطلب إليّ أن أكمل حكاية اليوم الفائت. فكنت أخلط الحكاية فتصبح السحلية برصاً والعنزة خروفاً والحمامة يمامة. وهكذا تعلمت معه التحايل والتخايل في آن لإخراج حكايات مقنعة. * * * بدأت الكتابة الذاتية، حين وقعت في الحب للمرة الأولى، كالعادة باللجوء إلى كتابات شعرية. كتبت أول قصائدي فيمن أحببت. ولما كنت جاداً رزيناً- كأنّ الإحساس العاطفي والحب قلة أدب- أوهمتُ أصدقائي أن القصائد لصديق لي لا يرغب في أن يكشف عن نفسه واستأمنني في ألا أبلغ أحداً باسمه. استحسن أصدقائي هذه الكتابات لكني أخفيت صاحبها، الذي كان أنا، حتى اليوم. قبل أول سفر لي وأنا في الثانية والعشرين، أعدمت هذه الكتابات للأسف في ترعة قريبة من محل السكن في الفترة الجامعية كنت معجباً بالكتابات الفلسفية ومتابعاً لها خصوصاً لجانب كبير من كتابات زكي نجيب محمود، وبدأ اهتمامي بكتابة المقالة الأدبية موازياً لهذه القراءات وللقراءات الأدبية الغزيرة بالطبع. لم أفكر أبداً في نشر أيّ شيء من هذه الكتابات . * * * ثم جاء السفر إلى أوروبا؛ إلى فيينا تحديداً، التي عانيت في بداية وصولي إليها بصدمتين قويتين. لم تكن الصدمة الحضارية واحدة منهما، بل صدمة مناخية من هذا البرد القاسي وكمّ الثلوج التي لم أتخيل أن أراها يوماً بهذا الشكل إلا في الأفلام. أما الصدمة الثانية فكانت صدمة لغوية؛ إذ أصبح للساني العربي لا قيمة في بلد يرطن بالألمانية. لجأت لتخفيف غربتي ووحدتي بتدفئة حالي بالكتابة، باستعادة الخزين الذي تركته في تلك البلاد المشمسة البعيدة. كتبت وكتبت وكتبت، ولم أفكر في النشر إلا حينما قرأت إعلاناً- في مجلة لا أذكر اسمها الآن- عن طلب إرسال نصوص من الكتّاب المقيمين في أوروبا أو في المغترب أو من يشعر بأنه مغترباً أينما كان، من أجل نشرها في مجلة "الاغتراب الأدبي" التي كان يشرف عليها الشاعر والدكتور صلاح نيازي. أرسلت له ونشر لي الرجل واستحسن كتابتي وطلب المزيد. في الوقت نفسه نشرت لي الأهرام في القاهرة قصة قصيرة على إثرها تعرفت على ناشري وصديقي الحالي في مصر إلهامي لطفي بولس وعلى الصديق الشاعر عادل عزت. وتوالى النشر في القدس العربي والحياة والناقد والقاهرة والنهار والوحدة وشؤون أدبية وكلمات وفراديس (كما تلاحظ لم تنشر أيّ مجلة سودانية أي نص لي) وبعدها نشرت روايتي الأولى "مدن بلا نخيل" في كولونيا بألمانيا، ثم في طبعة ثانية في القاهرة وهذا العام ستصدر الطبعة الثالثة عن دار الحضارة مجدداً، ثم توالى النشر بعد ذلك في القاهرة. بهذا وصلت تقريباً من بُعد وعلى استحياء إلى بعض عواصم الوطن العربي . * * * في أوروبا أو في فيينا بالتحديد كنت قد بدأت الكتابة في عام 1988 تقريباً، ونشرت أول نص في يناير 90 في القاهرة وفي شهر مايو من نفس العام في "مجلة الاغتراب الأدبي" في لندن بدأت أقرأ في فيينا للجمهور من قصائدي ومن روايتي التي صدرت مع بعض الترجمات القليلة إلى الألمانية. وبعد فترة وجدت أن الجمهور النمساوي يريد أن يقتني هذه النصوص في كتاب، والكتاب غير موجود. في أحد الأيام قررت أن أرسل النصوص القليلة المترجمة للألمانية إلى بعض دور النشر. أرسلت إلى أربع منها، اثنتان في النمسا واثنتان في ألمانيا، وفي الوقت نفسه إلى مجلات أدبية متخصصة. جاءني رد إيجابي من دار نشر في النمسا وردّ آخر من ألمانيا، فضّلت الدار النمساوية "سيلينه" لأنها في فيينا وقريبة مني، وهذا ما كان. أراد الناشر أن ينشر لي أول كتاب في غضون عشرة أسابيع من ذاك التاريخ؛ أي في ربيع 1999، ذكرت له أن هذه النصوص القليلة التي بحوزته هي كل نصوصي المترجمة إلى الألمانية. لكن لدي الكثير بالعربية لدي ما يترجم لأكثر من كتاب. اتفقنا على أن يصير نشر أول كتاب في خريف 1999. صدر كتاب "حقيبة مملوءة بحمام وهديل" باللغتين الألمانية والعربية، ثم توالى النشر بالألمانية في الدار نفسها التي تولت نشر أعمالي منذ عام 1999 فنشرت لي ثلاثة كتب أدخلتني على العالم الألماني بشكل أوسع وكتابي الرابع في الطريق. في الفترة نفسها نشرت لي أهم المجلات النمساوية المتخصصة في الأدب: "مانوسكريبته"، أول نص طويل، فجاءتني إثر ذلك دعوة من أهم مؤسسة أدبية في النمسا، لعمل أول قراءة كبيرة بمقابل محترم وكانت هذه هي بداية القراءة والنشر في الألمانية. والحديث سيطول إن لم أتوقف هنا. 2. يلاحظ على شخوصك أنهم يحملون ملامح وقسمات الحياة السودانية والمصرية. حدثنا عن هذه الذاكرة المشتركة التي ينهض فيها وادي النيل على المستوى الإبداعي؟ أنها أثار النشأة والمكان: كما تعرف إنني من مواليد القاهرة لأب سوداني من كوستي، نزح للقاهرة لأنه أحب فتاة جميلة من أصول سودانية مصرية، فترك الجمل بما حمل في السودان، وقرر السفر إلى مصر للزواج. تزوج وأنجب ستة من البنين والبنات وعمل في مصر إلى أن توفي في العام 1994. كانت أم جدتي- وكنا نقول لها "نينه"- فاتحة اللون جداً أو بيضاء، حيث تنبع أصولها من مدينة دمياط في أقصى الشمال من مصر، فكنا نتعجّب من هذا اكتشاف هذا اللون في العائلة مع أنها أمنا الكبرى. تعودنا بعد ذلك على وصول أقاربنا من أقصى الشمال بلون ومن أقصى الجنوب بلون آخر، مع الوقت لم يعد هذا شيئاً عجيباً لنا. نشأت أيضاً في عين شمس في أوائل الستينات. كانت هذه المنطقة شبه منعزلة وبعيدة عن العمران الكثيف، قريبة من أول الدلتا ومتاخمة لأول الصحراء وتقع في ذيل المدينة الشمالي الشرقي. في هذه البقعة من مصر تجمّعت جالية سودانية كبيرة؛ فهم كالعادة في كل مكان يأنسون لبعضهم البعض ويجدون العزوة والارتياح في هذه القربى السكنية. لذا نشأت أنا في مكان طقوسه سودانية مصرية إسلامية وقبطية لوجود عدد كبير من الأقباط سكنوا في هذا المكان. ثم صار المكان فيما بعد أول من استقبل النازحين إلى القاهرة من فلسطين ثم النازحين أو المهجّرين بعد حرب 67 من السويس والإسماعيلية وبورسعيد نشأت بين هذا الخليط الكبير الذي تآلف وتناغم في المصير، رغم الاختلافات المظهرية والأصولية. خليط مركّب من دم يسري من الجنوب إلى الشمال على المستوى الذاتي وخليط آخر على مستوى المكان الثري بتنوع أهله، فضلاً عن ذلك عشت أصيافاً طويلة من إجازتي المدرسية في العريش بشمال سيناء محل عمل والدي، ثم لدى جدتي لأمي التي كانت تقطن في الجمالية المتاخمة للحسينية فعشت طقوس قلب القاهرة القديمة النابض الأصيل بكل سهولة. لذا كتبت وما زلت عن كل ما هو قريب لي وكل ما أعرفه عن القاهرة القديمة وعن أطرافها وعن خارجها الممتد شمالاً وعن جنوبها أيضاً. 3. الفكرة عند طارق الطيب تنطلق من موقع نقيضي لصراع الشمال– الجنوب الذي وسم كثير من كتابات المبدعين العالمثالثيين المهاجرين خاصة جيل المبدعين الذين عاصروا حركات التحرر في العالم الثالث "مصطفى سعيد في موسم الهجرة كنموذج للجنوبي ضد الشمالي"؟ أعتبر نفسي من الجيل النازح إلى أوروبا في أواسط الثمانينات، وهو كما تعرف جيل ورث هزائم متكررة وانتصارات مؤقتة، تبعها خلخلة اقتصادية اجتماعية عنيفة؛ مع تغبُّش الصورة تدريجياً بعد التخرّج الجامعي للدمعقولة بس في عالم البطالة الرحب؛ فأصبح الشاب جاهلاً بمستقبله المأمول. تبع ذلك انتهاء فترة الصلاحية على أرض الوطن، وبدأ زمن الهروب إلى مآل المال في دول النفط أو مآل الحظ والتجريب على أوروبا جيل مصطفي سعيد في "موسم الهجرة إلى الشمال" وجيل "عصفور من الشرق" و "قنديل أم هاشم" كان جيلا نِدّاً للغرب. خرج مستنداً على لغة أجنبية أو أكثر أو مدعوماً بيسر مالي ومؤهلاً بنديّة ثقافية. أما نحن اللاحقون فخرجنا بلا مال ولا لغة أما نديتنا الثقافية فلم يكن لها محل من الإعراب لصورتنا المهتزة ثقافياً وسياسياً في ذاك الزمن الكئيب. لذا حين وصلنا نزلنا إلى قاع المدينة أولاً. المرتاحون من أبناء جلدتنا في هذه البلاد أصابهم الانزعاج من هذه القافلة الآتية والمحملة بالفقر. لم تكن هناك جالية متنورة حداثية تستطيع أن تستوعب أو توفر عزاء أو سترة للقادمين بل بالعكس كانت الجالية طاردة لكل طارق طارئ وأكثر تهميشاً له اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً. حياتنا الأولى في قاع المدينة علمتنا أشياء لم نكن لننتبه إليها لو وصلنا في راحة كما وصل السابقون. كانت هناك أواصر مشتركة بين المطحونين في أوروبا في أسفل الدرك وبين الأغراب الواصلين من هذه الأمكنة البعيدة من أسيا وأفريقيا وشرق أوروبا. لذا بدأت مسيرتنا من القبو. صرنا نتعلم الحياة رويداً، تلك التي تلوكنا ببطء. تعلمنا اللغة على أرضها. درسنا فيها تخرجنا فيها. سكنا فيها وسكنتنا وتزوجنا منها وعشنا لم يعد للعربي القادم إلى أوروبا تلك الصورة الخارقة الفحولية المزيفة وهذه البطولات العنترية الكاذبة التي ما زال يتشدق بها البعض في المقاهي. ما زال الكثيرون ممّن لم يخبروا الغرب عن كثب يدلون بدلاء الوهم في الذكورية العرقية والشوفينية الوطنية والعقائدية بمنتهى السذاجة وكسل النفكير. كل يرد عليك في النهاية: " ولا يهمك، نحن أحسن ناس، والله!". الأرضية المشتركة التي أحاول المرور إليها أدبياً وثقافياً، رحبة ومفتوحة لكثير من التأمل وللحوار والاتفاق والاختلاف. المجال أكثر رحابة لو أردنا ألا نتقوقع داخل أصداف الاغتراب. الصورة القديمة لأبطال الروايات الأولى للرواد خلقت عقدة لنا وسبّبت أزمة تواصل ثم عدم فهم أو سوء فهم أو في أغلب الأحيان أحكام مسبقة. 4. ماذا عن التراث والحداثة في نسيج تجربتك الإبداعية؟ هذا السؤال يتكرر كثيراً حتى نكاد تدريجياً أن نضع حداً فاصلاً بين التراث والحداثة، وأنا لا أرى ذلك. التراث يحمل طيّه الكثير من الحداثة؛ الحداثة ينبغي ان تخرج من الفكرة أولاً، والتراث ما زال يحمل أفكاراً حداثية لم تكتشف بعد. كما أن هناك حداثة شكلية فقط، سطحية قشرية هشه ينجذب لها البعض كأنها صرعة تغيير. وأسميها "تحديثاً" لا حداثة. لأن الحداثة تجديد للقديم وتطوير للموجود واختراع غير الموجود، والتحديث هو مجرد نقل وتقليد ومحاكاة لأفكار وأعمال الآخرين. ما أكتبه- كما اعتقد- هو استمرار لما كتب السابقون، لكني معني بحياتي الحالية، أريد أن أصوّرها وأتصوّرها كما عشتها أريد أن استنتج الأسباب من التاريخ كما أريد أن أستنتج التاريخ من الظواهر. لا أفكر كثيراً في شأن التراث أو الحداثة حينما أكتب. وإلا صرت مثل شخص يفكر في شكل ونوع الكوب الذي سيشرب فيه دون أن يفكر ماذا سيشرب. 5. الحنين احد ابرز مفردات الرواية مدن بلا نخيل. الحنين إلى ماذا؟ وما الذي يثير الحنين عند طارق الطيب ؟ هل للأمر علاقة بالغربة. وماذا عن كون أن الكتابة هي وطن الكاتب؟ في رواية "مدن بلا نخيل" التي بطلها حمزة الشاب المسكين الذي لم يتلقَ قدراً كافياً من التعليم الذي يسرح في الدنيا دون أن يدري إلى أين المسير أو المصير. هذا القروي اليافع يعبر البحار ليذهب إلى أوروبا حتى أقصى الشمال، يخرج من قريته المتداعية مهمّشاً مرغماً ويعود إليها مهمشاً مسحوقاً ولا يجدها. الحنين عند حمزة هو حنين للزمن الجميل القديم الذي عاش منه طفولة مرت كالبرق. وطأة الحاضر تجعل المقارنة مع أي زمن فائت أفضل. في وضعه السيّئ هذا يرغب في العودة إلى بيت وأهل و"مكان" يتسامح معه؛ إلى مكان يحب هذا الحمزة وأمثاله. لكن الزمن يستعصي عليه وتصير مسألة البحث عن هذا الوضع البسيط المعتاد ضرباً من الوهم والخيال. * * * الطفولة تثير عندي حنيناً لا حدّ له وفترة الشباب أيضاً. المكان الذي اكتمل في الذاكرة واستوى ثم بقي بعيد المنال هو ما يثير لديّ الحنين. الحنين في الغالب يكون للبحث عن حالة رضا عن الحال وتسامح مع الذات والمكان. الغربة قد تثير لواعج الحنين أكثر بسبب القطع الزمني الحادث بالخروج. قد يختلف الحنين قليلاً بين المقيم والبعيد. لكن البعيد تكون حساباته بجانب العمق الزمني- والبيئة الجديدة غير المهضومة للكثيرين في أغلب الأحيان- حسابات أخري جغرافية تنتمي للمسافة؛ فالروح لا تغادر المكان بسهولة كالجسد. لكن من المفترض مع مرور وقت معين أن تخف حدة الغربة لدى الناس بتعلمهم لغة جديدة وثقافة جديدة، من المفترص أن يكون في هذا الانتقال إضافات وليس استبدالات كما يهيّأ للبعض أما كون الكتابة وطن الكاتب. فربما يكون هذا للبعض وارداً لكن ليس في حالتي. الكتابة يمكن أن تكون بيتاً أو عزلة أو حماية أو بالعكس قد تكون تشريداً وتعريضاً للخطر. الوطن في حالتي يختلف توصيفه؛ فكل مكان آنس إليه وأرتاح فيه هو وطن لي. وكل مكان أتسامح معه ويتسامح معي هو وطن لي. وطن هنا بمعنى الإحساس بالطمأنينة الحقة. ومحبة المكان بحق دون شوفينية وطنية مجوفة تخرّب في المكان أكثر مما تعمّر وتتخايل كبراً بالمولد المكاني الكتابة هي وطن الكاتب في حال القهر! الكاتب هو وطن الكتابة في حال الإبداع! 6. صلاح النوبي شخصية استيهامية تترسخ بكل حميميتها في الذاكرة والوجدان. بكل ما للنخيل من رمزية هيمنت على فضاء روايتك و نصوصك القصصية.. هل عبر صلاح النوبي عن رؤيا العالم كما تصورتها و هو يتخلق من تلافيف أفكارك؟ هذا السؤال على خلفية النخيل/ التاريخ/ رمسيس؟ صلاح الدين النوبي وهي قصة، لمن لم يقرأها، منشورة في مجلة "أمكنة" الفصلية في الإسكندرية وقد لاقت هذه القصة صدىً طيباً من القارئ، ولا أخفيك أنها مشروع رواية أعمل عليه أيضاً منذ سنوات. صلاح الدين النوبي هذا المنسي الجنوبي الذي من المفترض أن تكون حياته نموذجاً رائعا ومثالاً فذاً صلباً لا ينكسر؛ تستلب موهبته الفطرية في صوته الجميل المتميز بسبب لونه الأسود (وهنا تعبير مجازي مركّب ومقصود) ثم يزجّ به في حرب يكون هو وقودها (كأحد أبناء المساكين والمغضوب عليهم) وفي النهاية يلقى حتفه بعيداً عن ساحة الحرب في مستشفي حقير وفي صمت سخيف. يروح صلاح الدين النوبي كأنه لم يكن صلاح الدين النوبي هو تلك النخلة غير المرئية. النخلة التي يعبرها الجميع آلاف المرات. وحين تختفي لا ينشغل الناس في اختفاءها بل في تضارب الأحاديث حولها: هل كانت نخلة بالفعل، أم شجرة، أم لم تكن موجودة أصلا؟ صلاح الدين النوبي هو رمسيس الذي يُعامَل كحجر يفتتن به السائح بينما نحن نفتتن بالنظر لعيون السائح ومحاولة معرفة سبب الافتتان دون أن نكلف أنفسنا عناء النظر لرمسيس. أتمنى أن يلقي هذا العمل القارئ المنتظر لهذا النوع من تحريض الوعي وتمرين الذات على حكّ الصدأ عن التفكير وعن الحق. المحور الثاني. طارق الطيب الشاعر: 7. مجموعتك الشعرية "تخليصات حِسّ" أثارت ما أثارت من أسئلة حول السردي والشعرية والتشكيل.. كيف تجيب على هذه الأسئلة؟ هذه المجموعة الشعرية التي صدرت في كتاب واحد عن دار ميريت في القاهرة، هي في الحقيقة ثلاثة كتب في كتاب، وهي في عناوين ثلاثة تمثل مقاطع فاصلة ومستمرة في آن: حس إدراك-الخافت/ حس إرباك- الخاطف/ حس استدراك- الخافي الكتاب يمثل نصوصي التي كتبها خلال عشر سنوات من 1992 حتى 2001، الجزء الأول "الخافت" يمثل عالمي الجديد؛ عالم أوروبا والغرب (العالم الذي أعيش فيه الآن). الجزء الثالث "الخافي" يمثل عالمي القديم؛ عالم أفريقيا والشرق (العالم الذي أتيت منه) والجز الثاني "الخاطف" الذي بينهما يمثل ما بينهما، ما يشبه الفراغ الذي ليس بفراغ (العالم الذي أفكر فيه). لا أخطئك القول بأن النصوص تقع بين السردي والشعري، وهذا أمر لا غبار عليه وربما تشكيل النص أيضاً أو تلويحه (من لوحة) بجعله في شكل لوحة كتابية. لا أرى غضاضة في الأمر في أن يخترق النثر الشعر أو العكس، لكن ألا يكون الأمر تعسفاً وكيفما اتفق. قد يجد البعض صعوبة في تطويع قراءة النص لأن الذائقة السابقة تأسر. على القارئ أن يتعوّد على التخلّي عن هذا الحذر في مقاربة النصوص الشعرية؛ فبينما يستطيع أن يفعل هذا مع النص النثري الصرف في الرواية والقصة بقبوله ما سيأتي به الكتاب، فهو يتلعثم غالباً حين يقرأ كلمة شعر حديث أو شعر منثور أو نثر شعري أو ما شئت من المسميات. لذا سميت أيضاً كتابي بـ "حس" آملاً أن يقرأ القارئ النص متخلّصاً الجمود الذي يسبق القراءة؛ مع إنها حيلة مكشوفة. تعوّدت هنا في فيينا على قراءة واستماع أغرب النصوص وأدهشها ولصاحب النص أن يسمي نصه كما يشاء، وعليّ أنا كقارئ أن أجد مفاتيحي لقراءة النص ويجوز لي أيضاً أن أراه في النهاية قصة أو شعراً أو مشهداً مسرحياً على غير ما رأى كاتبه لكن هذا لن يفسد استمتاعي بالعمل ورأيي الثانوي. نحن في حالة حرجة من الحرب على مسميات النصوص: هل هي قصيدة؟ هل هي شعر منثور؟ وهل هي قصة؟ .. الخ. أراها كلها كتابات لنصوص تستسمح عين القارئ وأذنه، تقتحم وعيه ولا تستأذن بالعنوان. المحور الثالث : طارق الطيب الفنان متعدد المواهب 8. قمت بكتابة المسرحية والقصة القصيرة والرواية والشعر فضلا عن كونك تشكيلي. كيف تقيم تجربة طارق الطيب الفنان متعدد المواهب؟ أشكرك على كلمة "متعدد المواهب" التي أراها تمدحني حتى تجعلني هشا قابلا للكسر عند البعض. كل ما أكتبه لا أسعى عادة لإعطائه الاسم قبل الولادة. المسألة أنني أجد أن كل هذه الفنون الكتابية والبصرية والتشكيلية.. إلى أخره، مكملة لبعضها البعض. لا أستطيع وضع فواصل بينها كما يفعل البعض. وإن سمحت لي سوف أسمّي هذا "تنوّعاً" لأن في التنوّع تباين وثراء وفي التعدّد يكمن ربما التكرار. يمكننا أن نحول قصة إلى مسرحية أو إلى فيلم أو نعبّر عنها برقصة أو بلوحة أو منحوتة فنية دون أن نشعر أننا نغتال العمل الأدبي أو نجبره على ما لا "طاعة" له به. * * * لا أستطيع أن أقيّم تجربتي وأنا ما زلت أجرّب. لم أخرج بعد من دور الأديب المتبجّح بممارسة الرسم. سأقول لك أن المعارض الفنية والكونسرت الموسيقي والباليه والنحت والتصوير وغيره من الفنون تلهمني في الكتابة. المسرح قد يلهمني بقصة أو قصيدة أو رواية، والرواية قد تلهمني بالمزيد من التبحر في القراءة. الشعر قد يلهمني بمزيد من الوعي والتأني في الفهم والاستيعاب. كل هذا يصب في رأسي ليسير عبر يدي ليخرج العمل عفوياً كيفما يشاء؛ إن شاء قصة فلتكن أولتكن لوحة أو مقطعاً من رواية.. إلخ. لا إكراه في الأدب. المحور الرابع : طارق الطيب الفنان التشكيلي حدثنا عن تجربتك التشكيلية في السودان والعالم 9. مدرسة الخرطوم التشكيلية نعتبرها في السودان احد روافع حركة الثقافة السودانية، اهتمت هذه المدرسة باستلهام التنوع الثقافي والبيئي في السودان وعبرت عن ذلك جماليا بصورة عكست خصوصية وعالمية التجربة التشكيلية السودانية وأكثر النماذج إشعارا بذلك هي تجربة بروفيسور شبرين رائد هذه المدرسة.. من موقعك الثقافي دكتور طارق، الذي هو كما أتصور موقع تنهض فيه الذاكرة السودانية عبر التواتر (على المستوى الذهني) وجدل التلاحم بين التجربة المصرية (بحكم النشأة والميلاد والتجربة الأوروبية (بحكم الحياة في النمسا)؟ يؤسفني أن أبوح لك بتواضع معرفتي عن عمق الحركة التشكيلية السودانية التي أدرك كم هي عريضة ومهمة رغم أنها غير ظاهرة بالشكل الذي تستحقه. والعيب ليس كله منّي كما ستكتشف في ثنايا ردّي، فغياب النقد الفني الموازي للأعمال التشكيلية على وجه الخصوص يشكّل عقبة في تتبع ما يحدث على الساحة الفنية برمتها في السودان. هذا ينسحب على المجال الإبداعي ككل هذا العيب الكبير هو تقصير من قِبَل المؤسسة الرسمية التي لا تدعم هذا المجال الهامّ، لكننا لن نقف أيضاً هنا للبكاء على أطلال الفن؛ فالأمر يسحبنا بالضرورة إلى البيت السوداني. هل مثلاً تعتاد البيوت السودانية اقتناء اللوحات وتعليقها والاهتمام بها؟ هل هناك معارض ومتاحف لهذا الفن الثري في السودان؟ لا أدري ربما يوجد ذلك! فلا أريد أن أتجنّى. لكني خلال عمري الطويل في فيينا أكثر من عشرين عاماً. لم ألتقِ يوماً في أيّ من متاحف فيينا العملاقة أو النمسا وأوروبا طولاً وعرضاً بأحد من العرب. لا أحد يعير الفن همّاً أو اهتماماً. ثلاثة أشخاص فقط طلبوا مني زيارة متحف – في عمري الطويل لأكثر من عشرين عاما من وجودي في هذه المدينة. الشاعرة اللبنانية صباح الخراط زوين قبل سنوات والشاعر اللبناني عباس بيضون في العام الماضي وأخيرا إدوار الخراط، أثناء دعوته للمشاركة لمهرجان أدب مارس في فيينا. ورغم أنه كان متوعكاً قليلاً في تلك الفترة، إلا أنه أصرّ على زيارة المتحف وتفرّج بمتعة وانسجام شديدين. واستمتعت معهم؛ لأنني اكتشفت أنني في هذه المرات القليلة أتكلم داخل متحف في فيينا باللغة العربية * * * أعود للتساؤل: هل لدينا مراجع وكتب وكتالوجات تتحدث عن الفن التشكيلي السوداني؟ وهل نقدّر الفن فعلاً؟ أم نحاكي الغرب في أغلب الأحيان في سطحية غير منتجة. الشوارع هنا يا صديقي وحدها متاحف بحدائقها وزينتها ونظافتها. الملصقات الفنية تكتظ بها الشوارع، الدعوات التي تصلني في شهر واحد فقط لحضور مناسبات فنية وأدبية، لن أستطيع أن ألبيها خلال عام لو حضرت مناسبتين يومياً وهذا في فيينا وحدها. أنا أسكن في حي من أصغر أحياء فيينا، في هذا الحي يوجد حوالي سبعة متاحف وأربعة مسارح والعديد من دور السينما. لن أستمر في الكلام حتى لا أثير الأسى لمشاعري ولمشاعر القارئ لعل الانترنت يوفر لي الآن مجالاً خصباً لتتبع أعمال بعض الفنانين البارزين مثل إبراهيم الصلحي وعثمان وقيع الله وراشد دياب وغيرهم ممّن للأسف لا تحضرني أسماءهم الآن. هذه الأسماء بالتأكيد قطرة في نهر الإبداع السوداني الغائب والمغيّب. لأن هذا الهجين الأفريقي المعتمد على الخامات والألوان الأفريقية والضوء الإفريقي الخارج من نسيج الكاليغرافيا العربية الشديدة الثراء، الساحب من النسيج الأوروبي المتعدد المدارس والمذاهب والمبتكر دوماً، كل هذا الهجين يشكل دفقاً متميزاً ونبعاً طازجاً في الفن، ليتنا نقدره ونقدر أهله كما هم هنا يقدّرون * * * موقعي الثقافي والمكاني يحمل بالتأكيد ذاكرة إفريقية على المستوى الذهني. إفريقي أعني بها أيضاً إلى جانب السودان كل الشريط الشمالي المتوسطي؛ فالبعض ينسى أن الدول من مصر حتى المغرب هي دول أفريقية. البعض يلعب بخبث أحياناً لخلعها إلى نطاق أعلى هذه الذاكرة الأفريقية والنشأة المصرية تركزت في ذاكرتي واتخذت لها الأساس الأول لكنها سمحت أيضاً بمكان رحب لما تراكم في مخيلتي عبر عشرين عاماً في أوروبا على وجه الخصوص وخارجها أحياناً. الفنون لا جنسية لها بل هي عابرة للأمكنة والأزمنة مهما حاول المتطرفون المنغلقون أو أصحاب البهجة الاستعمارية. حين أحاول خلق لوحة تمر بذاكرتي عشرات الأمكنة في لحظة وتمر عبر يدي عشرات اللوحات وحين تسير الفرشاة أو القلم على اللوحة لا أجد معاناة في ذلك بل أشعر بطريقة طفولية بشيء من اللعب، لأنني أول من يبتهج أيضاً باللوحة بعد انتهاءها. ولا أعترف بكل من يدعى المعاناة في عمله الأدبي فالعازف الذي يعاني في عزفه لن يمتعنا بالتأكيد، والرسام الذي يعاني في تخطيطاته ورسمه لن يخرج لوحة عفوية ملفتة، كذا كل مبدع وعامل في حقله. المعاناة في الحياة واردة وبسببها يخرج الإبداع، لكن المعاناة في تنفيذ الفن في حد ذاته- في رأيي ضرب المازوخية أو الكذب وطلب العطف. 10. بعد هذه التجربة الثرة في مصر وأوروبا.. في مصاحبة الكتابة والكتاب والفنانين التشكيليين والتشكيل والشعر والشعراء. والتعرف الحميم على تجارب إبداعية مختلفة ومتنوعة. كيف ترى المشهد الثقافي في مصر والعالم العربي وأوروبا. وأين يقع المشهد الثقافي السوداني عند طارق الطيب من كل ذلك ؟ المشهد الثقافي في مصر من وجهة نظري فيه كثير من التفاؤل لكنه يعمل بطاقة أقل بكثير من قدراته ولهذا أسباب كثيرة، فالدعم الحكومي له في أغلبه شروط بعضها واضح وبعضها خفي. الكاتب أو الشاعر الحر يجازف من خلال اختياره لحريته، بإبعاده إلى خارج الجماعة المرضي عنها؛ هذا جيد لخلاصة فنه بالتأكيد، لكنه مؤلم لأوضاعه الملازمة لأن المعاناة ستكون مضاعفة. الأوضاع في الدول العربية الأخرى تتراوح إذا بين الغل الشديد والانفتاح المقيّد. هناك دول ما زالت لا تسمح مثلاً بصورة عادية لوجه كاتبة أو امرأة في مجلة (نحن في عام 2005 الآن لمن سيقرأ هذه المقالة بعد عقود قليلة). بينما تكتظ المجلة بوجوه الرجال في أشكال متعددة من بروفيل ومقطع أمامي ومقطع فوقي وهلم جرا. هناك دول- صدق أو لا تصدق- تطالب بحجب النساء عن استعمال الانترنت بوقاحة الحجة التي تقول بأن المرأة أكثر فساداً من الرجل. درجة متناهية من الخبل المركب. * * * المشهد الأوروبي قريب مني جداً وأتعامل معه يومياً على صعيد أكاديمي أو فني أدبي دون فواصل وقد استفدت كثيراً من هذا الرافد الأوروبي الذي أعيشه هنا وهذا الثراء المجاني المتاح لي بصرياً وسمعياً وذوقياً على كافة الأصعدة. أيضاً حرية أن تكون مواطن من أهل البلد تعنّف المخطئ بوضوح ولك نفس الحقوق والواجبات (هناك بعض الانحرافات بالطبع لكنها ليست القاعدة). يُسمَح لك في الدولة الأوروبية بحقوق المواطنة ويُسمَح لك بالسكن والعمل والزواج من بناتهم والحصول على جنسياتهم مع حقوق المساواة (أقول مع قليل من الانحرافات)، لكن أي دولة عربية هذه التي تسمح لك بالحصول على جنسيتها رغم الحياة الطويلة فيها والمولد ودحر العمر فيها؟ يتشدقون أمامك بالقول المجاني: نحن أخوة ولا فرق بين عربي وأعجمي. لكنك ترى بأم عينك وأبيها الفرق بين عربي وعربي! المشهد السوداني بعيد عني نسبياً أتابعه من بعيد بقدر ما يتاح لي من استماع أو قراءة أو مشاهدة. يمكنني الآن عبر القنوات الفضائية والانترنت أن أكون قريباً من المشهد الاجتماعي السياسي، لكن تختفي عني بالتأكيد حميمية المشاركة الحية والمتابعة عن كثب. 11. في حوارك المطول والمميز لمجلة سطور يونيو الماضي قلت في معرض حديثك عن الاهمال الثقافي السوداني من قبل المؤسسة الرسمية او الاعلامية السودانية سواء كانت داخل او خارج السودان قلت:" فأنا لا أنتظر من الهيئة السودانية الرسمية أن تقدم دعوة لي للذهاب إلى السودان. لم أطلب ولن أطلب ولا أنتظر ولا أتوقع".. لماذا هذه الحدة وانت العليم بأن السودان يمر بمرحلة انتقالية في السلوك والمجتمع والفكر والثقافة.. ولمراحل الانتقال وما يسبقها ويتلوها من تمزقات آثار كبيرة, ربما احد مظاهرها الطريقة التي تصرف بها سفيرنا في النمسا كما حكيت او ما تناقلته احدي الصحف عن جهل "(طالب سوداني يحصل على منحة الأدب في فيينا)".. أتصور ان كل ذلك لا يعبر عن جوهر السودان كشعب يحب ابناءه سواء نجحوا في مشاريعهم ام لم ينجحوا يظلون ابناءه وقدرهم من قدره.. سؤالي هو كيف شاركت كسوداني. بل لثلاث مرات في مهرجان مقدونيا العالمي للشعر في ستروجا كما قلت في الحوار الذي اشرنا اليه :" وتعجبت في زيارتي الأولى لها- مقدونيا - عام 2002 حين سألت الشاعر المقدوني بوجوميل المسؤول آنذاك عن المهرجان عن علم السودان الذي يرفرف في الأسفل عند ضقة النهر والذي رأيته من غرفتي بالفندق من الدور الخامس. سألته: "هل هناك مؤتمر ما هنا في الفندق؟". قال لي: "هذا العلم هو لك ويمثلك وقد تعبنا في الحصول عليه!" اقترب على الخمسين ولا يعرفني أحد في السودان أو ربما القليليون. ".. كيف تمت هذه المشاركة؟ كل ما أخشاه أن تحذف أو تحور الإجابة على هذا السؤال الهام. أراك الآن في النهاية تخلط بين رفضي لمن يرفضني ويحجبني ومحبتي لمن لا تصل إليه رسالتي دون ذنب جناه. وأنا لا أفضل أن ألعب في ملعب الجناة. بل في ملعب الضحايا، ولست ممن يهرولون خلف الوعود ويغيرون جلودهم أربع مرات في العام حسب كل فصل إغراء. كل شعوب الدنيا تحب أبناءها الذين يحبونها لكنها تكره طغاتها الذين ينفون خيراتها البشرية خلف الحدود كالنفايات. ربما بدا من ردي بهذه الحدة :[" أنني لا أنتظر من الهيئة السودانية الرسمية أن تقدم دعوة لي للذهاب إلى السودان. لم أطلب ولن أطلب ولا أنتظر ولا أتوقع"]؛ لأن الزميلة التي نشرت الخبر وكانت قد أجرت حواراً تليفونياً مطوّلاً معي في القاهرة بعد منتصف الليل بُعيد عودتي من قراءة الإسكندرية آنذاك- فبدا الخبر منقوصاً وفيه كثير من الأخطاء والأقوال التي لم ترد على لساني بهذا الشكل . كان نص كلامي كالتالي: [فقد قدمني الدكتور كورت شبارلنجر سفير النمسا للجمهور في القاهرة في مقدمة طويلة غير مكتوبة باعتباري كاتباً أفريقياً نمساوياً تقدّره النمسا وتعتزّ به وبكتاباته المنشورة بالألمانية، ولم تنتهز السفارة وجودي صدفة بالقاهرة لتقيم هذه القراءات في مصر: في جامعة عين شمس وفي مركز الصاوي وفي المدرسة الألمانية ثم في معهد جوته بالإسكندرية ثم في جامعة أسيوط، قسم اللغة العربية وقسم اللغة الألمانية- هكذا بالصدفة- كما ذكرت مقالتها هذا الخبر.] [لم يكن كما ذكرت المحاورة أن الحضور (هو عدد من السودانيين والأجانب) بل كان في معظمه جمع كبير من النقاد والأدباء المصريين ومن الصحفيين والصحفيات والجمهور المصري في الغالب؛ فكان من الحاضرين الأستاذ الدكتور محمود الربيعي أستاذ الأدب الحديث بالجامعة الأمريكية الذي قدم تعقيباً جميلاً والدكتور العالم أحمد مستجير والكاتب المسرحي الساخر عادل سالم والشاعر المصري المميز عبد المنعم رمضان الذي قدم بعض الأسئلة والكاتبة المعروفة سلوى بكر التي عقبت مرتين والروائي منتصر القفاش والمستشار الثقافي المصري السابق في فيينا الدكتور حلمي عمران والأخير هو الوحيد كل العرب الموجودين في فيينا الذي خصص لي يوماً في فيينا قبل عام ونصف ودعا جمهوراً كبيراً) وأقل من حضر حقا كان من السودانيين وللحق فقد حضر المستشار الثقافي السوداني بالقاهرة.] [البعض الآخر يلومني أنني لم أتوسل للسودان أو مصر من أجل تقديمي وتلميعي. بل لقد استأت بالفعل من المقالة المذكورة التي صدرت على لساني بكلام لم أتفوه به، فلم يرد على لساني هذه الجملة المحوّرة (ألا يفكر السودان في تقديم دعوة؟ لماذا!!!) التي صدرت في المقالة المنقوصة هكذا بثلاث أو أربع علامات تعجّب لإعلاء الصوت؛ فأنا لا أنتظر من الهيئة السودانية الرسمية أن تقدم دعوة لي للذهاب إلى السودان. لم أطلب ولن أطلب ولا أنتظر ولا أتوقع.] وجملة (لم أطلب) هي حقيقة (ولن أطلب) هي أيضاً حقيقة؛ فلم افعل هذا في حياتي حتى الآن. وجملة (لا أنتظر ولا أتوقع) ليس فيها حدة؛ بل هذا هو الواقع. منذ عام 1988 وأنا أنشر بالعربية ومنذ 1999 وأنا أنشر بالألمانية، انظر بنفسك الفارق في قراءة السيرة الذاتية. سأذكر لك واقعة هذا الأسبوع: حصلت هذا الأسبوع الذي أردّ فيه على أسئلة الحوار، على منحة أدبية سنوية جديدة لم أكن أتوقعها. شهرية لمدة عام كامل تبدأ من هذا الشهر من مؤسسة "ليترار ميكانا" وإليك الرسالة كما جاءتني بنصها بعد الترجمة: [مؤسسة ليترار ميكانا الأستاذ الدكتور طارق الطيب 30 يونيو 2005 الأستاذ المحترم دكتور طارق الطيب يسعدنا أن أن نزف إليكم خبراً؛ بأن المجلس الاستشاري للهيئة في جلسته رقم 252 يوم 29 يونيو 2005 قد قرر منحكم منحة أدبية من صندوق اليوبيل بقيمة قدرها كذا (لمدة أثني عشر شهراً بقيمة كذا شهرياً) وذلك تقديراً لإبداعكم الأدبي. هذه المنحة الأدبية نرجو أن تمكنكم في خلال فترة زمنية قادمة من خدمة مشروعاتكم الأدبية الكبيرة. وقد قرر المجلس الاستشاري هذا القرار بالإجماع بناء على اقتراح المجلس الاستشاري المستقل، وفي غضون الأيام القليلة القادمة سيصلكم مبلغ بقيمة (كذا) ثم بعد ذلك أيضاً لمدة أحد عشر شهرا بقيمة (كذا شهرياً) تُحوّل إليكم عند منتصف كل شهر. يسعدني أن أهنئكم شخصياً من القلب بالاعتراف بإبداعكم الذي قررته الهيئة. مع أطيب التحيات ليترار ميكانا أمضاء (......)] وسبب دهشتي أن قيمة هذه المنحة كبيرة, أنها سنوية أي تقدّم للأديب أثني عشرة مرة خلال عام كامل للتفرغ للكتابة، وتعادل قيمة جوائز الإبداع السنوية في النمسا، كما تعادل تقريباً قيمة جائزة الرواية العربية. وللعلم فـ "ليترار ميكانا"، هيئة مستقلة تتابع ما يُنشر أو يُذاع أو يُبثّ للأديب في النطاق الألماني وربما الأوروبي، وترسل للأديب حقوقه سنوياً عن أشياء أذيعت أو نُشرت له أو بُثّت تلفزيونياً أو في أي وسيط فني أو أدبي أو غير ذلك، قد يكون صاحب العمل عالماً بشأنها أو لا، وقد حدث خلال السنوات الماضية أن وصلتني بعض القيم المالية على حسابي بالبنك، تراوحت في قيمها، لأشياء نشرت لي هنا وهناك دون علمي، مرسلة بالتاريخ واسم الوسيط الذي نشر ومستحقاتي المالية عن هذا النشر. الأديب أو الفنان لا يحتاج إلى عضوية، فقط ملأ استمارة المؤسسة باسمه وعنوانه ورقم حسابه في البنك. لم أكن أدري أن هذه الهيئة تقدم أيضا منحاً بهذا الشكل وهذه القيمة ولهذه الفترة الزمنية الطويلة ودون شروط لاحقة. فقط بحسن المتابعة منهم والتقدير. *** لم أكن يوماً من المتشائمين. لكني تعوّدت أن أكون حذرا في تفاؤلي فأنت ترى [أن السودان يمر بمرحلة انتقالية في السلوك والمجتمع والفكر والثقافة.. ولمراحل الانتقال وما يسبقها ويتلوها من تمزقات آثار كبيرة]. لست ضد هذا ولا أتمنى أن يحدث العكس. لكني فقط أتمنى دائماً أن يؤدي التغيير فعلاً إلى تغيير. * * * أما عن المشاركة في مهرجان ستروجا العالمي للشعر (بدأ عام 1962) فقد وصلتني دعوة من الشاعر المقدوني المعروف بوجوميل مباشرة وهو المسئول أيضاً عن المهرجان، بناء على نصيحة الصديق الشاعر النمساوي برنهارد فيدر. جاءتني الدعوة قبلها بخمسة شهور. وهم لا يستطيعون دفع تكلفة الطيران لدول أوروبا الغربية لكنهم يتحملون كافة التكاليف خلال فترة المهرجان من لإقامة وطعام وسفر داخلي .. إلخ. ومع ذلك فقد دفعت لي وزارة الثقافة في النمسا قيمة التذكرة كاملة رغم أنني مثلت السودان هناك. جاءتني الدعوة في العام التالي وذهبت، ثم تكررت في العام الثالث مع طلب توصية بأسماء بعض الشعراء لدعوتهم للحضور وقد فعلت. وفي هذا العام 2005 جاءتني الدعوة مجدداً، وهي هذه المرة دعوة خاصة لأنم ترجموا كتاباً لي إلى المقدونية ضمن أربعة شعراء من العالم وسيتم تقديمهم بشكل مميز في هذه الدورة رقم 44. هذا المهرجان العالمي أستطاع خلال دوراته الثلاث والأربعين استضافة أربعة آلاف شاعر ومترجم وكاتب أدبي وناقد من خمس وتسعين دولة من كل أنحاء العالم. 12. طارق الطيب الفعاليات الأدبية والتشكيلية الدولية التي شاركت فيها حتى الآن؟ وما هي اللغات التي ترجمت إليها أعمالك؟ شاركت في العديد من الفعاليات والمهرجانات والأنشطة الثقافية في داخل النمسا وخارجها. المشاركة الأولى كانت في فرانكفورت عام 1995 وكانت النمسا هي ضيف الشرف وهو العام الذي حصلت (أنا) فيه على الجنسية النمساوية، فذهبت إلى هناك ممثلاً عن النمساويين من أصل غير أوروبي. ثم شاركت في دورة "أوفيس دو ليفر" في خريف عام 1999 بجامعة بواتيه إثر ترجمة "مدن بلا نخيل" إلى الفرنسية. كنت مدعواً مع الصديق الحميم إبراهيم الكوني من العرب وأقمت على هامشها ست قراءات أخرى في المدارس الثانوية بمدينة لاروشيل بعد أن قرروا روايتي في هذا العام على المدارس الثانوية هناك. ثم بعدها شاركت في مهرجان ستروجا العالمي في مقدونيا أعوام 2002، 2003، 2004، وسأشارك في هذا العام 2005 كما ذكرت، كانت لي أيضاً قراءات متعددة في مدن ألمانية مثل آخن وكريفيلد ونويس وشوبف-فيلد وقراءة في هولندا في العام الماضي. في النمسا أيضاً العديد من القراءات في جراتس وسالزبورج وفي المهرجان العالمي في مدينة "دورن-برن" بالنمسا أيضاً في العام نفسه. ثم فرانكفورت عام 2004. وفي هذا العام 2005 بدأ بمهرجان "أدب مارس في فيينا" في شهر مارس بالمشاركة العربية مع إدوار الخراط وابراهيم الكوني وزكريا تامر وميرال الطحاوي ونجم والي وإيمان حميدان يونس وأتيل عدنان وأمل الجبوري إلى جانب كتاب وشعراء آخرين من آسيا وأوروبا. وفي أبريل من العام نفسه جاءت مشاركتي ممثلاً للنمسا في "مهرجان الفرانكو أيرلندي الأدبي السادس" في دبلن بأيرلندا، وهو تمثيل للنمسا للمرة الأولى. جاءت بعدها الرحلة الأدبية الكبيرة لمصر في مايو من هذا العام في القاهرة بساقية الصاوي وجامعة عين شمس والمدرسة الألمانية ومعهد جوته بالإسكندرية ثم جامعة أسيوط. يتبقى من هذا العام دعوة مهرجان ستروجا العالمي للشعر في مقدونيا في أغسطس القادم، ثم في سبتمبر في مهرجان أوكرانيا الأدبي وهو مهرجان صغير نسبيا وسأشارك فيه بعد أن ترجموا لي عددا من النصوص في انطولوجيا عن الأدب النمساوي الحديث. * * * أما اللغات التي ترجت إليها فهي اللغة الألمانية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية والمقدونية والأوكرانية. * * * [ فيينـا في، 7-7- 2005] نقلا عن : ***.swebdhhh/
