• إعلانات المنتدى

    • Gamiela

      ضيوفنا الكرام   21 يون, 2017

      اعلان هام - فتح جميع منتديات المكتبة للزوار دون الحاجة للعضوية http://www.sudanesesongs.net/ قمنا اليوم بفتح المكتبة لجميع الزوار لتنزيل جميع الأغاني التي جمعتها المكتبة عبر السنين ...
      كان الحلم ان يأتي هذا اليوم في حياة الصديق الراحل المقيم عادل خليفة ...
      خطفه منا القدر ... و لكنا الان نوفي بالوعد ...
      الان و دون الحاجة للتسجيل او العضوية ...
      يمكن لجميع الزوار الاستمتاع بمواد المكتبة الغنائية و التي تصل في حجمها الى اكثر من 500 جيجا بايت
      فقط اضغط على الرابط للوصول للمكتبة ...
      ثم ابحث عن جيل فنانك المفضل و تابع الحرف الابجدي ... بعدها ستصل الى جميع المواد متاحة دون الحاجة للاشتراك ... للتنبيه ... فقط أعضاء المكتبة الذين يمكنهم ( رفع ) المواد للمكتبة و مازال باب العضوية متاح لكل من يريد رفد المكتبة بمواد جديدة .. و كل عام و جميع اهل السودان بخير و عافية   عن إدارة و مشرفي و أعضاء مكتبة الأغنية السودانية يحيى قباني المشرف العام http://www.sudanesesongs.net/

دلوعة السودان

عضو موثق
  • مجموع المشاركات

    24
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

نظرة عامة على : دلوعة السودان

  • رتــبـة الـعـضـو :
    عضو موثق
  1. تسلم لينا بالجد التسجيل انضف بس الاغنيه هنا اسرع شويه
  2. كلمات الاغنيه حلوه شديد لكن يا ريت لو كان التسجيل نضيف لانو الغنيه عجبتني شديد تسلم ويديك العافيه على الجديد الشديد
  3. طبعا اغاني نزار المهندس حلوه شديد وانا عاجباني غنيه شديييييييييييييييييييييييد وما لاقيها اسمها القمرا هلت مكسراني الغنيه وعايزاااااها البلم فيها ينزلا بلييييييييز
  4. بالجد تسلم يا العمده الشريط الجديد ما ابداع ده قمة قمة الابداع بالجد معتز ابدع فيه وتسلم لينا انت انو وصلت لينا الابداع ده
  5. من روائع اسحق الحلقني بصوت استاذنا وردي warde.avi
  6. دماااااار عزااااب __________.avi
  7. بالجد مبدع ______________.avi
  8. ( الفصل الرابع عشر والأخير) ومستشاره الآخر الذي نسي إسمه، كان طيبا وكذوبا ويتحدث بنفس لهجة صبية الميكانيــكية وكانت لديه حكمة خاصة يرددها دائما: إن الانسان ما أن يتجاوز الاربعين حتي يصبح مثل محرك الديزل الهندي يحتاج الي (عمرة) كل بضعة أشهر! ومساعده الاخر الانيق الذي يرتدي دائما بذلة كاملة حتي في أوج القيظ ولم يكن يسمح لأي انسان أن يقترب منه مسافة تقل عن المتر لأنه كان يخشي علي ملابسه الفخمة، يسحب خلفه قطيعا من الشبان الذين يعد بتشغيلهم في الخدمة المدنية وقطيعا من السماسرة يستخرج لهم رخص الاستيراد، وقطيعا من تجار الشنطة يستخرج لهم تأشيرات السفر ويؤمن لهم الاعفاءات الجمركية في مقابل قائمة من الهدايا الالزامية يقدمها لكل واحد منهم عقب ان يسلمه جواز السفر وتذكرة الطائرة. اما الشباب الذين يعدهم بوظائف في الخدمة المدنية فبسبب كثرة اعدادهم واستحالة تذكر أسمائهم كان يعطي كل واحد منهم رقما فيقول فجاة أثناء نقاشه مع أحد السماسرة او أثناء تسليمه لقائمة الهدايا المطلوبة لأحد تجار الشنطة: رقم عشرة أذهب غدا لتتسلم وظيفتك في شركة الاقطان، او رقم سبعة عشر أذهب يوم الثلاثاء الي البنك الاهلي ستجد إسمك عند موظف الاستقبال ويمكنك بدء العمل في نفس اليوم، او رقم مائة وواحد إطمئن مدير الخطوط الجوية لا يزال يرفض توقيع قرار التعيين، لكن التعيين سوف يتم خلال أيام . وينادي علي رقم ستة وعشرين فيعرف أنه :ذهب مع والدته الي المستشفي اليوم يا سيدي بسبب اصابتها بحصوة في المرارة فيشيح بيده راسما علامة التوقف كأنما يخشي أن تصيبه عدوي هذه الحصوة في المرارة لينادي علي الرقم ثلاثة وأربعين. بحث عنهم السيد الرئيس في كل مكان داخل القصر دون جدوي، واضطر أن يصفهم عدة مرات للحاجب الصغير الذي كان يجلس طوال اليوم جوار النافورة لكن الحاجب الصغير لم يتعرف عليهم رغم انه بذل جهدا عاطفيا لحث ذاكرته علي التعرف عليهم حتى وإن كان لم يرهم من قبل. قضي بقية اليوم كله يبحث في الغرف المتربة داخل القصر عن شئ ما لا يستطيع تحديده رغم هاجس البحث الملح الذي يسيطر عليه، لكنه رغم ذلك مضي في البحث شاعرا بإطمئنان متزايد كلما استغرقه البحث. عثر أثناء بحثه علي وثائق قديمة لأخطاء منسية وعلي أدلة أخيرة لوقائع كان يعتقد أنها من نسج ذاكرته، وفجأة شعر انه عثر علي ضالته: تمثال من الذهب الخالص للاله أبادماك وجده مدفونا في كومة من الاوراق في صندوق خشبي، قدر من وزنه أنه يساوي ثروة كبيرة وان احدا ربما أخفاه في ذلك المكان منذ سنوات ثم نسي ان يعود للبحث عنه. كان ذلك كشفا مثيرا فبمجرد رؤيته للتمثال تداعت الي شاشة ذاكرته صور الحلم الليلي الذي كان يراه كل ليلة طوال عدة أيام ثم ينساه صباحا، رأي تمثال الاله أبادماك يسحبه من يده وهو يصافح مودعا عددا من أصدقائه الموتي الذين وقفوا بمحاذاة جدار ضوئي تتخلله وردات نبات عباد الشمس الصفراء، ثم وهو يقوده من يده الي خارج القصر الجمهوري، عابرا به وسط تجمعات من الناس المشغولين بمشاهدة شئ ما حتى انهم لم يكترثوا لمشهد التمثال الصغير الذي يسحبه، ثم عبر خلف التمثال نهر النيل دون أن تبتل أقدامه. بمجرد أن عبرا النهر وجدا صحراء تمتد دون نهاية أشار له التمثال علي الطريق الذي يتعين عليه أن يسلكه نظر حواليه فلم ير سوي صحراء قاحلة تمتد أقصي من حدود البصر، ثم مد يده للتمثال ليسير خلفه ففوجئ بمنظر التمثال الذي تحول الي شجرة نخيل ذهبية شاهقة الطول ورأي عصافير ذهبية تغرد فوق أفرعها. شعر براحة شديدة وعرف أن وجود الحلم في عقله الباطن كان هو سبب قلقه الشديد طوال عدة أيام، نقل التمثال الي غرفته محاذرا ان يراه شخص ما، وقام بتنظيفه ثم أخفاه أسفل فراشه. شعر في الايام التالية ان عثوره علي التمثال خفف كثيرا من فراغ ذاكرته حتى انه اوقف التمرينات التي كان يمارسها احيانا بمحاولة اغلاق ذاكرته اثناء النهار لمنع تراكم ذكريات جديدة تؤدي لتداخل الوقائع في ذاكرته حتى ان ضوضاء اصطدام الوقائع في ذاكرته بمجرد خروجها من مداراتها كان يوقظه أحيانا من النوم ليجد نفسه غارقا في عرقه وفي حزن شفقي وشعور خارق بالوحدة. وفي مساء اليوم نفسه بمجرد ان سحب العقيد خليفة ابراهيم بركات الغطاء فوقه وأطفأ نور الغرفة رأي أصدقائه الموتي الذين تحررت صورهم من قاع عقله الباطن بفضل عثوره علي تمثال الاله ابادماك، رآهم يدخلون وعلي وجوههم لا تزال الآثار الضوئية الصفراء لزهور نبات عباد الشمس، يدخلون الي غرفته حسب ترتيب الانضباط العسكري. يدخل أولا اللواء الزبير سليمان شيخ الدين يتبعه العميد صلاح محمد عبد الرحمن ثم العقيد الفاضل محمد عبد الكريم والعقيد محمد النور عبد الهادي ثم الرائد حسن عز الدين الطاهر والملازم أكرم محمد نور الدين، يراهم يسحبون المقاعد ويجلسون بعيدا عنه دون ان يساوره ادني شك في انهم جاءوا بدافع صداقتهم القديمة له. يراهم بوضوح رغم عتمة الغرفة حيث لا ضوء سوي خيوط ضئيلة تتسرب من دورة المياه التي يتركها العقيد خليفة مضاءة حتى يتسنى له الوصول اليها بسهولة اذا ما ايقظته رغبة في التبول. يحاول ان يمد يده ليشعل ضوء الغرفة ليري أصدقائه الموتى انه لم يكن منزعجا من وجودهم لكنه يشعر بيده ثقيلة يعجز حتى عن تحريكها بجانبه، فيما تختلط المشاهد امام عينيه حينما يبدأ عرض متقطع للاحلام، يري الموتى الجالسين من حوله يعودون ببطء الي الوقوف أمام جدار عباد الشمس في حلمه ويشاهد نفسه خلف الاله أبادماك يصافحهم واحدا واحدا ثم يعيد المصافحة مرة اخري قبل أن يمد يده لتمثال الاله أبادماك الذي يعبر به طريقا طويلا معبدا بأجساد بشرية. ولحظة إنقشاع صور الحلم من حوله يري الموتى لا يزالون يجلسون في صمت تام لا تصدر عنهم ولا حتى إشارة، حتى تدق ساعة الجدار الخامسة صباحا فيبدأون إنسحابهم بهدوء وبنفس الترتيب. يري وجه الملازم أكرم محمد نور الدين البالغ الوسامة فلا يصدق أنه في الموت، الا حينما يلمح آثار الفتحات التي أحدثتها طلقات الرصاص في صدره، وفي الايام التالية لاحظ أن حضور الموتى كان يزيد كثافة يوميا حتي ضاقت بهم الغرفة، حضر موتي آخرون لا يذكر معظمهم، ضحايا مؤامرات منسية علي عرشه، مؤامرات انتهت حتي قبل أن تبدأ، ولم تكلف أجهزة أمنه من أجل القضاء عليها سوي اطلاق بضعة طلقات في الهواء. في يوم الأربعاء الاخير وأثناء بحثه دون هدف في خزائن القصر مدفوعا برغبة ملحة للعثور علي شئ ما، رغبة ملحة شعر بها تزداد ضراوة حتى بعد عثوره علي تمثال الاله ابادماك، دون ان يتمكن من تحديد ان كان ذلك الشيء يتعلق بزيارات الموتى أم ببحثه عن دليل يؤيد واقعة مظاهرة الاحد السابع عشر من سبتمبر التي القيت في النيل الازرق أم أنه كان يبحث عن وثائق تؤكد حادثة وقعت في زمان لا يستطيع تحديده رغم اشارات مؤكدة كانت تتدفق من الذاكرة الي شاشة لا وعيه. أثناء بحثه عثر علي خريطة صفراء قديمة بدأت تفاصيلها تشرق في عتمة ذاكرته بمجرد أن قرأ بعض الأسماء المدونة عليها. صباح يوم الخميس استيقظ مبكرا في الثالثة صباحا، وضع حاجياته القليلة في حقيبة جلدية صغيرة وضع داخلها أيضا بعض قطع الخبز وعدة حبات من التمر، ثم استخرج من أسفل فراشه تمثال الإله أبادماك وأعاد تنظيفه ووضعه داخل حقيبة من القماش. بعد ذلك قام بمصافحة الموتى الذين لم يحن ميعاد رحيلهم بعد، وابتسم لهم مودعا ثم ترك لهم مفتاح البيت ليتسنى لهم الدمعقولة بس والخروج وقتما شاءوا، نظر إلى ساعته فوجدها تشير إلى الثالثة والربع ولاحظ مندهشا أن مصافحته الطويلة للموتى لم تستغرق ولا حتى ثانية واحدة. ارتدى بذلة عسكرية قديمة دون نياشين أو أوسمة أو حتى رتبة عسكرية، وانتعل حذاءً عسكرياً ووصع على رأسه قبعة عسكرية شاعرا بأنه لم يكن محتاجا للتنكر من أجل الخروج للشارع كما كان يفعل في أزمنة غابرة، فقد كان واثقا أنه لن يوجد في الشارع من يستطيع التعرف عليه. وجد الحراس يغطون في النوم ولم ينتبه أي منهم لخروجه، سار علي قدميه حتى محطة القطار شاعرا بتزايد فراغ روحه كلما ابتعد عن البيت دون أن يلاحظ مطلقا أنه نسي أن يحمل معه تمثال الإله أبادماك. لحظة وصوله كان قطار الشمال يصفر صفارة الإنطلاق، وجد مقعدا بسهولة في إحدى العربات القديمة الخالية تقريبا ولم يلاحظ سوى مجموعة قليلة من المسافرين جلسوا متباعدين وقد انكفأ كل واحد منهم على نفسه، ولولا صراخ طفلة كان يتصاعد بين الفينة والأخرى لحسب نفسه في قطار للموتى. فصل جديد في وقت متأخر من اليلة السابعة له في القرية استيقظ السيد المشير فزعا بسبب سقوط صورة قديمة من ذاكرته في الحلم الذي كان يرى نفسه فيه يقطع صحراء دون نهاية وهو يسير على رأسه. وجد قطعة خبز " القراصة " لا تزال في يده، وبدلا من أن يلقيها وبحركة لا شعورية دفعها الي فمه وطحنها بأضراسه فشعر بمذاقها الخشبي يختلط مع نتانة احماض فمه الصباحية. فجأة ارتفع صوت أول عصفور مع تسرب أول خيوط ضوء الفجر، عندها فقط رفع عينيه ليرى العالم الوليد الغاطس في ضوء الفضة، رأى نفسه وحيدا في العالم كله كأنه الوحيد الباقي علي أرض دمرها الطوفان. رأى طوفان ضوء الفجر القادم يطل من خلف عتمة أشجار السيسبان واللبخ متدافعا من حوله متى استحالت عليه الرؤية، عندها فقط أيقن أن فراغ روحه هزمه منذ أول جولة ومضي يفرغه تدريجيا من الحياة حتى أرغمه على الإنكفاء على أوهامه، فعرف أنه لم يتخذ قرار الإنسحاب من عصر الشركات الوطني تحت وهم تأثير مبررات أخلاقية، ولكن لأنه لم يكن يعلم تحديدا موقعه من الحياة أو الموت. وأنه لم يتنكب مشقة العودة إلى مسقط رأسه بحثا عن إرث مزعوم لعائلته في هذا القفر المنسي على حافة الصحراء الكبرى، بل بحثا عن وقائع جديدة يعيد بها بناء ذاكرته التي دمرها الفراغ. وجد نفسه مرغما على الأنحناء لعاصفة الضوء التي كانت تعبر من فوقه، وفي طوفان الضوء رأى المشاهد التي لم يكن متيسرا له رؤيتها بسبب عتمة الذاكرة. رأى رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ نشرة أخبار الساعة السادسة والنصف القابعات في المحطات االنائية بملابسهن السوداء في انتظار قطارات لن تصل أبدا تحمل ذويهن المفقودين، رأى طوابير الموتى المدفونين في عتمة قبور مجهولة وصفوف الفقراء النازحين من مختلف الكوارث الوطنية في عصور جفافه. رأى الوطن كله ينتفض في طوفان الضوء من أقصى أقاليمه الإستوائية حيث الخريف القابع في أدغال الغابات المطيرة يتقدم نحو نطاق السافنا الفقيرة واقليم الصحراء. شاهد وردات القطن تتفتح في سهول أواسط الوطن وعمليات الحصاد تبدأ في حقول قصب السكر والمراعي تزدهر في سهول البطانة وفي سهول كردفان وفي الأودية الجافة المهجورة في صحراء بيوضة وصحراء العتمور، وسمع غناء الصبية وهم يشاركون في حصاد محصول القمح شمال الوطن، وهم يغنون لطائر السمبر على ضفاف النيل الأبيض، وهم يلعبون شليل في ليالي قمر الصحراء. وفجأة ارتعد جسمه كله حينما رأى تفاصيل الصورة التي سقطت في حمى ذاكرته أثناء نومه وجعلته يستيقظ من النوم، رأي نفسه راكعا في طوفان الضوء وفي يده وردة بيضاء يقدمها لصاحبة الجلالة الملكة مينيساري المتوجة على عرش اسطوري أبيض ملكة لجمال الأبنوس. تبو، جزيرة أرقو 1997-1998 هارلنكن، مقاطعة فريزلاند يناير 2000م اٍنتهت الرواية
  9. (الفصل الثالث عشر) لقد أفادته هذه الكراهية الحائطية في تذكر الوقائع غير المكتملة لأكثر قصص الحب الرسمي فشلاً في التاريخ، دون أن يعي أنه تخلص من نسيان شامل في مقابل خلطٍ للوقائع، فقد رأى الدكتورة صفاء في ملابس أميرة من الزاندي وفي عينيها البراءة المتأخرة لطالبة صغيرة ولإستنباط مزيد من التفاصيل بحث عنها داخل ذاكرته في الأماكن الأقل توقعاً. فرأى نفسه في مرآة الذاكرة، كهلُ يتقدم نحو الشيخوخة، دون أن يجرؤ على الإعتراف أن تقدمه نحو الشيخوخة كان هو التقدم الوحيد الذي يحرزه خلال نصف قرن، رأى نفسه معزولاً عن تفاصيل الحياة في وطن لا يزال يلعق جراحاته، رأى نفسه معزولاً عن إحتفالات أول موسم للحصاد، بعد نهاية عصر الجفاف، رأى نفسه معزولاً عن إحتفالات أول أيام عيد الفطر المبارك، وعن أعشاب السدود في بحر الجبل حيث أفراس البحر تتفرس في وجوه الغرباء الذين يعبرون في قيظ السافنا، وعن إيقاعات الحياة في مدينة يامبيو حيث يقيم صديقنا منقو، وعن أمسيات الخريف الوليد في ود سلفاب حيث نشأ مطرب الشعب مصطفى سيدأحمد .وعن أحزان الأمهات اللائي يكافحن من أجل إبقاء نفس إيقاع الحياة داخل بيوتهن لحين عودة المفقودين. يكافحن الأرضة في جزوع السقوف وخزائن الثياب التي لم تمس منذ أن أحضرها الأبناء كأول خطوة لإتمام مشروع الزواج، يقمن بطلاء الجدران بالجير الأبيض كل عام بعد إنجلاء الخريف، يمضين في الإنتطار دون ان يلاحظن أنهن كن في الواقع يمارسن إنتظار الموت، وأن إنتظار الموت كان شبيهاً بإنتظار الحياة التي وضعن لها أدق التفاصيل لإستئنافها لحظة وصول الغائبين، وبحانب الحفاظ الشكلي على مظاهر الإنتظار، بوقف إستئناف الحياة منذ لحظة غياب المفقودين، فإنهن كن يمارسن كإجراءٍ إحترازي إستئنافا مؤقتاً لطقوس الحياة لحفظ صور الأولاد التي بدأت تذوب داخل الذاكرة، فيضعن صورهم الباهتة غير واضحة المعالم في المواقع الأفضل إضاءةً داخل البيت لتساعدهن على إعادة تأهيل الذاكرة كلما توغلت فيها عتمة الشيخوخة. يحاولن رعايتها بفرحٍ مؤقت لأبعاد الشؤم عنها : صورُ تحمل زهو أول إبتسامة بعد التخرج، وعلى الكتفين أول شارات المجد القاتل، وعلى العيون أول بريقٍ للموت، يحاولن عن طريق اعطاء مظهر أليف للموت، نقل دوره إلى صفة مراقب، وتحييده حياداً إيجابياً، يحيث يمارسن تحت مراقبته الأليفة نفس الإجراءات البديلة للموت. فصل جديد وفي الليلة الخامسة وبعد أن أفرط في المريسة بدأ يجتر دون أدنى شعور بالخجل، الوقائع الأكثر مرارة التي ميزت عصور جفافه، وللمرة الأولى تحمل دون شعورٍ بالذنب تبعة التسبب في موت مئات الآلاف من جراء المجاعة التي اجتاحت غرب وأواسط الوطن، لأن نظامه لم يشأ الإعتراف بها علناً لتجنب إتهام عالمي للنظام بالإهمال. ورغم أنه لاحظ أنه كان يخلط ذكريات عصور متفاوتة من الجفاف، إلا أنه إكتشف للمرة الأولى أنه كان عاجزاً عن تمييز هذه الفوضى التذكارية. وفجأةً رأى الأميرة مينيساري، وفي البداية إرتجف أمام يقين أنه كان يراها في الواقع لا في الذاكرة، رآها تنتصب في ذاكرته مع مظاهرة إحتفالات مفتوحة في مدينة جوبا، ترقى إلى عصر الجفاف الأول، رغم وجود مؤشرات ثانوية أكثر قوة على أنها ظهرت كواقعة مؤكدة في عصر الجفاف الثاني. ودون أن يشعر وجد نفسه يغرق في متاهة سرد تفاصيل صورتها المشوقة، وجلسات الحب الصامت بحراسة خمسة حراس مدججين بالسلاح، ورغم أن طريقته غير المشوقة في السرد أعطت الواقعة بعداً ترفيهياً، إلا أنها لاقت إستحساناً حذراً بسبب أبعادها الإنسانية، لأنه وفي خضم المآسي التي قام بسردها، لم يكن قد تبقى أدنى شك في أن هذا الرجل الذي جاءهم بالصدفة بعد عدة سنوات من إنتظاره، وإستهلاك كل الأفكار المستحدثة من أجل وضع خطة لإستقباله بشكلٍ يليق بأمجاده الوهمية، كان في الواقع بلا قلب، بلا هوية وبلا عواطف، لدرجة أن أهل القرية الذين احتشدوا جميعاً في الليلة الأولى لإعترافاته حتى ضاق بهم فناء بيت الزين ود حاج النور حتى إضطر البعض للجلوس فوق الجدران، بدءوا بالتناقص منذ الليلة الثانية دون حتى أن يلاحظ أكثرهم حرصاً على أن إندفاعه المتهور في سرد أدق تفاصيل أخطائه، لم يكن محاولة لتكفير متأخر عن ذنوب لم يعد في مقدور بشر تحمل تبعتها كما إعتقدوا، ولكن بسبب إصراره على إرتكاب جرم أخير، بمحاولة تحميل مستمعيه عبء تقاسم مسئولية أخطائه معه، كمقابل لأوهام المجد التي حلموا بها طوال سنوات وشيدوا على أساسها أوهاماً تفصيلية، دون موافقته شخصياً من أجل إستخدام صورته في الأحلام. وفجأةً حينما كانت المجموعة التي بقيت من مستمعيه تشعر بالذهول من سيل إعترافاته العاطفية، لا بسبب غرابتها، ولكن بسبب عدم تصديقهم أن شخصاً واحداً يمكن أن يرتكب ذكرياتاً بمثل هذا التناقض، أخلد إلى النوم، العادة التي إكتسبها منذ اللحظة التي سقط فيها سوط الكمبلا الذي كان العقيد خليفة إبراهيم قد علقه في مكتب السيد الرئيس. سقط السوط ليعلن العقيد خليفة إبراهيم بركات : أن المعركة قد حان موعدها سيدي الرئيس من أجل القضاء على هذه الفوضى، سقط السوط في نفس اللحظة التي انفجرت فيها الطائرة العسكرية التي كانت تقل الوزير الحزبي محمد عثمان الزين والوزير عبدالرحمن الطيب، وكانا عائدين بعد أن وقعا مع فصائل التمرد العسكري إتفاقية من أجل إنهاء الحرب الأهلية. سقط السوط أرضاً وفي لحظات كان تلاميذ العقيد خليفة إبراهيم بركات يستولون على الوطن كله، وتبدأ تقاريرهم تتوالى: أغلقنا حزب الوطن سيدي الرئيس وسحبنا رجال الأحزاب الذين كانوا لا يزالون يتشاجرون، سحبناهم إلى السجون ليكملوا شجارهم هناك، حتى إمتلأت كل السجون الوطنية، وبضربة لازب أستعدنا هيبة الحكم. وظهر السيد الرئيس في جهاز التلفزيون للمرة الأولى منذ نهاية عصر الجفاف الثاني، كان صوته جافاً بسبب سنوات الإهمال، أعلن أنه ظل طوال سنوات يرقب هذه الفوضى التي انتظمت الوطن أملاً في أن تستفيد الأحزاب المحلولة من تجارب الماضي وتتصدى لحل مشاكل الوطن، إلا أن الأحزاب لم تعد للواجهة إلا لتمارس نفس لعبة الصراع القديم على كراسي الحكم، فأصبح الوطن كله مثل سوق الجمعة، الجميع يتكلمون ولا أحد يعمل، الجميع يتشاجرون ولا أحد يعمل. وفجأةً لاحظ المشاهدون أن السيد الرئيس إستغرق في النوم قبل أن يكمل بيانه الأول، إرتفع شخيره الرسمي على الهواء مباشرةً فعبر الأثير إلى أقاصي الوطن، فشاهد الناس السلطة النائمة في أقصى الشمال في كرمة النزل وفي وادي حلفا، حيث توقف صخب القادمين من مصر عبر بحيرة النوبة للحظةٍ قبل أن يَستأنف مرةً أخرى. وفي سهول البطانة في أواسط الوطن، وفي غرب الوطن في بابنوسة وفي الأبيّض وفي سفوح جبل مرة، وفجأةً إنقطع الأرسال وظهرت على جهاز التلفزيون لوحةُ مكتوب عليها : لحظات ونواصل الإرسال، وفهمها الناس في كل أرجاء الوطن هكذا : لحظات ونواصل الإستبداد. وفجأةً ظهر السيد الرئيس منتعشاً