  7. الأدب الشعبى هو الأدب الذى يصدره الشعب، فيعبر عن وجدانه ويعكس اتجاهاته ومستوياته الحضارية. وقد اقر مجمع اللغة بالقاهرة " المأثورات الشعبية لكلمة فولكلور" وأول من استعمل كلمة فولكلور للدلالة على الآثار الشعبية القديمة هو العالم الانجليزى تومذ، وقد صاغ تومذ كلمة فولكلور من كلمتين هما فولك بمعنى الشعب أو الصف من الناس ، ولور بمعنى الحكمة. إلا أن اللغات العالمية بوجه عام تعبر عنها بالفنون الشعبية. خصائص الفنون الشعبية: هذه المأثورات يجب أن تتصف بالمراقة حتى تكشف لنا عن حياة الأجداد سواء كانت هذه الأصالة تتصل بالموسيقى، أو بأعمال الفخار، أو بأغانى المناسبات، أو نحوها من الفنون الشعبية الأصلية. ثانيا أن تتصف بصفة الحيوية بأن تكون جارية فى الا ستعمال اليومى، فالمأثورات الشعبية الجامدة لا تعد من التراث الشعبى، ثالثا يجب أن تؤخذ الأقوال من افواه قائليها، فينبغى إذن على الذى يريد أن يجمع هذه المأثورات أن يذهب إليهم فى القرى وفى الصحارى والوديان، ويسجل منهم ما يريده، وعندنا فى السودان مجال واسع للباحث فى هذا اللون الشعبى، إذن فالنتجه إلى الحقول لندون أغانى الفلاحين والرعاه، ولنصغى إلى أغانى الآبار وحكاوى السمار فى الليالى المقمرة، والخاصية الرابعة أن تكون دراجة الأسلوب، فالشعر الفصيح لا يعد أدبا اللهم إلا إذا انطبقت عليه خصائص الأدب الشعبى كالتحريف والرواية الشفوية والعراقة " كحكاية ألف ليلة وليلة" مثلا وهنالك من يذهب إلى أن ليست الدراجة أو الفصحى هى المعول عليها فى الأدب الشعبى إنما المعول عليه هو بيان روح الشعب وترجمة حياته، ذكر الدكتور عبد الحميد يونس فى صدر كتابه عن "الظاهر بيبرس فى القصص الشعبى" ليس بالضرورة أدب لهجات دراجة فان فى الآثار الفصيحة ما يمكن أن يكون شعبيا كما أن فى الآثار المكتوبة باللهجات الدراجة ما لا يستطيع باحث أن يضمه إلى نطاق الأدب الشعبى، وإنما المعول عليه بيان روح الشعب والترجمة عن حياته وأفكاره وآماله وأحلامه بالاسلوب الذى يعطى لكل هذه الأشياء حقها من التعبير". إذن أن دراسة اللهجات الدارجة ليست تعنى التقليد والاتجاه نحو العامية، إنما المقصود من دراستنا لأدب العامة هو استنباط قيم وقوانين تساعدنا على إدراك سيكلوجية المجتمع، ومدى ما يتمتع به من مميزات. أقوال مما لا شك فيه أن التراث الشعبى من فنون وآداب شعبية يعبر عن الحياة بما فيها من أفراح وأحزان دون كذب أو رياء، فهو تراث فكرى لحياة الشعوب لما يتضمنه من قيم روحية، وفنون أدبية شعبية، وموسيقى ورقص، ومما يجدر ذكره أن التراث الشعبى فى الاصطلاح العلمى الحديث يشمل القصص الشعبية التى تنتقل من جيل إلى جيل، وهو تارة على هيئة أغاريد أو قصص موسيقية راقصة، هذا الانتاج الفنى الشعبى نسمعه فى الأغانى الشعبية، والأغانى الدينية، وقصص شعراء الربابة، والمداحين نسمعه فى أدب المناحة، وأدب الآبار، والمثل السائر. و الاحاجى وحكاوى الأطفال. فالادب الشعبى إذن يؤدى إلى وظائف اجتماعية أهمها تكوين وخلق قوالب انفعالية وسلوكية تعين المجتمع على الاحتفاظ بتماسكه، ويقوم بوظيفة التربية، كما أنه يساعد على حل كثير من مشاكلنا الأدبية والفنية. ونحن لا يمكن أن ننهض بآدابنا ما لم ننقب عن تراثنا الشعبى ، وننتفع بتاريخ الأجداد، أن تراثنا الشعبى جواهر ثمينة تغطيها الرماد فهو فى حاجة ماسة إلى الجمع والتبويب، وأنه بلا شك ثروة مليئة بامكانيات التطور. إن التاريخ الحقيقى للسودان يكمن فى تراثنا الشعبى، وأن دراسة الشعب أصبحت مادة هامة للكشف عن نفسيته والتوصل إلى معرفة عقليته حتى ندرك المعانى والأهداف والأمانى والآمال التى يتوق إليها الشعب من أجل ذلك أصبحت دراسة الفولكلور مادة هامة تدرس فى الجامعات بل وجدنا من نال درجة الدكتوراه فى هذا اللون الشعبى فى العالم العربى ففى سنة 1957م صدر فى الخرطوم كتاب "الحاردلو شاعر البطانة" للدكتور عبد المجيد عابدين والأستاذ مبارك إبراهيم تناولا فيه حياة الشاعر وأعطيا فكرة ضافية عن الحياة فى البطانة حيث نشأ الشاعر، وقاما أيضا بشرح النماذج الشعرية، والكلمات الأقليمية العويصة. وأصدرت الندوة الأدبية بأم درمان الجزء الأول " من روائع الشعر الشعبى" تضمن دراستين للدكتور عبد المجيد عابدين، والأستاذ محمد نور سيد أحمد. كما قام مؤلف هذا الكتاب بوضع الجزء الأول من روائع أدبنا الشعبى فى سنة 1958م وقد تضمن الكتاب نماذج شعرية شعبية. وفى سنة 1958م صدر كتاب " الأدب الشعبى فى جزيرة العرب" للاستاذ عبد الله أمين خميس تحدث فيه الكاتب عن الفنون الدارجة فى شبه الجزيرة. وفى نجد صدر كتاب " الأمثال العامية فى نجد" وقد ضم ألف مثل فى شبه الجزيرة. وفى مصر كتبت الدكتورة سهير القلماوى رسالة ضافية عن " ألف ليلة وليلة" وقدم الدكتور عبد الحميد يونس رسالته عن " الهلالية فى التاريخ والأدب الشعبى" كما أن الأستاذ رشدى صالح قام بتأليف كتاب " الأدب الشعبى" "وفنون الأدب الشعبى والشعر" "وفنون الأدب الشعبى والنثر". ما يشترط فى الأدب الشعبى: أولا أن تكون الأصل فيه الراوية الشفوية فالاداب التى دونت ونسبت إلى قائل معين بحيث لا تختلف فيها الأفكار لا تعد أدبا شعبيا، ثانيا أن يعبر عن شخصية الجماعة لا الفرد فالتعبير النابع من فرد معين إنما هو تعبير ذاتى، وعلى هذا الاساس نستطيع أن نطلق على الشعراء الشعبيين الذين تناقلت الأجيال نتاجهم، وأضافت إليه شيئا من أفكارها على مدى الزمن نستطيع أن نطلق عليه أدبا شعبيا كملحمة هو ميروس، وحكايات ألف ليلة وليلة، وكأشعار الحاردلو عندنا فى السودان. وستناول فى هذه الدراسة الفنون القولية لأن الفنون الشعبية تشمل فنونا عديدة كالأغانى الراقصة والاساطير ، والرسومات القديمة والنقش وما إلى ذلك. والفنون الشعبية كما حددها خبراء اليونسكو أربعة (1) النحت والتصوير (2) الفنون التطبيقية الشعبية (3) الموسيقى والرقص والتمثيل (4) الأدب والفنون اللفظية الشعبية. الأدب الشعبى أداة تثقيفية وصور جمالية فوائده: وتشمل الفنون القولية: فنون الشعر الشعبى، المواليا، الزجل، التواشيح، الدوبيت، الأغنية الشعبية، الأهازيج، أغانى الآبار، أغانى ترقيص الصبية، أغانى الفلاحين. فنون النثر الشعبية، الملحمة ، السيرة الشعبية، أدب النواح، أدب المدائح، الأسطورة الأمثال والحكم، الاحاجى والقصص الخرافية، الألغاز والنوادر. أن المجتمع السودانى عاش فترة من فترات حياته لا يملك زمام نفسه نتيجة للضغط الاستعمارى، فكانت له أمانى وآمال يتوق إلى تحقيقها نحسها فى أغانى الطفولة، والأهازيج، والزجل، واغانى الفلاحين والرعاه. والآن تقلد الشعب السودانى زمام نفسه، فقد حان الوقت الذى يحقق فيه آماله وامانيه حتى يساهم بتراثه فى الحضارة الانسانية. فالأدب الشعبى هو التاريخ للحياة المجتمعية أى التصوير الوجدانى لحياة الشعوب كما فى السيرة الشعبية ودراستنا للاساطير تمكننا من معرفة تطوير التفكير الانسانى، وإن العقلية السودانية وصلت إلى مستوى فكرى معين. كما أن دراسة القصص الخرافية كالاحاجى مثلا تعتبر أداة تثقيفية هامة إذا أغضينا النظر عن النواحى التاريخية، فما لا شك فيه أن القصص الخرافية تتضمن معانى خلقية، ومثل وقيم اجتماعية بالاضافة إلى المعلومات الجغرافية كاسماء البلدان والنباتات والبحار والحيوانات والجبال والصحارى زيادة على ذلك أنها تزود الاجيال بمعرفة اصولها وقبائلهم التى انحدروا منها ودراسة الملاحم تبث الحماس وتذكى النفوس بالشعور القومى، فهى ربط الماضى بالحاضر كما أن أدب المدائح يكشف لنا عما يعتمل فى نفوس الشعب من أوهام ومخاوف حيث تتجسد تلك المخاوف فى الأمراض النفسية والجسمية والأزمات التى يتصدى لمجابهتها الدراويش والأولياء، فهم أبطال يدافعون الشرور فى نظر العامة. ودراسة الأمثال والحكم تفيدنا فى اكتساب تجارب الأجداد وخبراتهم. فهى بمثابة الشعارات التى توجه سلوك الأفراد، كما أن دراسة النوادر والألغاز تقوم بدور الترفيه عن النفس والتسلية. وإذا تركنا النواحى الموضوعية فدراسة الأدب الشعبى أيضا تفيدنا فى النواحى الجمالية كالصور الحية التى نلمسها فى الدوبيت والأزجال والتواشيح، والاهازيج ، وأغانى الفلاحين و الرعاه. العادات والتقاليد الشعبية إن دراسة عادات الشعب وتقاليده تكشف لنا النقاب عن سيكلوجية الأفراد، وتعين الباحث التاريخى على التغلغل فى حياة الشعب حتى تكون افتراضاته مطابقة للواقع. فالوقائع التاريخية ليست غاية الباحث إنما هى بداية، فان أى مجموعة من الوقائع لا يمكن أن تكون وحدها علما لأن القاعدة التى اتفق عليها جهابذة علم الاجتماع "بعد جمع الوقائع ابحث بعد ذلك عن العلة" والبحث عن العلة بالطبع يقتضى الاحاطة بعادات وتقاليد الشعب الذى هو موضوع الدراسة، ولقد شبه المؤرخ الكبير نيبور الشخص الذى يتصدى إلى كتابة التاريخ، شبهه بالرجل الذى يقبع فى حجرة مظلمة، اعتادت عيناه تدريجيا على الظلام، فهو بالطبع يرى ما بداخل الحجرة لأنه تكيف بالجو العام فى الحجرة، ولكن الشخص الذى دخل فجاة فانه لا يستطيع أن يدرك ما بداخل الحجرة. ارجع فاقول إذا كان عالم الاجتماع ينظر إلى العادات والتقاليد الشعبية على أنها ظواهر برزت نتيجة لظروف اجتماعية، فان عالم الفولكلور ينظر إليها من زاوية أخرى، وهى أن دراسة العادات والتقاليد الشعبية تحفزنا إلى التكهن بما يعتمل فى نفوس الشعب من آمال وآلام وأوهام. ربما تعجب ايها القارئ إذا علمت أن بعض العادات التى نتمسك بها إلى يومنا هذا تحمل فى ثناياها أوهاما وأساطير وعقائد وثنية توارثناها من قديم الزمان، ولكن سلطان العادة جعلنا نختلق لها مبررات حتى تلائم معتقداتنا الحالية، فمعظم العادات السودانية يرجع تاريخها إلى العهد الفرعونى حيث كان الفراعنة يقدسون النيل، ويعبدون الشمس، ويعتقدون فى طقوس ومعتقدات تلائم العصر الذى كانوا يعيشون فيه. فعادة الختان الفرعونية خير برهان نستشف منه خضوعنا لسلطان العادة، فتمعن فى هذه العادة التى مازالت موضع الاعتبار فى بيئتنا السودانية التى تقول أن مة اجتاز البحر- ويقصدون به نهر النيل- يجب أن لا يدخل على المرأة النفساء حتى لا يجلب لها الشر، فتخرج هى أولا من الحجرة لتفسح لها المجال ليدخل هو، تسمى هذه العادة "بالكبسة" ولا يزال يوجد فى مجتمعنا السودانى من يعتقد فى شفاء ماء البحر ، نرى النسوة يذهبن فى أوقات الافراح والختان والنفاس وفى المرض إلى النيل، قارن بين هذه العادة وبين الطقوس الفرعونية القديمة حيث أنهم يعبدون النيل قارن بين هذه العادة وبين الطقوس الفرعونية القديمة حيث أنهم يعبدون النيل لأنه جالب الخير، بل انظر الى ذلك الطفل الذى يقذف باسنانه التالفة الى الشمس فيقول عند قذفها "هاك سن الحمار وادينى سن الغزال" ويشفع السن بقليل من حب العيش والفحم، أنه يعتقد فى رحمة الشمس حيث أنها تهب الخير. وحبوب العيش والفحم رمز الى الخير وهذا اعتقاد وثنى لا محالة، كثيرا ما نشاهد بعض زوار المقابر وخاصة مقابر الأولياء عندنا فى السودان يدفنون النقود داخل قبر الميت، وقد يضعون بعض الخبز فوق القبر، قارن بينها وبين عادات الفراعنة حيث انهم كانوا يضعون الأكل والشرب والذهب داخل قبر الميت اعتقادا منهم بأن الميت سيبعث في قبره، وينتفع بهذه الأشياء، ونجد أيضا النسوة يشاهدون القمر في أول كل شهر عربي ويتفاء ابن برؤيته خيرا، قارن بين هذا الاعتقاد وبين اعتقاد القدماء في عبادة الكواكب. ونسبة لآن مجال هذا الكتاب الفنون القولية فانني سأقتصر علي سرد بعض عاداتنا السودانية ممهدا للدارسين فيما بعد لعلهم يهتمون بهذا اللون . الشعبي الهام بعض عاداتنا السوادنية:- تضع المرأة السودانية فتلة خيط حمراء بين ضفائر شعرها حتي تكف العين . هنا لك اعتقادا شائع " أن من ارتدي معطفا أحمر سيشفي من الأمراض . إذا رفت عيني أحد فانه لا محالة سيرى شخصا غريبا. من يستحم في وقت الغروب فانه معرض للأمراض. من ينام في مدخل المنزل أو علي الكراب- مؤخرة السرير – معرض للشر. ان مات سالت القهوة فجأة علي ملابسه فانه سيصيب مالا. ان من استقرت في ملابسه حشرة تشبه الذبابة في شكلها فإنه سيرتدى ملابس جديدة . من شعر بتنميل في سيصيب مالا . من ارتدى معطفا أحمر فانه سيشفي من الأمراض. نجد المرأة السودانية كثيرة التشبث بالأولياء والدراويش تنقرب اليهم بالذبائح وتخيط لهم الرايات البيض . شرب اللبن في الظلام يجلب الشر . الدوبيت السودانى الشعر الشعبي نوعان الدوبيت الفارسي المعرب وهو فن حضرى نقله العرب المشارقة في العصر العباس من الفارسية إلي العربية ، وقالوا أن دوبيت كلمة فارسية معناها البيتان. الدوبيت الرجزى وهو قد نشأ في البادية ولا يزال أشهر أنواع الدوبيت بين السودانيين، وقد علل المؤرخون أن الرجز نشأ مقترنا بنغمات سير الجمل إذ يخفف عن الجمل وراكبه مشقة السير الطويل ، ذكر الأستاذ محمد نور سيد أحمد من القاب الشعراء الشعبيين، والراوي هو الذي يقول الشعر من وجدانه ومن يحفظ شعر غيره أيضا يطلقون عليه " راوي" اللبيب هو الذي يقول الشعر ويغيبه بنفسه ويرويه غيره. المادح هو الذي يقول المديح أو يرويه عن غيره في الشئون الدينية، كمدح النبي والأولياء ومشايخ الطرق في أذكارهم . النميم هو الذي يترنم بالدوبيت. وعلل المؤرخون منهم الدكتور عبد المجيد عابدين في كتابه " تاريخ الثقافة العربية في السودان" عللوا أن دمعقولة بس الدوبيت في السودان تم بواسطة رجال القوافل بين مصر والسودان عن طريق د نقلا غربا وأخري عن طريق اسيوط الفاشر " درب الأربعين " . الحاردلـــو حينما تتحدث عن الشعر الشعبى في السودان أول شعار يتراءى لنا الشاعر السوداني الشعبي محمد أحمد ابوسن الملقب بالحاردلو ولقب محمد أحمد ابوسن بالحاردلو في سن الأربعين نسبة لانه كان حاد المزاج يثور لانفه الامور فاشتهر بين قومه بالحار ولما تولي منصبا اداريا فقد ثار عليه الأهالي وطالبوا بانزاله من هذا المنصب الحار دلو أي الحار طباعه أنزلوه، ولد الحار دلو سنة 1820 م وتوفي في سنة 1917 وقد كان والده أول مدير لمديرية الخرطوم. والحاردلو من قبيلة الشكريه، وهي قبيلة عربية عريقة ، قدم الشكريه إلي السودان في أوائل القرن الخامس عشر وسكنوا حول جبل قيلي . وقد عاصر الحاردلو الخليفة عبد الله التعايش وقضي فترة من حياته في ام درمان وشاعرنا الحاردلو وصف في شعره جمال البادية، وتغني بالشجاعة والكرم، أما في الكرم فإنه مثله الأعلى ينصب في هذا الشخص الذى يقول فيه . ما أكل حلو بيتو والمعاه جيعان وما لبس الرفيع والمعاه عريان مامون السجايا اليستودع النسوان ضباح الخلايا عشا الضيفان وأما في الشجاعة فقصيدته الشبل المستضعف خير نموذج لقوة الوصف، يعلل الاستاذ حسن عباس صبحي أن الشبل المستضعف هو رمز إلي الشعب السوداني في تلك الفترة العصبية التي عاشها تحت ذل الاستبعاد، وهو بلا شك تعليل مقبول، فالحاردلو شاعر سوادني عريق، انفعل بالحوادث التي المت بقومه، فكان شعره مرآة تعكس البيئة السودانية. يقول الحاردلو واصفا الشبل المستضعف. جابوك للسوق ساكت درادر ضيعه وامك في الحريم ماها المره السميعة نثرة ناس أبوك اللي رجال لويعة وإت كان كبر جنبا تقلب البيعة *** جابوك في السوق ساكت وللفراجة وأمك في الحريم مرة بتقضي الحاجة كفتت ناس بوك للعافية ما بتتعاجة وإت كان كبر ما بتنجلب لخواجة . أما في الوجدانيات فشاعرنا الحاردلو له جولات وصولات في التغزل في الحسان، وشعره يعتبر تخليدا للمقاييس السودانية في النواحي الجمالية للمرأة السودانية، ولكي لا نطيل علي القارئ الكريم نكتفي بهذه اللوحة الفنية التي يصور لنا فيها الشاعر جفلة معيز البطانة في وقت الأصيل، يصور لنا الشاعر احاسيسه ومشاعره والحسرة تملأ نفسه، والحرقة تلهب عواطفه المشبوبه عن مدى تشوقه إلي منظر المعيز، تلك الظباء التي تعود الشاعر أن يلتقي بها في وقت الأصيل يستأنس بجمالها الخلاب. الليلة المعيز ماظنى أنا ملاقيهن ناطحات البطين أدن قليلة قفيهن سمعن طنت الشادى وكتر صنفيهن وعند اللاصفرار جلفن بشوف لصفيهن. الأغنية الشعبية لقد جبل الانسان منذ بداية الخليقة