ونشيطاً، ولتعويض أثر عدم الثقة بسبب إستغراقه المفاجئ في النوم، ضرب المنضدة أمامه بقبضة يده حتى تحطمت، وهدد بضرب الخونة والعملاء في كل مكان، وأن عربة الثورة سوف تمضي الي الامام ومن يجازف بإعتراض طريقها سوف تعبر فوق جثته . بدا عجوزاً وبائساً حتى أن الكثيرين ممن شاهدوا وجهه المتيبس بسبب آثار عصر الجفاف، عرفوا أنه إستهل حقبةً جديدة من الإستبداد رغم أنه بدا وكأنه يمسك على مقبض السلطة بيدين لا تخصانه، قبضة حديدية لا تتناسب مع مظهر هذا الشيخ الهرم الذي يستغرق في النوم أثناء الإجتماعات الرسمية. يجلس العقيد خليفة إبراهيم بركات على شماله بإعتباره مستشار رئيس الجمهورية أثناء إجتماعات مجلس الوزراء، يشعر بأنهم ينافقونه حينما يقولون له بعد إستيقاظه من النوم: الوطن كله يستغرق في النوم حينما تخلد أنت للنوم سيدي الرئيس، الحياة تتوقف وحتى الكهرباء تنقطع من إشارات المرور سيدي الرئيس يتوقف الوطن كله، إلا أنه يعرف أن الحياة تمضي حتى وهو مستغرقُ في النوم، وأن تقارير مستشاريه كانت كاذبة، وأن الكهرباء لا تنقطع عن إشارات المرور بسبب نومه، لأن الكهرباء مقطوعة أساساً عن الوطن كله، وأن العربات تقف في صفوف طويلة، لا لأن الوطن كله في حالة توقف بسبب إستغراقكم في النوم سيدي الرئيس كما يقول له منافقوه الجدد، بل بسبب إنعدام الوقود. واكتشف كذب مستشاريه الذين أكدوا له بأن الأمن مستتبُ في ربوع الوطن كله، وأن الشارع تعاطف مع قراره الحكيم بإغلاق حزب الوطن، حينما عرف أن مظاهرةً عاصفة عبرت شارع الجمهورية، حطمت كل شئ في طريقها ولم يتسن القضاء عليها إلا بإستخدام مدافع الهاون وحصيلة القتلى تسع وثمانون. عرف كذب مستشاريه الذين أكدوا له أن عجلة الحياة تدور في الوطن بشكل عادي حينما عرف أن عمال مصلحة السكة الحديد أضربوا عن العمل وأن إضرابهم شلّ الحياة في الوطن كله. ورغم أن إضراب عمال السكة الحديد أذاعته وكالات الأنباء العالمية إلا أن العقيد خليفة إبراهيم بركات نفى له الخبر وقال وهو يجلس على الأرض بجانب السيد الرئيس: لا تصدق هذه الشائعات سيدي الرئيس إنها لا ترمي إلا إلى تثبيط هممنا وتوجهاتنا الحضارية الرشيدة. وليتأكد بنفسه تم إصطحابه في جولة تفقدية فشاهد صفوف العربات المنسابة أمام محطات الوقود، وجعلوه يقترب ليرى عداد طلمبة الوقود ليتأكد أنه كان يتم إعطاء أي مواطن أية كمية يطلبها من الوقود وليس جالوناً واحداً كما تزعم الشائعات، دون أن يلاحظ السيد الرئيس أن صف العربات ذلك كان مفتعلاً وأنها كانت مجموعة من العربات التابعة لجهاز العقيد خليفة إبراهيم بركات. شاهد العشاق يغنون في شارع النيل كما كانوا يفعلون في أيام عصر الجفاف الأول، يغنون أغنية مرت الأيام، لم يشعر السيد الرئيس بالإرتياح لغنائهم الذي بدا له مفتعلاً، دون أن يساوره أدنى شك في حقيقة كونهم عشاقاً مزيفين وأنه تم إستئجارهم من الشباب الواقفين في صفوف السفارات الأجنبية بحثاً عن سراب تأشيرة خروج من الوطن، وتفقد محطة السكة الحديد الرئيسية محاولاً أن يجد بعينيه تفسيراً للخلل الذي يشعر به تجاه كل الأشياء دون أن يراه، محاولاً أن يبعد عينيه عن تأثير أذنيه الواقعتين تحت تأثير حديث العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي أشار بيديه إلى العمال المنهمكين في العمل قائلاً : هؤلاء هم العمال الذين تزعم وكالات الأنباء العالمية أنهم مضربون عن العمل سيدي الرئيس. شاهد قاطرات السكة الحديد تعمل حسب جداولها المعلنة، تنقل الوقود من بورتسودان إلى الوطن كله، ورأي مكاتب الادارة نظيفةً كأن أرضياتها غسلت بالزجاج وكل موظف يؤدي عمله في مكانه وأصص الظليات مرصوصة بنظام بحذاء الجدران، واستفسر عن القاطرات التي رآها متوقفة في الأرصفة فعرف أنها : في حاجة إلى قطع غيار سيدي الرئيس وقد قمنا بطلبها من الخارج ونتوقع وصولها خلال أيام. دون أن يعلم أن هذه القاطرات المحملة بالركاب والبضائع كانت أيضاً إحدي إستعراضات رجال العقيد خليفة إبراهيم بركات لإيهامه بأن عجلة الحياة تدور في الوطن، لكنه لايشعر بالإطمئنان، يحاول إبقاء عين واحدة مستيقظة أثناء نومه، يعود لإرتداء ملابس بائع اللبن ليتجول ليلاً. يعرف بخبرته أن العيون التي ترقبه من على البعد ليست سوى عيون السلطة، يحاول تلمس نبض الحياة فيفاجئه ملمسها الشبيه بملمس الموت، يكتشف أن أيادٍ خفية كانت تقوم بهدم الوطن وإعادة بنائه، شاهد الجرافات تعمل ليلاً بعد حلول ميعاد حظر التجول، وفي مزادات يوم الجمعة إكتشف أن الوطن كان معروضاً كله للبيع لشركات قطاع خاص ظهرت فجأةً على الواجهة. وفي إجتماع مجلس الوزراء التالي إكتشف إختفاء الوزراء الذين قام بتعيينهم، جلس مكانهم وزراء متعجلون ،لهم ملامح السماسرة، حتى أنه عاد لينظر حواليه ليتأكد من أنه كان لا يزال في القصر الجمهوري وليس في سوق الكرين، وزراء متعجلون يقف خلفهم مساعدوهم يحملون أدوات القياس وأجهزة الكمبيوتر الشخصي لحساب أرباح الصفقات المتوقعة، وأثناء النقاش إكتشف السيد الرئيس أنه كان معزولاً تماماً ولا يفهم شيئاً من كلامهم الذي كان يتم بلغة أرقامٍ هندسية دَهش لأن أحداً منهم لم يناقش مشكلة نقص الخبز، أو أزمة الوقود والكهرباء، أو المظاهرات التي إندلعت تطالب بالحرية ولا مشكلة التضخم الذي سمع من زائرٍ عابر أنه اذداد حتى : أننا كنا نجلس في السوق العربي سيدي الرئيس كل يوم صباحاً لنتسلى ونحن نشرب القهوة وندخن سجائر البرنجي، لنتسلى بمراقبة أسعار السلع وهي ترتفع في كل لحظة بسرعة صاروخية حتى راجت قصة المواطن الجنوبي الذي جاء في وقت متأخر من المساء لشراء شئ ما واكتشف أن نقوده لم تكن كافية فعاد في الصباح التالي بعد أن أكمل نقوده ليكتشف أن السلعة إرتفع سعرها مرةً أخرى فقال: يعني ما ننوم ولاّ أيه! لم يفهم السيد الرئيس شيئاً من ذلك الإجتماع الرقمي، ولتعويض فشله في تحقيق إختراق لهذه الضجة الإحصائية، إختبر قوة عضلاته داخل ملابسه فاكتشف سريعاً أنها إنهارت بسبب الشيخوخة، وأنه لن يكون بإمكانه تحطيم هذه المشاورات الرقمية بلكمةٍ صاعقة مثلما كان يفعل أيام عصر الجفاف الثاني حينما كان فض إجتماع مجلس الوزراء يتم بإستخدام قبضة اليد. إستغرق في النوم كبديل إحترازي عن إستيقاظ مهين، حينما إستيقظ وجد المكان خالياً وموحشاً، رحل الوزراء ومساعدوهم بأجهزة قياسهم وأجهزة الكمبيوتر الشخصي وأجهزة التليفون النقال، هاله الصمت الموحش في المكان، لا وجود ولا حتى لضوضاء عصافير عصر الجفاف الثاني. تجول في حديقة القصر فلم يسمع صوتاً سوى ضجة العربات في السوق الأفرنجي وضوضاء الباعة الذين يفترشون الأرض في أزقة السوق العربي، وجد حاجباً صغيراً لا يذكر أنه رآه من قبل سأله : ألا تعرف ياولدي أين ذهبت العصافير ؟ أشار الحاجب نحو نافورة القصر الجافة : لقد رحلت سيدي الرئيس منذ أن تعطلت هذه النافورة، تلك النافورة التي كان يسمع في هديرها هدير الوطن: أصوات باعة الماء في ميدان أبوجنزير وباعة الخضر في السوق العربي وباعة كل شئ في سوق الجمعة، جلبة تجار الصمغ العربي في سوق الأَبيّض، وتجار الأخشاب في مدينة ييي، وضوضاء وصول الباخرة التي تقطع بحيرة النوبة لتصل للمرسى النهري في مدينة وادي حلفا، وجلبة المهربين في ميناء سواكن المهجور. في اليوم التالي زار دون مرافقين المستشفى العسكري فوجد الجرحى بالعشرات يرقدون أرضاً في صفوف طويلة مثل علب السردين، رغم أن الصحف الرسمية كانت تعلن أن الحرب الأهلية إنتهت وأنه تم تنظيف كل حدود الوطن من الخونة والعملاء. صباح اليوم التالي أرسل أحد الموظفين القلائل الذين تبقوا في القصر لإستدعاء العقيد خليفة إبراهيم بركات، فجاء مساءً بصحبة طبيب، أجرى الطبيب عليه كشفاً طبياً، فاكتشف إرتفاعاً في ضغط الدم، فاستبدل له عقار الأدلفان أذدريكس بعقار أدالات وأوصاه بإستعمال حبة ثلاث مرات يومياً، ونصحه بتقليل الملح في طعامه وبشرب عصير القريب فروت وقال قبل أن يستأذن خارجاً : لا تفكر ولا تقلق كثيراً سيدي الرئيس. شعر بوهن في صحته لم يكن يشعر به قبل وصول الطبيب، فيما العقيد خليفة إبراهيم بركات يقف إلى جواره مستعداً لأية سؤال، كان يبدو مرتاحاً، إختبر السيد الرئيس تعابير وجهه فلم يجد أثراً لسيماء المؤامرة، بدا أنيقاً تفوح منه رائحة عطر فخم، يرتدي بدلة زرقاء أنيقة وحذاءً إيطالياً ويحمل في يده عصا من الأبنوس لها مقبض من العاج، وكان من الصعب التصديق أن هذا الرجل الأنيق كان هو نفس الرجل الذي جاء قبل عدة أشهر مرتدياً ملابس كجور كاملة. رد بهدوء على كل إستفسارات السيد الرئيس: لا تقلق سيدي الرئيس، الوطن بين أيدٍ أمينة، طوال الليل أظل أنا مستيقظاً ساهراً على راحة الوطن ويردف ليطمئنه قائلاً: كل التقارير ستكون أمامك سيدي الرئيس قبل إجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي لتكون على علم بأرقام النمو المتزايد في الوطن، والآن أنت تحتاج للراحة سيدي الرئيس،ويمسك بيده ويقوده إلى الفراش، يناوله كوب اللبن الدافئ الذي يحضره الخادم، وبعد أن يشرب كوب اللبن يشعر بخدرٍ لطيف يسري في جسده كله فيسحب العقيد خليفة إبراهيم بركات الغطاء فوقه بعد أن يضبط جهاز التكييف ليعمل بهدوء ويقول: تصبح على خير سيدي الرئيس. يرى نفسه في الرؤيا في صورة معتوه يطارده صبية الأزقة ويقذفونه بالحجارة، تصبح على خير سيدي الرئيس، يسحب العقيد خليفة إبراهيم بركات الغطاء فوقه فيستغرق الوطن كله في النوم، لأنه وفي نفس اللحظة تدق ساعة الجدار معلنةً تمام العاشرة ميعاد حظر التجول، فتتوقف الحركة في الوطن، تتوقف قطارات السكة الحديد في الأرصفة المهجورة في المحطات النائية حيث لا يوجد كائن لإستقبالها في منتصف الليل سوى رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ الساعة السادسة والنصف المنسيات منذ عصر الجفاف الثاني، يجلسن القرفصاء في ملابس الحداد في إنتظار عودة المفقودين ، يمارسن الحد الأدنى للحياة من خلف واجهة إنتظار دون أمل. يعرفن بمرور الأيام أنهن كن في الواقع يمكثن في إنتظار عقيم لإستئناف الموت لا الحياة، رغم ذلك يشعرن بأن من الأفضل إنتظاره في حمى هذا الصخب اليومي ، حيث يشاهدن الغرباء يعبرون في القطارات المنهكة دون أن تبدو عليهم سيماء من يسير إلى هدفه، يفضلن إنتظار الموت في الصخب المؤقت لهذه المحطات بدلاً من توقع وصوله أثناء ممارسة طقوس الحداد العادية داخل البيوت. تدق ساعة الجدار معلنة تمام العاشرة، فتتوقف الحياة في وطن المليون ميل مربع، وتتوقف السفن النهرية التي تعبر أواسط الوطن من ميناء كوستي. وفي إجتماع مجلس الوزراء التالي يصافح السيد الرئيس الوزراء المتعجلين الذين لم يعينهم، يجلس في مقعده ليسمع التقارير الرقمية التي يناقشها وزراؤه دون أن يفهم منها شيئاً، قبل أن يستغرق في النوم مبقياً إحدى أذنيه مفتوحةً فتسجل لغطهم الذي يستمع إليه حينما يستيقظ ويجد المكان خالياً وموحشاً، يعيد الإستماع إلى لغطهم أثناء نومه فيكتشف أنهم يتركون أسلوب الأرقام الذي يتحدثون به حينما يكون مستيقظاً وبدلاً من ذلك تبدأ مناقشات صاخبة بلهجة أشبه بلهجة تجار الماشية. يتشاجرون علي إقتسام كعكة الوطن أثناء نومه، يوزعون على أنفسهم وعلى أشخاص محسوبين عليهم مشروعات الزراعة المطرية في شرق الوطن، ومراعي السافنا الفقيرة في أواسط الوطن، ويقتسمون أشجار المهوقني والتيك في نطاق السافنا البستانية جنوب الوطن، ويضعون خطةً لإعادة الحيوانات البرية وطيور النعام التي رحلت من أرض الوطن بعد تجدد الحرب الأهلية. يكتشف في كلامهم لهجة سماسرة العربات، لهجةً أشبه بلهجة التجار في الاسواق الشعبية، وفجأة تبدأ الحقيقة في التكشف له: الوطن تم تأجيره بأكمله إلى شركة مقاولات عامة، الوطن كله من إقليم الصحراء شمالاً وحتى أقاليم السافنا جنوباً، وأن الشركة تقوم بدفع مرتبه ودفع تكلفة المآدب الرسمية في القصر وإحتفالات تقديم أوراق إعتماد السفراء الجدد، وأن العقيد خليفة إبراهيم بركات واقعُ تحت سيطرة الشركات التي تدفع له خمسة في المائة من أرباح كل عمليات إستثمار الوطن . ولتكتمل له الصورة تساءل: وأين قوات شعبي المسلحة ؟فجاءه الرد الرهيب : قوات الشعب المسلحة تم تفكيكها سيدي الرئيس، هل سمعت منذ سنوات بخبر إنقلاب عسكري ؟ ولم يتم الإبقاء إلا على بضعة مئات من الجنود عهدت لهم مهمة تنظيف الوطن من آثار الحرب الأهلية، يتسلمون مرتباتهم وتعييناتهم من مندوب الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة سيدي الرئيس. ويتساءل : وأين الشركات التي كانت تعمل لحسابي في تجارة القطن والجلود والصمغ العربي فيأتيه الرد: افلست سيدي الرئيس وأغلقنا أبوابها في نفس اللحظة التي أَغلقت فيها أبواب حزب الوطن، ويتساءل مندهشاً وأين مصنع تجفيف الألبان الذي أملك كل أسهمه وأرأس مجلس إدارته ؟ فيعرف أنه توقف عن العمل سيدي الرئيس منذ زمان المجاعة حيث نفقت كل أبقار الفرزيان التابعة لسيادتكم وتم بيع الأبقار القليلة التي تبقت لدفع المتأخرات الضريبية الضخمة المترتبة على المصنع بأثرٍ رجعي منذ لحظة إنشائه، ويتساءل وأين مطبعة النقود الخاصة بالقصر؟ فيشعر بإطمئنان متعجل قبل أن يستمع إلى تفاصيل الرد الذي يأتيه بأنها: موجودة سيدي الرئيس، إلا أنها لم تعد تصلح لأي شئ منذ أن إنتهى زمن النقود سيدي الرئيس، فبسبب التضخم الشديد الذي ضرب إقتصاد الوطن حتى أصبح تجار المحاصيل في السوق العربي يشحنون النقود في جوالات ويقومون بترحيلها بالشاحنات الضخمة إلى البنوك، ولم يعد هناك في البنوك شئ إسمه خزينة يمكن أن تسع النقود، هل تصدق أنهم يخزنون النقود في الفناء سيدي الرئيس في تلالٍ من الجوالات ترص فوق بعضها،كأنها بالات قطن تعد للتصدير. وفي الخريف ولحمايتها من ماء المطر ينصبون فوقها سرادقاً ضخماً كأنه بيت بكاء سيدي الرئيس! ولتحاشي أن تقضي الأرضة أو الفئران على جوالات النقود المرصوصة في الأفنية الضخمة يتم رشها شهرياً بالمبيدات الحشرية بواسطة طائرات الرش !. وحين اذداد الوضع سوءا وأصبحنا نستأجر عربات الكارو التي كنا نستعملها في الزمن الغابر لنقل الماء، أصبحنا نستأجرها لنقل جوالات النقود حينما نكون ذاهبين لشراء اللحم والخضروات من الاسواق. قامت الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة بإلغاء العملة واستعاضت عنها في التداول ببطاقات مصرفية تصدرها البنوك التابعة للشركة، فأصبح الناس يشترون الخبز واللحم والسعوط بالبطاقات، بل إننا رأينا الناس يشترون مساويك شجر الأراك بالبطاقات المصرفية من الباعة الذين يفترشون الأرض جوار الجامع الكبير سيدي الرئيس!. فيخرج متلصصاً يحاول قياس إتجاهات الشارع مثلما كان يفعل في أيام عصر الجفاف الوطني، فيكتشف الملامح الآلية للناس الذين يلتقيهم متعجلين في شارع القصر، العيون ثابتة لا تنبض كأنها عيون عميان، ووقع الخطوات ثابت، ولا أحد ينظر إلى الآخرين، الكل مشغولُ بهمومه الآلية وفي شارع النيل شاهد العشاق الآليين، أرخى أذنيه ليستمع لحديث العاطفة، ففاجأه حديث عاطفة رقمية دون رصيد من الأشواق، كلام رقمي مثل حديث وزرائه في إجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي . وفي الإحتفال الذي حضره بعض السفراء الأجانب بمناسبة عيد الإستقلال إستعرض حرس الشرف ملاحظاً أن إنضباطهم كان متعجلاً وغير واثق ولم يصدق أذنيه حينما علم فيما بعد أن: حرس الشرف الذي قدم لكم التحية مستأجر سيدي الرئيس، يتم التعاقد معهم قبل يومين من موعد أية إحتفال رسمي وينالون تدريباً جماعياً متعجلاً بإشراف ضابط متقاعد، تدريب متعجل لا يستغرق سوى بضعة دقائق أشبه ببروفة لأداء أغنية !، يشعر بالذهول من حكاية حرس الشرف الذي يعمل باليومية ! . ويشاهد نفسه في الصحيفة الرسمية في صورةٍ باهتة ترقى إلى عصر الجفاف الأول لا يبدو فيها واضحاً للعيان سوى بريق عينيه المرتبك لأول أيام الإستبداد، وبريق الشرائط العسكرية في كتفيه والأوسمة والأنواط في صدره، ويقرأ التصريحات التي لم يدل بها معلناً إنتهاء عصر الجفاف الوطني وأن الدماء عادت تتدفق في شرايين الوطن. وفجأةً سمع هدير نافورة القصر التي تم إصلاحها:بناءً على توجيهاتك المتكررة سيدي الرئيس، وعلى الفور عادت العصافير تزقزق في ردهات القصر وفوق أشجار المانجو والمهوقني في الحديقة، إستمع إلى هدير النافورة ومن خلاله بدأ صوت الحياة في الوطن يهدر في أذنيه. فرأى مشروعات التننمية التي إشترتها شركات خاصة انتشرت مثل نبت شيطاني في أرجاء الوطن، رأى رجال الضرائب يطاردون الباعة في الأسواق النائية حيث لا شئ سوى الغبار من مخلفات عصور متلاحقة من الجفاف، رأى رجال الضرائب يطاردون النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائي يفترشن الأرض في أسواقٍ بعيدة يعرضن للبيع للمسافرين والغرباء الطعمية والزلابية والفول السوداني ومسحوق عشب الحرجل المستخدم لعلاج عسر الهضم شاهد المعتقلات المنسية في أرجاء الوطن مكدسة بمعتقلين كانوا يكتبون أسماءهم يومياً على جدران الزنازين حتى لا ينسون أسماءهم، شاهد الحرب الأهلية تتجدد في جنوب الوطن رغم أن جهاز التلفزيون كان بعلن يومياَ توقف الحرب الأهلية وأن السلام حلّ في كل ربوع الوطن، وأن الجميع يعملون من أجل إعادة التنمية وإعادة تأهيل المشروعات التي دمرتها الحرب، فعرف أن الصور التي يبثها جهاز التلفزيون لإحتفالات السلام التي تعم جنوب الوطن كانت في الواقع صوراً من أرشيف عصر الجفاف الأول، رأى عشرات الآلاف من المواطنين المحزونين يشاركون في تشييع جثمان ميتٍ حدس عظمته فسأل الحاجب الصغير فعرف أنه: مصطفى سيد أحمد، فنان الشعب العظيم سيدي الرئيس الذي توفي في مدينة الدوحة ونقل جثمانه إلى مثواه الأخير في قرية ود سلفاب، يزدحم رأسه بالصور فيطمئنه العقيد خليفة إبراهيم بركات: لا تصدق الشائعات سيدي الرئيس، الوطن بخير ويكررها عدة مرات كأنما ليصدقها هو نفسه، الوطن بخير ويناوله حبة من دواء الضغط، هدئ من روعك سيدي الرئيس، الوطن بخير. ويمد له الملعقة ليأكل قليلاً من اللبن الزبادي، ثم يسحب الغطاء فوقه ويتمتم بصوتٍ أقرب للهمس: تصبح على خير سيدي الرئيس، فيستسلم الوطن كله للنوم، يسحب الغطاء فوقه وينسحب من الغرفة بهدوء. فيرفع السيد الرئيس الغطاء من فوق وجهه يرى الوطن كله بجراحاته النازفة نائماً من نيمولي وحتى وادي حلفا، يري الوطن في صورة وحيد قرن ضخم الجثة يتقلب فوق بساطٍ من أشواك الضريس، يرى أعراض حياة موازية تنمو في ظلام حظر التجول، أسواقُ جديدة تنشأ وأسواقُ قديمة تندثر، مبانٍ جديدة تبرز فجأةً في الظلمة لا أحد يفهم كيف بنيت بتلك السرعة، شاحناتُ ضخمة تابعة للسلطة تعبر القفار البعيدة بينما تبدو عليها إشارات عربات المهربين. فيسحب السيد الرئيس الغطاء فوق وجهه مرةً أخرى ويستسلم للنوم. فصل جديد وفي الليلة السادسة حاولنا أن نجعله يعترف ببعض إنجازات عصره في مواجهة الأخطاء العظيمة التي مضى يسردها والتي كان أقلها شأناً كفيل بجعل شعر رؤوسنا يقف من هول المصيبة، لقد بدا أشبه بطفلٍ يلعب في بركةٍ من الطين كلما سحبناه خارجاً كان يعود ليغطس فيها مرةً أخرى، حتى أننا وبدلاً من المريسة التي جعلته يغرق في الأخطاء، قدمنا له في الليلة السادسة كوباً من القهوة الكثيفة بالجنزبيل، جرعةُ مركزة كافية لإيقاظ فيل. إلا إنه حينما شرع في سرد الأخطاء، اكتشفنا أن أخطاء المريسة كانت أخف وطأةً من أخطاء القهوة، لدرجة أن أكثرنا ثباتاً في مواجهة الكوارث، انخرطوا في نحيب بدون عزاء، وفيما انخرطنا نحن في نحيبٍ جماعي، لاحظنا أنه بدا سعيداً، واكتشفنا أنه فقد منذ عصر جفافه الثاني القدرة على التعامل مع الأحزان اليومية، لذلك بدا سعيداً بانتحابنا نيابةً عنه، بسبب الجفاف الذي امتد حتى إلى منابع دموعه. مضى يسرد قصص الموتى الذين قضوا في مختبرات تعذيب العقيد مصطفى سراج الدين السرية، وإستعرض بأدق التفاصيل قصص العشرات الذين دفنوا أحياءً في الحزام الأخضر والذين علقوا في المشانق بعد موتهم بسبب التعذيب، لتفادي إتهامات منظمات حقوق الإنسان حول ملابسات موتهم. ورغم أننا لاحظنا أن حزنه كان متعمداً لإثارة مزيد من مشاعر النحيب بيننا وإلقاء مزيد من الوقود الجاف على نار نحيبنا لضمان إستمرارها، إلا أننا فشلنا في مقاومة إغراء النحيب، بل أننا سمعنا نحيباً نسائياً يتصاعد في نفس اللحظة من داخل أجمة