علي التعبير والوصف ، فأخذ يعبر عن أحاسيسه ومشاعره تجاه الحياة بوسائل من النغم و الايقاع . والأغاني الشعبية تمتد الي فجر الحضارات القديمة لدى الاغريق والمصريين والرومان، ويرى الباحثون في هذا الفن أن الأغنية الشعبية ما هي إلا وسيلة للفكرة القومية، والتعبير الذاتي الصادق عن النفس الانسانية. إذن لا غرابة إذا وجدنا أن الدوائر الأدبية في هذا العصر توجه عنايتها نحو التراث الغنائي الشعبي. ومما يجدر ذكره أن المقصود بالأغاني الشعبية تلك الاغاني الجماعية التي تتناقلها الأجيال كأغاني السيرة وأغاني الأعراس. والغريبة أن كثيرا من الباحثين ما يخلطون بين الشعر الشعبي، وبين شاعر الشعب، في الواقع أن هنا لك فرقا كبيرا بين المعنيين، فالشعر الشعبي هو شبه الاسطورى الذي تناقلت الاجبال نتاجه، وأضافت إليه ما يلائم عصرها، بينما شاعر الشعب هو الذى يعبر عن أفكاره تعبيرا ذاتيا، وربما يكون هذا التعبير باللغة الدراجة، فليس كل من قال شعرا عاميا هو شاعر شعبي في الاصطلاح العلمي. الفن الشعبي اذن هو فن الجماعة ينفذ إلي القاع فيعبر عن الخواطر والخلجات النفسية المترسبه في اعماق الحضارات البشرية، فهو تعبير تلقائي يتسم بالعفوية، وليس له قواعد أو أجرومية تضبطه، فكلما صب النتاج الشعبي فى قوالب فنية معينة كلما ابتعد عن الطابع الجماعي الذى يميزه عن الفن المثقف . لقد فرق علماء الفولكلور بين الفن الشعبي، والفن المثقف، فضربوا مثلا بالسمفونية التي تعزفها الأوركستر فهي تخضع لأجرومية الموسيقي، بينما المقطوعات الموسيقية الشعبية تكاد تكون تلقائية لا يراعي فيها الناحية التكنيكية التي تصبغ الموسيقي المثقفة. لقد تناولت الأغنية الشعبية السودانية معان متنوعة، تنازلت الغزل كما في الأغاني الراقصة، وتناولت التغني بالكرم البرمكي. والشجاعة كما في أغاني السيرة. انظر إلي هذه الأغنية الشعبية التي تمجد فيها المغنية العريس؛ وتصفه بالكرم والشجاعة، انطلق صوتها الحنون يتموج مع ضربات الدلوكة تردد: يالحييت سنن البرامكة عاجبني طول أيدو سامكة ياليله هوى النعيم دراج للمتابكه النعيم ودليلة القدر دوكت بتقح مرحا كته بتكر وقدحه للسرحان يجر . وهذا النعيم لا يبخل بالعيش حتي في أوقات الشدة. ولا يخشى نفاذ الرزق لانه يتمتع بالكرم الأصيل لا الكرم المزيف الذي يقصد به استغلال الغير. واكبر دليل علي ذلك أنه فتح ديوانه للجميع في احرج الأوقات : وقت العيش طلبه حر لوريه بالسكه كرة وقت العيش بقي معدوم فتح ديوانه ستة خشوم وقت العيش بقي بالقبض النعيم حاشاه ما جحد فتح ديوانه وقعد. وانت استحققت يالنعيم درجة سير وهي كلمة انجليزية معناها سيد فأنت ايها السيد ركزه للضعيف تستحق هذا اللقب دون نزاع . تموليك سير ياركزه ماك توتيل سموك السما دربك زلق حدير سموك القرش قلب السفينة أم دير مبروك عليك يالضو صباح الخير. فأمثال هذه الأغاني الشعبية التي تتضمن معاني الكرم والشجاعة في بلادنا. هي بلا شك تدفع الشباب نحو الشجاعة وعزة النفس. والعفة والكرم. حتي أنهم يندفعون في حلبة الرقص. ولا يحسون بضرب السياط علي ظهورهم في ما يسمي " بالبطان " والبطان يرمز إلي الشجاعة والاعتزاز بالنفس. وهو من العادات التي في طريقها إلي الانقراض. الأمثال الشعبية قال ارسطو" كأن الأمثال متخلفات حكم قديمة ادركها الخراب، فسلمت هي من بين تلك الحكم لمتانتها وجزالة الفاظها" . وقال سرفنتيس " المثل زبدة اختبار طويل مفرغة في قالب صغير" ويحضرنا في هذا المقام أن نذكر جهابذة العلماء العرب الذين دونوا الأمثال العربية الفصحي، والعامية، أمثال ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد ، وأبو هلال العسكرى في كتابة " جمهرة الأمثال " والميداني في كتابة المسمي " مجمع الأمثال" حيث أنه جمع فيه مايربو علي ستة آلاف مثل، كما لا يفوتنا أن نتعرف علي كتاب المؤرخ الكبير نعوم شقير" أمثال العوام في مصر والسودان والشام " طبع في القاهرة سنة 1894 م. هذا السفر القيم ضم باقة من الأمثال في السودان ومصر وبلاد الشام مرتبة علي حروف المعجم، وفهرسها بمعجم ضمنه الغريب من الألفاظ كما قام بشرحها. كان نعوم شقير يدون الأمثال كما يسمعها من أهلها، فجعل بابا للأمثال الشامية، وبابا للأمثال السودانية ، وآخر للأمثال المصرية، وقد لا حظ إن الأمثال عند العوام كثيرا ما ترجع الي حكاية ثم تصير مثلا سائرا " قالوا في حكاية المثل المعروف وهو" ابوك خلف لك ايه يا جحا قال جدى ومات " إن جحا اجتمع برجل علي مائدة، فاراد الرجل أن يشغله عن الطعام ليصيب الحصة الكبرى فقال له " أبوك خلف لك ايه يا جحا" فادرك جحا قصده واقتصر القصة، وقال " جدى ومات " اقوال إن كتاب " أمثال العوام في مصر والسودان والشام " يعتبر ذخيرة أدبية قيمة ، فمؤلفه كان علي دراية تامة بعادات ولهجات البلاد التي كتب عنها، يقول نعوم شقير في مقدمة كتابة " كان الغرض من هذا الكتاب الاحاطة بكل ما تجب معرفته عن هذه البلدان الثلاثة، وفي التاريخ والجغرافية ، والأخلاق، والعادات ، والخرافات . واللغة والآداب،ونحو ذلك. وكانت الأمثال من أهم ما تجب معرفته من آداب القوم، اذهي مراه تنعكس منها اخلاقهم، وعاداتهم ،وشاهد عدل علي حالة اختلاف طبقاتهم، ونحلهم، فجمعت من أمثالهم اكثر من عشرة الاف مثل انتقيت منها هذه المجموعة، وهي تشتمل علي 4494 مثلا ، منها 1425 مثلا شاميا و 1526 مثلا مصريا و 533 مثلا سودانيا، فجاءت اكبر مجموعة ألفت في الأمثال العامية الي هذا اليوم – يقصد في سنة 1894 م – وسميتها " أمثال العوام في مصر والسودان والشام " ولاحظ أيضا نعوم شقير تشابه الأمثال في البلاد العربية، وقد علل التشابه " بأن العادات التي نشأت منها الأمثال في جميع العصور والبلدان هي عادات واحدة ، وهي عادات عربية، كما أن الاتصال التجاري، والكتب والجرائد العربية، التي لم تزال متداولة في البلاد العربية، قد تأثر بها العامة وحرفوها علي اختلاف بيئاتهم الجغرافية والثقافية. والشئ الذي نأخذه علي نعوم شقير هو ترفعه عن الأمثال الدائرة علي السنة الرعاع، وذلك لمسماجتها، وانحطاط الفاظها كما يعتقد، وإغفاله لهذا الجانب الشعبي الهام الذي يعكس تجارب الشعب وأمانيه في تلك الفترة ذلك لأن المثل الشعبي الذي ينبع من البيئة هو الذي يفيدنا في مجال دراستنا الفولكلوريه، ثم إن ترك هذا الجانب الشعبي من الأمثال لا يسلب الكتاب قيمته، فهو محاولة جادة ومفيدة للباحثين، بل انني لأعجب كيف لا يتعرض له علماء الفولكلور في مؤلفاتهم العصرية . فالمثل الشعبي اذن هو خلاصة تجارب، وخبرات صبت في كلمات موجزة تؤدي في مناسبات تفتقر إلي مثل هذه الشعارات الحكيمة. والأمثال من صميم الأدب الشعبي، لأنها تتضمن معاني خلقية ، واجتماعية تكشف لنا عن سلوك الفرد في المجموعة التي ينتمي اليها، فنحن عندما نفشل في اقناع شخص اقناعا عاطفيا، فاننا غالبا ما نلجأ إلي المثل الشعبي حتي يعبر عن التجربة السابقة في الحال، وطالما تعارف الناس علي أوضاع اجتماعية، وسمات خلقية معينة، فإن المثل يؤثر فيهم تأثيرا بالغا. والمثل الشعبي قد يستعمل لأغراض تعليمية، فتارة يكون علي شكل نصيحة، وتارة يكون نقدا لازعا، واداه للتشهير والسخرية تماما كما تعالج النكتة المصرية الأوضاع التي لا تتفق مع رغبة الجماعة ، وبعض الأمثال تتسم بروح الفكاهة فهي عبارة عن صورة كاريكاتورية. ولدينا الآن نماذج من الأمثال الشعبية السودانية تمثل الأغراض التعليمية كمثل" راكوبة الكضب هديمة وبيت الصح يقيف لا ديمة " درب السلامة للحول قريب " صنعة في اليد أمانا من الفقر" والأمثال النقدية اللازعة كمثل " عينك في الفيل وتطعن في ضله ؟ ! " يضرب للشخص الذي يجبن عن مجابهة الواقع ، فيتعلق باسباب واهية لائمت إلي الأصل بصلة، ومثل " غلفه وشايله موسي تطهر" يضرب للشخص الذي يحث الناس علي فعل شئ، بينما هو نفسه لا يقدم علي فعله. أما المثل الكاريكاتورى كمثل " الضايق عض الديب بخاف من مجر الحبل " يضرب للشخص الذي يلوذ بالفزع والفرار كلما ألمت به حادثة طفيفة . من هذا نتبين أن المثل الشعبي أداة تعليمية لها خطرها في المجتمعات البشرية بقي لنا أن نتساءل كيف نفسر تشابه الأمثال، واتحادها في المعني في معظم البلاد العربية، بل اننا قد نجد أمثال ، من الهند والصين أو من البلاد الأوربية تتشابه في المعني؟ وللجواب علي ذلك نقول أن علماء الفلولكلور أرجعوا هذا التشابه أو الاتحاد في المعني؟ وللجواب على ذلك نقول أن علماء الفولكلور أرجعوا هذا التشابه أو الاتحاد فى المعنى إلي ناحيتين(1) الهجرات (2) وحدة التجربة. الهجرات: مما لاشك فيه أن السودان دخلته هجرات عربية وغير عربية، من الجزيرة العربية ومصر، وبلاد المغرب، فلا يستبعد أن تكون تلك الهجرات قد حملت معها تراثها الشعبي الذي ضمنته المثل الشعبي، ولذلك تجد تشابها قويا بين المثل السوداني والمصري والسوري ، والعراقي . وحدة التجربة: فسر علماء الفلولكلور ايضا هذا الاتحاد في الأمثال، أو التشابه بأن أي مجموعة من البشر لها تجاربها الخاصة، وخبراتها في الحياة فقد يحدث أن تتفق الشعوب في المعاني التي تضمنها الأمثال الشعبية . والسبب في ذلك هو وحدة التجربة الانسانية، وهذا لعمري أوضح تفسير يمكن أن نستفيد منه ليس في مجال الأدب الشعبي فحسب ، بل في المجال التاريخي أيضا، لأن فكرة التأثر غالبا ما تفقد عاداتنا وتقاليدنا الأصالة ، وتطبع تفكيرنا بالسطيحة والجمود. فمثلا نجد الانسان العادي في الجزيرة العربية أكتوى بنار هذه التجربة التي تقول " من حفر حفرة لأخيه سقط فيها " والسوداني العادي أيضا عاش هذه التجربة في بيئته الخاصة، فعبر عنها بأسلوبه الخاص قائلا " التسوى كريت في القرض تلق في جلدها " وهكذا نجد أن المثل الشعبي السوداني عبارة عن سجل خالد للعادات والتقاليد والتجارب التي عاشها الانسان العادى في سالف عهده. الأحاجى الشعبية والألغاز يقول الشيخ عبد الله عد الرحمن " ويسمون الأحاجي في السودان الحجا جمع حجوة في كردفان والحجا قسمان طوال وقصار . أما الطوال فعبارة عن حكايات خيالية تؤثر في نفوس الصبيان كثيرا. فتراهم عندما يستمعون يضحكون. وأونة يبكون. وأخرى تكلح وجوهم. ومرة تنطلق أسرتهم. وهي بمثابة الروايات والقصص" فقد كانت الأحاجي اذن تلعب دورا خطيرا في المجال التربوي. فهي بمثابة السينما والاذاعة والمسرح في زماننا هذا. وهذه الأبيات للشاعر الشيخ عبد الله عبد الرحمن تحكي لنا في إيجاز أهمية الأحاجي في الازمان الغابرة يقول الشاعر. وسامر الحي من عبد وفتيان بين البيوت وفي أعطاف وديان في كل ليل تحاجيهم عجائزهم بابن النمير وسوبا وابن سلطان وتارة يرهف الفتيان سمعهم إلي نوادر أجواد وفرسان وابن الملحق لم تبرح حكايته في الحي يسردها أشياخ حمران يا قبر تاجوج حياك الحياومشي بصفحتيك شذا ورد وريحان الاحاجي أداة تثقيفية هامة : يعتبر خالد عبد الرحمن أبو الروس من الرواد الأوائل الذين حاولوا أن يستلهموا روح المسرحية من تراثنا الشعبي كالأحاجي والأساطير الشعبية وخالد ابو الروس من مواليد أم درمان ولد سنة 1919 وتخرج من معهد أم درمان العلمي. وقد شغف بكتابة الروايات والأغاني الشعبية. كما أنه يمتاز يروح فكاهية. وذكاء ملحوظ تأثر خالد أبو الروس بالقصص والملاحم الشعبية السودانية. كبطولة ود النمير. وقصة تاجوج التي تمثل الحب الانساني في اسمي صوره. ومما يحدد ذكره أن قصة تاجوج تعتبر من روائع القصص العالمية كرواية مجنون ليلي. ورواية رميو وجوليت مثلا وتاجوج عشيقة المحلق تنتمي إلي قبيلة تدعي " حمران" ومن المسرحيات التي استلهمها خالد ابو الروس من الأحاجي الشعبية مسرحية سوبا والسبعة الحرقو البندر. وأمات طه . وقد مثلث معظم هذه المسرحيات علي خشبة المسرح في العواصم والآقاليم السودانية. ولا تزال هذه المسرحيات الشعبية التي أقتبسها ابو الروس من تراثنا الشعبي لا تزال أداة تثقيفية هامة تبث في النشئ الروح الوطنية والحماس . ولا يفوتنا أن أنحي تلك الأقلام التي أخذت تنبش هذه القصص الشعبية . وتعرضها في قالب تحليلي متين . وهذه بعض الألغاز السودانية : دخل القش ما قال كش – الظل . عمي قصير وبصير – القدوم. عمي طويل ما يلحق الكعكول – الدرب . سبعة صقور من زمن الرسول لا ولدا زادا. ولا كبراً شاباً – أيام الأسبوع. حبوبتى فى دكانه وتأكل فى مصرانه – اللبة. كان شالوه ما بنشال وكان خاوه سكن الدار – الرماد هى فيك لو عرفتها بكريك – الصرة. شدرة فوق القيف لا برم ولا عليف – السن. فيها فت سنينه وفيها فت عوينه وبسم الله علينا – الإبرة. مطمورة أبو زيد ملانه – النجم. شاتى بيوص عندها صخلة وعتوت – المرحاكه. ملكين فى ككر إن غاب واحد الثانى حضر – الشمس والقمر. مطارق الهوج والشرق اتخبطن – رشرش العين: الشيخ فرح ودتكتوك الشيخ فرح ودتكتوك عاش فى سنار فى زمن مملكة الفونج فى النصف الثانى من القرن السابع عشر، وهو من قبيلة البطاحين، يحب العلم والعلماء، وقد اشتهر بين قومه بالحكمة، فكان الناس يتناقلون كلماته، ويشعفون بكل ما يأتى به من أقوال وحركات، يحكى أنه نزل فى مرة فى حلبة الرقص حيث كان يوجد بعض السكارى والصعاليك الذين لعبت الخمرة بعقولهم ، فاخذوا يتصاحون ويرقصون فى صخب جامح، فتمنطق الشيخ فرح بعمامته، وأخذ يرقص معهم ، فاقبل عليه بعض محبيه، يستفسرون عن السبب الذى جعله ينخرط فى سلك هذه الشلة الفاسدة وهو الشيخ المتصوف الورع. فاشار الشيخ فرح بأسلوبه الحكيم، اصغوا أيها الناس إلى موسيقاهم، وضربات نوباتهم كأنها تقول " كم كبت وكم تكب ، وكم كبت وكم تكب." وهكذا أخذ الشيخ فرح يردد هذه الالفاظ، ويرقص على نغماتها، ولعل من هنا أتى المثل الشعبى الذى يردده "يغنى المغنى وكل حد على هواه" وبمرور الزمن صار الشيخ فرح كأنه شخصية اسطورية، تنسب إليه كل كلمة صائبة وكل كلمة طريفة حتى ملأ صيته الآفاق، ولهجت الالسن فى كل بقعة من بقاع السودان بنوادره الطريفة ومما لا شك فيه أن سبب شهرة الشيخ فرح هو نظراته الواقعية الى الحياة، وفهمهه العميقلنفسية الناس الناس كان يحيطون به فى تلك الفترة، فكان بمثابة فيلسوف القرية، يعالج مشاكل الناس يروح واقعية ويستمد براهينه من الظروف والملابسات الملموسة لدى فومه، يحكى أن جماعة من التجار. العيش أتو إلى الشيخ فرح يطلبون منه أن يبيعهم كمية من محصول السنة فأحسن الشيخ فرح استقبالهم ولكنه استشارهم فى أن يهلوه حتى يأخذ برأى العيش، فذهب إلى مطمورة العيش، وانحنى كمن يخاطب العيش " يقول الخمرى الداخرك لعمرى، اتعشى بيك واصبح مشتهيك" يشير الدكتور عبد المجيد عابدين بأن هذه النادرة تدل عام المجاعة، لأنه لم يعرف عن الشيخ أنه كان بخيلا، ولكن قلة المحصول جعلته شديد الحرص، فالشيخ فرح يقول مثلا. بيتك لاتجيه من ليالى الحر. جاهد الأرض لأجل الملود تنكر. ليالى تفاه يا خوى لا تنفر. سيد العيش عزيز الرحال تنجر. *** الحارت يريده ربنا القدوس. قدحة فى المواجب تجده متردع مدروس. فى الدنيا جابو ليه الفى الغيب مدسوس. فى الآخرة ساقه الرسول على الفردوس. ولعل فهم الشيخ فرح العميق للحوادث، ونضج تجارية الذاتية، ونظرته الصوفية إلى ظواهر الكون لعل هذه الشياء خلقت منه مفكراً يسبق الحوادث بعقليته الفذة، ويرى ما لا يراه قومه حتى أنه أتى بتنبؤات لم تلبث أن تحقق بعضها، كما أنه يجب أن ندخل فى اعتبارنا ما نسجه العوام فى فترات متفاوتة، ومما ينسب إلى الشيخ فرح وتكنوك أنه قال فى زمن لم يس تعمل فيه التليفون أو السكة الحديد، "قال آخر الزمن السفر يبق بالبيوت والكلام يبقى بالخيوط وبيل نظرة فى النيل، وكأنه يصعب عليه أن يحول هذا النهر عن مجراه الطبيعى مما يترتب عليه من مشارع ومشاق، كغمر النيل للأرض الخصبة، كالجروف التى كانت مصدراً للرزق، فتنبأ الشيخ "بكرة يجوك مقطوعين الطارى، ييسكونوك الضهارى. ويقول الشيخ فرح ودتكتوك "آخر الزمن شوف البقت. والنوق من الشيل دبرت. المحنة راحت ما قبلت. الجنى للوالدين جفت. العافى ليده ما تلفت. الحرة كالخادم مشت. مرقت برة انكشفت. راحوا لرجال تلت الجتت. والصح دروبه انسدت. كيف يلحقوك فقرا البخت. أغانى الصبية مما لا شك فيه أن اللعب وسيلة الطفل الطبيعية فى تفهم مشاكل الحياة التى تحيط به، فمن طريقة يكتشف الطفل البيئة التى يعيش فيها، ويوسع من ثقافته ومعلوماته ومهارته، ويعبر عن أفكاره فى أسلوب طلق، بل أنه عامل من عوامل التكيف الضرورى بين الطفل والبيئة التى يعيش فيها. فوظيفة اللعب أذن تتركز فى الفهم والتعبير والتكيف، وإذا كان عالم النفس ينظر إلى اللعب من الناحية السيكولوجية أى أنه يفلسف اسليب لعب الأطفال من حيث هى وسيلة تساعدهم على تفهم الأطفال المرضى بأمراض نفسية، ومن حيث هى طريقة من طرائق العلاج النفسى، فان عالم الفولكلور يمثل جانبا من التراث الشعبى، إذ أن معظم العادات والتقاليد والطقوس الدينية، والملاحم البطولية تكمن فى تلك اللعب الساذجة التى يزاولها الصغار فى البدو والحضر. ولعب الأطفال عندنا فى السودان يمثل جانبا هاما من أسلوب حياتنا وتريخنا كلعبة شليل وينو، ولعبة كركعوت، ولعبة حرينا، وكألعاب الفروسية، فألعاب الفروسية مثلا تبرز مدى هضم الطفل لتاريخ بلاده، وتأثره بالاحاجى والحكاوى البطولية التى تجعل من الأبطال أناساً يتمتعون بقوة خارقة، فهذا طفل مثلا يمتطى عصاه فى زهو وكبرياء، كأنها فرس عنيد فيتخيل نفسه فارساً مغواراً يشن الغارات تماما كما تروى الأساطير والأحاجى. وما دمنا نتحدث عن لعب الأطفال، فهناك جانبا هاما يتعلق بالاقوال التى