الحلفاء المواجهة لبيت الزين ود حاج النور. وفجأةً ساد المكان صمتُ عميق، حتى حفيف أوراق أشجار النيم تلاشى في الصمت المثقل بدموعنا التي بدأت في التراجع إلى منابعها، صمتُ شبيه بالصمت الذي ساد الوطن في العهد الذي تسلمت فيه إدارة الوطن الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة، حيث أصبح الوطن مثل محطة قطارات، الكل يهرب منه بعيداً، لا أحد يتوقف ولا حتى ليستمع لأحزان الاخرين. إكتفى السيد الرئيس بتسلم أوراق إعتماد السفراء والجلوس في بهو القصر في أيام عيد الفطر المبارك لتلقي التهنئة وإستعراض حرس الشرف في ذكرى عيد الإستقلال المجيد، إلى جانب حضور إجتماعات مجلس الوزراء الأسبوعية بصفة مراقب، حيث الجميع يتحدثون بلغة الأرقام عن أخطاء عهده الأول، يستمع إليهم ساهماً بسبب عجزه عن متابعة أحاديثهم الرقمية، وبسبب تغير وجوههم أسبوعياً رغم أنهم يتحدثون نفس الكلام ويستخدمون نفس الأرقام. يقولون له : وجدنا البنيات الأساسية للوطن كلها منهارة سيدي الرئيس، حتى شوارع الأسفلت طوتها الشركات الأجنبية التي أنشأتها مثل السجاد وحملتها على الشاحنات الضخمة ورحلت بها خارج الوطن بسبب عجز الحكومات السابقة عن دفع تكلفة إقامة هذه الطرق، قمنا بإعادة التعاقد مع هذه الشركات ودفعنا لهم التكلفة كاملة بالعملة الصعبة، فأعادوا الطرق نفسها وبسطوها في أرجاء الوطن. وإثر ذلك، دبّت الحياة مرةً أخرى في جسم الوطن سيدي الرئيس، واكتشفنا حينما وصلت السيارات إلى بعض المناطق النائية أن أهلها كانوا لا يزالون يعيشون في العصر المروي سيدي الرئيس، ووجدناهم لا يزالون يعبدون الإله أبادماك ويحكمهم ملك زعم أنه من سلالة الملك العظيم أرنكاماني الذي توفي قبل أكثر من قرنين من ميلاد السيد المسيح. وحينما شاهد الأهالي العربات الأولى التي حملت العمال الكوريين الذين قاموا بإنشاء الطريق، لاذوا بالفرار خوفاً من هذه الشياطين المعدنية وكانوا يتجمعون ليتفرجوا على مهندس كوري معتقدين أنه لعبة بلاستيكية تملأ بزنبرك. كل البنيات الأساسية كانت منهارة سيدي الرئيس ، عربات السكة الحديد وجدناها في مناطق صحراوية نائية، ولم نستطع أن نتبين أن كانت هذه العربات تخص العهد الوطني أم أنها نفس العربات التي إستخدمها اللورد كتشنر لنقل جنوده لغزو الوطن أواخر القرن التاسع عشر. وفي غرب الوطن وجدنا العربات مغطاة بطبقة كثيفة من أنسجة العنكبوت وطبقة سميكة من غبار خريف أصفر يرقى إلى العهد السناري، وحين إقتربنا من إحدى العربات وجدنا ثعبان الأصلة نائماً داخلها منذ عدة سنوات ولإيقاظه تعين إستخدام الديناميت. ويستغرق في النوم قبل أن يستمع إلى بقية التقارير التي تحمله مسئولية الفشل، يترك أذنيه مفتوحتين ليستمع بعد إستيقاظه من النوم إلى لغطهم، يتركون لغة الأرقام بمجرد إرتفاع صوت شخيره ويتحدثون بلهجة السماسرة، كأنهم في مزاد علني، فيعرف حينما يستيقظ ويعيد الإستماع إلى كلامهم، يعرف الأسعار الحقيقية لمحصول الصمغ العربي والسمسم ومحصول القوار، يعرف أنهم يكذبون عليه حينما يقولون: الحرب الأهلية إنتهت منذ سنوات سيدي الرئيس، والسلام يرفرف فوق الوطن من أقصى جنوبه وحتى أقصى شماله، يعرف زيف الصور الأرشيفية التي يعرضها جهاز التلفزيون والتي تصور الوطن كله غارقاً في إحتفالات أعياد الحصاد، حيث النوبة في جبالهم يرقصون رقصة تيوكوبو والدينكا يرقصون رقصة ملوال والشايقية يرقصون الدليب والبرتا يرقصون الهوكي. يكتشف حينما يستمع إلى تفاصيل نقاشهم أثناء نومه أن الحرب الأهلية لا تزال مشتعلة وأن الغلاء يطحن الوطن وأن الأهالي في المناطق النائية عادوا لإعتماد أسلوب المقايضة مثل أجدادنا القدماء في إتمام عمليات البيع والشراء بسبب عدم وجود عملة وطنية. وأنهم يستبدلون قماش الدمور المنسوج محلياً في مغازل يدوية بزيت الطعام والصابون، ويستبدلون محصول الذرة بالملابس والأحذية ويستبدلون طيور الحمام والدجاج بمكعبات مرقة الدجاج. وأثناء إستماعه لتفاصيل نقاشهم سمع كلاماً مختصراً مبهماً حول مظاهرة ضخمة عبرت وسط العاصمة وقام المتظاهرون خلالها بتدمير بعض المنشآت قبل أن يتم إحتواء المظاهرة، لاحظ أنهم تحدثوا عن المظاهرة بخوفٍ وحذر ودون أية تفاصيل. أثارت قصة المظاهرة فضوله فسعى لمزيد من المعلومات عبر وسائله البدائية الخاصة رغم أنه كان يعلم بأن كل تحركاته كانت مراقبة، فعرف أن مظاهرة حاشدة عبرت شارع القصر يوم الأحد السابع عشر من سبتمبر وأنها كانت تهتف مطالبة بعودة الحريات العامة وبسقوط إستبداد عصر الشركات ورغم أن المظاهرة بدأت في منتصف النهار، إلا أنه كان لافتاً أن أحداً لم يتعرض لها منذ خروجها من جامعة الخرطوم وإنخراط أعداد كبيرة من المواطنين فيها، رغم أنها تضخمت بسرعة حتى بدا وكأن الوطن كله كان في داخلها، ولم يتعرض لها أحد حتى بعد أن عبرت مثل الإعصار فدمرت أثناء مرورها سيارات اللاندكروزر الفاخرة التي يستخدمها أعضاء مجلس إدارة الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة. لم يتعرض لها أحد، بالعكس تماماً كانت الطرقات تخلى لها وإشارات المرور تفتح خضراء لمرورها، ومع بدء حلول الظلام بدأ الحشد الكبير يترهل وبدا كما لو أن قوة مجهولة كانت تمتلك خاصية التحكم فيه من بعد. كان الطلاب والمواطنون المنهكون يسيرون آلياً كأنهم منومين مغناطيسياً، لا أحد ينبس بكلمة ولا يَسمع سوى صوت بكاء الأطفال الذين فقدوا ذويهم، وبدا واضحاً أن المسيرة فقدت خطها الإرتجالي الأول وأنها أصبحت تسير على هدى إشارات المرور الخضراء التي تحدد خط مسيرها. وفجأةً إنفتحت إشارة خضراء أخيرة في شارع النيل وسمع الجميع صوت هدير النيل الأزرق المتوحش وهو على وشك إقتلاع ضفتيه بسبب موسم الدميرة. مباشرةً ودون أدنى تردد توجهت المظاهرة المنهكة لتسقط كلها في النيل الأزرق وتعالى لبرهةٍ قصيرة صراخ الأطفال الذين جرفتهم المياه المتوحشة قبل أن يخيم على المكان كله صمت القبور. في الصباح التالي إستمع إلى نشرة أخبار الساعة السادسة والنصف متوقعاً أن يعلن فيها نبأ الكارثة، لكنه لم يجد شيئاً جديداً، سوى نفس الأخبار اليومية حول إفتتاح منشآت جديدة وحول وضع حجر الأساس لمشروعات أخرى، واستمع إلى تصريحات منسوبة له شخصياً عن تحقق السلام في الوطن وبدء التنمية الشاملة لكل مناطق البلاد التي تأثرت بالحرب الأهلية، واستمع لنفسه وهو ينفي مزاعم تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية حول وجود إنتهاكات لحقوق الإنسان في الوطن. واستمع لنفسه وهو يعلن بصوته عدم وجود سجين سياسي واحد في الوطن، وفي نشرة المساء في التلفزيون شاهد نفسه يكرر نفس تصريحات الصباح، وشاهد نفسه وهو يقوم بزيارة سجن كوبر لدحض دعاوي وجود معتقلين سياسيين في الوطن. رأى نفسه يتفقد السجناء وهم يعملون في ورش الحدادة والنجارة وتربية الزهور، وشاهد أحد السجناء يشرح أمامه أسباب اعتقاله حيث أنه شارك في عملية لسرقة بنك الوطن، ورغم أن المجموعة وجدت البنك خالياً تماماً مغلفاً من الداخل بأنسجة العنكبوت إلا أنه تم إيقافهم، وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أعوام، وتحدث عن توبته من السرقة وأنه تعلم مهنة النجارة داخل السجن وأصبح صاحب مهنة سوف يعتمد عليها لتأمين نفقات معيشة أسرته بعد إنتهاء مدة عقوبته، ثم عرض أمام المشاهدين خزانة خشبية تصلح لحفظ الأواني المنزلية من الخشب الموسكي أعلن أنه صنعها بنفسه. وظهر شخصُ آخر شرح للسيد الرئيس أسباب سجنه إذ أنه إختلس بضعة ملايين من الجنيهات من الشركة التابعة للقطاع العام التي كان يتولى أمر حساباتها وأنه كفّر الآن عن جريمته. وظهر أشخاص آخرون شرحوا أسباب إرتكابهم لجرائمهم الوطنية وعرض كل منهم مصنوعات يدوية أنجزت في فترة إعتقالهم، ثم تقدم كل منهم بالشكر لإدارة السجن لأنها ساعدتهم على إحراز إكتشاف متأخر لمواهبهم. تعرف عليهم السيد الرئيس جميعاً، بدءاً من ذلك الذي أعلن أنه شارك في عملية سرقة بنك الوطن، عرف أنهم يكذبون تحت تهديد السلاح، فقد رآهم من قبل في أروقة حزب الوطن وكانوا الأكثر تطرفاً بين كل الذين رآهم يتحدثون داخل باحات المبنى أيام سطوة رجال الأحزاب، أيام فوضى الحرية التي حوّلت الوطن إلى شئ أشبه بسوق الجمعة، الجميع يتحدثون ولا أحد يعمل ولا أحد يتوقف حتى عن الكلام ليستمع لما يقوله الآخرون، ولا حتى ليلتقط أنفاسه في الصباح خرج متخفياً ليزور مكان الحادثة، إكتشف أن الشوارع كانت خالية تماماً من المواطنين، طاف كل شوارع السوق العربي فوجد المحلات مفتوحة الأبواب على مصراعيها ولا أثر لأنسان، وجد أجهزة التسجيل تصدح في المقاهي الخالية من البشر، لم يجد أثراً لأنسان فشعر فجأةً بخوف أنه كان وحيداً في الوطن كله، لولا أنه رأى فجأةً أشباحاً تتحرك بخفة أمام واجهات المباني فعرف أنهم رجال الأمن التابعين للشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة. سار ببطء في شوارع الوطن الخالية وبجوار سينما كلوزيوم شاهد أول إشارة تنبئ عن وجود حياة، ثلاث نسوة متشحات بالسواد، جلسن أرضاً وأمامهن أكوام صغيرة من الفول السوداني والتسالي، إكتشف أنه لا يحمل في جيبه أية نقود ليشتري منهن شيئاً، ورغم ذلك إقترب منهن فاكتشف في العيون الحزينة الساهمة قهر الوحدة والحزن المميز للثكالى. في المساء إستدعى العقيد خليفة إبراهيم بركات عن طريق حراسه، وقبل أن يبدأ العقيد في ترديد مواله اليومي: الوطن بخير، فاجأه السيد الرئيس: أخي العقيد أين الناس ؟ بدا العقيد مندهشاً لسؤاله واستفسر وهو يجلس :ماذا تعني بالناس سيدي الرئيس. فكرر سؤاله : أين سكان الوطن ؟، لقد طفت اليوم شوارع العاصمة فوجدت الوطن خالياً، ويبتسم العقيد خليفة إبراهيم بركات، يمد له ملعقة من دواء كولدال لعلاج السعال: لا عليك سيدي الرئيس، اليوم كان عطلة رسمية بمناسبة عيد الثورة، غداً صباحاً سوف نخرج سوياً لنرى الناس، ويسحب الغطاء فوقه: نوماً هانئاً سيدي الرئيس، يضع له وسادة الماء الساخن بجانب قدميه لتخفيف آلام الرطوبة، نوماً هانئاً سيدي الرئيس ويسحب الغطاء فوقه فيستغرق الوطن كله في النوم. في ضحى اليوم التالي تفقد مع العقيد خليفة إبراهيم بركات شوارع الوطن، فشاهد المواطنين يعبرون في شوارع شمس سبتمبر، ومنذ النظرة الأولى قرأ التعابير المزيفة في الوجوه، رأى وجوهاً جديدة لأشخاصٍ يجلسون أمام محلات المحاصيل في السوق العربي، ليست نفس الوجوه التي يذكرها جيداً رغم وهن الذاكرة، بل وجوها جديدة، حتى السعاة الذين شاهدهم يجلسون أمام البنوك، عرف أنهم ليسوا نفس السعاة الذين كانوا يجلسون في نفس الأماكن. حتى المتسولين من مرضى الجزام والعميان بجانب الجامع الكبير عرف أنهم مزيفون وأنهم ليسوا نفس المتسولين الذين كانوا يتحلقون حوله في الزمان الغابر حينما كان يتنكر في ثياب بائع لبن ويخرج متجولاً لقياس نبض الشارع أيام ديمقشاهد عشاق شارع النيل يأكلون الترمس والفول السوداني ويغنون كأنهم آلات دون بريق مصاحب للأشواق في العيون التي خمد حماسها الغابر رغم أن الحب اصبح هو النشاط الوحيد المسموح بممارسته في الوطن دون دفع ضرائب باهظة. وفجأةً تساءل السيد الرئيس: وأين حديقة الحيوان ؟أجفل العقيد خليفة إبراهيم بركات قبل أن يجيب: لم يبق فيها سوى فيل هرم سيدي الرئيس أرسلناه إلى موطنه ليموت مثلما هي عادة الأفيال التي تفضل الموت في موطنها الأصلي، أما بقية الحيوانات فقد عرفنا أن الوزير السابق حاج الأمين حسن ساتي الذي شغل وزارة المالية قبل عدة سنوات، كان قد تصرف فيها إما بالبيع لحدائق حيوان في أوروبا أو أنه قام بتأجيرها لفرق متجولة كان يحصل منها على خمسين بالمائة من دخل عروضها المتجولة، وعرفنا أن الأسد توفى أثناء نقله في قعر سفينة نقل يونانية إلى إيطاليا حيث كان الوزير حاج الأمين حسن ساتي قد قام بتأجيره إلى فرقة سيرك إيطالية مقابل مائة زوج من الأحذية الإيطالية سنوياً. فصل جديد وفي الليلة السابعة لاحظنا أنه لم يحضر سوى ثلاثة أشخاص، حتى النسوة الثلاثة اللائي حضرن الليالي الماضية كلها بدافع رغبة جماعية في الإنتقام منه لم يحضرن في الليلة السابعة. حضر سليمان ود حاج علي الأعرج بدافع الفضول، كان واضحاً أنه لا يضع أية إعتبار خاص للضيف الكبير، وأنه لم يكن بإمكانه رؤية أيٍ من أمجاد ماضيه، فقد جلس القرفصاء أمام السيد المشير وإنهمك في لف سيجارة القمشة دون أن يكترث لمحاولاتنا لتنبيهه لمداراة الفضيحة دون أن يلاحظ المشير ذلك، لكنه تجاهل كل إشاراتنا ومضى في لف سيجارته بكل عناية ثم ألصقها بلعابه ووضعها على زاوية فمه ناظراً لها بإحدى عينيه ثم مد كفه نحو السيد المشير طالباً بنفس الطريقة السوقية : هل معك كبريت أيها الأخ ؟. بالنسبة إلى سليمان ود حاج على الأعرج كان السؤال حاسماً ففي تلك اللحظة لم يعنه من أمجاد القادم الكبير التي سمع أطرافاً منها في القرية منذ طفولته، وحتى تلك الأخبار التي كانت لبضعة عقود جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في القرية، كان سليمان ود حاج على الأعرج يتعامل معها بإهمال. حتى أنه حينما قدم فكرته لصورة المشير قبل سنوات أثناء سمرٍ ليلي فوق كثبان الرمال شرق القرية تبارى فيه الحضور حول تقديم أفضل وصف لصورة السيد المشير تبين أن الصورة التي نجح سليمان ود حاج علي الأعرج في إنجازها بعد جهدٍ لم تكن سوى صورة جندي في قوات الشرطة الشعبية وأنه أعطاه سمات فتوة في طور التقاعد وعضلات مترهلة لملاكم معتزل. سليمان ود حاج علي الأعرج لم يكن من السهل عليه أن يقتنع بأن رجلاً إمتلك شهرة بين الناس حتي قبل أن يتسني لأحد رؤيته يمكن أن يسير دون علبة ثقاب، لكن السيد المشير لم يرد عليه ولم يعر يده الممدوده أدنى إهتمام، وكانت تلك المرة الأولى التي نشعر فيها بأنه لم يكن موجوداً معنا رغم أنه كان ماثلاً أمامنا، وأنه بدأ يدخل مرحلة غيبوبة ذهنية ينسب فيها أمجاد وقائع غير موجودة في ذاكرته إلى عصر جفافه الأول، لقد جلسنا في حضرته دون أية مظاهر للحفاوة سوى صحن ضخم من الألمونيوم به قراصة ساخنة مع ملاح الويكة. مدّ السيد المشير يده وتناول منها بضعة لقيمات قبل أن يخلد للنوم فجأةً أثناء الأكل وتراخت يده وهبطت بجانبه بينما كانت قبضة يده لا تزال تمسك بقطعة من القراصة الساخنة وعرفنا أية متاعب كان يتحملها مساعدوه لإبقائه مستيقظاً أثناء المآدب الرسمية في عهده الأخير الذي قام فيه بتسليم إدارة الوطن إلى الشركة الوطنية للمقاولات المتعددة الأغراض المحدودة ، مكتفياً بتسلّم أوراق إعتماد السفراء وموقعاً على مراسيم جمهورية لم يكن يقرأها ليس فقط لأن ذلك لم يكن يعنيه كثيراً ، ولكن لأنه إكتشف فجأةً أنه أصبح عاجزاً عن القراءة وأن سطور الكلمات أصبحت تختلط أمام عينيه. أحضر له العقيد خليفة إبراهيم بركات نظارة طبية للقراءة لكن الكلمات إستمرت في الإختلاط أمام عينيه، حتى أنه توقف عن قراءة التقارير الملفقة التي ترفع له مدعمة بأرقام الرخاء الإقتصادي الذي إنتظم الوطن، مكتفياً بقراءة الصحف الرسمية التي تصدرها الشركة الوطنية فيشاهد صورته تتصدر الصفحة الأولى في الصحف الثلاث، يقارن بينها فيكتشف أنها تنتمي لعهودٍ مختلفة من الإستبداد وأن هذه الصور إنتقيت بكل دقة لتناسب إشاعة عدم إستقرار نظامه الذي تقلب في فراش الوطن من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. فيبدو في الصورة الأولى في هيئةٍ ستالينية: شاربُ ضخم يغطي نصف الوجه وشعر خفيف في مقدمة الرأس، وفي صورة الصحيفة الثانية يبدو زائغ النظرات مرتبكاً أيديولوجياً بدون مبادئ سوى رغبةً لا تقهر في التسلط الكامل، وفي الصورة الثالثة تبدو عليه سيماء ورع دنيوي : مسحة حزن مزيف في العينين ولحية خفيفة نمت بإهمال، يقرأ العناوين الجانبية فيكتشف أن الصحف الثلاث لم تكن سوى صورة واحدة مع بعض التغيير الإخراجي، يزيح النظارة الطبية عن وجهه ويضعها بجانبه، بنفس الطريقة التي يضعها بجانبه في إجتماعات مجلس الوزراء ليوحي للحاضرين بأنه يقرأ كل شئ بدءاً من صحف المعارضة الخارجية التي تصدر خارج الوطن وتتسرب إلى الداخل في حقائب المسافرين وإنتهاءً بالصحيفة الرسمية التي يدقق في قراءتها لا ليتتبع تصريحاته المزعومة عن الرخاء الإقتصادي وتحسن الإنتاج الزراعي وإنخفاض التضخم الوطني بل بحثاً عن حقيقة المظاهرة الضخمة التي ألقيت في نهر النيل. ويحاول أن يبحث عن خيوط الحقيقة وهو يستمع إلى هدير الوطن في هدير نافورة القصر فيرى في مرآة الذاكرة على ضوء الجلبة التي تخترق واجهة ذاكرته يرى المواطنين المنهكين في القرى المنسية خلف تخوم الصحراء وهم يفترشون الأرض بمتاعهم القليل الذي إستطاعوا إنقاذه بعد أن إجتاح نهر النيل الهائج قراهم في أسوأ فيضان للنهر خلال القرن العشرين، رأى مرضى الملاريا يترنحون في طرقات الوطن، رأى يتامى الحرب الأهلية المستمرة يجلسون في طرقات ضوء القمر المشحونة برطوبة رائحة الدميرة تفوح من ثيابهم رائحة سمك الكور النتن الرائحة، في إنتظار عودة آبائهم. ولعدة أيام ظل يقرأ الصحف الثلاث كلها دون أن يترك حتى إعلانات المحاكم التي لاحظ أنها كلها تحوي أحكاماً بتطليق نساء من أزواجهن بسبب الإعسار أو الغيبة، وفي أثناء بحثه دقق حتى في إعلانات الوفيات فلاحظ أيضاً كثرتها ولاحظ أن معظم المتوفين تذكر مع أسمائهم عبارة :الذي إنتقل إلى الدار الآخرة إثر علة لم تمهله طويلاً، وقرأ إعلاناً ينعي فيه رئيس إتحاد الكرة عدداً من اللاعبين الذين إنتقلوا إلى الدار الآخرة إثر علة لم تمهلهم طويلاً. إكتشف أن الجميع إنتقلوا إلى الدار الآخرة يوم الأحد السابع عشر من سبتمبر، وطوال شهر كامل ظل يرصد أرقام الطلاق والموت، حتى توصل الي وضع قائمة بأسماء تسعمائة وستين شخصاً توفوا جميعاً يوم الأحد السابع عشر من سبتمبر دون أن تذكر أية تفاصيل حول أسباب وفاتهم. يضع النظارة الطبية بجانبه في إجتماعات مجلس الوزراء ليوحي بأنه يقرأ كل شئ، حتى لا يهزأ به دكاترة الأرقام هؤلاء حيث الجذر التربيعي ل س = مائة مليون دولار وحيث جتا س= ظتا ص. يستغرق في النوم تحت سحر هذا التنويم الرقمي تاركا أذنيه تسجلان حديثهم بلهجة تجار الماشية بمجرد تعالي صوت شخيره، ليستمع لهم فيما بعد وهم يقتسمون عائد الصفقات السرية ويوزعون عائدات مشروعات مجهولة، ويوزعون فيما بينهم علي اتباعهم المناصب الحكومية ومناصب السلك الدبلوماسي. يعيد الاستماع الي حديثهم عدة مرات بحثا عن خيط يقوده الي تفاصيل مجزرة يوم الاحد السابع عشر من سبتمبر التي ألقي فيها الوطن كله في النيل الازرق، فيكتشف فراغا في حديثهم حينما يقفزون فوق الواقعة متجنبين الخوض في تفاصيلها. يبحث عن مستشاريه القدامى الذين اختفوا تدريجيا مع ظهور مستشاري عصر الشركات المتعجلين، يرتدون ملابسا غالية الثمن، قمصان فان هيوزن وربطات عنق من كريستيان ديور، وينتعلون الاحذية الايطالية الفاخرة، لا يدلون بأية تصريحات يتحدثون بكلمات مقتضبة ودون تفاصيل في أجهزة الهاتف النقال، ينظرون في كل لحظة الي ساعات الرولكس الغالية ثم يعلنون ان الوقت قد انتهي ويهرولون للحاق بمواعيد مجهولة. يستأنفون في وجوده إيقاع حياة ميك****ية جافة بدون عواطف حتى أن السيد الرئيس كان يشتاق في وجودهم لمستشاريه القدامى، مستشاري عصور الجفاف الاولي الذين كانوا ينفذون تعليماته حرفيا، يتعاملون بعفوية ومرح ومستعدون لإضاعة اليوم كله في سرد قصة مملة، يهملون حتى ملابسهم، يرتدون سراويل الجينز حتى تلتصق بجلودهم، وأحذيتهم الرياضية كانت تبدو كأنها من مخلفات معركة، يعرف أنهم كانوا يخدعونه أحيانا ويسرقون بإسمه في أحيان كثيرة ومستعدون لقبول أي رشوة تأتي من أي مكان. كان يعلم انهم يخدعونه، وأنهم يحملون خريطة تبين الاتجاه اليومي لجدول نزواته لكي يستمروا في خداعه في كل الاوقات، كان يعرف أنهم كانوا مستعدين في كل لحظة للتخلي عنه في لحظات الخطر وإستبداله بأول قادم جديد الي سدة الحكم بمجرد ان ينقشع دخان أول انقلاب عسكري. ورغم كل ذلك كان يشعر بالشوق الي أيامهم السعيدة، يشعر بالأسف لأنه كان يسئ معاملتهم أحيانا ويتأفف من نتانة ملابسهم لدرجة أنه دفع احدهم يوما بكامل ملابسه في حمام السباحة واضطر أن يسقط خلفه في الماء لأنقاذه، حينما اكتشف أنه لا يجيد السباحة، سحبه للخارج وهو يحتضر وقام بنفسه بعمل الاسعافات الاولية لاخراج الماء من جوفه .