تقال أثناء ترقيص الأطفال ، فغالبا ما نجد الأم تنسج ابياتا تلقائية من الشعر الشعبى التى تضمنها الآمال والأمانى التى تعقدها على فلذة كبدها، كأن تتمنى له أن يصبح رجلا يتحلى بالحصال الحميدة، كالكروم والشجاعة والمروءة. والأغنيات التى تقال أثناء ترقيص الصبية تعكس لنا نفسية الأم تجاه الأجيال الصاعدة، انظر الى هذه الأم التى تمرجح طفلها بين يديها فى بهجة وحنان وتغنى له: سرح وجانى. وحلب عشانى. وضرع كسانى. بينما نجد هذه الأم لنبتها الصغير أن ينمو فيأخذ باسباب المدنية، فيغتنى العربات، ويترحل بالطائرة، ويجالس الأعيان الكبار حيث تقول: ما بسرح بى تك وما جانى غلبان يتحك يركب عربية ما حمار وبشيل بندقية ما فراز وبتسوح بالطيار وبجالس الأعيان الكبار وتمعن أيها القارئ فى هذه الكلمات البسيطة المعبرة التى تعكس أمانى الأخت تجاه أخيها الصغير محط آمالها فى المستقبل: دايراك يا على تكبر تشيل حملى الجار العشير الكان أبوك بيدى والغنى والفقير الكان أبوك حامى السولب من العلج الحرير أكسى بينما هذا الأب يحمل ابنته الصغيرة بين يديه ويمرجها وهو يدندن بهذه الكلمات: ما حميرة بتتطنقره وما بتعرط القنقر كل صباح تتمنضر وبتتسوك بالصندل وعادة ترقيص الصبيان انت موجودة عند العرب منذ قديم الزمان، فانظر إلى هذا العربى يرقص ابنته فيصف شعوره نحوها، أنه يأمل أن تنمو ، فتصير جارية فاتنه كريمة الخلق عذبة الفم : كريمة يحبها أبوها. مليحة العينين عذبا فوها. لا تحسم السب وإن سبوها. أدب الملحمـة فى كتاب المصباح المنير " التحم القتال اشتبك واختلط ، والملحمة القتال" يقول الدكتور عبد الحميد يونس معرفاً الملحمة " إن الملحمة هى بعينها التاريخ يصدر من عاطفة جماعية معينة ووظيفتها الأولى هى المحافظة على مقومات الجماعة ، وخصائصها بين سائر الجماعات "وتذكر الأستاذة نبيلة إبراهيم " أن الملحمة قصيدة غنائية ذات طول معين ، ونختص بحوادث تتسم بطابع الأهمية والعظمة " ونستنتج من هذين التعريفين أن الملحمة تختص بالمعارك الحربية ، فهى سجل خالد للبطولات التاريخية وأنها يجب أن تصدر عن الوجدان الجماعى حتى تبرز الطابع القومى فى صدق ووفاء ، وأنها سجل خالد للقيم والمثل ، والعادات والتقاليد ، تتمتع بهذه المثل شخصية لها القيادة الفكرية والبطولة الخارقة لتعبر عن نفسية الشعب تعبيراً صادقاً ، وتخلد تاريخه فى أسلوب جماعى . ويرى الدكتور عبد الحميد يونس وهو من كبار مؤرخى هذا اللون الشعبى أن الملحمة تمر باطوار حتمية لابد ان تتصف بها كل جماعة من الجماعات يقول " أن الجماعات مهما اختلفت مدارجها وحظوظها من النمو والتطور تمر كالأفراد بمراحل متشابهة ، بالمرحلة الأسطورية التى تفسر بوساطتها ظواهر الحياة والكون ، وترد إليها ما خفى من أسباب وعلل وتؤثر فى وعيها لنفسها " ثم يبرهن عن هذا القانون الحتمى الذى استنبطة من دراستة الفولكلورية فيقول " آثار هذا التطور لا تزال تهدد حتى فى الجماعات المتحضرة كالعضو الأثرى فى جسم الكائن الحى .. تبدو فى بعض العادات التى فقدت وظائفها القديمة المتوغلة فى القدم .. " ثم يعلل أن كل جماعة مرت بهذا الطور كالقبائل الجرمانية ، والرومان واليونان وبابل ومصر . وتسلم هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى لا تنسخها تماماً وإنما تأخذ منها وتضيف إليها وتعدل في صورة الفكر ووظيفتة وهذه المرحلة هى التى نستطيع أن نسميها بالعصر الملحمى او عصر البطولة وذلك لأن الجماعة العادلة ومكانها فى الجماعات الأخرى المتحالفة معها أو المحاربة لها وتتسم هذه المرحلة بغلبة الوجدان الجماعى . فالملحمة إذن عصارة تجارب وتاريخ لحياة الشعوب وتحكى نفسية الجماعة وتعبر عن وحدانهم القومى . ففى السودان مثلاً تحسس الشعب تراثه التاريخى فتقمص شخصية إبى زيد الهلالى وعنترة بين شداد حتى يستمد القوة من تراث الاجداد فكانت الأحاجى والألغاز والحكاوى والأساطير بمثابة تعبئة روحية تبث روح البطولة ، وتحث الأجيال على الدفاع عن عادتهم ومقوماتهم الأصيلة . لقد نكب الشعب السودانى بالغزو التركى ، جاء الأتراك بلادنا فبثوا فيها الفوضى ، واستبعدوا رجالها ، وهنا نجد الشاعر الشعبى خير معبر عن تلك الفترة لانة الصق بالبيئة من غيره ، فقد كان له دور خطير لا يقل عن دور الشاعرة مهيره عبود شاعرة الشايقية تمتطى ناقتها وتتقدم الركب تتغنى بمفاخر قومها ، وتدفعهم إلى محاربة الأتراك الغزاة ولقد كان لها شأن عظيم فى ذلك ، وتقول الشاعرة مهيرة بت عبود : عجبونى الجنيات راكبين خيول الكر قدامن عقيدن بالأغر دفر يالباشا الغشيم قولى لى جدادك كر .وفى عهد المهدية اشتهرت الشاعرة " بنت المكاوى " بالتغنى ببطولة المهدى فكان لها دور خطير فى محاربة الأتراك الغزاة تدعو المهدى إلى الحرب لأنها ترى فى الحرب العز لقومها حيث تقول طبل العز ضرب هوينة فى البرزة غير طبل ام كبان أنابشوف عزه إن طال الوبر واسيه بالجزة وإن ماعم نيل ما فرخت وزه " البرزه " العراء " ام كبان " الحرب بينما نجد الشعراء التقليديين فى تلك الفترة كانوا يعيشون فى بطون الكتب ويترفعون عن حياة العامة يجارون أمثال جرير والفرزدق بل ينزع البعض إلى مدح الأشخاص فرأينا مدح الخديوى ومن تقرب إلى الاولياء والدراويش ومما يجدر ذكره أن المدرسة التقليدية فى السودان بالرغم من موقفها السلبى وترفعها عن حياة العامة فإنها خدمت الثقافة العربية فى السودان اجل خدمة ، فلوتر كنا الجانب الموضوعى واتجهنا إلى الشكل لوجدنا تقدماً فنياً ملحوظاً فى بناء القصيدة على أننا يجب أن نشيد بشعرائنا التقليديين فهم على الأقل وضعوا لنا اللبنة الأولى فى بناء نهضتنا الأدبية . أدب المدائح يعتبر أدب المدائح من صميم الأدب الشعبى لأنه يعكس لنا المعتقدات الدينية والأوهام والمخاوف الغيبية التى سيطرت على العقلية السودانية فى فترة معينة فنستطيع أن نتعرف على المعانى الخلقية التى عملت على توجيه سلوك الفرد . وأدب المدائح مادة غزيرة تمكن الباحث من التوصل إلى معرفة نفسية الشعب من آمال وآلام وأمانى . ولا شك أن البيئة الزراعية وما يصحبها من تخلف فكرى لها أثر فى دفع الفرد إلى الإيمان بالغيبيات لان الفرد فى المجتمعات البدائية غالباً ما يعجز عن تفسير ظواهر الكون يخفيه قصف الرعود والعواصف فهو فى صراع دائم مع الشر ، حياته مليئة بالمخاوف والأوهام ولذلك يلجأ على الإيمان بالغيبيات فيجد لذه روحية وطمأنينة فى حياته . والمدائح التى يفيض بهال كتاب " الطبقات فى خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء فى السودان لمؤلفه الشيخ محمد ضيف الله بن محمد الجعلى الفضلى المتوفى سنة 1224 هجرية ، خير برهان على ذلك . أن تلك المدائح تكشف لنا عن نفسية الشعب السودانى فى الأزمان الغابرة من خلال المعتقدات الدينية وتقديس الأولياء والدراويش . ولدينا الآن نموذج حى لأدب المدائح فى السودان وهى قصيدة للسيد محمود الفاضل شيخ حلة المعدلاب مجلس ريفى سنار شرق الكواهله وهو من محبى الشيخ المكاشفى ، والشيخ المكاشفى من كبار الأولياء فى السودان وقد توفى منذ عهد قريب اشتهر بالعلم والزهد وملأصيته الآفاق وقد عالج اناساً كثيرين من الذين يعتقدون فى كراماتة وله " حيران " يتمتعون بكرمة الفياض . نذكر هذه القصيدة هنا لأنها تناقلتها الألسن فهى تكاد تكون ملحمة دينية تصور بطولات الشيخ من علم وزهد وورع وكرم فياض . فالمادح يشكو آلماً ممضاً فى رجله ، وبعد أن عجز فى علاجها اتجه إلى الشيخ المكاشفى حتى يزيل منه الألم ويناجيه من بعيد فى حسرة قاتلة . يا سماع بعيد بلد الواحيه خيل الشيخ سراع لصيحة الهوية ما كشفت الكراع سوت الحكية . وهنا يتوسل له المادح ويشكو له فقره المدقع . الزمن طويل والسنة قوية الحمل تقيل والكسب شويه والمادح كأنه يحاول ان يقنع نفسه بأن ذلك الشيخ الجليل الذى يهلل فى الثلث الأخير من الليل والذى سبق ان عالج القوب والبرص تلك الأمراض التى عجز الأطباء عن علاجها لابد ان يجد عنده العلاج لأنه ولى يخلص لله ، فلماذا لا تستجاب دعوته .. ؟؟ فى التلت الأخير اسمعوا تهليله القوب و البرص داوتن حفيره يمشي بي كرعية و يسبق البطيرو . و ينتقل المادح يعبر عي اعجابه بالشيخ فهو قد اقتنع بان الشيخ لن يطالبه باجرة العلاج لانه يعين الفقراء ، ويضمد جروح المعوزين . عاجبانى طبيعته السمحة وظريفة . ما دار الملك ما تتاوق للوظيفة ما كلف حور داير القطيفة وجسمه بضوى غير صابون وليفة . البزور بجنيه والبلدى عند النادر واحد ما فرز واحدين . والشيخ الذى يستفرع فيه المادح كل معايير المدح والإعجاب ويصفه أيضاً بانه يكف عينه عن الهدايا ومع ذلك يحل المشكلات العويصة ، فهذا ما لفت إليه الأنظار ، وجعل الأقوام تهاجر إليه من كل فوج عميق . عينه ما بتلا حظ لى قرش الهدية وما بتنفك غيره الشبكة القوية جالب القيمان من بلود أم بادر مجمع الأرواح فى مسيد النادر . أدب النواح النواح هو بكاء الموتى . وتعداد ماثرهم وفضائلهم والتعبير عما يحس به الرائى من حزن تجاه الفقيد . ولقد كان النواح معروفاً عند العرب فى الجاهلية والإسلام. ويقال ان بعض المغنين كانوا فى مبدأ أمرهم نائحين كابن سريج والغريض والنواح هو غرض له أهميته فى المآثر الشعبية إذ أنه سجل لحياة الاموات فهو يصف الفضائل الحميدة كالكرم والشجاعة والمروءه وبالتالى له أثره فى المجال الخلقى والتربوى لأنه يرفع من الروح المعنوية والرائى كأنما يخض غيره على التمسك بالفضائل التى يرددها فى مصابة الأليم . وأدب المناحة فى السودان يجب أن تكون موضع اعتبار الباحثين بصفة خاصة فنحن إذا تعمقنا فى المعانى التى تلهج بها النائحه نجد انها تعدد المآثر الحميدة والعادات الأصيلة التى عاشها الشعب السودانى فى فترة من فترات حياته فى السودان جماعية أكثر منها ذاتية أى أننا قلما نعثر على المؤلف الحقيقى للمرثية فغالباً ما تصل إلينا قد علمت فيها عقول الأخرين وتناقلتها الأجيال واضافت عليها مما يلائم حياتها فاستمع إلى هذه الماحة وهى من غرب السودان تذكر النائحة الصفات الكريمة التى كان يتحلى بها موسى ذلك الرجل الذى كان مفحرة القبيلة والذى فاحت ذكراه العطرة من غرب السودان حتى تناقلتها بنات بربر فى الشمالية لقد اشتهر بالشجاعة والعفة وسمو الخلق . حليل موسى يا حليل موسى حليل موسى اللى رجال خوصة حليل موسى يوم ركب دفر طلع ظيته شال بنات بربر حليل موسى مابيا كل الملاح أخضر حليل موسى ما بشرب الخمر ويسكر وهنا تصل النائحة إلى القمة فى وصفها للشعور بالحرفة والفراق عبرت عن مندى قلقها ومخاوفها النفسية فى اسلوب يذيب المهج ويستدر العطف . الليل امس ما بشوف بل يوم فوقنا الحرب تنقلى الليل أمس ما بشوف زينه ويوم فوقنا الحرب بالزينا يوم جانا الحصان مجنوب وفوق ضهرو السليب مقلوب ابكن يا بنات حى وب حليل موسى ياحليله اليوم حوشة القرقرو البعشوم. قال الشريف عبد الله ود الفاضل : زايله وهل هل يالدالى الماك شقير العد الروى الماقطط النشال وحملك كان تقيال يا اب آمنة ما بنشال زايله وهل هل يالدالى الماك شقير يبكنك بناتا جدول دموعن سيل وهمد ضوهن جضن هوية ليل زايلة وهل هل .. يبكنك بناتا ملصن التيلة حكم السيد رضا لا قدره لا حيله زايلة وهل هل .. ومما يجدر ذكره أن ادب المناحة فى السودان على صله وثيقة بالأدب العربى وخاصة الأدب الشعبى العربى القديم فنجد هذه الشاعرة التى ترثى خالها تذكر انه خير من اكرم الضيف وأنه كان يخوض غمار الحروب لا يخشى بأس العدو تقول يامر ياخير أخ نازعت در الحلمه ياخير من اوقد للأضياف نارا جحمة ياجلب الخيل إلى الخيل تعادى إضمه يا قائد الخيل ومجناب الدلاص الدرمه سيفك لا يشقى به إلا العسير السمة جاد على قبرك غيث من سماء رزمه أدب الأسطــورة الأساطير هى أثر من اثار الخيال الخصب يضفى على الإنسان متعه ذهنية وقد ترفع الأسطورة الملوك وذوى البطولة الخارقة إلى مرتبة تفوق البشر كأساطير اليونان والفرس والعرب فى تفسيرها لظواهر الحياة وما يكتنفها من غموض فى هذا الكون الفسيح . ومما يجدر ذكره ان أساس الأساطير فى بدايتها أنما هو عجز الإنسان عن تفسير ظواهر الكون فالإنسان قديماً كان يقف أمام ظواهر هذا الكون العجيب مكتوف الإيدى تذهله أسرار الطبيعة فيفكر فى معنى الوجود ويعمل تفكيره فى حل رموزه وطلاسمه ورسلاً العنان لخياله لخصب ينسج القصص البطولية والملامح التاريخية . يصف لنا العالم الإنجليزى سيرج .ك جوم الأساطير بانها " تحول لنا علوم ما قبل العلوم " كأن تحدثنا عن علة الخلق ، والأسر الخافية وراء الحيوان . وقد يرى الإنسان العصرى أن الأساطير والخرافات هى غاية فى السذاجة ولكن علماء المأثورات او لوها عناية كبيرة لأنها فى نظرهم " محاولة قديمة بذلها الإنسان الأول ليعرف أسرار الكون" ولا يخفى علينا أن الإنسان العصرى بالرغم من تقدمه فى العلوم والفنون يلجأ إلى تلك المحاولات القديمة فى حبك الأساطير بل أن أساس العلوم هو خيال خصب يغوص فى الأعماق ويتطلع إلى الفضاء ليهتدى إلى الحقيقة . والأسطورة تنقسم إلى قسمين أسطورة خرافية تستند إلى الخيال فى تفسير ظاهرة الكون والطبيعة ( اسطورة تعتمد على شعور البشر ، وتصور احساس الجماعة متخذه منها أسوه وعبره فى اسلوب تحليلى يبرز لنا نفسية النماذج البشرية وهذا النوع من الأساطير بدراستنا اتصالاً وثيقاً إذ أنه مادة فولكلورية من صميم الادب الشعبى ومن هنا نتبين صلة الأسطورة بالتراث الشعبى فهى تصوير للنشاط والسلوك الإنسانى الجماعى هذا النوع من الأسطورة يعكس لنا تاريخ الأمة وآمالها وأمانيها يقول الدكتور عبد الحميد يونس معبراً عن اساس التفريق بين الأسطورة الكونية والأسطورة التى تحلل السلوك الجماعى " أن الأساس فى التفريق هو الأساس الوظيفى فإذا تجاوزت الأسطورة وظيفتها الأولى وعدتها إلى وظيفة أخرى وانفرطت عقدتها وتداخلت عناصرها فيما يصدر عن العاديين من ضروب النشاط والسلوك لم تعد مادة أسطورية بالمعنى الصحيح إنما أصبحت مادة فولكلورية " الاسطورة فى أفريقيا الأسطورة كما سبق أن أوضحنا هى عبار عن نظام تعليمى دقيق ففى أفريقيا مثلاً نجد الاسطورة أداة تثقيفية تقوم مقام المحاضرات التى تلقى فى الجامعات الحديثة فالجلوس حول مواقد النيران والأسمار فى الليالى المقمرة هى فى الواقع أعظم بيئة مدرسية. يسرد الرجل المسن أو المرأة المسنة تراث الأجداد فى قالب تمثيلى بطريقة مشوقة فمثلاً الراوى " الباليوت" كما يطلق عليه القرويون فى وسعة أن يعود بتاريخ القرية إلى قرنين أو ثلاثة قرون مضت يقص الأحداث التاريخية ، ويشرح العادات القديمة فيتنبأ بمستقبل القرية ومدى التغيرات التى تطرأ عليها فهو حكيم القرية وفيلسوفها ، كما يتوارث الأبناء عن الآباء بطريق التقليد المهارة الفنية كالحدادة والبناء ويعرفوا شيئا عن الوحوش. يقول و . ف برتون مؤلف كتاب من الفولكلور الإفريقى " والحق الحكايات التى تروى حول مواقد النيران لتعد بداية صالحة ودقيقة لحياة الغابة بالإضافة إلى هذا النوع من التعليم الذى وصفته هناك أساليب متناهية للاندماج الاجتماعى مثل الأساليب التى يتعلمها الرجل الأبيض سواء من الوازع الدينى أو من خبرة الحياة القاسية " ويقول فى موضوع آخر " أن الإفريقى هو أمير الحكاية الخرافية بلا منازع ، وأن الذين قاموابدراسة اللغات الإفريقية التى تعد اداة تثقيفية وتحلل النفسية الإفريقية منذ أقدم العصور فأسطورة الأبيض والأسود هى قصة خيالية مازال يرددها سكان الكونغو دمغ المؤلف بهذه الحكاية الذين ينكرون التراث الأفريقى حيث قال ممهداً لدراسته " سوف تكون هذه الحكاية مبعث دهشة للقارئ الذى يعتقد أن من لم يؤت حظا من التعليم الأوربى غير متحضر او " بربرى " ذلك لأنه يفترض أن مستوى التعليم الاوربى هو وحده الذى يدل على مدى تقدم الأمة " لكى لا نطيل على القارئ نعرض عليه أسطورة الأبيض والاسود ، وندعه يقارن ويحكم بنفسه مع ملاحظة " ان هذه الحكايات السيقة بروايتها " البامفومى " العجوز وهو نصف عريان وسط اعمدة الدخان المتصاعدة من النيران " حيث تمثل أشجار الغابة المظلمة خلفية الصور وحيث صرير الحشرات ونقيق الضفادع فى الجداول وصرخات ابن آوى تأتى من بعيد " . أسطورة الأبيض والأسود " عندما كان الروح العظيم بصدد ان يخصص لكل مخلوق عمله فى الحياة استدعى إليه الرجل الأسود والرجل الأبيض ووضع أمامها صندوقين ولما كان الروح العظيم يحب الرجل الأسود فقد اعطاه أولوية الأختيار . فرأى الرجل الأسود أن أحد الصندوقين كبير وثقيل وأن الصندوق الآخر صغير وخفيف .. لذا اختار الثقيل وجاهد حتى حمله على كتفه وذهب به إلى بيته فوجدبه المعول وجرة الماء والعصا فخرج إلى الحديقة ليزرعها إلى النهر ليحمل ماءه وإلى الغابة يجمع الأشجار وما تجود به من ثمار وسخط الرجل الأبيض فى بداية الأمر لان الروح العظيم قد منح الرجل الأسود فرصة الاختيار .. وفتح الرجل الأبيض صندوقه فوجد به قلماً وورقة .. فوضع القلم هلف أذنه والورقة فى جيبه وكان كلما تعلم شيئا جدياً دونه على الورق .. ومات الرجل الأسود الأول .. وضاعت تجاربه معه ومات الرجل الأبيض الأول فبقيت تجاربه مدونه محفوظة . إن الرجل الأبيض يحقد علينا لأن الروح العظيم اعطانا فرصة الاختيار قبله .. فحرمنا من العلم والمعرفة .. وصار علينا ان نحصل على القلم والورق إلى جانب الفأس والعصا .. ". والأدب الشعبى السودانى ملئ بالأقاصيص الشعبية والملاحم التاريخية والأساطير والأحاجى ولكن للأسف لم يعنى بها الباحثون فهى لا تزال تكتمها الصدور فى