  10. (الفصل الثاني عشر) لأنه ومنذ ذلك الزمان كان هو نفسه قد أصبح يعاني من إزدواجية مفرطة في الذكريات، حتى أنه إحتفظ في ذاكرته بتفاصيل مختلفة لنفس الوقائع، وكان ذلك هو السبب الذي أدى به إلى تعيين أحد معاونيه: عبد الله عبد الرحمن، وزيراً للمالية في قرار جمهوري أذيع في نشرة أخبار الساعة الثالثة دون أن يكلف نفسه عناء إقالة الوزير الدكتور الطيب محمد عثمان الذي اصطدمت أفكاره الإصلاحية بمصالح معاونيه المقربين، لأن ذاكرته عادت به في اللحظة التي اتخذ فيها قرار تعيين وزير جديد للمالية إلى أيام كارثة أمطار الخامس من يوليو الوطنية، التي هدمت أكثر من نصف بيوت الوطن كما جاء في تقارير رجال أمنه الذين أعلنوا له : كما عثرنا أثناء تفقدنا لآثار الكارثة سيدي الرئيس على رجال الأحزاب الذين هربوا وإختبأوا في أماكن مجهولة عقب إغلاق حزب الوطن، أخرجتهم الأمطار مثل العقارب، ووجدنا بعضهم ضمن الموتى المفقودين تحت الأنقاض. وعثرنا مع الموتى على منشورات كانت جاهزة للتوزيع تدعو الشعب للعصيان المدني، وعثرنا على مجموعة من مطابع الرونيو البدائية تستخدم لطباعة المنشورات، كما أجبرت الأمطار على الظهور رجالاً مختبئين من زوجاتهم منذ سنوات، بسبب غلاء المعيشة والتضخم الوطني، ولأن الأمطار أجبرت أعداداً مضاعفة من البشر على الظهور فإننا فكرنا في العودة إلى تطبيق أفكار المرحوم مصطفى سراج الدين بإعادة تفريغ العاصمة. وفي ذلك الزمان إستقبل وزير المالية الجديد الذي أختاره العقيد خليفة إبراهيم بركات بالقرعة من بين أربعة أسماء قدمها معاونوه. استقبل في مكتبه الأستاذ عبد الله عبد الرحمن، وسلمه ملفات الإنهيار الإقتصادي التي تضخمت حتى إحتاج الأمر إلى ستة رجال من أجل ترحيلها إلى وزارة المالية، رغم أن الوزير الجديد لم يبد بها إهتماماً ولا حتى على سبيل المجاملة، ولدى دمعقولة بسه الوزارة تبين أنه يتحلى بفضيلة واحدة هي الصبر، فلم يذرف دمعةً واحدة على سابقيه من الوزراء الموتى، لم يكلف نفسه وقفة عزاء على أطلال ذكرى الموت الجاثمة في المكان، وبدلاً من ذلك إستهل طوافاً هادئاً على أقسام الوزارة، سيكون الأخير، لأنه تفرغ منذ لحظة تسلمه مقاليد الوزارة، لمطاردة القروض وكان يبدو في أفضل أحواله لحظة توقيعه علي اتفاقية قرض جديد، حتى غرق الوطن كله في الديون. وكانت تقارير فشله تنهمر على القصر كل يوم : " إنه صورةً أخرى من الوزير الهارب حاج الأمين حسن ساتي سيدي الرئيس، يتعامل بكل بساطة مع الكوارث اليومية كأنها تقع في وطن آخر لا يخصه، ويعلق بكلمة واحدة لا تتغير على كل التقارير التي ترد إليه عن إنهيار مشروعات التنمية وتراجع قيمة العملة الوطنية ونبوءة قسم الفيزياء بالجامعة عن إحتمالات مواسم طويلة قادمة من الجفاف، يقرأ بضعة أسطر من كل تقرير ثم يكتب عليه : يَحفظ، حتى أنه علق على طلب قدمه أحد زملائنا يلتمس فيه الحصول على إجازة عارضة بسبب وفاة والده، علق عليه بكلمة : يحفظ، حتى أننا أطلقنا عليه في الوزارة د. يحفظ. وتدحرجت العملة الوطنية حتى أننا أصبحنا حينما نخرج من البيت للتسوق صباح كل جمعة، أصبحنا نحمل على ظهورنا جوالاً من العملة الوطنية، لنعود الي البيت بربطتين من الجرجير، وربطتين من الملوخية، وبضعة حبات من الطماطم . أصدر قراراً جمهورياً لا بإعفاء وزير المالية، بل بتعيين وزير جديد إختارته قرعة العقيد خليفة إبراهيم بركات : الدكتور محمد الأمين عبد الرحمن، رجل أعمال بالغ التهذيب، شديد الأناقة، يفرض من حوله بمظهره هدوءاً خارقاً، وأثناء حفل تسليمه ملفات الإنهيار الإقتصادي التي تضخمت حتى إحتاجت إلى عشرة رجال لنقلها إلى عربة النقل التي سوف تنقلها إلى وزارة المالية، منذ اللحظة الأولى حاول الوزير الجديد أن يتلمس جراحات الوطن، بقسوة جراح، قال : سيدي الرئيس ينبغي إيقاف الحرب الأهلية أولاً وقبل أن نحاول إجراء أية معالجات للإقتصاد المنهار. بدأ بملفات الفساد الوطني، والمجاعة التي كانت لا تزال تضرب أواسط وغرب الوطن، وتفقد بنفسه آثار الكارثة فشاهد القرى مهجورةً والمراعي جافةً مقفرة كأن المطر لم يهطل منذ مائة عام، لم يشاهد سوى بقايا عظام الأبقار وقطعان الضأن والابل التي نفقت بسبب الجفاف، تفقد مشروعات التنمية واكتشف أن معظمها كان متوقفاً بسبب مشاكل إدارية أو أعطال فنية نجمت عن نقص قطع غيار الماكينات. وعلى إمتداد النيل الأبيض تفقد مشروعات إعاشة النازحين من نطاق المجاعة، وبعد جهود مكثفة بدأت عجلة التنمية تدور ببطء، وتتبع القروض التي ذكر أنها صرفت على إعادة تأهيل مشرعات التنمية، فلم يعثر لها علي أثر. وقاد بنفسه مبادرةً لوقف الحرب الاهلية الدائرة في جنوب الوطن، فبدأ إتصالاته عبر وسطاء من منظمة الوحدة الإفريقية مع فصائل التمرد في نيروبي. فيما بدأ السيد المشير يشعر ببعض الإستقرار حتى أن فراغ روحه عاوده مرةً أخرى، فعاد مرةً أخرى يتسقط نزوات الشيخوخة التي تبخرت من عقله منذ أن تحولت الأميرة مينيساري إلى ريح واختفت. رقص العرضة في مهرجانٍ للفنون الشعبية مع فتاةٍ من قبيلة البجة، ورقص الدليب مع مجموعة من شباب قبيلة الشايقية، وللمرة الأولى اكتشف أن نزوات القلب كانت قابلة للشم، حينما التقط رائحة تعفن الوطن تفوح من حوله دون أن يلاحظ أنه كان يلتقط رائحة عفونة الذكريات التي بدأت في التحلل في ذاكرته. ولإعادة شحن ذاكرته بذكريات جديدة عاد ليطوف أرجاء الوطن، رغم أنه حينما شاهد صورته في المرآة عرف أن الذي تغير لم يكن الوطن كما تخيل، بل كان هو شخصياُ، طاف في ملابس بائع لبن، فشاهد السكارى يغنون في شوارع الواحدة والنصف صباح الأثنين، لا عن رخاء، بل عن حزن، وشاهد نازحي الحرب الأهلية يبيعون الماء في ميدان أبو جنزير، والأحذية المسروقة في شارع الجمهورية، وشاهد ضحايا المجاعة التي نفتها وسائل إعلامه بإعتبارها إحدى مكائد الإعلام الغربي، شاهدهم بالآلاف يتسولون لقمة العيش في ميدان الأمم المتحدة. وفجأة تجمد الدم في عروقه حينما توقف الوطن كله على صوت زئير رهيب عرف من الأحاديث التي إلتقطها من حوله أثناء سيره في أزقة السوق العربي إنه : أسد حديقة الحيوانات العجوز الذي ورثناه من الإستعمار الإنجليزي يتضور جوعاً، إلا أنه حينما سأل رجال أمنه حينما عاد من جولته قالوا له إنه: أسد حديقة الحيوان الهرم سيدي الرئيس يزأر متألماً بسبب وفاة خليلته. فتساءل دون إهتمام : وما سبب وفاة خليلته ؟ _ ماتت بالشيخوخة سيدي الرئيس . وفي اليوم التالي شاهد صفوف الخبز التي تمتد بطول الوطن حتى أنه فشل في تتبع نهاية الصف، حينما إكتشف أثناء محاولته تحديد نهاية الصف طوال الليل ان الطقس بدأ يتغير إلى مناخ أكثر رطوبة، ولاحظ شجيرات إقليم السافنا الفقيرة تحل محل جفاف إقليم الصحراء، فيما تقارير معاونيه تؤكد أن الخبز متوفرُ في كل الأسواق، وأن الأمن مستتب في ربوع الوطن، وأن قوات الحكومة وجهت للمتمردين ضربات موجعة تراجعوا على أثرها إلى داخل حدود الدول المجاورة، فيشعر بتزايد ضراوة فراغ روحه إثر هذا التناقص المزعوم للكوارث الوطنية، فعاد يبحث عن عزاءٍ للروح في إحتفالات الوطن. بحث عن عزاء محتمل في مهرجانات الفنون الشعبية التي يقيمها الأخ وزير الثقافة، شاهد عرضاً لرقصة الهوكي مصحوباً بعزفٍ جماعي على أبواق الوازا، وشاهد فتيات من قبيلة الهوسا يرقصن على أنغام مزمار الكيتا، وتفحص الوجوه أثناء إفتتاح معرض خيري لدعم ضحايا موجة الجفاف والتصحر، وشاهد رسماً توضيحياً يوضح الأرقام الحقيقية لضحايا المجاعة، فذهل للأرقام الحقيقية حتى أنه عاد يحدق في وجوه زوار المعرض ليتأكد من أن أحداً غيره قد بقي على قيد الحياة في وطن المجاعة. وشهد في نهاية الأسبوع حفلاً لتخريج طالبات كلية الأحفاد الجامعية، لفت نظره مشهد الفتاة التي كانت تقوم بتقديم البرنامج، أكثر من البرنامج نفسه، رآها ملكةً حقيقية في فستان من الساتان الأزرق، يبضاء ورشيقة القوام مثل غزال، لم يصدق أن ينشأ مثل هذا الجمال الخارق في زمان المجاع ، سأل عنها فعرف : إسمها فاطمة عبد الرحمن سيدي الرئيس، من سلالة ملوك مملكة أرقو القديمة، طالبة في السنة الأولى في الكلية، والدها ضابط متقاعد طَرد من الخدمة بعد الإشتباه في إشتراكه في مؤامرة ضد النظام . بحث في ذاكرته عن تفاصيل تلك المؤامرة المزعومة، فلم يعثر لها على أثر، وبعد تحقيق سري عرف أن والدها أقيل في أيام العقيد مصطفى سراج الدين الذي كان ينفذ قراراته ثم يعرضها على السيد الرئيس ليوافق عليها، فأصدر قراراً ليس فقط بإعادته للخدمة العسكرية، بل وتعيينه أيضاً وزيراً للرعاية الإجتماعية، وبعد أداء القسم قاده من يده إلى الوزارة المعتمة التي أَغلقت منذ إقالة الدكتور التجاني عبد العظيم في نهاية عهد التصالح مع الأحزاب التي أسماها معاونوه فترة ديمقراطية الجدران. إكتشفا أن أنسجة العنكبوت كانت تغطي المكان كله، حتى الصورة الوحيدة المعلقة في المكان، التي يظهر فيها المرحوم البروفسور عثمان محمد صالح وزير الرعاية الإجتماعية الأسبق وإبنته الدكتورة صفاء التي ذابت في الوطن كأنها لم تكن، حتى أن كل من يأتي على ذكرها، كان يطالب بإبراز الأدلة التي تثبت أكاذيبه. وإكراماً للطالبة الصغيرة التي إستهلت الحفل بأبيات للشاعر الشعبي محمد أحمد عوض الكريم أبو سن الشهير بالحردلو وإختتمته بأبيات للشاعر الشعبي المعاصر عبد الله ود شوراني، إكراماً لها إبتدع القصر تقليداً جديداً يقضي بإقامة حفل إستقبال لكل وزير جديد تَدعى في الحفل أسرته وأصدقاءه المقربين، برغم الإعتراض المهذب للدكتور محمد الأمين عبد الرحمن من إحتمال تزايد نفقات القصر لأن هناك وزراء جدد كثيرون يظهرون كل فترة. ورغم أنه لم يكن يمزح إلا أن السيد الرئيس غلّف تجاهله للإعتراض بابتسامة، تذكر أيام الدكتور عز الدين الزين، الذي أوقف كل الإحتفالات إقتصاداً للنفقات، حتى أن رجال السلطة نسوا بعد سنوات من القمع الإحتفالي تأريخ الثورة المجيدة التي أتت بهم إلى السلطة. تجاهل السيد الرئيس إعتراضه، وحوّل الموضوع ليسأل عن نتائج آخر الجهود التي يبذلها الدكتور محمد الأمين من أجل إيقاف الحرب الأهلية، تحدث الأخ الوزير عن إحراز بعض التقدم، وأنه سوف يشارك مع بعض الوسطاء في إجتماع يعقد منتصف الشهر القادم مع بعض ممثلي المتمردين على الحدود اليوغندية، شعر السيد الرئيس بقلق خفي من عقد الإجتماع في تلك المنطقة الاستوائية التي ينتشر فيها المسلحون وتكثر فيها حقول الألغام، عبر عن قلقه قائلاً : السفر الي هذه المنطقة لن يكون آمناً، من الأفضل تغيير مكان الإجتماع ليَعقد إما في إحدى مدن الجنوب الكبرى أو في يوغندا نفسها. إلا أنه لم يبد على الدكتور محمد الأمين عبدالرحمن أنه إقتنع برأي السيد الرئيس، وفي إحتفال إستقبال الوزير الجديد العميد عبد الرحمن ساتي ونتيجة خطأ بروتوكولي متعمد جلس السيد الرئيس بين الوزير الجديد وإبنته الطالبة التي تجاذب معها السيد الرئيس الحديث، وبعكس الدكتورة صفاء التي كان يضطر أحياناً للتسلل إلى وزارة الرعاية الإجتماعية المغطاة بالتراب، ليعيد تخزين ملامح وجهها في ذاكرته من صورتها المعلقة في المكتب المنسي لوزير الرعاية الإجتماعية، محاولاً تأجيل ضياع وجهها النهائي في النسيان، بعكس الدكتورة صفاء التي كانت متجهمة الوجه طوال الوقت وغير ميالة للمرح وحتى في أقصى لحظات الصفاء لم يكن يشاهد على وجهها سوى وميض إبتسامة أكاديمية صارمة سرعان ما كانت تختفي. بعكس الدكتورة صفاء فإن الطالبة فاطمة عبد الرحمن ساتي كانت ذات مزاج طفولي ساحر، حتى أن السيد الرئيس خشي أن يكّون تجاهها عواطف الأبوة، كانت تتحدث بسرعة وبمرح عفوي، حتى أنها مدت يدها وأزالت خيط عنكبوت علق على شعر السيد الرئيس أثناء تفقد وزارة الشئون الإجتماعية المهجورة شعر بتراجع فراغ روحه وبتقدم الفاصل المداري لأشواقه حتى تجاوز كل إقليم صحراء عواطفه، ففي حين كان يضطر ليجلس يوماً كاملاً أمام الدكتورة صفاء يتسول كلمة حنان واحدة فيما هي تبدو منهمكةً في عملها لا تعير وجوده أدنى إهتمام، على العكس بدت الطالبة فاطمة عبد الرحمن ساتي على إستعداد لتوزيع عواطفها على العالم كله دون تردد ودون حتى أن يتأثر مخزونها الإستراتيجي الهائل من العواطف. استأنف مع الطالبة الصغيرة رباطاً ثقافياً هشاً، حينما إكتشف أنها قارئة نهمة وأنها تقرأ كل ما يقع تحت يدها بدءاً من كتب ميكي ماوس مروراً بأية صحيفة أو كتاب تقع عليه، إستعرض معها السيد الرئيس ثقافته، لم يستغرق ذلك وقتاً طويلاً، دون أن يلاحظ أنه كان يعيد أمامها مقاطعاً من ذكريات قهره الثقافي قبل سنوات طويلة أيام مجلس قيادة الثورة، وللمرة الأولى لاحظ أن إجترار الذكريات كان أكثر مرارةً حتى من تذوقها الأول. شعر بتراجع خواء روحه وبأنه يستعيد جزءاً من نشاطه السابق، فأصبح يستيقظ مبكراً ليقرأ التقارير التي تصله تباعاً من وزير المالية الدكتور محمد الأمين عبدالرحمن ووزير الزراعة الدكتور ويليام قرنق، ونفض الغبار عن رغباته الغابرة في معرفة العالم، فاشترى سراً عدداً من الكتب التي كان يأمل أن يجد في صفحاتها الأولى مقدمات موضوعات تصلح للنقاش مع الطالبة فاطمة عبدالرحمن ساتي. وبسبب عجلته لإكتناز المعلومات، كانت قراءته مشوشة، قرأ جزءاً من رواية قصة مدينتين لشارلز ديكينز وقرأ جزءاً من أشعار أبي الطيب المتنبئ وقرأ مقاطعاً من أشعار الحردلو، ولتدعيم الاساس المتداعي لعواطف، بأساسٍ ثقافي موازٍ، غاص في مستنقع بدون شاطئ من قصاصات صحفية ترقى إلى عهد الإستعمار الإنجليزي وقرأ جزءاً من مذكرات السير قاوين بل، وقصاصات مصورة لموضوعات نشرت في صحافة حزب الوطن الحائطية التي تولى تحريرها رجالات الأحزاب القدامى الذين فتح من أجلهم أبواب حزب الوطن على مصاريعها بعد أن طرد منه أقرب معاونيه الذين لم يكن لهم عمل سوى التسبيح بإسمه والتشاجر حول حصص الوقود والسكر ومناصب السلك الدبلوماسي. فخرجوا منه وهم يواصلون شجارهم لأنهم عرفوا ومنذ اللحظة الأولى لطردهم من خدمة الفساد، أنهم سوف يعودون قريباً إلى حزب الوطن لأنهم كانوا يعرفون أن هذا الباب الذي فتحه السيد الرئيس على فضاء الحرية لن يجلب له سوى الريح . خرج معاونوه الأقربون من حزب الوطن بعد أن لملموا مستندات شجارهم وآخر التصاديق التي حصلوا عليها من أجل إستلام حصة أخيرة من السكر والوقود لضخها إلى السوق السوداء، ودخل رجال الأحزاب يتلفتون حولهم حذرين من وجود مكيدة مدبرة، وفي قلوبهم لا تزال تنزف الجراحات الأخيرة للمنفى، في عيونهم رهق الخنادق، دخلوا إلى حزب الوطن، فحولوه إلى شئ أشبه بسوق الجمعة كما كانت تقول تقارير رحال أمنه، الجميع يتحدثون في نفس الوقت، لا أحد لديه وقت ليصغي لما يقوله الآخرون، كأنهم يفرغون شحنة عدة سنوات من الضجيج المكبوت أثناء تجوالهم لسنوات على إمتداد القارة السوداء، كلما ألقوا عصا الترحال في بلد مجاور للوطن. يخدعون أنفسهم في أمسيات الغابات المطيرة كلما هبت أول أنسام الرياح التجارية الجنوبية الغربية، بأنهم يشمون دعاش الوطن. يشاهدون غروب الشمس في المحيط في ميناء مومباسا في درجة حرارةٍ أشبه بالجحيم، وعلى شاطئ نهر الكونغو في برازافيل وعلى ضفاف بحيرة فكتوريا، ويقنعون أنفسهم بأنه نفس الغروب الذي يشاهدونه من فوق كوبري النيل الأزرق وعلى شاطئ نهر القاش في كسلا. قرأ في قصاصات مصورة من صحف حزب الوطن الحائطية فاكتشف فيها بدايات إنهيار وشيك يتلمس خطاه من حوله، حتى أنه فتح جهاز الراديو ليتأكد من أن المارشات العسكرية لم تنطلق من الإذاعة، واتصل بالعقيد خليفة إبراهيم بركات فطمأنه إلى أن الأمن مستتبُ في الوطن كله، وأن الوطن كله نائم في هذه الساعة، فعاد لينقب في قصاصاته مرتبكاً من يقين أن البحث عن الحب وعن الإنهيار الشامل لسلطته يبدأ من نفس الطريق، وأن أعراض تحققهما النهائي كانت مَتشابهة. وليتحسس موضع مكان سليم بين جراحات القلب يحتمل جرحاً أخيراً، أوقد شمعةً صغيرة في عتمة قلبه ليستكشف إمكانات إحتماله لمضاعفات حبٍ متأخر، إنطفأت شمعته لا من وطأة ريح الشوق كما حسب في البداية، بل بسبب إعصار آخر خريف منسي في ذاكرته. واكتشف في حواف مستنقعات النسيان الراكدة في قلبه بدء تكون وردة منسية، ذات ملمس حجري، بين أحراش نبات الحلفاء والتين الشوكي، وللمرة الأولى أثناء تجواله في متاهات القلب، اكتشف بدء سطوة نسيان كان يعبر في شكل إعصار إستوائي شبيه بإعصار الهارمتان، مقتلعاً من طريقه حتى أقل الأشارات أهميةً لذكريات وقائع مندثرة في ذاكرته، فجازف بمحاولة تثبيت بعض الوقائع ضد إعصار النسيان، بربطها بإستخدام أوتاد صغيرة من شجر المسكيت. وأثناء محاولاته المضنية لإعادة تأهيل قلبه، بإعادة شحن بطارياته المتهالكة وإضافة منافذ إضافية للطوارئ وتحسين مستوى خدمات الحزن في مواجهة بدء هبوب إعصار النسيان، جاءه النبأ الصاعق : الدكتور محمد الأمين عبد الرحمن والدكتور ويليام قرنق قتلا مع عدد من المرافقين في كمين بالقرب من نيمولي أثناء توجههم إلى الإجتماع الذي كان مقرراً مع بعض ممثلي المتمردين على الحدود اليوغندية. فصل جديد وفي الليلة الثالثة اعترف ببعض تجاوزاته أيام عمله في الخدمة العسكرية في مناطق العمليات جنوب الوطن أثناء الحرب الأهلية الأولى، وغرق في متاهة تفاصيل محاولات تخريبية قادها من خلف واجهة القضاء على التمرد، واعترف بعمليات إعدام نفذت دون التحقق حتى من أن الذين أطلق عليهم الرصاص بعد ربطهم في أشجار الباباي، كانوا هم نفس الذين حكمت عليهم محاكم عسكرية ميدانية بالإعدام غيابياً بعد إثبات وجود شبهة إتصال بينهم وبين المتمردين، وأنه أشعل النار في غابة من أشجار المهوقني والباباي للإشتباه في وجود متمرد يختبئ داخلها . الحرب الأهلية التي حينما تجددت للمرة الثانية، كادت تخنق نظامه حينما تزامنت مع موجة الجفاف والتصحر التي حاصرت الوطن، مما اضطره لإعادة فتح أبواب حزب الوطن لرجال الأحزاب القدامى، بعد جهد إعلامي متواطئ لمحاولة غسل ذاكرة الوطن تلافياً لإتهام نظامه بالتخبط. ومنذ لحظة إعلان قراره بإعادة فتح حزب الوطن أمام رجال الأحزاب بدأت تقارير رجال أمنه تتراكم أمامه: جاءوا سيدي الرئيس بنفس يرنامج الفوضى السابقة، وفور إعلان القرار، ظهروا فجأةً داخل أروقة حزب الوطن وفي عيونهم بقايا أرق إنكسار الوحدة بعد سنوات الإختباء، وكانوا لا يزالوا ينظرون خلفهم وحواليهم خوفاً من وجود مجهول يتعقبهم، وواصلوا خطبهم المنبرية من نفس المكان الذي توقفوا فيه حينما فاجأهم رجال الأمن في المرة السابقة، وصدرت صحفهم الحائطية كأنها لم تتوقف لحظةً واحدة وبها حلول مسابقات الكلمات المتقاطعة للعدد الأخير الذي مزقه رجال الأمن لدى نهاية فترتهم السابقة في حزب الوطن. ومنذ اللحظة الأولى شنوا هجوماً ضارياً على النظام سيدي الرئيس ودعوا لإقتلاعه من جذوره، وفي لحظات بدأ الوطن كله يتوافد لسماع خطبهم وقراءة صحفهم حتى إمتلأت بهم أروقة حزب الوطن، وأضطر الكثيرون للجلوس فوق الجدران. وفي صفحة أسرار المجتمع في إحدى صحفهم الحائطية رأينا صورةً لكم سيدي الرئيس مرسومة بالقلم الرصاص ويبدو أنها رسمت من صورةٍ ترقى إلى أول أيام الثورة لأنه لا يوجد على الكتف سوى نجمة واحدة مع خبر مبتسر يقول أن مسئولاً كبيراً في الدولة ربما يتزوج من فتاةٍ صغيرة طالبة في إحدى الجامعات!. فيرخي أذنيه ويخفق قلبه للخبر في الوقت الذي كان يعاني فيه تشويشاً شاملاً في علاقته مع الفتاة التي عين والدها وزيراً في وزارةٍ إكتسبت سمعةً سيئة كفخ لعواطفه منذ أيام الدكتورة صفاء فرغم أن الدعوات كانت تصل للفتاة تباعاً مرفقة بأعداد من الكتب التي كان السيد الرئيس يشتريها سراً، لحضور حفلات إستقبال في القصر، أو عروض خاصة لفرقة الفنون الشعبية بمناسبة عيد الوحدة، العيد الوحيد الذي لم يعد له مبرر سيدي الرئيس، كان يقول وزير المالية الجديد الذي يحمل أفكاراً تقتيرية مثل المرحوم الدكتور عزالدين الزين: رغم أنه لم يعد في الوطن شئ لكيما نبخل به سيدي الرئيس إلا أن الإحتفال بعيد الوحدة لم تعد له أية مبررات لأن الحرب الأهلية اندلعت مرةً أخرى في جنوب الوطن، وإتفاقية إديس أبابا أصبحت كأنها لم تكن. إلا أن السيد الرئيس بقي مشوشاً متأرجحاً ما بين أطماع القلب ومشاعر الأبوة التي نغصت عليه لحظات رقتها العفوية، شاعراً بأنه كان يضيع الوقت في إستبسال عاطفي لإثبات شيخوخته، التي واجه بها دون آثار جانبية سطوة ذكريات دون براهين. لم يستفد من هذه العاطفة ذات الوجهين سوى هدوءُ خارق، إمتص فيه أية رغبات في العراك، حتى أنه بقي ساكناً أمام إحتجاجات معاونيه على إعادة فتح أبواب حزب الوطن أمام رجال الأحزاب : يريدون إقتسام كل شئ سيدي الرئيس، دون حتى أن يناقشوا مبدأ تقديم تنازلات أيديولوجية من جانبهم من أجل الإنخراط النهائي في ركب الثورة، فيستمع هادئاً ينقل بصره بإهتمام بين وجوه المعارضين لإنفتاحه الديمقراطي حتى لا يعطي إنطباعاً بأن أذنيه فقط كانتا تعملان في تلك اللحظة التي يجد نفسه فيها مستسلماً لقدرٍ لا يخصه، يستمع لمعاونيه هم يتابعون سرد مخاوفهم الديمقراطية:- وعادوا لنفس اوهامهم السابقة سيدي الرئيس، ينادون بمحاسبة المفسدين وبتعيين رئيس للحكومة من التكنوقراط يكون متخصصاً في إدارة الكوارث، لإدارة الوطن ! وينادون بتأميم المشروعات العامة التي بيعت للقطاع الخاص، تصور سيدي الرئيس أن المعارضة التي وصمناها بالرجعية أول أيام الثورة، قد أصبحت تقدمية أكثر منا الآن!!. يستمع لمخاوفهم بنصف إبتسامة ويختم النقاش بإشارة ترجيحية من يده يقول: اطمئنوا لايوجد شئ لإقتسامه معهم سوى المجاعة، ويصدر قراراً جمهورياً يتعيين ثلاثة من رجال الأحزاب وزراء للمالية والزراعة والداخلية، الدكتور محمد عثمان الزين والبروفيسور عبدالرحمن الطيب واللواء بيتر ملوال دينق، وزير المالية الجديد الدكتور محمد عثمان الزين بدأ العمل في وزارته مبكراً منذ لحظة أدائه للقسم ومنذ تلك اللحظة بدأت التقارير تسجل كل خطواته: قبل أن يدخل إلى مكتبه سيدي الرئيس أوقف جميع الموظفين الذين هرعوا لإستقباله، وقرأ الفاتحة على روح المرحوم العقيد محمد النور عبدالهادي وزير المالية الأسبق الذي أعدم بعد إدانته بالمشاركة في مؤامرة إنقلابية. وقرأ الفاتحة على روح العقيد الفاضل محمد عبدالكريم الذي قتلته طلقة رصاص لازال صداها يدوي في أرجاء القصر الجمهوري، رغم أن أحداً لم يعد يتذكر على من اطلقت تلك الطلقة وما مناسبة وجودها في النسيان، ثم قرأ الفاتحة على روح الدكتور محمد الأمين عبدالرحمن وعلى روح الدكتور ويليام قرنق اللذان قتلا أثناء محاولتهما التوسط لإنهاء الحرب الأهلية في جنوب الوطن. ومنذ اللحظة الأولى قام بالتنسيق مع الدكتور عبد الرحمن الطيب وزير الزراعة لنفض الغبار عن جراحات الوطن، وقاما بتفقد مشروعات التنمية، زارا المناطق المتأثرة بالمجاعة في غرب الوطن، وأشرفا بنفسيهما على توزيع مواد الإغاثة علي النازحين في