المدن والقرى ما عدا بعض المحاولات البسيطة التى يبذلها بعض كتابنا فى داخل البلاد وخارجها لنشر التراث الشعبى . فنحن إذا ما اتجهنا إلى المسنين فى القرى لوجدنا عندهم اساطير وقصص شعبية من صميم بيئتنا السودانية تعكس لنا تاريخ بلادنا فى ثوب نظيف وتمد الأجيال القادمة بطاقة معنوية من تراث الاجداد المقدس. ان الأحاجي والحكاوي الشعبية التي تنقشها المرأة المسنة في ذاكرة الطفل، انما هي تاريخ الأجيال، وعصارة التجارب الانسانية التي اكتسبها اسلافنا في الماضي، وبلادنا غنية بالمواد الفلولكورية، والفنون الشعبية الأصلية، ذلك لأن بلادنا بطبيعتها قطر زراعي له قيمة ومثله التي تحافظ علي كيانة، وتحميه من الانقراض والفناء. وقديما تشبعت العقلية السودانية بافكار وأديان، وحضارات. عبدنا آلهة المصريين، وانتجنا الحضارة النوبية العريقة بقيادة الفرعون النوبي السوداني بعانخي، تقلبنا الديانة المسيحية، واخيرا ارتضينا الاسلام دينا. لا شك ان هذا التراث الذي توار ثناه من الاسلاف كفيل بأن ينير الطريق للأجيال اللاحقة. والباحث في هذا للون الشعبي يمكنه أن يعثر علي ضالته في النقشات الأثرية، والصناعات الشعبية التي لم تتأثر بالآلة، يمكنه ايضا أن يدرس الاغاني الشعبية والمدائح الصوفية، وسيجد ما يغنيه في الأساطير والقصص الشعبية ، كأسطورة تاجوج مثلا ، كما أنه يمكن للباحث أن يستقصي حكم الشيخ فرح ودتكتوك، ونوادر البصيرة ام حمد ، وبطولة ود النمير ، وشعر الحا دلو، ونوادر العجب أمه. وتوجد ظاهرة هامه في ادبنا الشعبي ، وهي تأثر الأدب الشعبي السوداني شخصيات وحوادث الشعوب العربية الأخري. وذلك ناتج عن الهجرات العربية الكثيرة التي قامت بها بعض القبائل العربية الي السودان من طريق البحر الأحمر والبعض الآخر من طريق صحراء مصر الشرقية أو وادى النيل، فيحكم موقعه الجغرافي ، وبحكم مواقفة التاريخية من جاراته البلاد العربية ، تأثر بأقاصيص عربية شعبية أصلية، كمقصص أبي زيد الهلالي، وحكاية يونس في تونس وبطولات عنترة بن شداد فهذه الحكاوي لازالت تنتقل من ثغور الشيوخ الي الشباب في السودان، وهي أثر مادى لا متزاج تراثنا الشعبي السوداني بالتراث الشعبي منذ قديم الزمان . كيف ننهض بفنونا الشعبية هذا سؤال ينبغي أن يوجه أولا الي الباحثين في هذا اللون الشعبي عندنا في السودان،لأن هذا الفن يعد من الفنون الحديثة، ليس في السودان فحسب بل في معظم الدول النامية. أن مسئولية الباحثين في الفنون الشعبية يجب أن تتركز في الناحية الدعائية لهذا الفن، حتي ينتقل من التلقائية الي المنهج العلمي التجريبي الحديث، فنستفيد من تجارب الذين سبقونا في هذا الضمار، أن فكرة النهوض بالفنون الشعبية لا تزال الي الآن عبارة عن مجهودات فردية يقوم بها بعض المتخصصين والهواء، لا تجمعهم رابطة، أو مركز علمي يقوم بتنظيم هذه المجهودات الفردية، ويبرزها في طابع قومي منسق. فنحن بلا شك نملك الماده الخام من التراث الشعبي الأصيل،كالرقصات، والأغاني، والموسيقي الشعبية، واكبر دليل علي ذلك نجاح برامج فرق الفنون الشعبية التي تقوم بعرضها في المسرح القومي بام درمان في المناسبات الوطنية وغيرها ولكن الشئ الذي ينقصنا هو صهر هذه الفرق في بوتقه واحدة وتنظيم البحوث التي تعكس اصالة تراثنا الشعبي، وبالطبع هذا لايتم الا بعد أن نجتاز مراحل طويلة حتي نصل إليغايتنا المنشوده، وهنا توجد بعض المقترحات التي آمل أن تجد اذنا صاغية من جانب المسؤلين ، وقصدي من هذه المقترحات هو الاهتمام بتراثنا الشعبي اذلي يعبر عن حياتنا، أصدق تعبير. 1- انشاء كرسي للأدب الشعبي في جامعة الخرطوم. 2- انشاء مركز للفنون الشعبية تتبناه الدوله. 3- انصهار فرق الفنون الشعبية في بوتقه واحدة حتي تتمكن من ابراز نشاطها في قالب جماعي يتسم بالدقة والعمق. 4- إقامة المتاحف والمعارض للفنون الشعبية. 5- إرسال البعوث الي الخارج للتخصص في علم الفو لكلور. 6- تشجيع الباحثين علي تقديم رسالات جامعية ودراسات في تراثنا الشعبي. وطريقة المجتمع لقد تبين لنا مما سبق أهمية الأدب الشعبي، وأن بلادنا غنية بالمأثورات الشعبية، من شعر ، ورسم؛ وموسيقي ورقص. كل هذه الفنون الخام في حاجة إلي جمع وتبويب، في صدق وأمانة وطريقة الجمع والتبويب يمكن أن تتم بوسلتين، أولا الجامع المدرب الذي يكون له إلمام تام بتاريخ السودان وجغرافيته، ويكون علي قدر كبير من فهم العادات والتقاليد، واللجهات العامية السودانية ، فيأخذ النماذج من أفواه قائليها ، ويستحسن أن يأخذها أثناء مناسبتها. ثانيا ينبغي لجامع الفنون الشعبية أن يكون نشطا، ويتمتع بحاسة فنية حتي يتذوق الفنون الشعبية الأصلية، فالباحث في هذا اللون يحتاج إلي لباقة حتي يستطيع أن يتجاوب مع الذين يحملون هذه الذخائر في صدورهم ، فيحمل معه آلات التصوير ، والتسجيل اللازمة. وأحدث طريقة لجمع النماذج الشعبية هي طريقة البطاقات، وأهم البيانات اللازمة هي اسم الرواية، أو الفنان ، وعمره ، ومكان ميلاده، وهل هو من أبناء القرية، وهل هو فنان محترف ، ثم طريقة الآداء، والحركات، ونبرات الصوت إليغير ذلك من الأسئلة التي تعطي فكرة عامة للباحثين . وحبذا لو كونت جمعيات من المتهمين بالفنون الشعبية لجمع المأثورات وتبويبها حتىيكون العمل جماعيا، فمثلا يمكن أن يتخصص الأعضاء الملاحم البطولية، وشعبة الأغاني والرقصات الشعبية، إلي غير ذلك من الألوان الشعبية الأخري ، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة دراسة هذه المواد الخام، واستنباط الاتجاهات التاريخية، والظواهر النفسية ، والأفكار والمثل التي تعكس نفسية الشعب السوداني في صدق وأمان ختاما أ كرر إن تاريخنا الحقيقي يمكن في تراثنا الشعبي، وإن التراث الشعبي هو الخيط الذهبي الذي يربط ماضينا بحاضرنا وإن تراثنا الشعبي لا يزال كنوزا تغطيها الرماد، فالقبل إذن علي جمعه وتويبه ، لأن الأمم تقاس بتاريخها، وتراثها الفكري، وتاريخنا بلا شك يمكن في فنونا الشعبية . منقول من موقع أنور كنج anwarking.com
  8. شعراء الحقيبة اروع من كتب شعر الغناء السودانى .. والأغنية البسيطة تسافر للناس مثل الحمام الزاجل حوار: طاهرمحمد علي طاهر الشاعر كامل عبد الماجد من شعراء الأغنية السودانية ، وأحد المبدعين من جيل الستينات والسبعينات الذى بصم على دفتر الشعر العاطفى فى السودان ، وعرفه الناس من خلال قصائده التى تغنى بها أفذاذ المغنين أمثال الجابرى ، وحمد الريح ، وجيلانى الواثق .. صدرت له مجموعته الشعرية الثانية خلال الأيام الفائتة والتى تحمل عنوان أغنيته الشهيرة ( سيد الإسم ) .. إلتقيناه فى هذا الحوار للبحث عن ملامح شاعر يمتهن السياسة لكنه ينحاز للشعر فى أسمى معانيه ، ويرفض شعر السياسى جملة وتفصيلاً : حوار : طاهر محمد على طاهر عرف كامل عبد الماجد كشاعر غنائى فماذا تحمل بطاقتك ؟ أنا إقتصادى حسب الدراسة وإدارى حسب المهنة وسياسى حسب الممارسة فقد تخرجت فى كلية الإقتصاد جامعة الخرطوم عام 1970م ثم ذهبت لبريطانيا والتحقت بجامعة بيرمنجهام حيث درست الإدارة ثم إنتقلت لجامعة لندن وحضرت للدراسات العليا فى التخطيط التنموى ثم عملت فى السلك الإدارى خارج السودان ، والصحافة ببريطانيا والإدارة بالسودان ثم شاركت فى العمل السياسى كمحافظ للأبيض ، وبارا، رشاد ، القطينة ، ثم مستشاراً بوزارة علاقات المجلس الوطنى ( البرلمان ) .. ولأننى منذ أيام الجامعة كنت قيادياً سياسياً فى الجبهة الديمقراطية كنت من الذين يصرون على المشاركة الوطنية فى كل الأوقات وهذا جزء من بطاقتى لايعرفه الكثيرون . أستاذ كامل .. كيف كان الإتجاه لمجال الشعر الغنائى ؟ فى زماننا لايصل المبدعون إلى مايصلون إليه عن طريق الصدفة فالوصول للمجد والشهرة فى ذلك الزمان كان بالمثابرة والتحصيل وأقتفاء أثر الذين يسبقونك فى المجال .. لذا رأيت فى نفسى ميلاً إلى حب الشعر وكتابته فبدات أقرأ وأحفظ وأكتب الشعر وأنا بعد يافع فى المدرسة الوسطى ، ونشرت لى فى تلك المرحلة بعض القصائد ولكن إختيارى فى معظم ماأنتجت الكتابة بالعامية وهو لإدراكى أن المفردة العادية البسيطة والتى تكون بلغة الناس هى التى تصل اليهم ويكتب الإنتشار لها فمن الجميل أن يتغنى بشعرك البروفيسور والعامل البسيط فى أى مكان ، والأغنية البسيطة تسافر للناس مثل الحمام الزاجل ونجد فى بلادنا ذيوعاً أكثر مماتجده الأغنية المكتوبة بالفصحى .. هل أى قصيدة يكمن ان تغنى ؟ نعم أى قصيدة يمكن أن تغنى .. ولكن هناك قصائد تكتب من أجل أن تغنى ويتم فيها إختيار المفردة التى تتناسب لاحقاً مع الموسيقى ويتم إختيار موسيقى الشعر بصورة تيسر للملحن التلحين وهناك القصائد التى تكتب ولايقصد بها الغناء وقد غنى فنان السودان عبد الكريم الكابلى قصائد صعبة جداً فصدح بقصيدة ( أراك عصى الدمع ) رائعة أبى فراس الحمدانى ، وقصيدة ( ضنين الوعد ) للشاعر صديق مدثر ، ولكنه غنى أيضاً ( لوتصدق ) و( امير) و(سكر) .. عندما تكتب القصيدة هل تضع فنان معين فى ذهنك تعتبره هو الأنسب لأدائها حسب مافى النص من موسيقى الشعر ومضمونه ؟ نعم .. فى تجربتى المتواضعة أحس بعد الفراغ من القصيدة أنها تتناسب مع مغنى معين وذلك عن طريق تأملى لطريقة أدائه ومع مراعاة التشكيل الشعرى للأغانى التى تغنى بها من قبل بالإضافة إلى الموسيقى الشعرية فى القصيدة لذلك أدفع بها إليه .. تستهوينا الأغانى الحزينة وكذلك القصائد .. فهل نعتبر هذا بأننا شعب يرتضى الحزن ام أنه واقعنا الذى أصبحنا نعايشه ؟ الناس عادة لايعشقون الحزن بل يتمنون الفرح ويحلمون بأن تكون معظم أزمانهم أزمان فرح غير أن الحزن كمشاعر تشكل دواخل الناس ، وهو أى الحزن الأعمق يظل فى الدواخل لردح أطول من الزمان فحين تنفض ليالى العرس ويذهب العروسان الى شهر العسل ينفض الناس الذين حضروا مهرجان الزواج كل لحاله ، ولكن فى المآتم بعد الإنتهاء من ايام العزاء يبقى الحزن الغامر على الاحباب الذين نفارقهم قابعاً فى الدواخل والجوانح .. ( مانسيناك .. ولكن قديم الجرح يغرى بالتناسى ) لذلك عندما يصدح فناننا السودانى سيد خليفة بأغنية ( الفراق ) يحرك الدواخل لوعة واشجاناً عند الذين نفارقهم . كيف ينظر كامل لشعراء الحقيبة ؟ وماذا يتناول من اغنياتها ؟ شعراء الحقيبة اروع من كتب شعر الغناء السودانى ، وأنا ماخوذ فى دواخلى بابداعاتهم الفذة .. ويبدو ان مناخ الحرمان والصدّ الذى كان سائداً فى حقبتهم كان عاملاً فى صدق اشعارهم .. ويعجبنى كثيراً أبو صلاح فى ماكتب وأخص ( ياسمير بى نظرتك او فى الميعاد ) .. و( شوف العين قالت دالالا ) ويدهشنى كثيراً عمر البنا فى روائعه ( فى الطيف اوفى الصحيان ) و( إمتى أرجع لام درواعوده ) ، ويحيرنى محمد بشير عتيق فى أعماله وأخص ( أيام صفانا ) و ( مابنسى ليلة كنا تايهين فى سمر ) .. تدنى المفردة الشعرية الغنائية ؟ جاءت مستجدات ، وفقد العالم التوازن ، فتراجع كل شئ حتى السلام .. أنظر من حولك لما يحدث الأن ، كيف يبدع الناس وهم يخشون المستقبل ؟ نعم تدنى شعر الغناء وانفض سماره من الشعراء العظام الذين نهل جيلنا من معينهم امثال ود الرضى ، والعبادى ، وعتيق ، وابو صلاح ، والمساح ،والأمى ، وعمر البنا ، وشعراء جيلهم .. ومن ثم جاء بعدهم جيل بازرعة ، وصديق مدثر ، والحسين الحسن ، واسماعيل حسن ، وابوقطاطى ، والمغربى .. ثم جاء جيلنا ابو امنة حامد ، والحلنقى ، ومحجوب شريف ، ومحمد يوسف ، وسبدرات ، وهاشم صديق ، والتجانى سعيد ، وصلاح حاج سعيد ، وتجانى حاج موسى ، وحسن الزبير ، ومبارك بشير ، وأسماء أخرى لايسعها حيز الحوار .. تدنت المفردة .. وبالمقارنة مع شعراء الحقيبة الذين أوردتهم أرى ان البون فى جودة النظم شاسعاً ، الا انه لم يصل المسافة التى تفصل بين جيل شعراء السبعينات ، والجيل الحالى من الشعراء .. فبالرغم من ان الشعر ظلل كل حياتى ووجدانى الاأننى اليوم لااعرف إسماً من الذين يكتبون شعر الغناء فى الجيل الحالى .. وحتى حركة الإبداع قل حراكها فى الأونة الأخيرة ؟ الإبداع بلاشك ينداح من جيل لجيل ، ولكننى أحس ضعفاً وتراجعاً فى الحركة الإبداعية فى السودان خلال الفترة الماضية ربما لإنشغال الناس بأمر الحياة والعراك لتوفير لقمة العيش ، ولم يكن الحال هكذا من قبل فى السودان وفى كل العالم ، بجانب أن ثورة المعلومات ، وإنتشار الفضائيات ، والتقنيات الحديثة أحدثت تغييراً بيناً فى شكل مواعين الإبداع القديمة .. لاأحد يسمع الإذاعة ولا التلفزيون الأن ، وأنحسرت المنتديات الأدبية ، وهاج وماج سوق الغناء .. وأكتظ بالحابل والنابل .. كان المبدعون فيما مضى فى كآفة ضروب الفن يظهرون فرادى عبر الايام مثل ومضات الضوء التى تبرق ثم تسطع ، لذا يعرفهم الناس ، أما اليوم فنرى أسماءهم أو نتابع مايقدمون من عطاء .. وفى خضم هذا يتدنى الإبداع ، وينشط تجار صناعة الغناء بلا حسيب ولارقيب ، وحقيقة نأسى أن يجد هذا الغناء طريقه الى أبنائنا وبناتنا .. إذاً كيف ترى واقع الأغنية السودانية فى ظل الغزو الثقافى ، والإنفتاح ، وظهور أغنيات الفيديو كليب ؟ الغزو الثقافى يجد مناخاً لينمو ويترعرع فى غياب الإبداع المحلى الجيد ، فقرار وقف تسجيل الأغنيات العاطفية بالإذاعة السودانية مكّن من ذيوع الغناء الوارد إلينا عبر بوابات القنوات الفضائية فحفظه وتغنى به الجيل الجديد ولاسبيل لوقف أو مناهضة الرياح القادمة عبر الفضائيات الا بتجويد الفنون والإبداع وتخصيص أضعاف ماهو مخصص الآن من اموال لتيسيرها وترقيتها . هل اللهجة السودانية تقف عائقاً أمام إنتشار الأغنية السودانية خارجياً ؟ اللغة لاتقف عائقاً ولكن الذى وقف عائقاً أمام إنتشارها هو الإعلام الضعيف ، فإذا إستبعدنا مصر وسوريا ولبنان ماذا تقول عن الكويت والإمارات التى تنتشر لها الأغانى والمسلسلات باللهجة المحلية .. إن الموضوع ليس موضوع العامية والعربية الفصحى وإنما هو موضوع الإعلام وفاعليته فى أن يصل إبداعنا ويحمله الى الناس فى الخارج . أنت تكتب الشعر وتمتهن السياسة ن ففى السياسة تخاطب عقول الناس ، وفى الشعر تخاطب مشاعرهم ، فأيهما أسهل ؟ ولماذا ؟ أنا احلم بيوم نرى فيه الساسة يخاطبون مشاعر الناس مثل مايفعل الشعراء ، والأدباء ، والموسيقيون ، والتشكيليون ، عندها تصبح الدنيا مكاناً أنيقاً جميلاً جداً جدير بأن نعيش فيه ، فالسياسة الآن عنف ، وإخراج للناس من ديارهم قهراً كما يجرى الأن فى فلسطين ، وتهديد ووعيد بالويل والثبور من الدول القوية للدول الضعيفة ، أننى أستمع يومياً لنشرة ( BBC ) عند السابعة صباحاً ولاأسمع غير أخبار القتل والتشريد والتجريف والمحاكمات ، أهذا مناخ للعيش الآمن المطمئن ؟! يقولون أن شعر السياسى متحيز فكيف نجحت فى كتابة القصيدة العاطفية ؟ إننى لاأكتب شعراً سياسياً وربما أكتب شعراً يتحدث عن مجد الوطن وإرثه التليد ولكننى أعتقد أن الشاعر الملتزم سياسياً لايخاطب كل الناس ، وإنما يخاطب أهل طبقة السياسة فقط ، لذا فالشعر الذى يكتب عن الوطن هو أرحب مجالاً ، ويهم أهل الوطن قاطبة ، ويجد منهم القبول ، ونحن جميعاً يجب أن نتفق ولانختلف فى حبنا للوطن ، ثم بعد ذلك يمكن ان نختلف فى ماسوى ذلك . وأنا رجل أميل الى الرقة فى التعامل فى كل شئ حتى السياسة ، وهذا مكننى من الإستمرار فى كتابة شعر الغناء دون توقف . كلمة أخيرة ؟ أتمنى ان يزدهر الإبداع فى بلادنا ، وأن يأخذ أولو الأمر فينا مسألة الإعلام مأخذ الجد ويدعمونه حتى يرسخوا لإعلام قادر على التعريف بالتاريخ ، والفنون ، والتراث السودانى الثرى الخالد . نقلا عن : ***.sudanjournal.com
  9. ( 1 - 3 ) شاعرة سودانية عربية لديها خطابها الشعري المميزأنشدت مبكراً: خطئي أنا أني علي لا شيءَ قد وقـّعت ُ لك فكتبت أنت طفولتي وأحبتي ومعارفي وقصائديوجميع أيامي لديك ********************************** سمراء اللون .. سمرة غالب أهل السودان ..الدم يختلط بهجين من ربوع كردفان حيث أتي أجداد أمها ..ومن دار جعل حيث سلالة الأب في (التراجمه) بشمال شندي .. والمنبت والنشأة في (كسلا ) درة شرق السودان .. السمراء روضة الحاج تجذبك وهي تلقي الشعر في محفل عام.. تلقيه بنبرات صوت يتسم بوقع موسيقي مريح علي الأُذن .. تخاطب فيك عقلك قبل أحاسيسك .. وأحياناً حيث ما تذهب يظل البعض يقاطع فعالياتها.. ذلك لأن مبدأ المقاطعة أصبح أمراً قطعياً يحاصر وجدانهم .. فلا يستطيعون منه فكاكاً .. وهم مقتنعون بذلك تماماً. ___________________________________ لكن .. هناك من يرغب في رؤيتها وهي تلقي الشعر.. والبعض الآخر يعرف سلفاً أنها الشاعرة روضة الحاج صنيعة إعلام السلطة في الخرطوم .. لكنه يذهب ليري الشاعرة الظاهرة التي طغت علي الساحة ردحاً من الزمان ولازالت .. وبعضهم يريد بقناعة تامة الإستمتاع الحقيقي بالشعر الجميل من صاحبة الإلقاء الأجمل.. فلا يحسب حسابات السياسة الحادة القطعية ..ولايُحمِّل الشاعرة الشابة ملامح إنتمائها لتيارها السياسي الذي تعتز به رغم قولها بعدم إشتغالها بالفعل السياسي.. لذلك تجد البعض يتحرك لمشاهدة ندواتها متحرراً من أي حصار أيديولوجي مضرو ب عليه مسبقاً كتراث سياسي لا يستطيع الفكاك منه .. وبالتالي فإن الحس الإبداعي لديه يغلب علي الأفكار السياسية التي عُرف بها السودانيون بمختلف تنظيماتهم السياسية ، سواءً كانت أفكاراً إسلامية أو سلفية أو تلك التي تغلفها مباديء اليسار بمختلف مدارسه الفكرية.. عروبيا كان ام ماركسيا صرفاً .. كما نجد هناك أيضاً من يعتز بروضة الحاج كمبدعة موهوبة خرجت من عباءة فكره السياسي.. فيحدث التوافق والإعتدال المزاجي لديه.. فيذهب للأستمتاع بشعرها بصدر منشرح تماماً .. وهكذا هي الحياة.. تمور أحداثها بتلك الأصناف والأيديولوجيات والأمزجة .. ولكننا نقول: ( ياهو ده السودان ) . و في نهاية الأمر .. تبقي روضة الحاج - كواقع إجتماعي - شاعرة سودانية عربية لديها خطابها الشعري بلغتها المميزة .. وبإلقائها الفريد .. فالإلقاء الشعري فن قائم بذاته.. وهي التي أصبحت تتم دعوتها في المحافل العربية في عدة دول ، بعد أن أثبتت حضوراً بائناًً في المهرجانات الثقافية العربية مؤخراً - حضوراً لا يمكن تجاوزه - مهما كانت المبررات الأيدولوجيه ومستوي قسوتها أو إعتدال نبرتها علي النطاق السوداني.. فهي تبقي إنتقادات محلية سودانية بحتة لا شأن لفعاليات الثقافة في المنطقة العربية بهذا التقوقع السوداني الداخلي المحدود الأثر. وقد دخلت تلك الشاعرة السمراء إلي المجال الدولي مؤخراً و ذلك من خلال دعوتها لإلقاء إبداعها الشعري في معهد العالم العربي التابع لليونسكو بالعاصمة الفرنسية باريس في مارس 2002م .. ولقد إمتدت محاوراتنا مع تلك السمراء خلال مشاركتها لفعاليات مهرجان الدوحة الثقافي في أبريل 2002م من العام الماضي .. في نقاشات لا تخلو من الصراحة حول الخلفيات السياسية التي يري البعض أنها وراء لمعان الشاعرة بتوظيف الآلة الإعلامية الرسمية للدولة لصالحها .. بمثلما لاتخلو أيضا محاوراتنا معها من سياحة جمالية في عالم الكلمة المموسقة الساحرة .. ولنا عودة مطولة معها ..تلك الشاعرة السمراء ( روضة الحاج ) والتي قالت في مقطع جميل في إحدي قصائدها الأنيقة: خطئي أنا ... أني لك إستنفرت َ ما في القلب.. مافي الروح.. منذ طفولتي.. وجعلتها وقفاً عليك خطئي أنا .. أني علي... لا شيءَ .. قد وقـّعت ُ لك فكتبت أنت طفولتي وأحبتي .. ومعارفي .. وقصائدي وجميع أيامي .. لديك واليومَ .. دعنا نتفق.. أنا قد تعبتُ .. ولم يعد في العمر ِ مايكفي الجراحَ إنفقت ُ كل الصبر عندكَ والتجلد ِ.. والتجملِ .. والسماح ولنا عودة .. قريباً جداً .. في ميادين الفن والأدب مع مفاصل تلك المحاورات بما تكتنزه من قسوة ووضوح .. ومن خطوط إبداع أيضاً .. إبداع شعري يسد عين الشمس..فألأوراق لا تختلط لدينا مطلقاً .. وذلك لقناعتنا بأن الإبداع يشق طريقه منفرداً .. ولا تنميهِ الأيدولوجية .. بل ولا يضيف الإبداع شيئاً للأيدولوجية .. وإلي اللقاء ،،،، (2-3) قلنا في الحلقة الأولي من هذه المحاورات أن الشاعرة روضه الحاج كان قدرها أن تتفتح وتكتمل تجربتها الشعرية وتنتشر وتتمدد مع بدايات التمدد الإعلامي خلال الخمس سنوات الأولي من عمر الإنقاذ. وعند ذاك أتت رياح أعمالها تنسكب بقوة من إناء الآلة الإعلامية وفي مختلف المنابر.. فوجدت أعمالها الشعرية الرعاية والإهتمام فلمع برقها بقوة شديدة حين فرضت نفسها بإبداعها الذي يحمل طابعين وقتذاك .. الطابع الحماسي ذي الروح التي تشحذ الهمم .. فضلاً علي إتباع تقنية معينة في أشعار الرثاء ، ثم يأتي الطابع الثاني الذي يتفجر وجداً وعاطفة جياشة تخاطب بها خيالات الشباب حين أتت أشعارها في قوالب متماسكة من حيث الحبك الفني وتوظيف المفردات بلغة جديدة لها نكهة الشاعرة .. فضلاً علي فن الإلقاء ومخارج الصوت ذي الجرس الجاذب الذي تتميز به . . لكن رغم ذلك كان ضغطنا في محاوراتنا معها خارج الوطن بالدوحة ضغطاً عالياً لنري فنيات خطوط دفاعها . _________________________________ قلت لتلك السمراء .. مهاجماً بسؤال مباغت : إن أشعارك رائعة وذات ألق بائن .. ولك ( إستايل) أكثر روعة في فن الإلقاء الشعري في المحافل العامة ، نحن نفاخر بك كأول فتاة ثم سيدة سودانية تخرج من النطاق المحلي إلي المنابر الثقافية العربية حتي أصبح حضورك دائماً في أي فعاليات عربية ( أي أصبحت مطلوبة في المهرجانات العربية) .. شأنك في ذلك شأن نازك الملائكة وفدوي طوقان وسعاد الصباح (أيام زمان) ، لكن ألا ترين أنك داخل الوطن لم تكن في يوم من الأيام كل أعمالك الشعرية الكثيفة تتحدث عن هموم الناس وقضاياهم وأشواقهم لعدة أشياء تأتي في مقدمتها الإنحياز نحو نبض الشارع السوداني العريض الذي تحرض معاناته خيالات جمهرة المبدعين وفي مقدمتهم الشعراء للتعبير عن ملامح تلك المعاناة .. ألم تلاحظي أنك تديرين ظهرك لهذه المنطقة في عدم توظيف أشعارك في هذا الشأن الشعبي رغم إتاحة السلطة للمبدعين أن ينظموا مايشاؤون من قصائد خلال سنوات الإنفراج الأخيرة ؟ كان ذلك في تقديري سؤالاً مباغتاً للشاعرة روضة .. فقد إنزعجت في البداية للسؤال .. لم يتكهرب الجو في جلستنا تلك بمطعم فندق (ريتز كارلتون) الفاخر بالعاصمة القطرية الدوحة حين كانت تنزل ضيفة مشاركة في فعاليات مهرجان الدوحة الثقافي الذي كان ينظمه المجلس الوطني للثقافة والتراث بدولة قطر الشقيقة.. إبتسمت روضه ، لكن في إبتسامها كان يطل ملمح سخرية ممزوجاً بخطوط براءة .. فضغطت عليها أكثر في السؤال ، حيث كان هدفي يرمي إلي إستكشاف المدي الذي تفكر فيه شاعرة شابة وجدت أمامها اضواء متمددة ، هل يا تري أنها فعلاً لا تهتم بالتعبير عن هموم ونبض الشارع .. أم تهتم لكنها لا تجد الآلة التي تستطيع أن تعبر من خلالها .. أم أن الأوراق تختلط لديها .. فالساحة السودانية تفيض بأشعار المبدعين عن هموم الناس منذ ماقبل الإستقلال ومابعده من حقب تاريخية حتي من خلال فن الغناء الجميل . قالت تلك السمراء - روضة الحاج - وهذا ما فاجأني فعلاً حين قالت:إنها معجبة بقوة شديدة ومنبهرة بكل عطاء الكروان الراحل مصطفي سيد أحمد وبمفردات أعماله التي كتبها له العديد من الشعراء .. فاحترت في ردها هذا ، لكنني واصلت ضغطي بذات السؤال : وأين أنت يا روضة من نبض الشارع السوداني في أعمالك .. ولماذا يكون شعرك تمجيداً لسلطة الإنقاذ علي طول الخط وليس فيها بعض هموم كالتي كتب بها شعراء الكروان الراحل مصطفي؟ إنفعلت روضة هنا .. ذهب عنها هدوؤها .. فارقت الإبتسامة ملامح وجهها .. وهي المعروفة بإبتسامة مستديمة لا تفارقها مطلقاً لتبدأ في الرد المتواصل! : أنا أتحدي يا أستاذ صلاح أي إنسان يقول إنني كتبت قصيدة سياسية أو غير سياسية كتمجيد لسلطة الإنقاذ .. أنا مطلقاً لم أهتم بالتعبير الشعري السياسي .. أنا لست عضو مجلس ثورة في الإنقاذ أو سياسية تدافع عن الشأن السياسي حتي تحاكموني علي شعري .. أنني بصراحة لا تعجبني طريقة تصرفات بعض الشعراء من الشباب الذين يلبسون ( الجينز المرقع ) وينكشون شعر الرأس وعدم الإهتمام بالزي كي يدللوا علي أنهم إشتراكيون ومنحازون لقضايا الناس .. أنا .. أنا .. أنا وجدت أمامي عهد الإنقاذ حين إكتمل وعيي ، لا أذكر حتي ملامح إنتفاضة السادس من أبريل ماهي وكيف قامت ؟ لا تلوموني يا أخي كثيراً .. فأنا منذ كنت تلميذة صغيرة كنت أحب إرتداء الطرحة كخمار لتغطية شعر رأسي حين كان العمر لا يتطلب هذا الأمر .. فلقد وجدتُ مباديء وعادات الأخوات الإسلاميات قريبة من ميولي الخاصة ، لكنني لا أتحمل خطأ الفعل السياسي ولا يعتبر عملي الشعري يتجه نحو ذلك الإتجاه .. لكنني لا أخفي عليك أنني أعجب لمجاهدات شباب الإسلاميين بالجنوب عندنا .. فأنا حتي اللحظة يصعب عليّ تناول الأكل حين أتذكر تضحيات الشهيد ( علي عبدالفتاح ) وصحبه الذين كانوا يفجرون أنفسهم لتدمير الدبابات التي تريد الدمعقولة بس إلي مدينة جوبا .. هو ورفاقه في الميل أربعين قرب مدينة جوبا عاصمة جنوب السودان الكبير. قلت لها: لا تغضبي يا سيدتي .. أنت لم تشهدي عصر عمالقة السياسيين الوطنيين السودانيين سواء كانوا إشتراكيين أو غيرهم من التيارات بمختلف مدارسهم الفكرية سواء سودانية أو عروبية أو إشتراكية .. فقد إنتقل غالبيتهم إلي الدار الآخرة إما بسبب عنف وظلام الشمولية المايوية في سنوات حكم النميري أو بسبب الموت الطبيعي ، لكنهم علي أية حال لم يكونوا مبهدلي أنفسهم في اللبس كما تعتقدين . كانت الشياكة وحسن الهندام هي من أهم مظاهر ملامح ذلك الجيل من كافة التيارات السودانية ، لم تشهدي المرحوم (عبدالخالق محجوب) الزعيم الإشتراكي المعروف وهو يرفض المثول أمام المحكمة العسكرية العجلي في يوليو 1971م بعد فشل الإنقلاب الشيوعي الذي قاده هاشم العطا وسقط في ثلاثة أيام فقط حين أصر عبدالخالق قبل محاكمته بالشجرة علي أن يأتوا له من منزله بلبسة (سفاري) راقية كان يحبها زائداً طلبه لماكينة الحلاقة - حسب أقوال الصحف السودانية وقتذاك ـ خلال سير تلك المحاكمات وذلك ليظهر مهندماً ونظيفاً في المحكمة التي تحضرها وكالات الأنباء العالمية والصحف العربية، بالرغم من أنه كان يتوقع الإعدام وقتذاك .. كما كان المرحوم الرائد فاروق حمد الله - الذي لا يوجد إنتماء أيدولوجي له -يصر علي إحكام ربطة العنق وتهيئة الجاكت جيداً وهو متجه إلي الدروة لإستقبال حكم الإعدام بكل رباطة جأش ، هؤلاء بعض من كانوا هم دعاة الوطنية والإشتراكية .. إذن ما تذكرينهم من الشعراء بإلإستهتار بالزي اليوم وينكشون شعر رأسهم ليسوا هم الذين يعبرون جيداً عن نبض الشارع ، إنهم شيء آخر لا علاقة له بما يستعرضون به .. وهم علي أية حال ليسوا بالمثال الذي نعنيه ، وحتي ذلك لا يعتبر تبريراً لك لعدم ملامسة أعمالك الإبداعية لنبض الشارع ولمعاناته.. فما يزال سؤالي لك قائماً .. ما رأيك ياروضة ؟ قالت روضة أن خطوط أشعارها تتحدث عن القيم النبيلة لشعب السودان الأسمر وعن الكرم والشهامة وعن القضية العربية المركزية وهي فلسطين السليبة .. كما أنها تكتب عن الوجدانيات من خلال مضامين أشعارها التي وردت في كتيباتها الأربعة . وهي لا تعتقد بأن من لم يكتب عن نبض الشارع السوداني وعن معاناته بأنه لا ينفعل بتلك القضايا أو لا يؤمن بها ، لكنها لم تكتسب أدبيات تأليف أشعار هذا النوع من الشعر رغم تعلقها وحبها للعديد من القصائد والأغنيات في هذا الشأن الإبداعي ... وهنا أجد نفسي في حاجة إلي الوقوف قليلا عند بعض أشعارها التي تتجه بها إلي وجهات أخري من خلال مضامين الأبيات التالية حين قالت السمراء روضة: من ظل عينيك الحبيبة.. كنت أقترضُ المساءات الندية حزمة ً للنور ِ.. دفقاً من بريق هيا تحدث .. عن هموم الناس عما أصدر الشعراء والأدباءُ.. عن فن السياسة قل .. وزودني لذيّاك الطريق علِّق علي شكل الرصيف علي البيوتِ علي الشوارع قـُل .. فقد أفسدتَ عندي قول كل الناس يا هذا الصديق في الصبح يوم غدٍ سأرحل هكذا للمرة الأولي تعاندني الخطي يوم الرحيل للمرة الأولي أسافر دون قلب ٍ أستدل ُ بهديه .. وبلا دليل للمرة الأولي . يشاهد كل رواد المحطة .. نصف سيدة ٍ تجيء إلي القطار.. في المقعد العشرين تهوي.. كوم حزنٍ .. وإحتياج وإشتياق ٍ .. وإنتظار تلك كانت خاتمة أبيات من قصيدة ( المقعد العشرون ) التي حواها ديوانها الذي أتي يحمل عنوان ( مدن المنافي ) فهو يتحدث في جل قصائده في هذا المنحي .. سفر .. إرتحال .. لكنه يكتنز بحزمة أشواق تتمدد وتتمدد حتي تسكن في منطقة الخليج حين أتي الديوان مطبوعاً في الشارقة علي نفقة ( المجلس الأعلي للأسرة ) بدولة الإمارات حين شاركت السمراء الشاعرة في فعاليات مهرجان أندية الفتيات بالشارقة . محاوراتي كانت مع روضة في مارس 2002م بالدوحة حسب ما ذكرنا سابقاً وهناك حوار جديد نرفقه مع الحلقة الأخيرة القادمة لنري مستجدات شاعرتنا التي أصبحت ( أما) حيث رزقها الله تعالي بباكورة إنتاجها ( محمد ) الذي ملأ عليها دنياواتها .. وحين زارتنا الأستاذة روضة بالدوحة في مارس 2002م للمشاركة في ذلك المهرجان القطري .. أتت وهي لاتزال ( عروسة ).. فكان لابد لي وقتذاك أن أدخل في خصوصيات شاعرتنا ( لكنها عامة نوعا) .. ذلك لأنني أعتقد بأن المبدع يصبح شخصية عامة يتابع أخباره الجمهور أينما حل .. وكيفما تغير وضعه الإجتماعي أو حتي المادي ، فقلت لها مبروك .. ومن هو سعيد الحظ هذا الذي إختطف السمراء وحملها خلفه ( علي صهوة حصان أبيض ) يا تري ؟ .. وهل ما نراه من إبداع في أعمالك الشعرية قد إنطبق بعضه علي الواقع الآن .. واقعك الخاص يا روضة ؟ هل عشت تجربة الآمال الخاصة قبل الزواج .. وهل أتي خيالك بإبداع شعري يؤطر لتلك المرحلة .. إذن كيف تزوجت يا روضة ؟ وككل بنت سودانية فقد لاحظت بعض كسوف يظلل خطوط وجه تلك الشاعرة .. فرغم إنها شاعرة مشهورة ولها تجربتها وأسفارها وإحتكاكها بمنابر ثقافية خارجية وداخلية متعددة أضافت لها جرأة محددة ..فإنها إرتبكت في ردها ( صنقعت ودنقرت ) .. ثم إبتسمت ببراءتها المعروفة وقالت ( لازم يعني ؟ .. ما بلاش الحكاية دي يا أستاذ الباشا ) .. قلت لها لا .. أنت شاعرة مشهورة ولك معجبون كثر وقد أصبحت ملكية عامة للجمهور .. سواء من كان معجباً بإبداعك أم لا .. فالجمهور قد تعود متابعة أخبار النجوم .. أنت الآن نجمة .. رغماً عنك .. وإلا كيف أتيت هنا الآن إلي مهرجان الدوحة الثقافي ..!! لذلك .. فمن حق جمهورك أن يعرف ملمحاً عاماً عن القصة .. قصتك .. كيف كانت ..هي قصة ستكون غير عادية لشاعرة نجمة الآن ( وأنت تعلمين حب الناس للشمارات بالسودان ) .. وتتواصل إجابات شاعرتنا روضة في الحلقة القادمة ... وإلي اللقاء ،،،،، (3-3) : كنا في الحلقة الماضية قد سألنا شاعرتنا السمراء ( روضه الحاج ) عن كيف تزوجت .. وقلنا لها بأنها كنجمه أصبح عطاؤها يفرض نفسه علي الساحة .. فإن من حق جمهورها أن يعرف شيئاً عن قصتها .. قصة الزواج .. من أين وكيف ومتي .. وذلك إشباعاُ لفضول المعجبين بإبداعها المتمدد ، علماُ بأنها بقصائدها الرائعة ظلت تسهم مع المبدعين الآخرين علي تشكيل وجدان الجماهير ، وتخاطبهم بلغة العاطفة النبيلة السامية .. فترتفع وتسمو بالنفوس إلي آفاق رحبة من الوجد . وبعد لأي .. أجابت روضه : كنت قد فزت في مسابقة منظمة الأسيسكو في الشعر ( المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم ) ومقرها المغرب .. وكان مهرجان توزيع الجوائز بالعاصمة السورية دمشق وقد فاز معي من السودان في مسابقة المقال الصحفي طبيب كاتب وهو الدكتور( عامر السماني) وهو متطوع في إتحاد الشباب الوطني حيث نشرت كتاباته في صحف أخبار اليوم والأنباء السودانية .. إلتقيت به من خلال مهرجان دمشق ذاك لتوزيع الجوائز حين سافرنا من الخرطوم بعد إخطارنا بالفوز ، هنا قاطعتها قائلا بمزاح عرضي ( ألم تلا حظي أن المنظمة هذه مسيسة حيث لم يقع الإختيار علي مبدع سوداني آخر للجائزة خارج نطاق فكرك السياسي ؟ ) ضحكت هي.. وواصلتُ أنا قائلاً : ما علينا ياروضة.. واصلي القصة .. فقالت : لا شيء كانت تلك هي البداية .. وبالسودان تم كل شيء وتزوجنا أنا وعامر و(خلاص) فأضفت : كده وبكل بساطه إختصرت تفاصيل زواجك من جمهورك حته واحدة ؟ طيب ألف مبروك يا أستاذة وبالرفاه والبنين . ولنتركها تغرد لنا في (مدن المنافي ) لتحكي عن إحتياجها : وأحتجتُ أن ألقاك حين تربع الشوق المسافر وإستراح وطفقتُ أبحث عنك في مدن المنافي السافرات بلا جناح كان إحتياجي .. أن تضمخ حوليَ الأرجاءَ يا عطراً يزاور في الصباح كان إحتياجي .. أن تجيءَ إليَّ مسبحة ً تخفف وطأة الترحال .. إن جاء الرواح واحتجتُ صوتك كالنشيد يهز أشجاني ..ويمنحني جواز الإرتياح وعجبتُ كيف يكون ترحالي لربعٍ بعد ربعك في زمانٍ .. ياربيع العمر لاح ! كيف يا وجع القصائد في دمي والصبر منذ الآن ..غادرني وراح ويح التي باعت ببخسٍ صبرَها فما ربحت تجارتها وأعيتها الجراح ويح التي تاهت خطاها يوم لـُحتَ دليل ترحالٍ فلونت الرؤي وإخترت لون الإندياح أحتاجك الفرح الذي .. يغتال فيّ توجسي .. حزني ويمنحني بريقاً .. لونه .. لون الحياة وطعمه .. طعم النجاح ختاماً ... لا أملك إلا أن أحترم وأثمن إبداعات هذه الشاعرة السمراء ( روضة الحاج ) مؤكداً علي سلاسة اللغة الشعرية الجديدة التي تميزت بها قصائدها .. حيث نكهة الإبداع تطفر طفراً من ثنايا مفردات العشق النبيل الذي يحدث إرتياحاُ في النفس لاحدود له .. متنمياً لها المزيد من النجاحات في دروب القصيد .. آملاً أن تواصل مسيرتها من أجل نهضة شعرية سودانية أصيلة تنشر الفرح في هذا الزمان المجدب .. ولتظلل مساحات أزمنتنا بأريج أشعارها التي تمتزج فيها حلاوة الكلمات مع عذوبة المضامين .. وأيضاً مع ألق الإلقاء الجاذب.. آملا ألا يأخذها مايكرفون الإذاعة.. وأيضاً وليدها الفارس الجديد ( محمد ) من تلابيبها فتبتعد عن حركة الشعر ومحرابه القدسي .. رغم قناعتنا بتقاطعات ومشاغل الحياة الزوجية أحياناً ... و رعاية النشء أحايين أخري .. وعفواً لها إن كان ضغطنا عليها عالياً في تلك المحاورات التي لم تخل من جرأة متوازنة كنا علي قناعة تامة بها .. فقد كست محاوراتنا بعض من قسوة مع هذه المبدعة المتمكنة والتي لاتزال تكسوها ملامح براءة لاتخطئها العين ... ولعلنا بذلك نكون قد أجبنا علي تساؤلات العديدين في هذا المجال .... وشكراُ للشاعرة المبدعة روضه الحاج ... وإلي اللقاء،،،، بسبب فوزها في مسابقة الأسيسـيكو.. جاءت قصة زواجها جريدة الأنباء : العدد رقم 2100 بتاريخ 2003-05-31