المعسكرات حول المدن، تفقدا آثار الدمار الذي أحدثته الحرب الأهلية ودون أدنى تباطؤ شاركا مع رجال الأحزاب القابعين في حزب الوطن في صراع على فوائد ما بعد المنفى، في صياغة مبادرة سلام لإنهاء الحرب الأهلية، وأثر هطول أمطار أبريل المبكرة بدأ النازحون العودة إلى ديارهم إستعداداً لموسم الخريف . يصغي بهدوء إلى الجهود التي تعطي دوره صفة مراقب دون سلطةٍ فعلية على أية كارثة، فيجد عزاءً في الإستماع إلى العقيد خليفة إبراهيم بركات يشكو له عدم إرتياحه من إنقلاب الأحوال: لقد تحولنا إلى مراقبين سيدي الرئيس، بالأمس قام رجالي بإعتقال أحد الذين يكتبون في صحف حزب الوطن الحائطية،كان قد طالب في مقاله بتحريك قضايا الفساد المزعوم ضدكم سيدي الرئيس، وفي لحظات وقبل أن نبدأ التحقيق معه قام وزير الداخلية بنفسه بإطلاق سراحه، واعتذر له عما حدث، ويتنهد العقيد خليفة إبراهيم بركات بألمٍ فيما تعبث أصابعه بالمسبحة، ويتمتم: لم تعد بنا حاجة للتنبؤ بمؤامرة، لأن المؤامرة موجودة الآن أمام أعيننا في الشارع وفي الوطن كله سيدي الرئيس، فيتعزى السيد الرئيس بسلطةٍ بديلة غير مؤكدة: سلطة الحب. يشتري الكتب حتى فرغت كل مكتبات الوطن ليرسلها إلى الطالبة الصغيرة حتى إمتلأ بيتهم بكتب تحتاج إلى قرن من أجل قراءتها، حاول أن يشغل نفسه عن الآثار الجانبية للحب غير المؤكد حتى تبلغ الفتاة الصغيرة سن الرشد العاطفي، بالعودة للتنكر مثلما كان يفعل أيام الأزمات الغابرة، فتجول بملابس بائع لبن وتسلل إلى حزب الوطن، قرأ بنفسه صحف حزب الوطن الحائطية، فاكتشف تفاصيلاً كثيرة أغفلتها تقارير العقيد خليفة إبراهيم بركات، وتتبع بين مقالات أشواق جراحات المنفى في الفنادق المعتمة المنسية في ممباسا، حيث لاعزاء في قيظ المحيط سوى الصدى الضئيل للوطن في عيون عشرات المنفيين والنازحين بسبب الكوارث الوطنية المختلفة. تتبع أرقام فساد أقرب معاونيه، فأحصى عشر مزارع للعقيد خليفة إبراهيم بركات، بها ثلاثمائة بقرة فريزيان، يشرب من حليبها الوطن كله، ومصنعاً للحلاوة الطحينية، ومصنعاً لإنتاج الصابون ومصنعاً لإنتاج زيت الطعام، إضافة لمصنع للأحذية المطاطية، وشاهد أسماءه المستعارة تظهر في كشف الشركات المشبوهة التي إحتكرت حركة البيع والشراء في الوطن كله دون أن تدفع مليماً لإدارات الضرائب والجمارك. وأثناء قراءته لتفاصيل الفساد استخدم بقايا قوته الخارقة الغابرة، ليبقى في مكانه وسط المئات الذين كانوا يتدافعون لمتابعة أخبار فساد عصر جفافه الثاني، فيما كان هو يدقق النظر بين السطور بحثاً عن آخر عزاء في الإستبداد: سلطة الحب، فاكتشف بدايات حظه الكئيب في مسابقات الكلمات المتقاطعة التي قام بحلها دون رصيد متمكن من المعلومات، فاكتشف بين الكلمات الأفقية، بين نباتات السافنا البستانية ورياح الهبوب والرياح التجارية الجنوبية الشرقية، وأطلال أهرامات مدينة مروي القديمة حيث البقعة الأكثر جفافاً في العالم كله وبين وردات نبات اللانتانا، والأشعار المعذبة للشاعر الراحل التجاني يوسف بشير، إكتشف حروف إسم الطالبة فاطمة عبدالرحمن ساتي معكوسةً في هذه الفوضى الجغرافية. وعرف بعد جهد فائق في حل المزيد من الكلمات المتقاطعة، أنه كان يصبح أفضل لا في تفهمه لمشاكله الشخصية فقط، بل في تفهمه أيضاً لمشاكل الوطن، فشاهد أسباب الحرب الأهلية في وضع رأسي بين موسم الدرت ودلتا طوكر، وعرف أن الفتاة لم يتعد عمرها بعد السادسة عشر. وتتبع مصدر رياح الهبوب التي هبت في السابع عشر من مايو واقتلعت شجرة مهوقني في شارع النيل، واكتشف الأصول الجغرافية للجفاف الذي ضرب الوطن متزامناً مع بداية عهده، فعرف أن عهده ساهم فيه لأن بعض المستخدمين الجهلة ممن عَهد إليهم بالحفاظ على غابات الوطن التي تقع في نطاق السافنا الفقيرة وإقليم الصحراء قاموا إما ببيع تلك الغابات لتجار الأخشاب أو بحرقها وتحويلها إلى فحم نباتي للبيع فأصبح الوطن دون غطاء شجري سوى بضعة شجيرات من نبات الطندب والعشر تركت لأنها لا تصلح لأي إستخدام. تنقل بين أرقام هذا الفساد الشجري من سهول البطانة وحتى غابات كدركة في شمال الوطن، حتى تأكد أن الفتاة لم يتجاوز عمرها الستة عشر عاماً، شعر بخيبة أمل، حتى أنه فكر في أن يبعث لها في المرة القادمة بمجموعة من كتب الأطفال، مستغرباً أن يكون رأسها قد إمتلأ بكل تلك المعلومات في هذه الفترة الوجيزة، شاعراً بوجود مؤامرة خفية من حوله تَدبر لإقصاء صورة الفتاة من ذاكرته تماماً مثلما حدث أيام الدكتورة صفاء. فقد لاحظ أنها لم تلبي عدة دعوات وَجهت لها من القصر بإيعاز منه شخصياً، أما بدعوى أنها مريضة أو أنها مشغولة بأداء إمتحانات، حتى أن السيد الرئيس أضطر للقيام بزيارة رسمية إلى بيت الفتاة في حي الملازمين أحد أحياء مدينة أم درمان القديمة التي نشأت أحياؤها الشهيرة في عهد حكم الثورة المهدية في القرن التاسع عشر. لم يكن والدها وزير الرعاية الإجتماعية موجوداً بالبيت، إستقبلته الطالبة فاطمة عبدالرحمن ساتي بترحاب في حديقة البيت الصغير المحاطة بسياج من أشجار الأركويت، شاهد السيد الرئيس من خلفه أضواء العربات تعبر في وحل أمطار أغسطس، واستمع الي زعيق الصيادين في نهر النيل. أحضرت له الفتاة كوباً من عصير البرتقال، وبجانبه طبق صغير به بضعة حبات من بسكويت تفوح منه رائحة الجنزبيل، ومع أول رشفة من العصير شعر بإختناق رغباته الرسمية في القيظ الذي يسبق المطر فقال مفتتحاً حديثه: لا توجد ولا نسمة هواء واحدة. كانت ترتدي بنطلوناً من الجينز وبلوزة بيضاء بأكمام قصيرة وحذاءً رياضياً، جلست بجانبه بعفوية رغم أن السيد الرئيس شعر للمرة الأولى بأنه يختنق في مرجل خوف رسمي، حتى أنه فكر في إعادة تسليح لقاءاته العاطفية، مثلما كان يحدث أيام الأميرة مينيساري حينما كانت تتم لقاءاته العاطفية الصامتة مع الأميرة التي تحولت إلى ريح واختفت، تحت حراسة ستة من رجال أمنه. بعكس الأميرة مينيساري التي كان يشعر في وجودها بخيبات السلطة فإنه كان يشعر في حضور الطالبة فاطمة عبدالرحمن ساتي بأنه كان مجرداً من أية سلطة، ولا حتى خدعة سلطة الحب التي تعزى بها في أوقات فراغه، أثناء بحثه في صحف حزب الوطن الحائطية عن الخيوط المنسية لمتاهات وجدانه. ملاحظاً أنه كان يزداد يأساً كلما إلتقى الطالبة الصغيرة، ليس فقط لإقتناعه بأن مشاعره نحوها كانت خليطاً من مشاعر الأبوة والحزن الذي تفرضه بدايات الشيخوخة، وإنما لتيقنه أيضاً من أن براءتها كانت تبدو وكأنها تخصَ وطناً آخر وأنه يصعب إثبات وجود علاقة بين هذه البراءة وبين المواسم الطويلة من الجفاف التي ضربت الوطن منذ بداية عهده. ورغم ذلك لم يستسلم لليأس، بدلاً من ذلك إستسلم لنوبة سرية من الأمل، صورت له حلاً عاطفياً ضمن حل شامل لكل كوارث الوطن، فحسب تقارير معاونيه فإن: الخريف مبشرُ هذا العام سيدي الرئيس ورجال الأحزاب في حزب الوطن بمن فيهم ساسة من جنوب الوطن، كانوا يعكفون على صياغة مبادرة جديدة لإحلال السلام في جنوب الوطن ووقف الحرب الأهلية التي إستنزفت كل إقتصاد الوطن. تبهجه تباشير إنفراج الأزمات حتى أنه يتجاهل إحتجاجات معاونيه القدامى: تمت إحالتنا للمعاش سيدي الرئيس دون حتى أن يكلفوا أنفسهم عناء إبلاغنا بذلك، فقد ذهبت إلى عملي مثلما كنت أفعل كل يوم طوال عشرين عاماً ووجدت شخصاً آخر يحتل مكتبي ولم يكلف نفسه ولا حتى برد تحيتي، وإنما أشار لبعض الذين حوله بطردي من المكان دون حتى أن يسمح لي يحمل أوراقي وأشيائي الخاصة. فيشعر السيد الرئيس بالتشفي إزاء إخفاقه العاطفي، دون أن تؤرقه هذه الآثار الجانبية للحرية ما دام يملك مفاتيحها، يحاول أن يقنع نفسه بأن عدوى إنفراج أزمات الوطن الشامل تتسرب حتى إلى صحراء فراغ روحه، حتى أنه يستمع بوجه محايد دون أية إنفعالات إلى إحتجاجات العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي عاد إلى إرتداء جلبابه الأخضر ومسبحته الضخمة حول عنقه فبدا في نفس الهيئة التي وجده فيها في كرتالا قبل سنوات، حينما كان على وشك أن يتوج سلطاناً للمطر، فأغراه بإستبدال سلطته المؤكدة على الرياح التجارية الجنوبية الغربية، بسلطةٍ زمنية غير مؤكدة. يستمع إليه يتمتم محزونا : لم يعد لنا عمل سيدي الرئيس، أصبحت رئيساً على جهاز غير موجود، بعد أن تم تسريح كل مستخدمي الجهاز من الخدمة حتى أنهم لم يتركوا ولا حتى الخفراء أحالوهم للصالح العام، والمبنى نفسه نقلوا أثاثاته تدريجياً، سحبوا المقاعد الوثيرة بحجة حاجتهم لها لإحتفال يحضره سفراء أجانب، حتى أنني كنت أجلس في مكتبي مع أحد أقربائي نتحادث في بعض مشاكلنا الأسرية حينما اقتحم المكان شخصان وقال لنا أحدهم : هل تسمحان، واعتقدت في البداية أنه سوف ينظف المقعد الذي أجلس عليه، إلا أنه ما أن وقفنا حتى حملا المقعدين وخرجا، فجلست مع ضيفي على مضض على الأرض، لكنهما عادا بعد قليل ومرةً أخرى قالا : هل تسمحان، ثم سحبا السجاد العجمي الذي كنا نجلس عليه وتركانا على البلاط. وفي اليوم التالي قاموا بتفكيك أجهزة التكييف بحجة صيانتها ثم إعادتها مرةً أخرى، والكارثة أنهم يلمحون في صحفهم إلى وجود إقتراح بتحويل القسم المحتوي على آلات التعذيب الذي أنشأه العقيد مصطفى سراج الدين إلى متحفٍ للتعذيب. فيصدر السيد الرئيس قراراً بتعيين العقيد خليفة إبراهيم بركات مستشاراً له، رغم أن العقيد خليفة حاول إقناع السيد الرئيس بالسماح له بالعودة إلى كرتالا، لكن السيد الرئيس أصر على بقائه بجانبه لحين إنجلاء الوضع، وفي الأيام التالية كانا يخرجان سوياً، في ثياب تنكرية، السيد الرئيس يرتدي جلباباً واسعاً مع عمامة ضخمة تخفي معظم تفاصيل وجهه والعقيد خليفة إبراهيم بركات في ثياب فقيه من الفولاني مخفياً داخل ثيابه مدفع كلاشنكوف. كانا يتسكعان بجانب الجامع الكبير ليعرفا إتجاهات الشارع، ويتسللان وسط الجموع المتدافعة إلى حزب الوطن لقراءة الفضائح الحائطية، حيث يتتبع السيد الرئيس آخر نزوات قلبه بين مسابقات الكلمات المتقاطعة، التي يحاول حلها عن طريق دليل مبتكر للمعلومات، أعده بنفسه من بقايا قصاصات الصحف القديمة التي ترقى إلى عهود مختلفة، مستثمراً أوقات فراغ الحب، مستمتعاً بكسل قيلولة أول أيام الشتاء في وطن لا يزال يلعق بقايا جراحات عصر الجفاف. ورأى صورته في جهاز التلفزيون وهو يتسلم أوراق إعتماد سفير دولة الهند، وهو يتسلم أوراق إعتماد سفير الولايات المتحدة، ولم يستطع أن يميز إن كانت هذه الوقائع معاصرة أم ترقى إلى سلطة العصر الأول للجفاف، لأنه رأى نفسه بنفس البذلة العسكرية التي كان يرتديها أيام مجلس قيادة الثورة. وشاهد نفسه يضع أحجار الأثاث لمشروعات منسية، وهو يقص الشريط التقليدي مفتتحاً مهرجاناتٍ وإحتفالاتٍ ضائعة في قفر ذاكرته، وللمرة الأولى لاحظ أنه لم يكن يلعق جراحات الوطن كما يتوجب عليه رسمياً، بل أنه كان منكفئاً على جراحه شخصياً، واكتشف للمرة الأولى أن جراحه لم تكن في القلب، كما مضى يعتقد طوال سنوات عصر الجفاف، بل كانت في الذاكرة. وأثناء بحثه في أحراش الذاكرة عن أصول جراحه، وجد نفسه في مركز إعصار إستوائي يحاول تثبيت أقدامه في طوفان الغبار، واكتشف للمرة الأولى أن الجفاف الذي ضرب الوطن طوال سنوات حكمه بدأ من ذاكرته حينما غاص في متاهةٍ سحيقة لصحراء دون نهاية تغطي حتى أقصى النطاق الإستوائي للوطن وفي الليلة الرابعة إعترف أن معظم شارات مجده الأصلية كانت مزيفة وأنه شارك في الحرب الأهلية الأولى، لا كمناضل من أجل وحدة الوطن كما ظلت وسائل إعلامه تؤكد طوال أكثر من أربعة عقود بل كمرتزق، وأن الحملة التي أرسلها شخصياً للأقاليم الإستوائية، بدعوى محاربة وباء دودة الفرنديد، كان الهدف الحقيقي من وراء إرسالها هو إجبار المعارضة المسلحة على التراجع نحو نطاق وباء إيبولا. وأنه لم يفتح أبواب حزب الوطن لرجالات الأحزاب ليمارسوا من داخله ديمقراطية حائطية لا لشئ إلا لأنه حاول إقصاء صورته من ذاكرة الوطن بسبب إرتباطها بوقائع المجاعة والجفاف، تمهيداً لعودته نهائياً للواجهة، لا كمستبد، بل كمنقذ، حتى أنه كان يغذي بنفسه عملية التعتيم على أخباره بالتعليمات السرية التي أصدرها بإقصاء صورته من الصحف القومية وإستبدالها برسم غير مؤكد يرقى إلى أيام مجلس قيادة الثورة، واستغل التعتيم الذي مضي ينزلق إليه في ترتيب شئون القلب، ومكافحة أمراض الشيخوخة، منفذاً تعليمات طبيبه حرفياً، بإتباع نظام غذائي صارم لمكافحة مرض النقرس ومرض إلتهاب المصران العصبي. حتى أنه إكتسب عادة جديدة كلما جلس إلى مائدة الطعام كان يخرج من جيبه قائمة بالأطعمة التي يمنعه الطبيب من تناولها، فيستبعد طبق الحمام المشوي الذي كان يعشقه في الزمان الغابر، ويستبعد طبق الملوخية، ويستبعد حتى طبق السلطة حينما يكتشف أنه ملئ بالبصل الأخضر، وفي النهاية يكتفي بقطعة خبز مع بضعة ملاعق من الحساء وشرائح البطاطس والجزر المسلوقة. ولأنه إكتشف أن صورته بدأت تنزلق إلى عتمة النسيان، فقد عرف بأنه لم يكن بحاجة للتنكر حينما يخرج في جولاته كما كان يفعل في الأيام الخوالي، حتى ينفذ تعليمات طبيبه بالمشي ساعة كل يوم، يسير في شارع النيل بين عشاق الساعة الرابعة والربع الذين طردهم يوماً العقيد مصطفى سراج الدين خارج الوطن، بدعوى إعادة العاطلين إلى مناطق التنمية تحقيقاً لشعار الإنفتاح علي الريف الذي رفعته الثورة. يسير بين الصبية الذين يطاردون فراشات موسم الدميرة في حدائق الشعب، ويلاحظ دون أدنى شعور بالذنب، أن دقات قلب الوطن بدأت تنتظم، وأن الأطفال في شمال الوطن يلعبون شليل في أمسيات قمر أغسطس، وأن الصبية على ضفاف النيل الأبيض كانوا يلعبون بسمك التامبيرة، والدادينجا يرقصون فوق جبل لاتيكيه للإله لوريبو كي ينزل عليهم المطر وأن أصوات المفاوضين كانت تعلو على صوت إطلاق الرصاص في جنوب الوطن. رغم أنه اكتشف أن صفوف الخبز كانت لا تزال تمتد، واكتشف أن السكارى الذين اصطدم بهم يغنون في شارع النيل كانوا يغنون بسبب الأمل لا اليأس، واكتشف أنه لم تكن هناك ضجة في الوطن كله إلا داخل حزب الوطن حيث الصحف الحائطية تمارس ديمقراطية موثقة للفضائح، فقرأ فيها أسرار التنظيمات السياسية التي شاركته كعكة السلطة. وبحث دون جدوى بين حلول مسابقات الكلمات المتقاطعة عن أسرار نزوات قلبه فلم يجد لها أثراً أثناء بحث شاق بين وردات عباد الشمس وأشجار السنط وأطلال الدفوفة في مدينة كرمة النزل فعرف أنه يغرق ضمن مخطط للنسيان، لأنه فوجئ أثناء بحثه أنه نسي ما كان يبحث عنه شخصياً، حتى أنه توقف عن البحث لأنه لاحظ أنه كان يتوغل في النسيان طردياً، كلما توغل في البحث، شاعراً بالضياع في هذه الفوضى الخطابية حيث الجميع يتحدثون في وقتٍ واحد، ملاحظاً بدء تحرر نبراتهم الخطابية من جراحات المنفى وأحقاد السجون. عند ذلك تراجع محاولاً ترتيب شئون ذاكرته للحفاظ على أهم ذكرياته دون تلف، وعاد لمحاولة ضبط إتجاه عواطفه تجاه الطالبة الصغيرة لتجنب تحولها نحو مشاعر الأبوة، ملاحظاً أن وقائع القلب كانت الوحيدة التي لم يتسرب إليها النسيان الذي ضرب واجهة ذاكرته، حتى أنه لم يتعرف في البداية على العقيد خليفة إبراهيم بركات حينما ظهر امامه في مكتبه بالقصر بعد غياب دام عدة أشهر قضاها في مسقط رأسه في جبال النوبة. جاء بملابس كجور كاملة : أربعة أسورة من الحديد في كل يد، وخاتم نحاس أحمر في كل اصبع وحلقة من النحاس في كل اذن، وخرزةً كبيرة بيضاء معلقة على العنق، ويحمل في يده سوط الكمبلا بحلقات النحاس حول مقبضه. كان قد أحرز مرتبة كونا داكيدي، ولم تبق له سوى بضعة شعائر تتم بمباركة أباديا، روح الجد الأكبر ليصبح كجوراً ويستأنف سلطةً موسمية على المطر، وكدليل على صدق مبادرته إنحنى فوق السيد الرئيس الذي حاول أن يتراجع قليلاً من مدى نتانة هذا الكجور الذي جاء من جبال النوبة ماشياً على قدميه طوال ستة أسابيع لم يتوقف خلالها إلا ليتناول طبقاً من حساء لحم الرأس في مطعم على قارعة الطريق في تندلتي، عابراً دون أدنى شعور بالأسى النطاق الأسوأ لبقايا آثار المجاعة وموجة الجفاف التي ضربت غرب الوطن وأواسطه قبل سنوات. كدليل على صدق مبادرته قام بالعرض الذي اسماه التنظيف: أمسك بيد السيد الرئيس وأخرج أمام دهشته من جسده ثلاثة أحجار وعصا صغيرة من الأبنوس ومجموعة من العظام النخرة والفردة اليسرى لبوت عسكري وعنكبوتا صغيرا ولّى هارباً بمجرد أن خرج من جسد السيد الرئيس. لقد كانت عملية علي درجة من الدقة والصرامة بحيث أن السيد الرئيس شعر براحة جسد خفيف بدون عوائق، قام العقيد خليفة ابراهيم بركات بتعليق سوط الكمبلا في مسمار في مكتب السيد الرئيس، معلناً : حينما يسقط السوط أرضاً سيكون الوقت قد حان من أجل القضاء علي هذه الفوضي. ثم تعزيا بتبادل الذكريات، فسرد السيد الرئيس تفاصيل طفولة مبكرة في بلدة بعيدة على حافة الصحراء، في قيلولة نبات الحلفاء وأشجار النيم وعبير أشجار دقن الباشا، وللمرة الأولى اكتشف في نفسه مقدرةً غير عادية على إجترار وقائع طفولته المبكرة، حتى أنه وصف بدقة المداخل الأمامية للبيت القديم المهجور وأشجار الهبيل في فنائه وبيوت الدبابير في جذوع النخيل في سقوفه، وبوابته الضخمة المبنية على الطراز النوبي وأطباق الخزف البيضاء المثبتة عليها، واسترجع صدى صوته من بين أصوات الصبية يلعبون شليل في أمسيات قمر رمادي كان ينبت فجأةً من بين الأجمة الكثيفة لنبات الحلفاء، وللمرة الأولى رأى جدته التي لم يرها في الواقع. رآها في الذاكرة تعبر فناء البيت في أمسية السابع والعشرين من رمضان عائدةً من المسيد بعد أن أدت صلاة التراويح، رآها للمرة الأولى عجوزاً ناحلة كانت ترتدي ثوباً أسود من قماش الكرب وحذاءً خشناً من جلد الماعز، وفي وجهها شاهد للمرة الأولى البدايات الحزينة لا للموت بل للنسيان، حينما غرقت بعد ذلك في متاهة خرف الشيخوخة. رآها تعبر بين شجيرات الهبيل وأشجار الحناء وهي تتوكأ على عصا من الخيزران، كانت الصور حقيقية لدرجة أنه شعر أنها رأته يحدق فيها وهي تعبر الفناء، وأنها لوحت له بعصاها، كانت الصورة من الدقة والنزاهة لدرجة أنه بدأ يعتقد أن العقيد خليفة إبراهيم بركات إمتلك مقدرة إخراج الذكريات المنسية بنفس طريقة إخراجه للأشياء غير المرغوب فيها من داخل الجسد. بحث عن والده، لم يعثر عليه في البداية بجانب نهر النيل في رائحة الرطوبة الكثيفة لأشجار الصفصاف في قارب الصيد الصغير الذي يملكه، ولا نائماً على عنقريب صغير تحت شجرة الجميز أمام مدخل البيت كما كان يفعل في ساعات القيلولة. وجده يلعب الورق مع الشاعر حمزة الملك طمبل في شرفة القصر القديم في نفس المكان الذي استقبل فيه الملك طمبل الثالث الرحالة الفرنسي بوانسيه قبل ثلاثة قرون، كانا يجلسان أرضاً على سجاد عجمي وكان والده يرتدي جلباباً بسيطاً من قماش الدمور ويضع على رأسه طاقية حمراء صغيرة، تفوح منه نتانة أسماك الكور، فيما يرتدي الشاعر حمزة الملك طمبل الزي الكامل لنائب مأمور، رغم القيظ الخانق. وشاهد التماسيح تزحف بين سيقان نبات البردي في وضح النهار، وشاهد المراكب الشراعية تعبر في ريحٍ مواتية إلى مدينة وادي حلفا، وللمرة الأولى لاحظ أن الزمن يمضي في الذاكرة بصورةٍ أوضح منه في الواقع، حينما لاحظ مقدمات شهر مسرى ثم رأى موسم الجفاف يحل بعد قليل، وشاهد أول أسراب الرهو المهاجرة تصل فعرف حلول شهر توت. وسرد العقيد خليفة إبراهيم بركات التفاصيل المشوهة لطفولةٍ بائسة مع والدٍ مات وهو في بطن أمه، رغم أنه يتذكر صورته التي وجدها محفوظةً في ذاكرته، وكان حينما يصف والده وهو طفلُ صغير يصفها أفضل حتى من الذين رأوه، وكان ذلك سبب بحثه عن والده بعد سنوات طويلة، لأن صورة والده المحفوظة في ذاكرته أعطته إيحاءً أن والده لم يمت لأنه لا يمكن أن يموت والده وهو في بطن أمه ثم يكون قد رآه في صورةٍ بذلك الوضوح تظهر حتى أدق تجاعيد وجهه. ثم وصف صورة أمه المنخرطة في حداد أبيض دام لمدة أربع سنوات بل أنه وصف صورته شخصياً وهو طفل رضيع غارقاً في البكاء في فناءٍ صغير تملأه الدجاجات بروثها وبيضها، بينما أقاربه يبدأون طقوس جي يردو، بحلاقة شعور كل أقارب والده الكجور من الجنسين. ثم تحسس بدايات فراغ صحراوي في ذاكرته لم يتبين في عتمته إلا مشهد العربة التي تسلل إليها في تالودي وهرب بها دون وجهة ودون هدف، فشاهد دون أدنى شعور بالحنين الأبقار المصابة بمرض أبوقنيت في رحلتها نحو المراعي البعيدة لدى بدء موسم الجفاف، وشاهد صفاً من المواطنين بالقرب من بحيرة نو يعبرون داخل أعشاب السافنا فيما يتقدمهم عازفُ علىآلة الكوندي في مغيب شهر نوفمبر، وشباب من قبيلة الكريش يرقصون الكاما على ضفاف بحر الزراف، حتى توقفت العربة في جوبا، فشاهد أوراق المانجو تذرف آخر دموع آخر أمطار موسم الخريف وشاهد فتيان موسم التوج يعبرون الهواء الأخير لزمان لم يره، بل أحسه لا عن طريق الذاكرة بل عن طريق تداعيات الأشواق، في هذه المدينة التي تعج بالأجانب، الذين لم يحمل تجاههم بعد سنوات سوى شعور مبهم ومحايد، رغم أنهم تلقفوه مجرد فتى صغير، يرتدي أسمالاً لا تستر منه سوى العري الضروري. دون حتى رصيد من أسوأ الذكريات، سوى كوابيس ليلية مفزعة، عرف بعد سنوات أنها لم تكن سوى دعوة مبكرة من روح والده من أجل إعداده لخلافته في مهنة الكجور، بعد سبع ليالٍ قضاها في العراء إقتات خلالها على ثمار المانجو والباباي وجد عملاً لدى تاجر إغريقي، ينظف البيت ويعتني بحديقته. تسليا بإجترار ذكريات لم يلاحظا أن مرارتها كانت عادية إلا متأخراً، وأن أحقادهما المعاصرة لم يكن لها أية رصيد تاريخي سوى مبررات معاناة متوسطة، معترفان ضمناً بخجل أن أحقادهما لم تكن أحقاد الذاكرة، بل الحقد الرسمي للرغبة في التسلط الكامل. شاهدا سلطتهما تضمحل كلما تفتحت وردات إضافية لشجرة الحرية التي تغطي الوطن كله، والتي بدت لهما أقرب للفوضى، فمضيا يحاولان تتبع أدق خيوطها الخفية، يتجولان متنكرين في أروقة حزب الوطن، في عرين الفوضي، حيث الجميع يتحدثون في نفس الوقت، يقاطعون بعضهم بعضا، وحيث كل خطيب يدين كل الآخرين. يتتبعان خيوطها في مقالات الصحافة الحائطية حيث الرسوم الكاريكوتورية التي تصور السيد الرئيس في صورٍ أقرب للخلاعة، بديناً بدانةً مفرطة في وطن تعد السَمنة فيه إما عرضاً لمرض أو شروعاً في السرقة. يرتدي سروالاً قصيراً يصل حتى ركبتيه وعضلات يديه بارزة ووجهه الضخم شبيه بكلاب الرسوم المتحركة : هيئة ملا كم، ولإضفاء صبغة إنسانية على مظهره المتوحش وضعوا في يده مجموعة من كتب المدرسة، وعلى قدميه حذاءً مدرسياً، لم يفهم السيد الرئيس في البداية المبادرة الإستفزازية، لكن العقيد خليفة إبراهيم بركات تطوع بشرحها : إنها إشارة خبيثة لحبه المستحيل لطالبة صغيرة !، فوجئ هو نفسه بأنه لم يستشط غضباً، لا لأنه تعود على تمرير الإستفزازات الصغيرة لصحافة حزب الوطن الحائطية، ولكن لأنه كان قد بدأ يغرق في وحل نسيان مصائبه الشخصية.