  10. ولد الفنان صديق أحمد بقرية ارقي شرق مدينة الدبة في الولاية الشمالية في العام 1957م من أسرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنيل حيث عمل اجداده على ترحيل البضائع والمؤن عن طريق المراكب الشراعية عبر النيل وكان والده ناظراً بسكك حديد السودان لذلك عاش مطربنا صديق أحمد متنقلاً مع والده حسب عمله بالسكة الحديد في العديد من المدن السودانية وتلقى تعليمه الأولى بأرقي والوسطى بالدبة ثم عمل بمهنة التمريض بمستشفيات الدبة وكريمة. ظهوره الفني بدأ صديق أحمد الغناء عبر ترديد أغنيات الفنان الموسيقار محمد وردي بشرق السودان بمدينة جبيت حيث كان والده ناظراً لمحطتها. وبعد ان عادت الأسرة في أواخر الستينات الى مسقط رأسه «ارقي» ظهر صديق أحمد مغنياً جديداً يؤدي أغنيات الطمبور على ايقاع الدليب وارتبط صديق أحمد منذ ظهوره كفنان بالشاعر عبدالله محمد خير المعروف بلقب شاعر «منحنى النيل» ومنذ ذلك الوقت والى يومنا هذا ظل صديق أحمد يشكل مع هذا الشاعر ثنائية رائعة جعلته مطرباً ذائع الصيت وصاحب اكبر رصيد فني بين كل مطربي السودان تقريباً. برغم انه تعامل مع شعراء آخرين منهم اسماعيل حسن وحسن الدابي، السر عثمان الطيب، محمد الحسن سالم حميد، إبراهيم ابنعوف وآخرين، كما تعامل في الآونة الاخيرة مع الشعراء الشباب في ديار الشايقية منهم أحمد سليمان طه، برير حسن برير، ومن الخرطوم مختار دفع الله وخالد شقوري وعزمي أحمد خليل وغيرهم. أغنيات صديق أحمد: امتازت أغنيات صديق أحمد بالتنوع والخروج عن النمطية مع احتفاظها بالطابع الشايقي المميز ومن أشهرها رائعة الشاعر عبدالله محمد خير «دحين يا يابا ماك مشتاق» وعين الشمس تنزل خجيلانة تكوح بين شديرات البلح، ويا قمرة، سطان زمانك. ومن الأغنيات الجديدة للشاعر عبدالله محمد خير قدم صديق أحمد «سمحي العافية»، «ود أبوزيد»، «ارقي يارحمن». ومن كلمات حسن الدابي قدم صديق أحمد «صحيح ياعبده أخوي»، «قولك حقيقة» «كتير الطفشها الجلا من فريقها» ثم تغنى أخيراً لنجل حسن الدابي «صديق» «اجمل الحلوين» التي تعدت ديار الشايقية واصبحت أغنية قومية في مصاف السلام الجمهوري. الأداء والألحان: تميز أداء صديق أحمد بالتفرد بإمتلاكه حنجرة خاصة جداً ولم يستطع أي من الناشئة تقليده وله مقدرة عجيبة في وضع الألحان حيث لحن 99% من أغنياته من معينه اللحني الخاص وهذا رقم ضخم اذا عرفنا ان رصيده الفني يفوق الألف أغنية!!! الألبومات: صدرت لصديق أحمد حتى الآن سبعة البومات من بينها البوم مشترك مع صديق عمره الفنان محمد جبارة وآخرين من مطربي الطمبور. ونالت شركتا البدوي والسناري ستة البومات اثنان للأولى واربعة للثانية وكان السابع من نصيب شركة أخرى. وأشهرها «سمحي العافية»، «نار عويش» «حبل الصبر».
  11. أحمد الطيب خلف الله ومسيرته الفنية الرائعة لقد قالها المذيع الفذ الراحل "طه حمدتو" : إن هذا الفنان فيه الكثير من ملامح الفنان الكبير "إبراهيم عبد الجليل" ، وأنا أضيف إليه أنه يشبهه تكويناً لا تقليداً من حيث السمات الفنية . ولا أكاد أجزم بالبداية الحقيقية للفنان أحمد الطيب ولا الفعلية ولكن أقدر أن أقول إنه ومن خلال ما سمعت فى الخمسينات كانت هناك مجموعة من الشباب ذوى الميول الفنية خاصة الغناء بالتحديد قبل فترة أحمد الطيب أمثال الأعمام "موسى جرتلى" و "عبد الله جانقى" وكانت لهم بصمات واضحة على تلك الحقبة ما تزال فى ذاكرة الأجيال ومعهم قائدهم الفنان "ود حمد" المشهور فى تلك الأيام . وجاء بعدهم بلا توسط ولفترة غير قصيرة الثنائى "بشير الكتم" و "الحاج الزاكى" ونحن ما نزال نذكرهم ونذكر فترتهم الخصبة ، وكان قد عاصرهم الفنان "محمد المبارك موسى" الذى إمتلك خصائص فنية عالية ولو قُدر له أن يستمر لأضاف الكثير إلى مسيرة الفن فى طابت وإلى الفن الشعبى بصورة عامة . وهذه الفترة التى عاشت فيها طابت بكل وجدانها وحفرتها فى الدواخل كانت عبارة عن إرهاصات لتعملق الفن فى هذه المدينة الوادعـة . جاء "أحمد الطيب" عملاقاً ليرفع صوت الفن فى المدينة المذواقة العالية ولِيفكَ أسره من رباط المحلية ويخرجه إلى الرحاب الأوسع حيث غنى فى إذاعة أم درمان : الشويدِن روض الجُـنان بهواك إزداد الجَنـانْ تساءل أهل الفن وأهل السودان عامة من يكون صاحب هذا الصوت الرقيق ذو النبرات الدافئة والمؤثرة التى لاتعرف الحواجز بينها وبين مجتمع القلوب ، صاحب الأداء المنفك من التقليد بلا نشاز والطارق لعبقرية الإبداع فى تكوين الرصيد الفنى . وحين أضاف : بلابل الدوح ناحـتْ على الأغصـان طَرَبْ وسرور مالـتْ فروع البانْ أدرك الناس أنه من طابت ويومهـا نقشَ إسمه فى سماءٍ إسمُهـا دنيا الفن ، فمـا إستطاع طول الغياب عن الأجهزة الإعلامية أن يتضامن مع النسيان ليسقطه من الذاكرة بل ظلَّ متلألأً وحاضِراً ، فما ضمنا مجلس أنس أو تعارف إلاّ وربط الحاضرون بين مدينتنا والعندليب الراحل المقيم بفنِّـه "أحمد الطيب" هذا العملاق الذى أعطى كل مافى حياته من أجل فَنِّـه فقد غنى أحمد الطيب للملايين فى أقاليم السودان المختلفة فإمتلأت قلوبهم طرباً وفرحاً فأحبوه وأخلصوا له بقدر ما قدَّم لهم من فن رفيع يشدُ السامع إليه فغنى للشاعر المُخضرم الأستاذ "الطيب السمانى" : سمح الخِصال ساحر المُـقلْ من نارْ هواكْ أنـا نومى قَــلْ وأردفَ له أيضـاً أغنية : بدرَ الحُسنِ لى لو لاحْ أطيب من الألمْ وأرتاحْ وليلى الحالِكْ يبقى صباحْ وغنى له أيضـاً : طولْ البُعـادْ زاد الألَـم الشوق كِتِرْ وأنا جسمى إنهدَم يا ناس حليلو الما ظلَـمْ وأردف بغناء رائعة الأستاذ الشيخ هاشِـم : ساهِـر طرفى ما نُمتَ ومن يوم شفتك أعلنتَ بأنى أسير … سلمتَ وبمن سوَّاكَ آمنتَ ومن الحقيبة غنى : ضاعَ صبرى أين ياوصلى قلبى بى نار الغرام مصلى ومن كلمات الأستاذ الطيب السمانى غنى : نور السعادة ضَـوة ليكْ وياالعريس مبروك عليكْ وغنى من الحقيبة أيضاً : المخضوبْ بنانكْ قول لى … وين عطفكْ وينو حنانكْ يا نور عينىّ وغنى اروع ما نظم الشاعر الفريد الأستاذ "عبد الباسط عبد العزيز" : حنينى العشتو فى طابت يا حليلو من سنين غابتْ يا معانى النشوة فى غُـنانا ويا نضارة زهرة ريَّـانَة ليه نسيتى وجُـرتِ يا فلانة ليه دفنتى العاطفة فى صِبانا وكذلك لشيخ الشعراء الشيخ هاشم : جميل آية وبديع رسمَـكْ يا أخى كلمنى قولى ما إسمكْ ربى زاد قَسمـكْ مُعطَّـر دون عطر جسمك تتوق الشمس لى لثمك ونطرب إن ذُكر إسمكْ كما أبدع من أغنيات الحقيبة فأنشد قائلاً تلك الأغنية التى كانت دائماً ما تنعى للناس ليلةً مضت فى آخر كُلِ حفل يفيقون عليها من نشوة الطرب إلى واقع الحال ، إذْ كان الحفلُ وقتها تعانقُ خواتيمُه دائماً أشعة الشمس الأولى ولا ينتهى قبل ذلك : يا حمامة مع السلامة ظللت جَوِّك الغمامة سيرى فى جَوِّك المُطر وأنشدى شعرِك المُشَطَر وقولى للشادِنْ المُبَطَر تيه دلالاً وزيد وسامَة وغنى كذلك الرائعة فى فن الغناء السودانى على مر العصور والأجيال : زمانك والهوى أوانك أحكمى فينا هذا أوانك بهواك كيف أطيق سلوانك وغنى لشاعرة الحماسة السارة على أبو الضو : على الميدان مارقين سَـوا نارى الليلة شا فُــم العدو إنكوى يوم الدُفاسْ والدَودَوا والمَسَقى فى الهامات عَوى يوم الجبان خاف وإنطوى أخوى صقر الجو هَـوى وأردف من الحقيبة رائعة الأستاذ محمد بشير عتيق : ما بنسى ليلة كُنا تايهين فى سمـر بين الزهور أنا وانتَ والنيلْ والقمرْ وغنى من الحقيبة أيضاً : من محاسن حُسنو المحاسن ومن جبينو النور والهلال وغنى لعبد الباسط عبد العزيز : يا البقيت جافى … قلبى ليك وافى ريدى ما هو جنون … ريد صافى شجر الأشواق حَتَّ فوقنا الريد ميسان طَـرِبـاً … عِـربـيد رويانْ من نفوسـنـا … قصيدْ طاف عبيرو الفاح جانا من مافى ومن الأغنيات المحببة إلى نفسى غنى رائعة الشاعر الأستاذ الطيب السمانى : أمْ نفل باين أنا فى حُبك ما بلوم لايم إنتِ لو تدرى أنا بيك سعيد آمِـن الغرام والشوق فى حَشاى كامِن أنا برضى مطامِنْ وأنا فى سجنك ما بدور ضامن طيبة الذكرِ ومن الأغنيات الغرامية التى كانت أول تسجيل له فى الإذاعة السودانية عام 1963م رائعة الأستاذ الطيب السمانى أيضاً : الجدية الساكنة حَـيّنـا من نار غرامِكْ حَـىَّ أنا بى شَقاى حَى أنا وما فى هذه الأغنية الرائعة من البلاغة شئ عجيب فى الجناس الوارد فى ثلاثة أمكنة : "حيَّنا" الأولى من الحى موقع السُكنى ، و"حَىَّ أنا" الأخرى كلمة للتنفيس عن ما فعله الغرام بنفس الشاعر ، و"حَى أنا" الثالثة يثبت الشاعر فيها أنه عائشٌ بشقاء حُبِّهـا . وأبدعَ من حقيبة الفن أغنية : يا مُداعب الغصن الرطيب فى بنانك إزدهت الزهـور زادتْ جمال ونضار وطيب وأردفَ للشيخ هاشم رائعته : يا الغُصـنْ الدايمــاً رطيبْ من شوفتك أنا مرة أطيب يا الجَدى اللابس الوَشى يا الطاؤوس خايل المشى من شوفتكْ أنا بنتشى وغير لحظكْ ما ببقى شى وأردف لشاعره المخضرم الطيب السمانى : أحب الليل وأساهر الليل عشان خاطر عيونكم ديل أحب الليل نجومو كُتار أمينة بتحفظ الأسرار حرام أنا ليلى يبقى نهار شموعى بخور وأنغام زار ومن أغنيات الحقيبة التى أشتُـهِـر بها رائعة العبادى : عازة الفُراق بى طال وسال سيلَ الدمع هطَـال ومن أروع ما غنى خلال مسيرته الفنية رائعة الشيخ هاشِـم : نظرةٌ منكَ يا أمير تبعثُ الراحة فى الضَمير يا مُغرى يا زين الشباب أرحم فؤادى الليكَ حابْ أذقتـهُ مُـر العذاب يا سادة يا زاهى يا نضير فكل هذه الكلمات الرقيقة العميقة الراقية التى يستشف الإنسان صدقها من حرارتها وعذوبتها والتى ألفها خيرة شُعراء طابت المرحوم الشيخ هاشم والشاعر الطيب السمانى والشاعر عبد الباسط عبد العزيز وشاعرة الحماسة السارة على أبو الضو ، كلهم كانوا عوناً كبيراً للفنان أحمد الطيب ونبعاً وافراً دفعه نحو القمة والأصالة والثبات . وقبل فترة وفى صغرى حضرتُ إحدى الحَفلات للراحل أحمد الطيب ولفت نظرى حينها بل أعجبنى من حركات الكورس المُغنى خلف أحمد الطيب العم عوض عباس الذى كان يقوم بحركات أكروباتية ذات إيقاع موزون مع الغناء ،وصفقته المتفردة التى يؤديهـا بطريقة تنتزعُ الإعجاب من الحضور بيُسرٍ وسهولة . وهناك إبراهيم "قرض" الذى كان يؤدى دور الفنان أحمد الطيب حين كان يذهب لأخذ الشبال وهذا الكورس المكون من : عوض عباس ، إبراهيم قرض ، الحاج الزاكى ، محمد عباس والنور المقدم سليمان أصفهُ بأنه كورس "مَـكَـرَّبْ" قَـلَّ وندرَ أن يوجَدَ مثلُـه . وُلد أحمد الطيب فى عام 1938م بمدينة طابت ، ودرس الأولية فى السرايا . وقد ظهرت موهبته فى الأناشيد المدرسية تلحيناً وأداء وقد إكتشفه كطالب موهوب أستاذه "قسم الله محمد قسم الله" من قرية "برتبيل" ، حيث دربه على عزف الصفارة ومعه "عبد الله دفع الله موسى }جارعودو{" حيث أن جارعودو كان موهوباً فى تقليد الأصوات لدرجة تفوق الوصف وهو ميَّـال للفرح والفكاهة فصار عازفاً جيداً لآلة الصفارة وكانوا جميعاً وعددهم خمسة أفراد فى كشافة المدرسة.بالإضافة لأحمد الطيب وجارعودو نجد "عبد الكريم أبو المعالى" وكان لاعباً بنادى الأهلى بطابت فى الستينات والممثل البارع "محمد الأمين سر الختم". بعد أن أكمل أحمد الطيب الأولية ،درس بمعهد عبد المنعم بالخرطوم قسم الميكانيكا ، وكان أحمد الطيب يجيد الدوبيت وكان لاعب كرة من الطراز الفريد ،حيث أنه كان يلعب رأس حربة لفريق العمال فى عهده الذهبى ، وكان أول فريق يكونه نادى العمال فى الخمسينيات وكان يُمثل فى السُداسى القومى الذى لاقى الهلال العاصمى فى إحتفالات الإنتاج فى "فطيس" عام 1956م . تزوج أحمد الطيب فى عام 1960م . وكان قد عمل أحمد الطيب بشركة Best Control لرش المبيدات الحشرية فى منطقة "قوز كبرو" ، وهنا بدأت موهبته الغنائية حيث تعلم العزف على آلة العود وكان يغنى للفنان "إبراهيم عوض" وكان يقيم الحفلات فى الحصاحيصا ، ثم أتى إلى طابت عام 1961م وعمل بالسوق فى ورشة العم المرحوم "سعيد محمد أحمد }كلوص{" وعمل بالتمثيل فى ليالى السمر التى تقام فى الأندية والمدارس ومثل فى عدة مسرحيات مثل "صوت الضمير" و "عرس بالعافية" للشاعر محمد أحمد على الحاج وشاركه فى التمثيل المطرب محمد المبارك موسى . ثم دعاه الشيخ هاشم الشيخ عبد المحمود إلى أن يمدح وأعطاه بعض مدائحه ومدح منها الكثير نذكر منها : دينك ودينى الإسلام رنتْ فيه الفضيلة يا عداد وتر الأمان ثم مدحه : نعمَ القاموا بى ليلُـم رُكَّـع يداوى تهليلُـم ثم بدأ يغنى أغانى الحقيبة والأغانى الشعبية وكوَّن أول كورس وكان يضم : بشرى فضل المولى ،النور سليمان ،قسم على سعيد ومحمد عباس الحسن . وكانت أول أغنية خاصة للفنان أحمد الطيب هى " الجدية الساكنة حَيَّـنا" وقد سجلها لإذاعة أم درمان ، وقد سُمى فى هذه الفترة "فنان الجدية" . وإشتهرت هذه الفترة بالإزدهار من حيثُ أن الأغنية كانت تؤلف وتلحن وتُؤدى فى نفس ليلة الحفل ، ومثال ذلك أغنية الشاعر الطيب السمانى فى الكاملين عام 1965م التى أداها أحمد الطيب فى نفس الحفلة ثُم لصاحبتها فى الصُبحية وهى تقول : القِمير الأشرق سنـا عمرو داب ستاشر سنة شوفو كيف مال وإنتنى يا اللدين هبلتنـا وقد غنى الفنان أحمد الطيب للشاعر الطيب السمانى أغانى كثيرة جداً ، ثم أخذ يغنى للشيخ هاشم ومن قصائده التى غناها أحمد الطيب أغنية "آه آه من العيون " لكى تكون بخرة له من العيون الحمى والصداع المستمر الذى كان يلازمه ، كلما طلع إلى حفلة أتى منها مريضاً بهذه الأعراض ، فكتب له الشيخ هاشم هذه الأغنية حتى تكون له كبخرة يستعملها فلا تأتيه هذه الأعراض ، ويقول مطلع الأغنية : آه آه من العيون عيون تطيب وعيون تغيِّب وعيون هديتا للشيخ الطيب مما يدلل لنا عن إرتباط الشيخ هاشم بصوفيته حتى فى شعره الغنائى . ثم إلتحق أحمد الطيب مع مجموعة من المطربين الشعبيين فى أبى روف . وفى لقاء أجرته وبثته إذاعة أم درمان قدمه الراحل الأستاذ "محمد خوجلى صالحين" ، غنى فيه أحمد الطيب أغنيتى الفنان "إبراهيم عبد الجليل" : }الشويدِنْ{ و}ضاع صبرى{ ، وعندما سمع الفنان إبراهيم عبد الجليل اللقاء حضر إلى نادى الفنانين وقابل أحمد الطيب وقال له : }يقولون إننى كروان السودان وصوتى لم يتكرر فأتيتَ أنتَ وغنيتهم أجمل منى بكثير فأُشهِـد الحضور أنى طلقتُ أغنيتى "الشويدن" و "ضاع صبرى" طلاق الثلاثة وعقدتَ ليك عليهم يا أحمد الطيب { ومنذ تلك اللحظة أصبحت الأغنيتان ملكاً لأحمد الطيب فغناهما وأبدع فيهما أيَّـما إبداع . وكان أحمد الطيب رجل حسن المعشر يحب الصحاب ، ومما يدل على ذلك أنه فى ختان أبناءه "عماد وعادل " فى عام 1963م أتى إلى طابت مجموعة ضخمة من الفنانين للمشاركة فى هذه المناسبة منهم : عوض الجاك ، محمد أحمد عوض ، بابكر ود السافل ، حسن الأمين ، عوض الكريم عبد الله ، ميرغى المأمون ، أحمد حسن جمعة ، صديق الكحلاوى وغيرهم من رواد الغناء الشعبى فى السودان ، وقد مكثوا سبعة أيام فى طابت يغنون ليل نهار ، وفى هذه الفترة ذهب أحمد الطيب لتسجيل أغنية "نظرة منك يا أمير – للشيخ هاشم" فلم تجيزهـا لجنة النصوص لأنها طويلة ، فتركهم أحمد الطيب وغادر إلى مدنى عام 1969م وظل بها فترة ثم عاد إلى طابت وكوَّن فرقته الجديدة فى عام 1973م والتى تضم : سعيد أحمد عبد الله ، السمانى نوار ، إبراهيم قسم الله }قرض{ ، مبارك أحمد عبد الله و عوض عباس الحسن .وفى تلك الفترة أصيب الفنان أحمد الطيب بمرض "البُرجُـم" وإختفى عن الساحة الفنية فترة فأتاه الشاعر " أحمد محمد الجاغريو" الذى كان يُحبه حباً شديداً ونظم قصيدته : عيان يا بلبل متى تصبح طيب الناس فى رجاك يا أحمد الطيب فلحنها له أحمد الطيب وغناها له ومن هنا سُمى بالبُلبُل . كما غنى فى تلك الفترة أيضاً لشيخ هاشم أغنية: بلابل الدوح ناحت على الأغصان طرب وسرور مالت فروع البـان وغنى للشيخ هاشم أيضاً أغنية : يا شباب مهما نقاسى الليم قاسى قاسى الحُب فى قلوبنا نصابحوا ونماسى ولكن الشيخ هاشم لم يذكر أن هذه القصائد ملكه ، بل نسب الأولى لود الرضى والثانية للجاغريو . يُعتبر من المؤسسين الأوائل لإتحاد فن الغناء الشعبى مع محمود فلاّح والمرتود أحمد طه وصديق الكحلاوى وعمل معه فى الكورس عبد الوهاب الصادق وعوض الكريم عبد الله وغنى فى فترة خلف الله حمد وفيصل الحاج ومحمد أحمد سرور .وكانت هناك شبه منافسة بين أحمد الطيب وإبراهيم عبد الجليل- كروان السودان . إنتقل بعد عدم إجازة أغنية "نظرة منك يا أمير " من قبل لجنة النصوص بالإذاعة كما ذكرنا آنفاً ، إلى مدينة مدنى وأسس فيها نادى الغناء الشعبى ، وتعاون مع شعراءها ومنهم عطا عبد الرحيم فى أغنية "رحلن حليلن" وحسن الزبير وعمر البنا . وفى مسيرته الفنية زار الفنان أحمد الطيب جبيت والأبيض وسنار والدويم وكان كريماً بشوشاً يعز كل الناس ، وكان يحب الملابس البلدية وحياة الريف ، وكان كل همه إبراز موهبته الفنية ولا يهتم بالماديات كثيراً . رجع إلى الخرطوم فى عام 1978م حتى عام 1982م ثم عاد إلى طابت ومكث بها بقية حياته ، إلى أن توفاه الله فى يوم 18/07/1987م حيث توفى بمستشفى الحياة بالخرطوم بحرى . ذكراه ستبقى حية فينا وسيبقى يسعى بيننا ما بقيت أغانيه تداعب أحاسيسنا وتغزو وجداننا .ألا رحم الله الفنان أحمد الطيب بقدر ماأعطى لهذه الأمة ، فإنه لم يبخل يوماً على معجبيه بفنه ولا تنكر لحظة لفنه إنها سماحة أهلنا الطيبين والتى يحملها قلب الفنان الكبير تاجاً يزين جبينه وزاداً يضئ له طريق البذل والعطاء فناً راقياً وأصيلاً .فقد زين جيد الفن فى بلادنا وقد أسهم فى دفع عجلته ، وترك لمساته وبصماته على هيكل الفن فى السودان . لقد كان أحمد الطيب إسماً على مسمى ، فقد كان رقيقاً وكان كريماً وكان حليماً وكان شفيفاً وكان عفيفاً وكان عطوفاً وكان ولوفاً وكان أحمداً وكان طيباً . فالوفاء كله لفنان غنى فأطرب و أعطى فأبدع. مرتضى حسن عبد الغنى نقلا عن :/tabatpeople.com _______________________________________.ram