  11. (الفصل الحادي عشر) وبعد أن شرب كأساً من شراب المريسة المحلي المصنوع من الذرة، بدأ يستعيد صفاءه وحدّق حواليه للمرة الأولى منذ وصوله فرأى العلامات الأخيرة لعصر جفافه تكاد لا ترى بالعين المجردة، رأى عصافير السمان المهاجرة تقفز فوق سنابل الذرة فعرف أن مواسم الجفاف التي ميزت عصره بدأت في الإنحسار. رأى حتى إشارات الحزن تنحسر من حوله فعرف أن لا دوام ولا حتى للحزن أمام سطوة مرور الزمان، رأى الحزن يتلاشى حتى في ذاكرته، حتى في وجوه النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى كان يراهن في محطات الشمس المحرقة، جالسات على الأرصفة، يتآكلن بمرور الزمن دون أن تتأثر رغبتهن في إنتظار الغائبين، أثناء تفقده لآثار الجفاف الذي ضرب الوطن متزامنا مع حقبة استبداده بالسلطة. بعد أن شرب المريسة بدأ يستعيد صفاءه، وبدأ أكثر إستعداداً لتبادل الذكريات، رغم أن ذكرياته بدت تالفة، ليس بسبب سوء الإستعمال، بل بسبب سوء التخزين، منذ أن اكتشف أن ذاكرته باتت تمارس تلاعبا تدميريا بالصور حتى أنه كان يضطر في ذلك الزمان إلى حمل صور شمسية لمعاونيه ووزرائه، لأنه اكتشف أن صور بعض الأشخاص في ذاكرته كانت بدون رؤوس رغم أن تفاصيل الجسد الأخرى كانت موجودة بأدق علاماتها المميزة. حتى أنه أقدم على التسلل إلى وزارة الرعاية الإجتماعية قبل سنوات ليدقق في صورة البروفيسور عثمان محمد صالح وإبنته الدكتورة صفاء التي علم أن الوزير الجديد الدكتور التجاني عبد العظيم قام بتعليقها على جدار مكتبه وفاءً لذكرى أستاذه الراحل. رأى الوزير الراحل واقفاً في حديقة بيته مرتدياً جلباباً أبيض واسعاً وعلى رأسه طاقية بيضاء وبجانبه وقفت إبنته الدكتورة صفاء، كانت تحمل بين يديها كراسة محاضرات وقلماً ورأى ضفيرة شعرها الطويل تتدلى من خلف رقبتها،كان الاثنان مبتسمين، إبتسامةً رآها عميقة على وجهيهما فعرف أنها لم تكن وليدة تلك اللحظة وأن السعادة كانت طابع حياتهما قبل أن يظهر فيها. دقق في الصورة لا لينشط أحقاده، بل ذاكرته، وأحصى كل شئ فيها حتى وردات شجرة الجهنمية في خلفية الصورة ووردات الفل في مقدمة الصورة، حتى شعر برائحة الفل تفوح من حوله، واكتشف لدى إستعادته صورة وجه الدكتورة صفاء بتخزين ملامح الصورة في ذاكرته أنه يستعيد معها صورة عدة وجوه ووقائع كانت قد بدأت في التحلل من ذاكرته. رأى العقيد الفاضل محمد عبد الكريم يجلس في قيظ قيلولة نائية تحت شجرة مانجو وارفة وبجانبه جهاز راديو، رأى الملازم أكرم محمد نور الدين مربوطاً في عمود الإعدام في ضوضاء مغيب أرجواني فلم يصدق أن شخصاً بذلك الحضور وتلك الوسامة يمكن أن يكون ميتاً. حتى تبدأ أضواء الذاكرة تغيب تدريجياً ويتفتح وعيه من ضوضاء نفايات الذاكرة على أصوات رجال أمنه : سيدي الرئيس الدكتور كمال الدين حسن أحمد بدأ العمل في وزارة المالية مبكرا قبل شروق الشمس، بدأ عمله بقراءة الفاتحة على روح العقيد الراحل الفاضل محمد عبد الكريم الذي لايزال صوت الطلقة التي أردته قتيلاً يدوي في أرجاء القصر الجمهوري، وشاهدنا الدموع تنساب على وجهه، ثم قرأ الفاتحة مرة أخرى ولم نعرف إن كان قد رفعها على أحد الموتى أم على الوطن نفسه سيدي الرئيس، لأنه قرأ الفاتحة بعد ذلك ثلاث مرات وهو يقرأ تقارير الإنهيار الإقتصادي التي خلّفها الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين الذي كان يغني وهو يعمل سيدي الرئيس. فيشعر بانحسار فراغ روحه، رغم تزايد وطأة فراغ ذاكرته في اللحظة التي يسمع فيها إسم الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين وزير المالية السابق، بسبب عجزه عن تفسير أسباب إقالته للوزير رغم أنه تذكر أنه أمضى القرار بنفسه وأبلغه للاذاعة تليفونياً قبل دقيقة واحدة من نشرة الساعة الثالثة، وبعد بضعة دقائق من لقائه بالوزير الذي كان على موعد مع مندوب صندوق النقد الدولي. ترك الواقعة تنزلق لتسقط في قاع ذاكرته محاولاً طمرها بأوهامه اليومية في إنتظار يوم الثامن والعشرين من أغسطس، اليوم الذي حددته صحافة حزب الوطن الحائطية لإتمام زواجه من الأميرة مينيساري، فيقلل من نوبات الحب الجماعي المسلح، يكتفي بممارسته في الذاكرة، وهو يستسلم لرطوبة أشجار المانجو في حديقة بيته، ولرطوبة خريف كان يشعر بوقع قدومه في عظامه، يرخي أذنيه لتقارير رجال أمنه: سيدي الرئيس الدكتور كمال الدين حسن أحمد الوزير الحزبي، استطاع إقناع عمال السكة الحديد بالعودة إلى العمل بعد إضراب استمر عشرة أعوام، دون حتى أن يحاول رشوتهم كما فعل الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي، وقد عادوا إلى العمل بهمةٍ مضاعفة، وفي أقل من يوم قاموا بنظافة المكاتب كلها من التراب وقاموا بتنظيف القاطرات وتشحيمها، وأزالوا أنسجة العنكبوت من عربات الدرجة الأولى والثانية ولم يطلبوا في المقابل أي شئ، سوى إطلاق سراح قادتهم المحتجزين في السجون والذين لم نتمكن من إطلاق سراحهم، لأننا نجهل مكان إعتقالهم، لأن هناك معتقلين كثيرين نجهل مكانهم منذ وفاة المرحوم مصطفى سراج الدين . يرخي أذنيه فيعرف أن : الفاصل المداري تقدم سيدي الرئيس حتى وصل إلى أسوان، وارتوت بمياه الأمطار حتى أشجار الطندب والسلم في صحراء بيوضة وإنتاج القطن فاق كل التوقعات، ومحصول الذرة في مناطق الزراعة المطرية تَرك نهباً للطيور بعد أن امتلأت كل مخازن الوطن، يصيبه قلقُ من الإنفراج الشامل لأزمات الوطن، يشعر بأن الأزمات بدأت تتسرب من يديه، وللمرة الأولى منذ بداية عهده شعر بأنه معزولُ عن كوارث الوطن. فتعزى عن سلطة الكوارث الضائعة بسلطة الحب، وللمرة الأولى لاحظ أن صورته لم تكن باهتة فقط في المرآة، بل أيضاً في الصحيفة الرسمية، التي قرأ فيها تصريحات رسمية منسوبة له رغم أنه لم يدل بها. خرج متنكراً في زي بائع لبن مع عمامة ضخمة تخفي كل ملامح وجهه، كانت المرة الأولى التي يخرج فيها متنكراً منذ إختفاء الدكتورة صفاء لا في الوطن، بل في الذاكرة، فشاهد عودة زحام المارة في السوق العربي، نفس الزحام الذي قضى عليه المرحوم مصطفى سراج الدين، بتفريغ العاصمة، فاكتشف عودة جميع المطرودين بأعداد مضاعفة، وشاهد حلقة من المستمعين حول خطيب مجنون كان يشتم الحكومة، واكتشف للمرة الأولى غَربته لا عن الوطن، بل عن السلطة، لأن الخطيب لم يكن يشتمه، بل كان يشتم العهد. واكتشف بعض مظاهر الرخاء في وجوه المارة وأن أحداً لم يكن يكترث لنبأ زواجه رغم نشره في صحافة حزب الوطن الحائطية التي أصبحت حسب تقارير رجال أمنه تجتذب الوطن كله حتى أن الناس كانوا يقفون في صفوفٍ طويلة ليجدوا فرصةً لقراءة ما يصفه رجاله المقربون بالأكاذيب الحائطية، وفي المقابل فإن الصحيفة الرسمية لم تكن توزع ولا نسخة واحدة سوى النسخ التي كانت توزع مجاناً على بعض المصالح الحكومية ولم يكن يقبل على شرائها سوى باعة سندوتشات الطعمية والفول بسبب رخص ثمنها . ترك الهموم الجانبية للحرية تتلاشى في ضباب الذاكرة وإنشغل بإستعداداته لإكمال مراسيم زواجه بهدوء، لتجنب نفقات ترهق كاهل الوطن، كما ألمح إلى ذلك الدكتور كمال الدين حسن أحمد، وزير المالية الجديد الذي يَذكره كلما رآه بأيام الدكتور عز الدين الزين رحمه الله، الذي كان ينصحه بإتباع نظام غذائي، لا لتقليل نسبه الكوليسترول في الدم، ولكن لتوفير قيمة اللحوم الحمراء في خزينة الدولة. لم يكن قد تبقى سوى ثلاثة أيام على موعد زواجه حينما جاءه النبأ الصاعق : الأميرة مينيساري سيدي الرئيس، كنا نتجول معها في سوق أم درمان لشراء لوازم الزواج، وبعد أن أشترينا عشرة أرطال من خشب الصندل وستة عبوات من مسحوق الحناء، وثمانية عقود من الخرز وعقدين من الأبنوس وزوجا من أساور الفضة، وفجأةً فيما كنا نتجول أمام محلات المصنوعات الجلدية في سوق الجلود بحثاً عن حذاءٍ من جلد ثعبان الأصلة يطابق قياس قدمها، شاهدنا الأميرة مينيساري تتحول إلى ريح وتختفي تماماً كما حدث لجدها الملك نيكانج العظيم. فصل جديد وبعد تقديم العرائض التي تفحصها السيد المشير على عجل قبل أن يضعها جانباً، رغم أنه توقف قليلاً أمام العرائض التي تتحدث عن طلباتٍ للحصول على أراضٍ زراعية من الأراضي الحكومية المخصصة للغابات، محاولاً أن يجد في الأرقام المقترحة للقطع الزراعية المطلوب الحصول عليها، خيطاً يقوده إلى موقع البيت الوحيد في العالم الذي شعر أنه سيجد فيه لحظة عزاء، وسوف يتلاشى فيه شعوره بالوحدة الذي ظل يؤرقه طوال أكثر من أربعة عقود، رغم جيش معاونيه الذي كان يحيط به طوال يومه وعلى مدى عصور إستبداده الثلاثة. وفي النهاية جازف الزين ود حاج النور بأن عرض عليه تفاصيلاً حذرة للصورة التي رسموها له قبل ظهوره مكللةً بأمجاد ثورية لم تتوفر لبشر من قبله، عرض تفاصيل الصورة بدءاً بالقبعة العسكرية بشريطها الأحمر، ونياشين البطولة وأنواط الخدمة الطويلة الممتازة التي زينوا بها صدره وكتفيه، ووسام إبن الوطن البار فوق جيب سترته العسكرية. ورغم أن تقاطيع الوجه في الصورة التي رسموها له في خيالهم الجماعي كانت واضحة، إلا أنها بدت له باهتة أشبه بصورته التي كانت تنشر في الصحيفة الرسمية في أيام إنحسار عصر جفافه الوسيط، أيام ديمقراطية الجدران، التي عاد فيها رجال الأحزاب لنفس ممارساتهم السابقة، وحاولوا أن يسحبوا بساط السلطة من تحت قدميه ببطء، وكادوا ينجحون لولا يقظة العقيد خليفة إبراهيم بركات، الذي بحث عنه السيد الرئيس لعدة شهور في كل أرجاء الوطن بوحي شعور يقيني بأنه الوحيد القادر على إغلاق الثغرة التي انفتحت بوفاة العقيد مصطفى سراج الدين. بحث عنه أثناء زياراته التفقدية التي جاب فيها الوطن من أقصى شرقه وحتى أقصى غربه، زياراتٍ تفقدية إفتقدت طابع الفخامة الذي ميّز زياراته الرسمية إبان عصري الجفاف الأول والثاني. لأن حكومة التكنوقراط التي وافق على تشكيلها اكتفت حينما أعلن رغبته في التجوال، بربط عربته الرئاسية في قطار السكة الحديد مع ساعٍ واحد لخدمته وحارس واحد، عندها تعرف للمرة الأولى على معاناة وطن الجفاف والمجاعة حينما شاهد من خلف زجاج مقطورته الرئاسية الآثار الأكثر دماراً لمخلفات موجة الجفاف الأسوأ التي تضرب الوطن خلال تاريخه. شاهد آلاف القطعان النافقة وبقايا جثث الموتى الذين لم يجدوا حتى من يدفنهم، شاهد آثار المجاعة من خلف زجاج مقطورته الرئاسية في قطار كان يسير بسرعة سلحفاة، واستمع إلى لغط العامة يطبخون طعامهم فوق أسطح عربات القطار واستمع من الساعي لقصة المرأة التي وضعت مولوداً علي سطح هذا القطار وحينما إستجوبها أحد رجال الشرطة عن سبب ركوبها للقطار وهي حبلى، ردت بأنها حبلت بمولودها داخل القطار وفي نفس الرحلة !. كاد رجال الأحزاب أن يسحبوا بساط السلطة من تحت قدميه لولا يقظة العقيد خليفة إبراهيم بركات، الذي بحث عنه السيد الرئيس من أقصى شرق الوطن حتى أقصى غربه، حتى عثر عليه في كرتالا مرتدياً جلباباً من الدمور وحول جسمه مسبحة من اللالوب طولها عشرون متراً، فقد كان على وشك أن ينصب كجوراً، فأعاده إلى الخدمة التي طرد منها في أول أيام الثورة، وأضطر أن يعيد على مسامعه بدهيات العمل العسكري التي تسربت من ذاكرته في رحلته الطويلة التي بدأها منذ اللحظة التي أَحيل فيها للمعاش، بحثاً عن والده الذي لم يره طوال حياته. بحث عنه في سهول البطانة وفي حلفا القديمة، وفي أطلال مدينة سواكن حيث لا عزاء في قيظ يوليو سوى غناء جنيات الشاطئ المرجاني، وبحث عنه في حدود الكنغو رغم الحرب التي كانت دائرة بين الجيش الحكومي وثوار السمبا، وكان يستوقف الهاربين من نطاق وباء إيبولا ليطلب منهم أن يصفوا له والده، ليتأكد من أن صورته كانت تشبه الصورة المحفوظة في ذاكرته والتي يظهر فيها بلحيةٍ بيضاء طويلة تكاد تصل إلى الأرض، وبرأس أصلع ووجه نحيل جامد لا تتحرك فيه سوى عينان صغيرتان كأنهما ثقبين. وفي النهاية عثر على قبره في كرتالا، اكتشف أن والده كان كجوراً، وأن قدره كان أن يرث امجاد هذا الميت الذي لم يره إلا في الحلم. العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي كان يقرأ أفكار الناس جميعاً، وفي اللحظة التي تسلم عمله، وقبل أن يدخل الي غرفة مكتبه، قدم للسيد الرئيس تقريراً وافياً حول المؤامرة الدنيئة التي كان يدبرها رجال الأحزاب من أجل وراثة الحكم بسحب بساط السلطة من تحت أقدامه تدريجياً، وإقصاء صورته عن ذاكرة الوطن بردمها بنسيان متعمد، حتى أن أحداً لم يتذكره حينما ظهر في جهاز التلفزيون ليعلن قراره بنهاية عهد الفوضى. كما أن المؤامرة استهدفت أيضاً التشكيك في مقدراته العقلية بالتركيز في نشرات الأخبار على إذاعة قرارات يصدرها بإقالة وزراء من الموتى ثم إعادة تعيينهم بقرارات مضادة في نفس اليوم، إضافة لنشر وثائق مزورة في صحف حزب الوطن الحائطية تثبت أنه يمتلك كل أسهم الشركات المسجلة بأسماء معاونيه والمعفاة من دفع الضرائب ورسوم الجمارك على منتجاتها المستوردة من الخارج، إضافةً لنشر وثيقة تثبت أن وزير مالية عصر الجفاف حاج الأمين حسن ساتي مارس عملياته المشبوهة بإتفاق مسبق معه لقاء خمسين في المائة من الأرباح توضع في حساب خاص في أحد البنوك السويسرية. وضع العقيد خليفة إبراهيم بركات خطته المضادة التي إعتمدت المفاجأة كعنصر أساسي، فقد تم الهجوم المفاجئ على مباني حزب الوطن في الثانية صباحاً بينما كان رجال الأحزاب يغطون في النوم، بعد أن فرغوا من إعداد صحف اليوم التالي وعلقوها على الجدران وكان الوزراء الحزبيون قد وصلوا منازلهم في نفس الوقت بعد إجتماع مطول لمجلس الوزراء . فصل جديد وفي البداية لم يبد السيد المشير تجاوباً مع الصورة التي رسمها له مستقبلوه، فقد كان مسكوناً بهواجس البحث عن بيته، إلا أنه ومع تقدم الليل ومع تزايد وطأة المريسة على مقدرة ذاكرته ضبط إنسياب الذكريات، بدأ يحكي تفاصيل قصة حياته وبسبب الخلل الذي أصاب ذاكرته منذ اللحظة التي سمع فيها نبأ إختفاء الأميرة مينيساري التي تحولت إلى ريح، حتى أنه بات يعتمد ولعدة أشهر على لافتات شبيهة بتلك التي كان يستعملها البروفيسور عثمان محمد صالح وزير الرعاية الإجتماعية الراحل، يَعدها له العقيد خليفة إبراهيم بركات، وحينما يقرأها السيد الرئيس يتذكر ما إذا كان ذاهباً إلى دورة المياه أو إلى مكتبه للقاء السفير الإنجليزي. بسبب آثار ذلك الخلل بدأ يحكي قصة حياته، دون أن يلتزم بترتيب زمني للأحزان، محاولاً تجنب ذكر الكوارث الوطنية في عهده الزاهر، فحكى قصة عمله لفترة وجيزة في صباه، كبحار على مركب إنجليزي بين موانئ القرن الإفريقي ومرفأ ليفربول. وحكى تفاصيل لقاءه في لندن قبل سنوات بالدكتور مصطفى سعيد، في حانة معتمة في تشيلسي ووصف بدقة متناهية تقاطيع وجه فتاة إسمها جين مورس كانت برفقته، ولإثبات قوة ذاكرته بأدلة مادية، أخرج من جيبه عقداً مقدساً من خشب الصندل أهدته له في ميناء ممباسا فتاة من عشيرة الأباكاما المقدسة في غرب أفريقيا، بجانب حجاب واقٍ من الجروح، وصورة فوتغرافية يظهر فيها في أول أيام الإستبداد بالسلطة محاطاً بأصدقائه الموتى، وصورة أخرى يظهر فيها وهو يضع حجر الأساس لأحد المشروعات الوهمية في الوطن الذي عاد الهدوء يكتنفه بعد القضاء على مؤامرة الأحزاب ونهاية تجربة الديمقراطية الحائطية، التي وقف الوطن كله في فترتها في صفوف طويلة لقراءة الصحف الحائطية التي تصدرها المعارضة الحزبية وتعلقها في أروقة حزب الوطن، الذي صدر قرار بإعادة فتحه، فعاد إليه أعضاءه القدامى، بعد أن نفضوا عن أنفسهم غبار الإهمال. وكتعبيرٍ أولي عن فرحتهم بعودتهم ذبحوا أمام الباب عجلاً ضخماً قبل أن يستأنفوا شجاراتهم القديمة على حصص السكر والوقود ومناصب السلك الدبلوماسي، وعادت القبضة الحديدية تمتد فوق الوطن كله بفضل العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي كان يكشف المؤامرات مقدماً بواسطة مسبحته التي يبلغ طولها عشرون متراً تحملها سيارة خاصة كل صباح إلى مكتبه وتعيدها إلى بيته في المساء، وكان يكشف الطالع للسيد الرئيس ويشرح له الأسباب الفلكية للنحس الذي لازمه إبان عصر الجفاف الأول، وكان السيد الرئيس يرشح بضعة أسماء لشغل المناصب الوزارية ويسحب العقيد خليفة إبراهيم بركات مسبحته ويختار أحد الأسماء. فجاء الأمين خير السيد لوزارة المالية، جاء لا يحمل برنامجاً معيناً سوى أنه كان يتأبط زجاجة ويسكي، وقام بأداء القسم فيما اليد الأخرى تقبض بقوة على زجاجة الويسكي، وقال ضاحكاً حينما أشار السيد الرئيس إلى الزجاجة التي كان يتشبث بها مثل غريق، قال : لا يمكن لكائن من يكون أن يواجه أزمات هذا الوطن، بوعيٍ كامل، دون أن يسقط ميتاً من فرط الحزن !. ومنذ لحظة إستلامه لعمله بدأت التقارير تنهمر : قبل دمعقولة بسه إلى مكتبه طلب كوباً من القهوة بدون سكر سيدي الرئيس طلبها وقال ضاحكاً : حتى نرى أمامنا، وكان يترنح سيدي الرئيس حتى إننا إضطررنا لمساعدته حتى لايسقط أرضاً رغم أنه كان يشتمنا طوال الوقت ويقول لنا: أنتم مجموعة من اللصوص المحترفين!، وحينما قدمنا له محفظته التي سقطت منه أثناء ترنحه أصر على أن يحصي النقود عدة مرات ليتأكد من أننا لم نسرق منها شيئاً ثم ضحك وأعادها إلى جيبه بصعوبة وهو يقول تذكرت أنكم لا تكترثون لمثل هذه المبالغ الصغيرة .. لأنكم معتادون على الضربات الكبيرة!. وكان يغني سيدي الرئيس تماماً مثل الوزير السابق الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين، ولكن الفرق أن الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين كان يغني وهو يعمل بينما الأمين خير السيد كان يغني ولا يعمل، كان يقوم بالتوقيع علىكل الأوراق التي تظهر أمامه، وبسبب كثرة إحتجاجات سكرتيره من عدم تطابق توقيعاته كل مرة أصبح يكتفي بأن يبصم على كل الاوراق التي تظهر أمامه وغالباً ما كان يترك يده أمامه حتى يتسنى لكل من يجده نائماً إستخدام أصابعه للبصم على الأوراق دون الحاجة لإيقاظه من النوم!. وحتى مندوب صندوق النقد الدولي، الذي زاره بميعاد محدد سلفاً، وجده مخموراً ولم يبذل هو أية مجهود لإستقبال الزائر الكبير سوى أنه مد يده معتقداً أنه شخص يريد الحصول على بصمته في طلبٍ ما‍ !. وأضطررنا من أجل تلافي فضيحة دولية إلى أخذه للحمام وتركناه بعد أن جردناه من الثياب تحت دش الماء البارد لعدة دقائق قبل أن يستعيد وعيه، ويبدأ مفاوضاته مع مندوب الصندوق، ورغم أنه كان مخموراً طوال الوقت إلا أننا اكتشفنا أنه يمتلك معلومات موسوعية عن المصاعب التي يعاني منها إقتصادنا الوطني. يبتسم لا مبالياً وهو يستمع إلى تفاصيل هذه الفضائح الصباحية المخففة حتى تصله الأنباء الأسوأ: سيدي الرئيس عمال السكة الحديد الذين كانوا قد عادوا إلى العمل بعد إضراب استمر أكثر من عشرة أعوام، عادوا مرةً أخرى للإضراب، أصدر أمراً بتنفيذ نصيحة العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي أوصى بأن يطلب من العمال تكوين وفد للحضور للعاصمة للتفاوض مع السلطة، شاعراً بتزايد فراغ روحه، رغم المهرجانات الفنية التي كان ينظمها الأخ وزير الثقافة ويمولها دون تردد الأخ وزير المالية، شعر بتزايد فراغ روحه، حتى أنه عاد لإرتداء ملابسه التنكرية، لا ليطمئن على أحوال الوطن، بل بحثاً عن أصول لفراغ روحه. عبر شارع النيل، فشاهد عشاق الساعة السابعة والنصف يجلسون على ظلال أشجار اللبخ، نفس العشاق الذين طردهم العقيد مصطفى سراج الدين ذات يوم من الوطن، عادوا يواصلون الحب، يتناولون كلمات العشق كغذاء روحي هو الغذاء الوحيد الذي يمكن الحصول عليه في الوطن دون الحاجة لبطاقة تموين. عادوا يواصلون الحب مستخدمين نفس أبيات الشعر المرتجل الردئ الذي يفضح عدم الرغبة في تقديم أية تضحيات عدا هذه التنازلات الرمزية، وشاهد أعداد الشحاذين الهائلة في السوق العربي حتى استحال عليه المرور، ملاحظاً أن أعدادهم تضاعفت عدة مرات برغم الرخاء المعلن، فأجرى تحقيقاً سرياً عرف من خلاله أن معظم نازحي الشوارع الذين امتلأت بهم العاصمة جاءوا من غرب الوطن. إقتحم مكتب الأخ وزير المالية، وجد الأمين خير السيد نائماً فوق مكتبه وقد سال عرقه الكثيف فوق تقارير إنهيار إقتصاد الوطن، أفرغ فوق رأسه جردلاً من الماء، فاستيقظ مذعوراً، حدق في السيد الرئيس الجاثم أمامه، قبل أن يعود للنوم مرةً أخرى فأيقظته لكمة قوية طرحته أرضاً، قال دون أن يكلف نفسه مشقة الوقوف: نعم توجد مجاعة في غرب الوطن أخفاها عنك معاونوك. فاستهل رحلةً لتفقد الكارثة، شاهد جثث الموتى تغطي الوطن كله فعرف أنه لم يعد ممكناً إعلان الكارثة دون إصابة سمعة النظام عالمياً، في وقت كانت تشن فيه منظمات حقوق الإنسان في الخارج حملات ضارية ضد نظامه، فأصدر أمراً بإغلاق جراح الوطن المتعفنة. واصل رحلته التفقدية نحو جنوب الوطن وشهد هناك إحتفالات عيد الوحدة للمرة الأولى منذ إختفاء الأميرة مينيساري التي تحولت إلى ريح، فشاهد بقية آثار رخاء أخير في نطاق الأبقار المصابة بمرض الجفار التي كانت تعبر في مغيب نهر السوباط خارج نطاق وباء مرض النوم الذي ضرب النطاق الإستوائي البعيد للوطن، شاهد الخراب في مشروعات التنمية، ودون وعي وجد خواطره تنساق نحو نبوءة إحتمال تجدد الحرب الأهلية التي لم تندمل جراحها بعد، حاول طرد الخاطرة الغريبة من أفكاره، لكنه عاد يلمحها تطل ببطء مع مظاهر الخراب من حوله، وفي منظر المواطنين الطيبين الذين جلسوا أمام أكواخهم في طرقات السافنا، في إنتظار الخريف. كانت الأمطار تهطل في كل مكان عدا الوطن، حتى أن الفاصل المداري كان يمتد بمحاذاة حدود الوطن، وفي العاصمة إنفجرت مظاهرات الخبز والكهرباء التي انقطعت عن الوطن تماماً بسبب تدني منسوب النيل الأزرق ولدى عودته للعاصمة، وجد كل شئ محطماً، العربات والمتاجر وحتى الأشجار، بحث عن ضحية من حوله، يقدمها قرباناً في محراب هذه الفوضى فلم يجد غير وزير ماليته المخمور . وجده نائماً فوق تقارير الجفاف الذي ضرب الوطن من أقصى جنوبه وحتى أقصى شماله، حتى أشجار العشر جفت،حتى أشجار السلم في صحراء الشمال البعيدة، وجده نائماً وأسفل مكتبه بركةً من البول الذي كان لا يزال يتساقط من سرواله، فأصدر قراراً بتحميله مسئولية الإنهيار، وأنه ظل طوال عدة أشهر منذ تعيينه وزيراً للمالية لا يفعل شيئاً سوى تعاطي الخمر، وأنه لم يستعد وعيه ولا للحظة واحدة منذ تعيينه وحتى إقالته، وأنه لم يفتح حتى واحداً من ملفات الإنهيار الإقتصادي المتراكمة في مكتبه لأنه دخل مكتبه مخموراً وخرج منه مخموراً. إستدعى العقيد خليفة إبراهيم بركات، فدلف في جبة شيخ وخلفه رجلان يحملان مسبحة اللالوب، أصدر أمره دون حتى أن يصافحه : أريد مطراً، طلب العقيد خليفة إبراهيم بركات إمهاله ثلاثة أيام، لكن السيد الرئيس أنهى المناقشة بكلمتين: يوما واحدا. أصدر العقيد خليفة إبراهيم بركات أمراً سرياً لرجاله بإستخدام الذخيرة الحية لتفريق المظاهرات التي إندلعت في الوطن كله، لحين هطول المطر، وفي صباح اليوم التالي سقط عشرات القتلى لكن المظاهرات لم تتوقف، وفي منتصف النهار بدأت تتكون فجأةً سحب سوداء فوق سماء العاصمة ثم بدأت الأمطار تهطل مصحوبةً بعواصف ترابية، أمطارُ هائلة حتى أن العاصفة الإستوائية الترابية جرفت العربات في الشوارع، واضطر المتظاهرون للتفرق. أمطارُ هائلة استمرت لمدة أسبوع كامل حتى أن السيد الرئيس أَحتجز داخل القصر الجمهوري فقرأ بسبب السأم كل ملفات الإنهيار الإقتصادي من أيام المرحوم العقيد محمد النور عبد الهادي، وحاول أن يشغل نفسه بالعناية بالنباتات الظلية التي غرستها الدكتورة صفاء في الزمن الغابر، الدكتورة صفاء عثمان محمد صالح التي نزعها من ذاكرته بقرار جمهوري، حتى أنه لم يتعرف عليها حينما شاهد صورتها مع والدها المعلقة في مكتب وزير الرعاية الإجتماعية . كانت الصورة هي الشئ الوحيد الظاهر للعيان، في القسم المغطى كله بالتراب وأنسجة العنكبوت، واكتشف في أدراج المكاتب أوراقاً مكتوب عليها بخط يشبه خط الأطفال: أنا ذاهبُ لدورة المياه، أو أنا ذاهبُ لشراء زجاجة كولونيا من سوق سعد قشرة، وقرأ لافتة أخرى كَتب عليها: الرجاء إعادتي إلى البيت إذا كانت الساعة قد تجاوزت السابعة مساءً، فحاول أن يشغل نفسه بالتنقيب في مخلفات النسيان. فتفحص مئات الأعداد القديمة من الصحيفة الرسمية وتتبع بنفسه خلل التصريحات والتصريحات المضادة، واكتشف أنه حتى أكاذيب الماضي لها آثار معاصرة، حينما شعر بإرتياح شديد وهو يقرأ الخطط التي لم تنفذ والتي وضعت لتحقيق الإنتعاش الإقتصادي بتوسعة زراعة القمح لتحقيق الإكتفاء الذاتي من هذه السلعة الإستراتيجية، واستخراج البترول لتصديره وتقليل تكلفة الزراعة في الوطن، ولمحاولة جذب أموال الإستثمار الأجنبي بسن قوانين تشجع المستثمرين الأجانب على إقتحام سوق الإستثمار الوطني. تستغرقه رفاهية أحلام الماضي فلا يفيق منها إلا على أصوات رجال أمنه:سيدي الرئيس الأمطار على وشك أن تمسح العاصمة كلها من على وجه الوطن، يشعر ببعض الإرتياح للكارثة البديلة وهو يرقب من خلف زجاج مكتبه مواسير السماء المفتوحة فوق رأس الوطن، حينما اقتحم عليه المكان اللواء الزبير سليمان، صديق طفولته، والرجل الذي أنقذ حياته مرتين أيام الحرب الأهلية الأولى حينما كان على وشك ان يسقط في كمين لمتمردي الأنانيا. قال اللواء الزبير وكان يرتجف من شدة الغضب، وكان جسمه كله مبتلاً من شعره وحتى أخمص قدميه، وكان حافياً ويحمل في يديه حذائه العسكري الملطخ بالوحل: لست هنا لأذكرك بمخازيك سيدي الرئيس بل لأحذرك من مغبة الطريق الذي تسير فيه، والذي لم يصل شخص سلكه منذ بداية الخليقة، نصف نساء الوطن رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ والنصف الآخر ثكالى، والوطن تحول إلى مقبرةٍ جماعية، ومن لم يمت بالتعذيب في معتقلات أمنك، مات رمياً بالرصاص أو بسبب المجاعة التي تصر على إنكارها حتى أطبقت على الوطن كله. والمشكلة أنك تعتقد سيدي الرئيس أن بالأمكان خداع كل الناس كل الوقت، بينما الجميع يعلمون كل شئ، حتى أطفال المدارس الذين أقنعتهم من خلال المقررات المدرسية أن الأحزاب شر مستطير وأنهم سبب كل مصائب الوطن، وفجأةً فتحت لهم أبواب حزب الوطن، وأعطيتهم بضعة وزارات، وانكفأت لا على جراحات الوطن كما إعتقدنا، بل على جراحاتك، تحاول وأنت تخطو نحو متاهة الشيخوخة، وبعد إنتهاء الوقت الأصلي، أن تعلم قلبك الحب في الوقت بدل الضائع، رغم أنه لم يعتد على عاطفة سوى الصد. ورغم أنك حينما تنازلت قليلاً للأحزاب مرت نسمة رخاء على الوطن، كانت النسمة الأولى التي تعبر منذ حوالي قرن، إلا أنك لم تلبث أن إنقلبت عليهم وحملتهم مسئولية فساد معاونيك وأخطاء نزواتك الرسمية سيدي الرئيس، كأنهم هم الذين أخفوا الدكتورة صفاء عثمان محمد صالح، كأنهم هم الذين أقنعوا الأميرة مينيساري بأن تتحول إلى ريح. والوطن كله يعلم بأنك لم تحرم شرب الخمر بوحي قرار إلهي، كما أعلنت في حديث الصراحة الشهري، لأن أحد الأولياء رآك في الحلم متوجاً بنفس مراسيم تتويج ملوك سنار وأنك ظهرت جالساً على الككر فيما اصطف حولك أربعون من أولياء الله الصالحين، ولكن لأسباب صحية يسندها حقدُ رسمي، لأن الأطباء منعوك من تعاطي الخمر بسبب بدء تليف كبدك!. والجميع يعلمون سخف دعاوي أجهزة إعلامك بأن حملة الإعلام الغربي ضد الوطن هي مَجرد حملة ضد التوجهات الرشيدة للثورة، لأن الوطن لم يدخل دائرة إهتمام وكالات الأنباء الغربية إلا لأنه الوطن الوحيد الذي عَرض للبيع بالتقسيط المريح، وأن التعزيزات العسكرية التي أرسلت إلى المديرية الإستوائية لم تكن من أجل القضاء على وباء دودة الفرنديد كما أشارت أجهزة الإعلام، بل من أجل القضاء على التمرد الناشئ الذي بدأ في الظهور منذ صدور قرارك الجمهوري رغم واحد بتقسيم جنوب الوطن إلى خمسة أقاليم، بمحاولة إجبار المتمردين على التراجع نحو نطاق وباء إيبولا في الكونقو. ولا تحاول خداع نفسك سيدي الرئيس بالرقص بثوبٍ من ريش النعام مع دينكا بور تحت أشجار الباباي، أو الغناء مع الشلك في إحتفالات تتويج رث الشلك: أجاك أقرع الطبل قرعاً ليدوي .. على أرواح جدودنا.. وتشارك الرث طعامه، تأكل معه المنجاكيلو، فيما أنت تشارك في تلك الإحتفالات لا لأسباب وطنية كما أعلنت، بل إنجراراً وراء أحقاد القلب، لأنه في الوقت الذي كنت تغني فيه : أجاك أقرع الطبل قرعاً ليدوي .. كان رجال أمنك ينقبون كل كوخ وكل أجمة أشجار وكل لواك للبقر، وحقول عيش الأقونو، وحتى قبة الملك المقدس نيكانج قاموا بتفتيشها بحثاً عن الأميرة مينيساري. دون أن تشعر وجدت سعاد بت خير الله نفسها جالسة داخل أجمة نبات العلق أمام بيت الزين ود حاج النور، ترقب صخب الإحتفال بقاتل زوجها، دون أن تعرف كيف وصلت إلى هذا المكان منذ اللحظة التي وضعت فيها مسدس زوجها في صدرها، فلم يتسن لها أن تلاحظ إشارات الفجر الوليد تتفتح من حولها في عتمة رطوبة الليل التي قطعتها وسط حقول الذرة، والورود الحمراء والبيضاء المجهولة التي كانت تتفتح من حولها، لم تلاحظ أن تلك لم تكن سوى أول الإشارات لإنحسار عصر الجفاف الذي صاحب أمجاده، وأن الرجل الهرم الضخم الجثة الذي رأت أهل القرية يدفعونه دفعاً ليشارك في الإحتفال المتأخر لم يكن سوى حطام إنسان غير مسئول ليس فقط عن تصرفاته السابقة بل حتى عن تصرفاته في اللحظة الحاضرة . كان انتباهها كله مركزاً فيه فلم تجفل حتى حينما سقط شئ ما فوقها من خلف أشجار المسكيت، حتى انتبهت فجأةً إلى صوت يناديها، فنظرت خلفها للمرة الأولى منذ أن علمت بأن قاتل زوجها موجودٌ في القرية، فرأت فاطمة بت الزين والأرملة دار المقام تجلسان خلفها وقد اتخذتا نفس وضع الحقد . تفاهمن بسرعة دون كلام، وشعرن بأنهن استطعن رؤية عدوهن المشترك بصورة أفضل من خلال نظرةٍ ثلاثية خارقة جردته حتى من ملابسه، فلاحظن دون أسى جراح قلبه الثلاثة واكتشفن أنها كانت لا تزال تنزف رغم مضي الزمان . شاهدن آثار الجراح الغائرة في ظهره إثر إصابته في الحرب الأهلية الأولى، وشاهدن حتى شريط الذكريات الذي عبر في تلك اللحظة في لاوعي ذاكرته، وظهر فيه وهو جالسٌ في بهو القصر الجمهوري في أوج سلطة مطرية يستمع إلىتقارير رجال أمنه : سيدي الرئيس توقفت الأمطار بعد أن أعادت تشكيل خريطة العاصمة، وقد كونا لجنة قومية لمواجهة الكارثة، لأن مئات الألوف باتوا في العراء. يداعب حبات مسبحته وهو يستمع إلى العقيد خليفة إبراهيم بركات: أشعر بقلقٍ غامض سيدي الرئيس، فالأمطار الكثيفة عطلت قدرتي على التنبؤ بالمؤامرات، لكنني أشعر بقلق شديد، لذلك أمرت برفع درجة الإستعداد بين أفراد قوات الأمن، والتمس أن يتخذ سيادتكم قراراً مماثلاً بوصفكم القائد الأعلى للقوات المسلحة، لرفع درجة الإستعداد في صفوف القوات المسلحة. تجاهل السيد الرئيس الطلب وقال مازحاً وهو يحدق في أرقام ضحايا امطار تهدئة المظاهرات: لن يجازف أحد بمحاولة الأستيلاء على السلطة، لأن ذلك لن يكون سوى استيلاء على الكارثة. تناولا إفطاراً خفيفاً في القصر الجمهوري، فيما العقيد خليفة إبراهيم بركات يتابع على الهاتف إستعدادات جهاز أمنه فيما السيد الرئيس يردد : لا أحد يجرؤ على الإستيلاء على السلطة في وطن مسحته الأمطار من الوجود، وبعد قليل غفا السيد الرئيس وهو جالسٌ على مقعده دون أن يمس كوب الشاي الموضوع أمامه وسمع العقيد خليفة إبراهيم بركات هدير طائرة هيليوكوبتر فعلم أنهم رجاله، فخف قلقه قليلاً، وأجرى إتصالاً لإعداد طائرة هليوكوبتر ليطوف بها السيد الرئيس فوق العاصمة التي دمرتها الأمطار العاصفة، ثم جلس في مواجهة السيد الرئيس وأغفى وعينيه مفتوحتين حتى أنه كان يشاهد السيد الرئيس جالساً أمامه وهو نائم. وفجأةً أيقظته طلقات الرصاص، قام بإيقاظ السيد الرئيس برفق وانسحبا إلى غرفةٍ تحت الأرض أجرى من داخلها العقيد خليفة إبراهيم بركات إتصالاً لتقدير الموقف، فعرف أن قائد المحاولة كان اللواء الزبير سليمان شيخ الدين، قائد سلاح المهندسين السابق، وتلقى تقريراً أولياً مطمئناً أن الإنقلاب رغم قوته كان محدوداً، لأن رجال أمنه نجحوا في قطع خطوط الإتصال بين الوحدات العسكرية قبل بدء المحاولة بعدة ساعات مما أدى لنشؤ إرتباك تنسيقي بين الإنقلابيين. ورغم ذلك فإن المحاولة كانت بالغة الخطورة، فقد استولى الإنقلابيون على القيادة العامة للقوات المسلحة بسهولة. استرخى السيد الرئيس في مقعده وغرق في صفحات الصحيفة الرسمية فيما كان العقيد خليفة إبراهيم بركات يتابع الموقف عبر الهاتف فعرف أن قواته تستخدم المدافع المضادة للدبابات في الشوارع لمواجهة دبابات الإنقلابيين التي تحاول الخروج من القيادة العامة فيما جرى تأمين الوطن كله. بعد القضاء على المحاولة الإنقلابية وبعد أن تأكد من أن آخر أعدائه قد إنتقلوا إلى الدار الآخرة، شعر بتحسن طفيف في مزاجه رغم أنه عانى لعدة أشهر شعوراً خفياً بالذنب بسبب إعدامه للواء الزبير سليمان شيخ الدين، الذي أنقذ حياته مرتين. يشعر بأنه عاد يترهل بأوهامه في محيط رتابة يومية لا تقطعها سوى الرتابة المفتعلة للتقرير اليومي الذي يقدمه رجال أمنه فيستمع لهم محاولاً دون جدوى أن يجد في حديثهم مخرجاً من وحل كآبته: سيدي الرئيس الأمن مستتب في الوطن كله، والمظاهرات توقفت ولم يبق من آثارها سوى إطارات العربات المحترقة التي أطفأت الأمطار الغزيرة نيرانها، وأكوام الحجارة التي قذفها المتظاهرون على رجال الأمن في ميدان أبوجنزير وبعض الشعارات الباهتة المكتوبة على جدران بعض الشوارع الجانبية والتي يكتبها صبية حزب البعث سراً، والتي لم تفلح أمطار الخامس من يوليو الكارثية في محوها. والخبز متوافرُ في الأسواق ومخازن الوطن عادت لتمتلئ بمواد الإغاثة التي وصلتنا من الخارج، فقط هناك مشكلة واحدة طرأت سيدي الرئيس، ويرخي أذنيه لإحتمال إنفجار قنبلة تطيح بإستقرار مستنقع كآبته : الحرب الأهلية إندلعت في جنوب الوطن مرة أخرى سيدي الرئيس. فيشعر بوطأة بداية الحريق، تحرق حتى قلبه، يشعر بوطأة فراغ روحه، فيما الجرافات تعيد تسوية الوطن، وعربات الدفاع المدني تسحب المياه الراكدة من الشوارع وترفع أنقاض المنازل المتهدمة، بحثاً عن الموتى المفقودين، وأطفال المدارس يعبرون في ملابسهم الزرقاء في قيظ سبتمبر، فيشعر بوطأة فراغ القلب، فيما كانت الحياة الطبيعية تعود بإيقاعٍ بطئ إلى أرجاء الوطن، وأسراب طائر النعام التي هربت من حدود الوطن إثر أمطار الخامس من يوليو الكارثية، بدأت في العودة، وتشكيلات طائر الرهو بدأت في الظهور في سماء الوطن، فيعرف المزارعون حلول شهر توت الذي يعقب شهر مسرى ذروة فيضان نهر النيل. يشعر بوطأة فراغ روحه، رغم بدء إنتظام إيقاع الحياة الذي لم يكن محتاجاً لينبض بإنتظام إلا إلى كارثة من نوع الخامس من يوليو : أمطارُ تهطل ضمن حدود الوطن دون هوادة لمدة شهرٍ كامل، وقاد جولةً لتفقد آثار الكارثة، فشاهد رهق الصبر في وجوه النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى هرعن لإستقبال السلطة. رأى طقوس الإنتظار على أرصفة الصبر تبدو وكأنها تمضي دون هدف، دون سند في الذاكرة، وأن أياً من هؤلاء النسوة اللائى اهترأت في أجسادهن ملابس الحداد لن تستطيع ولا حتى وصف ملامح الشخص الذي أفنت عمرها في إنتظاره، فهمس بتشاؤم في أذن العقيد خليفة إبراهيم بركات الذي رافقه في الرحلة التفقدية : الحرب الأهلية تجددت دون أن نعلم مصير مفقودي الحرب الأهلية الأولى في وقت أصبحنا نجهل فيه حتى مصيرنا. شاهد الزحف الصحراوي يغرق جدران المنازل، وشاهد الأحياء يزحفون في شوارع ضوء الشمس المحرقة بملابس الموتى، وشاهد قضبان آخر قطار عبر صحراء الوطن، ناقلاً جنود اللورد كتشنر أواخر القرن التاسع عشر، وشاهد أحجار الأساس لمشروعات التنمية المنسية وقد طمرتها رمال الزحف الصحراوي، ولم تبق لأحد ولا حتى الرغبة في تنظيف هذه الأحجار التذكارية التي يصعب تحديد العصر الذي شيدت فيه إعتماداً على الكلمات المكتوبة عليها والتي محيت بفعل عوامل التعرية. إنتهى إلى القول فيما كان العقيد خليفة إبراهيم بركات يسحب قرعة إختيار وزير المالية الجديد بعد عودتهما إلى العاصمة: نحن نتعفن فيما الوطن كله يحتضر من الجفاف. لأن أمطار الخامس من يوليو المفزعة التي دمرت الوطن، لم تهطل إلا داخل حدود العاصمة، فعبر زجاج مقطورته الرئاسية شاهد المراعي المقفرة في سهول غرب الوطن، شاهد البيوت المقفرة من سكانها، والهياكل العظمية التي لا تحصى لقطعان الماشية التي نفقت، وفي سماء جنوب الوطن شاهد أسراباً من صقر الجديان تحوم عالياً بحثاً عن فرائس. وهو يستمع إلى تقرير حول تجدد الحرب الأهلية التي : بدأت بتمرد محدود سيدي الرئيس، لكنه مرشحُ للإنتشار، خاصةً وأن معظم المتمردين فروا من الوطن وتمركزوا في غابات الدول المجاورة، فأمر بإغلاق الوطن، لا أحد يدخل، لا أحد يخرج، فأحضروا له في اليوم التالي عشرة مفاتيح وأعلنوا : أغلقنا حدود الوطن كلها سيدي الرئيس، لا تستطيع ولا حتى نملة عبور حائط الأسلاك الشائكة، فاطمئن قلبه قليلاً ووضع المفاتيح في جيبه واستقل الطائرة عائداً للعاصمة. في اليوم التالي إستقبل وزير المالية الجديد في مكتبه عقب أدائه القسم، ليسلمه مثلما يحدث عند كل تعيين وزير جديد، مستندات الإنهيار الإقتصادي والملف السري للمجاعة، إستقبل الدكتور الطيب محمد عثمان : أكاديمي مهذب، جلس يستمع للسيد الرئيس دون أن تصدر عنه أية كلمة أو حركة سوى أنه كان يمد يده بين الفينة والأخرى ليثبت بها النظارة الطبية على وجهه. تأمل الدكتور الطيب محمد عثمان أرقام الكوارث أمامه بإهتمام، وحينما تحدث أخيراً، طلب تفويضاً يمكنه من محاربة الفساد، ثم وضع الملفات التي سلمها له السيد الرئيس في حقيبته واستأذن خارجا ، وفور تسلمه للعمل بدأت التقارير ترد عنه للسيد الرئيس: بدأ عمله في الوزارة سيدي الرئيس بقراءة الفاتحة على روح العقيد محمد النور عبد الهادي، كما قرأ الفاتحة للمرة الثانية على روح العقيد الفاضل محمد عبد الكريم الذي لا زالت آثار صوت الطلقة التي أردته قتيلاً على سلالم القصر الجمهوري، تتردد ليس فقط في أرجاء القصر بل في أرجاء الوطن، حتى بعد أن غرق الوطن. وشاهدناه يبكي سيدي الرئيس ولم نستطع أن نميز إن كان يبكي على العقيد محمد النور عبد الهادي أم على العقيد الفاضل محمد عبد الكريم، أم على الوطن سيدي الرئيس لأنه استمر في البكاء بعد أن جلس على مقعده يقرأ ملفات الإنهيار الإقتصادي والتقارير المتراكمة حول الديون الوطنية التي تضخمت حتى لم يعد أحد يجرؤ على محاولة حسابها، وتقارير إضراب عمال السكة الحديد الذي استمر خمسة عشر عاماً ولم يتوقف إلا في الفترة التي هبت فيها على الوطن نسمة حرية أيام فتح حزب الوطن للأحزاب لتمارس من داخله سلطةً حائطية للفضائح. واستمر يبكي سيدي الرئيس وهو يقرأ ملف المجاعة، حتى تكونت بركة صغيرة من الدموع أسفل مكتبه، لكنه توقف فجأةً عن البكاء وجفف دموعه واستهل طوافاً على أقسام الوزارة واجتمع مع كل موظفي وزارته، وبقي حتى منتصف الليل في مكتبه يضع الخطط من أجل إصلاح الإقتصاد مع مجموعة من المستشارين الذين إختارهم بنفسه من كلية الإقتصاد. فصل جديد وفي الليلة التالية، وبعد أن مرّ بنفس مراحل إستقبال الليلة الأولى، اعترف بأنه عمل أثناء الحرب الأهلية الأولى مهرباً للسلاح، وأنه باع السلاح لثوار السمبا أنصار الزعيم باتريس لوممبا، كما باع السلاح في نفس الوقت لحكومة الكونغو، وفي البداية شعر رجال القرية بالذهول أمام ذكريات هذا النضال التجاري، ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء تمحيص هذه الذكريات لإستبعاد الذكريات التالفة، اعتبروها مجرد أمجاد إضافية مكملة لمجده الأصلي، دون حتى أن يلاحظوا أنه عاد ليس فقط دون أمجاد، ولكن أيضاً دون حنين يبرر عودته إلى بيتٍ غادره وهو طفل صغير . إكتشفوا من مقاطع تفاصيل ذكرياته، أنه لم يعد إلى مسقط رأسه بسبب دوافع إنسانية، بل بسبب الصدفة المحضة، وكشف عن ذاكرة دمرتها أعاصير النسيان لامكان فيها ولا حتى لأسوأ ومضات الوجدان، لأنه ومنذ زمان لم يكن قادراً على تحديد بداياته، ولم تبق منه في الذاكرة سوى صور مبهمة لعجوز يضع لافتات يوضح فيها إتجاه رغباته، وبقايا صور مبهمة لأميرةٍ إستوائية، تعبق بعطر السافنا، رآها في الحلم قبل أن يراها في الواقع، وهي متوجة على عرش أسطوري ملكةً لجمال أشجار الأبنوس، قبل أن تتحول إلى ريح وتختفي تماماً مثل جدها الملك المقدس .
  12. الفصل العاشر يحكي أنه انتزع فخذ دجاجة من فم أحد رجال الأعمال أثناء مأدبة رسمية قائلاً له بجدية:هل تعطينا ثمن القطن بالشمال لتستعيده باليمين!وكان يعلن دائماً أن المعدة غير مهيأة وظيفياً من أجل هضم اللحم الذي ينحيه جانباً كلما جلس ليتناول الطعام أثناء اجتماعات مجلس الوزراء والحفلات الرسمية ويعلق قائلاً: هذا طعام الحيوانات المفترسة!، وكان يوصي دائماً بشرب الماء قبل وأثناء الأكل لكبح جماح الشهية. للمرة الأولى منذ وفاة الدكتور عز الدين الزين وزير المالية الراحل، استعاد رغبته الأزلية في العراك مع اكتسابه لعادة أخرى أكثر هدوءاً: النوم أثناء اجتماعات مجلس الوزراء، العادة التي بذرها فيه حاج الأمين حسن ساتي وزير المالية الأسبق الذي باع الوطن بالتقسيط المريح ولم يترك خلفه شيئاً بعد هروبه سوى عشرة جوالات مليئة بالنقود المزورة، كان ينوي بها رشوة عمال السكة الحديد المضربين. استيقظ في اللحظة التي كان يتأهب فيها الوزراء لمغادرة المكان، بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء، نظر حواليه بحقد وانهال بلكماته الصاعقة عليهم، بدأ بوزير المالية الجديد الدكتور عبد المجيد عبد الرحمن فأطاح به أرضاً، ثم غادر المكان، وفي المساء تلقى التقرير الأسوأ من العقيد مصطفى سراج الدين : سيدي الرئيس، الأمن مستتب، لكن الفاصل المداري تراجع، بعد أمطار يوم الثلاثاء الرابع من مايو والتي اعتقدنا أنها مقدمة لخريف مبشر هذا العام، لكنها لم تخلف شيئاً سوى مستنقعات البعوض فانتشرت الملاريا في الوطن بصورة وبائية، وانتشرت الأوبئة في كل مكان، حتى الأبقار أصيبت بالالتهاب الرئوي البلوري والحمى الفحمية، والحمير والخيول أصيبت بمرض النجمة، والكلاب والثعالب والقطط أصيبت بداء الكلب، والدواجن أصيبت بمرض النيوكاسل، وتشكيلات الجراد قضت على الكميات القليلة التي نمت من محصول الذرة. شعر بنفسه واقعاً في مصيدة لا فكاك منها، بحث حوله عن شخص يصلح ليلعب دور متآمر، ليفرغ فيه شحنة غضبه، فلم يعثر إلا على الأخ وزير الصحة الذي ساقه حظه السيئ للقاء السيد الرئيس في ساعة نحسه، واجهه والغضب يتطاير من عينيه: الوطن كله مريض وأنت الوحيد الذي لا يشكو شيئاً، ما الذي تسرقه حتى انتفخ جسمك مثل العجل، ذهل الدكتور الفاتح عبد الرحيم من ضراوة الاستقبال وتراجع على أعقابه حتى غادر المكان وفي نشرة الساعة الثالثة سمع نبأ إقالته . أصدر أمراً جمهورياً بأن يتولى هو شخصياً وزارة الصحة، وبدأ عمله بتفقد مرضى الملاريا، وساهم بنفسه في توزيع حبوب عقار الكلوروكوين على المواطنين في الشوارع، عشر حبات للوقاية من الملاريا، بمعدل حبتين كل يوم لمدة خمسة أيام. وشارك مع الأطباء البيطريين في تطعيم الأبقار ضد مرض الالتهاب الرئوي البلوري وتطعيم الدواجن ضد مرض النيوكاسل وحقن الدجاجات المريضة بزهري الطيور بالزرنيخ وقاد بنفسه حملةً قومية للقضاء على الكلاب المسعورة على امتداد الوطن. وبعد أسابيع من العمل الشاق بدأت الأحوال تتحسن وبدأت الأوبئة تنحسر، استمع بأعصاب هادئة إلى تقارير رجال أمنه: وتحسن موقف الخريف سيدي الرئيس، والجراد طاردناه بطائرات الرش حتى غادر حدود الوطن!. كانت الأخبار طيبة حتى اعتقد أنهم سيكملون: وعثرنا على الدكتورة صفاء وزيرة الرعاية الاجتماعية وهي على وشك أن تغادر الوطن على ظهر سنبوك من مرفأ خليج فلامنقو على ساحل البحر الأحمر متجهةً إلى الأراضي المقدسة. لكن أحداً لم يجرؤ على ذكر اسمها، لا خوفاً من إثارة غضبه، بل أشواقه، ورغم شعوره بتحسن موقف فراغ ذاكرته، وأنه لم يعد يجد مصاعب تذكر في التعرف على أسماء معاونيه، وعلى أماكن أشيائه الشخصية التي يحفظها في مكان ما ثم ينساها، إلا أنه لاحظ وجود مخطط مواز لإفراغ ذاكرته، كان يدبر بهدوء من حوله، لاحظ أن مقعد وزيرة الرعاية الاجتماعية الشاغر قد سحب من اجتماعات مجلس الوزراء وجلس مكانها وزير الخارجية الأنيق تفوح منه رائحة عطر أراميس، وحتى صوت الطلق الناري الذي دوى في القصر وأردى المرحوم الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية الأسبق قتيلاً، بدأ صوته يتلاشى في دوامة هائلة من ضوضاء غناء عصافير بدا له مفتعلاً، مفتقداً للتناغم الموسمي الطبيعي، وشاهد حتى لافتات التأييد التي يحملها المنافقون للترحيب به لدى دمعقولة بسه إلى حزب الوطن بيضاء دون أي كتابة عليها، ولاحظ أنه يلتقي أثناء اجتماعاته التي يرتبها القصر مع ممثلي النقابات والفعاليات الشعبية، لاحظ أنه يلتقي أشخاصاً باهتي الوجوه، دون هوية، يصعب تذكرهم مرةً أخرى حتى أثناء وجودهم، حتى أنه شعر بعد بضعة اجتماعات أنه عاد يكتسب مقدرة عدم التمييز بين الناس، لأن سحنات كل من يلتق بهم كانت متشابهة، ولا تبدأ ملامح الوجوه تدب فيها الحياة من حوله، إلا بحلول المساء، مع مهرجانات الفرح الصاخبة التي انتظمت الوطن والتي لم يلاحظ أبداً أنها كانت تستهدف مسح ذاكرته. أبقى إحدى أذنيه مفتوحة لتلتقط حتى همس معاونيه، وأسلم قلبه للطرب، كانت مغنية بدينة مثل المدفع تغني أغاني البنات، وتعزف لها الفرقة الموسيقية، فيما تتمايل الراقصات الأثيوبيات في ليلة ذكرته بليالي الوزير الهارب حاج الأمين حسن ساتي الذي باع الوطن بالتقسيط المريح، وباع محصول القطن قبل جنيه، ومحصول الصمغ العربي قبل جمعه، وباع حتى الأبقار المصابة بمرض الجفار المملوكة لشركات تتبع للدولة، وباع أشجار المهوقني و البودو. يستمع إلى المغنية البدينة تغني أغنيات جافة لا تتناسب مع بدانتها المفرطة، التي رجح أن تكون أصابتها نتيجة مرض، لا نتيجة رخاء في وطن يتراجع فيه الفاصل المداري كل يوم جنوباً، وحينما يتقدم الفاصل المداري شمالاً، يتقدم الجراد جنوباً !، إستمع لصوتها الذي بدا كأنه لا يصدر عنها : " أنا ما بدور المزارعية .. بدور البركب العربية ! " . فشعر فجأةً أنه ينسى الدكتورة صفاء في خضم هذا الانحدار الفني، شعر بأنها تتلاشى من ذاكرته كأن لم تكن، لدرجة أنه بدأ ينقب في ذاكرته عن صورتها، ليتأكد من أنه رآها بالفعل يوماً ما، وأنها كانت تجلس في إحدى غرف القصر في الأيام الخوالي، تؤدي عملها بانضباط عسكري، تاركةً الخريف يتسرب منها مع رائحة عطرها . بدأ يبحث عنها في ذاكرته، ليتأكد من أنه رآها بالفعل يوماً ما، وأنها لم تكن إحدى ألاعيب الوزير حاج الأمين حسن ساتي، بحث عنها بين صفوف الموتى الذين رآهم يقفون في طوابير طويلة في عتمة الذاكرة بنفس هيئتهم لحظة إطلاق الرصاص عليهم، تعرف على بعضهم ولم يتعرف على أكثرهم. بحث بينهم عن الدكتورة صفاء فلم يعثر لها على أثر، وفجأة رأى وجهاً يكرهه وانتبه إلى أنه يراه في جهاز التلفزيون لا في الذاكرة، كان وجه مذيع ذائع الصيت يقدم سهرةً على الهواء من حدائق التلفزيون، وللمرة الأولى اكتشف حقده الشخصي عليه حينما قربت الكاميرا وجه المذيع، حتى لم يعد هناك أي حاجز بينه وبين العيون الذئبية التي تنطوي على وقاحة يغلفها بإدعاء التهذيب، والعمامة الضخمة التي تخفي رأسه الأصلع، والأنف الشبيه بأنف شمبانزي، أغلق جهاز التلفزيون وغادر البيت على عجل دون حراسة. توقف أمام حدائق التلفزيون واقتحم المكان، كان المذيع يواصل تقديم فقرات برنامجه حينما تقدم منه ولكمه على الهواء لكمةً دوت في أرجاء الوطن، وتركه طريحاً بين المقاعد وكومة الأحذية والساعات والحلي الذهبية التي خلفها حضور البرنامج، لكمةً دوت في أرجاء الوطن حتى أن العمدة خالد بدر الدين المزارع في جزيرة نائية في شمال الوطن، وكان قد ترك جهاز التلفزيون الصغير الذي يعمل بالبطارية والذي أرسله له شقيقه الذي يعمل في المملكة العربية السعودية ليراقب فيضان نهر النيل، عاد ليكتشف أن الجهاز كان ملقىً أرضاً من فرط قوة اللكمة التي دوت في أرجاء الوطن كله. في اليوم التالي ظهر في جهاز التلفزيون ليعلن أن الثورة ستضرب بيد من حديد كل من يحاول تعويق مسيرتها، وكان بيانه بمناسبة إضراب عمال السكة الحديد في مدينة عطبرة الذي شل حركة نقل الوقود والبضائع في الوطن كله. وللمرة الأولى منذ سنوات شاهد الناس وجهه في جهاز التلفزيون، فبسبب الإجراءات التقشفية التي تبناها الدكتور عز الدين الزين وزير المالية الراحل، توقفت الاحتفالات في الوطن حتى أن الناس نسوا صخب أعياد الثورة والاستقلال والوحدة، أما في عهد الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي فقد تبدلت الأحوال، كان شعاره الأوحد : نحن نقفز فوق البيروقراطية، وظل يقفز حتى قفز في النهاية خارج الوطن، كان يصرف لكل من يطلب مالاً على الفور ومن جيبه دون الالتزام بروتين تقديم طلبات أو الحصول على إمضاءات وكان يقول: هذه الإجراءات البيروقراطية هي الشيء الوحيد الذي ورثناه عن الاستعمار الإنجليزي، لم نرث منهم انضباطهم في العمل ولا انضباطهم في الالتزام بالمواعيد . وفي اجتماعات مجلس الوزراء كان يبدأ الاجتماع –قبل أن يخلد للنوم – بإفراغ ما في جيبه من الأشياء التي يشتريها للسيد الرئيس، فيبدأ في استعراضها غير عابئ بالوزراء المنتظرين بدء الاجتماع : هذه زجاجة عقار فولتارين إنه ممتاز لعلاج الروماتيزم، وهذه زجاجة فيتامينات مقوية، وهذا دواء لخفض حمض اليوريك في البول ولكن المهم ألا تأكل الحمام، وأن تقلل من أكل اللحوم الحمراء. ثم يعرض عليه سلسلة الكتب الملونة الأنيقة التي كانت تصدر عن حزب الوطن تبين إنجازات الثورة في كل المجالات، ويسلمه نسخة من الكتاب الأول في السلسلة والذي خصص لنفي الإشاعة التي روجها الشيوعيون بأن السيد الرئيس حينما قبل في الكلية الحربية لم تكن معه من الشهادات سوى شهادة الجنسية، فأثبت الكتاب بالوثائق وبشهادات بعض المعلمين المتقاعدين أن السيد الرئيس حينما قبل في الكلية تم استثناءه من كل شروط الدمعقولة بس بسبب تفوقه في الشهادة الثانوية، ولأنه أحرز في اللغة الإنجليزية درجة لم يحرزها أي طالب من قبله. طمأنه الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي حينما وجده منزعجاً بسبب إضراب عمال السكة الحديد: لا تنزعج سيدي الرئيس، لا توجد معضلة في هذا العالم لا يمكن حلها بالمال، وأشرف بنفسه على مطبعة النقود التي ظلت تعمل طوال الليل حتى التهمت كل كمية الورق المتوفرة لطباعة النقود، وفي الصباح شحنت عشرة جوالات من النقود وهي لا تزال ساخنة في الطائرة العسكرية التي أقلت الأخ الوزير إلى مدينة عطبرة، الأخ الوزير الذي عاد بخفي حنين، ليعلن: ما يطلبونه ليس متوفراً عندي سيدي الرئيس، إذ أنهم يطلبون الحرية، يطالبون بعودة النظام الديموقراطي . يتضورون جوعاً سيدي الرئيس، ويسكنون في أكواخ من القش، يأكلون شيئاً شبيهاً بالغائط، ورغم ذلك يطالبون بالحرية، عودة الحريات العامة وإلغاء قانون الاعتقال التحفظي. ورغم صخب الاجتماع أخلد الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي للنوم، وقبل أن يخلد للنوم أخرج من حقيبته مسحوقاً أصفر في مظروف من ورق شفاف وقدمه للسيد الرئيس: هذا مسحوق الحنظل سيدي الرئيس لعلاج النقرس، تصنع منه لبخة توضع فوق المفاصل. أصدر السيد الرئيس قراراً في ختام جلسة مجلس الوزراء التي انسحب منها الوزير حاج الأمين حسن ساتي متعذراً بمهام يتعين عليه إنجازها لأنه مسافر في مساء نفس اليوم، أصدر السيد الرئيس قراره بأن يخلي عمال السكة الحديد منازلهم الحكومية ويفصلوا من العمل خلال ثلاثة أيام إذا لم يعودوا للعمل، ثم قام بتكليف العقيد مصطفى سراج الدين بالسفر إلى عطبرة لمتابعة الموقف. ومنذ لحظة وصوله بدأت تقاريره تصل عن طريق الهاتف: وجدنا الموقف متأزماً سيدي الرئيس واضطررنا للاستعانة بالجيش لمحاولة تهدئة الموقف، وجدنا الإضراب محكماً للغاية حتى أننا فشلنا في تحديد قادته، وكلما القينا القبض على مجموعة تحل محلها بنفس السرعة مجموعة أخرى أكثر قدرةً على إدارة العصيان، حتى امتلأت السجون سيدي الرئيس، ولم نجد بداً من إطلاق سراح اللصوص والمجرمين وإخلاء السجون من أجل إفراغ أماكن لقادة العصيان المدني، ورغم ذلك لا يزال الإضراب مستمراً، فاستعنا بجنود من الجيش لتحريك القطارات التي بدأت تصدأ، لنقل البضائع المكدسة في ميناء بورت سودان، ونقل الوقود إلى مختلف أرجاء الوطن فيما بدا السيد المشير لاهياً عن الاحتفال بقياس الأرض مستخدماً حبلاً ومتراً معدنياً ليحاول تقدير أبعاد الخلل الذي حدث في المكان، وفي المرة الأولى حينما سمعوه يتكلم، أرهف الجميع آذانهم للاستماع إلى تصريحه الأول فسمع يقول بصوت أجش هامس، لم تكن فيه نبرة السلطة، بل نبرة الموت: يجب أن يكون هناك حجر من الاسمنت يوضح حدود الارض في مكان ما هنا، وشاهدوه يزيح التراب وأوراق أشجار النيم والجميز الصفراء بحثاً عن حجر الاسمنت دون جدوى، رأوا وجهه الخالي من أي تعبير، تماماً مثل ذاكرته التي بدأت في الانحلال منذ اللحظة التي اكتشف فيها أنه أقال وزير المالية حسن عبد الرحمن الزين بقرار صدر منه شخصياً، وبعد لحظات قليلة من آخر لقاء له بالوزير، منحه خلاله تفويضاً كاملاً ليواصل برنامجه الإصلاحي ووعده بوضع كل اقتراحاته موضع التنفيذ . عرف لاحقاً بعد عدة أشهر وإثر مرور شريط لذكريات منفية من ذاكرته أنه أصدر ذلك القرار شخصياً رغم أنه نسيه في نفس اللحظة، وأنه كان مستسلماً حتى وهو يوقع القرار لفكرة أن الوطن كان بين أيد أمينة في ظل وجود الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين في وزارة المالية . في تلك الحقبة التي بدأ يفقد فيها الأشياء الخاصة به، يقول فجأةً أثناء اجتماع مجلس الوزراء : أنا متأكد أنني وضعت ذلك الحذاء فوق المنضدة !، يقول فجأةً أثناء اجتماعه مع السفير الياباني لتسلم دعم دولته لضحايا الجفاف و التصحر: اليوم فقدت زوج جوارب، يبدو أن لصاً استطاع الدمعقولة بس إلى البيت وسرقتهما فقد غسلتهما بنفسي ونشرتهما على حبل الغسيل . وأثناء بحثه عن أشيائه المفقودة بدأ يكتشف للمرة الأولى خيوطاً مفقودة، لا لإنجازات عهود سابقة، بل لأخطاء منسية، واكتشف أنه في ذلك الزمان لم يكن أفضل كثيراً من الدكتور عثمان محمد صالح وزير الرعاية الاجتماعية الراحل، الذي كان يحمل لافتات يعلن فيها الإتجاه الذي يسلكه. فقد إكتشف في أوراقه القديمة أنه كان يكتب إسم الدكتورة صفاء في مفكرته اليومية، ويعيد كتابته يومياً كلما إنتقل لصفحة جديدة، ورغم أنه شعر بأنه يتذكر صورتها بوضوح أفضل حتى من الأيام التي كان يراها فيها يومياً، إلا أنه إكتشف أنه نسي كل تفاصيل محاولاته للتقرب منها. وأثناء بحثه عثر على الأشياء التي كان يحضرها له حاج الأمين حسن ساتي وزير مالية عصر الجفاف الأسبق، وجد قوارير عقار فولتارين الفارغة، وقوارير عقار جوفلون المقوي، واكتشف لعب الأطفال التي كان يحضرها له : العربة الصغيرة التي تملأ بزمبرك، والأفعى المصنوعة من المطاط، والساعات الكثيرة التي كان يحضرها له يومياً، ساعات تصدح بموسيقى كلاسيكية، وأخرى تؤذن خمس مرات يومياً وواحدة يعلن عصفورها البلاستيكي الوقت بصوت كهربائي مخنوق . وعثر على بطاقات البريد التي كان يبعث بها الوزير السابق من كل مكان في العالم كان يحط فيه بحثاً عن القروض الأجنبية لتمويل المشروعات الوهمية التي لم ير الناس منها سوى مشهد وضع حجر الأساس والأطفال الذين يظهرون في واجهة الإحتفال وهم يحملون باقات الزهور. يستغرقه البحث في أكوام مقتنياته القديمة دون أن يتسنى له أن يلاحظ أنه كان في الواقع ينقب في ذاكرته، فجأةً سقطت في حمى واجهة ذاكرته صورة مشهد أسطوري عرف أنه بقايا حلم ليلي، رأى نفسه راكعاً في طوفان ضوئي ماداً يده بوردة بيضاء لملكة سوداء رائعة الجمال متوجة على عرش من الأبنوس وانتبه للمرة الأولى إلى أنه ظل طوال ثلاث ليالي يرى نفس هذا المشهد أثناء نومه. أزاح المشهد الغريب جانباً محاولاً أن يحدد مكان ظهوره في متاهة الذاكرة، وجد نفسه يغوص في جرف رملي على حافة هاوية دون قرار، فعرف أن المشهد الغريب أنتقل إلى واجهة وعيه عبر تبادل غير واعٍ للذكريات، إنتزع نفسه من هاوية الذاكرة ماراً بغابات الأحراش المطيرة في خط إستواء الذاكرة حيث عصافير الحب تغرد فوق أشجار الباباي في قيظ شوارع مدينة نائية أبواب منازلها مشرعة للرياح. حتى بدأ وعيه يتفتح تدريجياً، وبدأ الصوت يعود تدريجياً لشفاه رجال أمنه الجالسين في حضرته:… والأمن مستتب سيدي الرئيس، وقاطرات السكة الحديد التي يقودها الجنود تنقل البضائع والمواد البترولية إلى كل أرجاء الوطن، والعمال المضربين أخرجناهم من المنازل الحكومية بأعقاب البنادق. كما أحبطنا خطة لمحاولة إنقلابية رصدناها منذ إجتماع المتآمرين الأول، فلم نعطهم ولا حتى فرصة إختيار قائد للإنقلاب الذي كانوا يزمعون أن يطلقوا عليه اسم ثورة السابع عشر من سبتمبر سيدي الرئيس، لأنه التأريخ الوحيد الذي عثروا عليه خالياً من الإرتباط باسم ثورة أو إنقلاب عسكري. كما إعتقلنا عدداً من الطلاب كانوا يخططون لتسيير مظاهرة من جامعة الخرطوم، والأمن مستتب سيدي الرئيس. فيبتسم ويقول : وماذا لو لم يكن مستتباً !، يشعر بفراغ إعصاري يتسرب الي روحه، أشبه بذلك الفراغ الذي كان يداهمه في أزمان غابرة، أيام الدكتورة صفاء التي ذابت في الوطن كأنها لم تكن موجودة أصلاً، والتي بسببها تم إحصاء سكان الوطن ثلاثة مرات خلال عام واحد لكي يتسنى لرجال الأمن البحث عنها في كل بيت في الوطن. عثروا على كل سكان الوطن، عدا الدكتورة صفاء، عثروا على لصوص هاربين، وموتى منسيين من قبل إشتعال الحرب الأهلية الأولى، تجار ومزارعين مختبئين منذ سنوات من ملاحقات البنوك والضرائب، شيوعيين وحزبيين قدامى. وكانت حصيلة الإحصاء كمية ضخمة من المنشورات المناوئة للنظام، وعشرات من مطابع الرونيو التي تدار باليد، وقنابل تكفي لنسف الوطن كله. يستمع دون حماسة لتقارير رجال أمنه، ثم يقرأ أسماء ثلاثة مرشحين لوزارة المالية رفعها له معاونوه، وأجرى قرعةً سرية وقعت على الإسم الثالث : عبد العزيز سعيد خير الله، فأصدر قراراً بتعيينه. ورغم تحديد ميعاد أداء القسم للوزير الجديد وإذاعة خبر التعيين في كل نشرات الأخبار، إلا أن الوزير الجديد لم يظهر وفي اليوم الثالث جاءه النبأ: الدكتور عبد العزيز سعيد خير الله مات سيدي الرئيس، توفي قبل ستة أعوام، أيام الرخاء الزائف الذي شهدناه في عهد الوزير حاج الأمين حسن ساتي!. أجرى تحقيقاً سرياً حول الشخص الذي قام بترشيح الوزير الميت فعرف أنهم : أعضاء حزب الوطن سيدي الرئيس، لم يعودوا يفرقون بين الموتى والأحياء، طالما أنهم مستمرون في إقتسام حصص السكر والوقود ومناصب السلك الدبلوماسي، يقول أحدهم: سوف أذهب هذا العام سفيراً إلى براغ ..فيترجاه أحد الحاضرين : كلا أترك لي براغ، فأنا مصاب بالروماتيزم، أريد أن أتداوى بالمياه المعدنية في كارلو فيفاري، فيترك له براغ عن طيب خاطر ويقول: لابأس سأذهب إلى القاهرة، فيترجاه آخر : كلا أرجوك أترك لي القاهرة .. أن لدي بنتاً صغيرة قبلت هذا العام في كلية طب القصر العيني وأريد أن أكون بجانبها. فيترك له القاهرة عن طيب خاطر، ولأنهم مشغولون طوال اليوم بالنميمة سيدي الرئيس، حيث يتحدثون عن فلان الذي تزوج سراً للمرة الثانية حتى لا تطرده زوجته الأولى من البيت الذي يخص والدها، وعن فلان الذي تركته زوجته يقضي الليل واقفاً في الشارع بسبب تكرار عودته مخموراً في آخر الليل، ولم يستطع جيرانهم النوم طوال الليل بسبب ازعاج صوت نواحه وهو يستجدي زوجته عبر نافذة المطبخ لتسمح له بالدمعقولة بس ! . لذلك لم يسمعوا سيدي الرئيس بوفاة الدكتور عبد العزيز سعيد خير الله، فعرف أنه حتى معاونيه الذين لم يعد قادراً على إحصاء عددهم، كانوا يعانون مثله من آفة النسيان رغم أنه لم يصل بعد لمرحلة ترشيح الموتى لشغل مناصب وزارية. عمد إلى تحريات سرية تأكد بعدها أن صاحبي الإسمين الباقيين كانا على قيد الحياة، ثم أجرى قرعةً أخيرة، وفور إصدار قراره وصل وزير المالية الجديد، أفسح له الحرس الطريق وتعين فتح الأبواب على مصاريعها من أجل دمعقولة بسه : رجل بدين، حتى أن السيد الرئيس لم يكتم خيبة أمله وقال ضاحكاً: إن تناولك العادي للطعام سيكون سرقةً أخي الوزير!. للمرة الأولى استخدم السيد الرئيس عبارة أخي الوزير، فقد شعر للمرة الأولى منذ أيام حاج الأمين حسن ساتي الذي باع كل شئ ولم يترك وراءه سوى عشرة جوالات من النقود التي كان ينوي رشوة عمال السكة الحديد المضربين بها، والتي اكتشفوا بعد هروبه أنها كانت نقوداً مزورة. للمرة الأولى منذ ذلك الزمان شعر السيد الرئيس بخوف غامض في حضور الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين لم يتسن له مطلقاً أن يلاحظ أنه شعور متقدم بالذنب بسبب خلل ذاكرته الذي سيكون وزير المالية الجديد أول ضحاياه. شعر بخوف غامض في حضور الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين الذي ابتدر بالقول: ليست هناك مشكلة سيدي الرئيس، كان يبدو في بنطاله الأزرق الضخم، وقميصه الأبيض المعجون بالعرق، ووجهه الضخم على ثقة لا من موقفه، بل من موقف الوطن، وكان واضحاً أنه قرأ جيداً وأنه يعرف حتى أرقام الديون السرية وأنه يحمل في جيبه خطةً للإنهيار الإقتصادي، ولم يكن يبدو عليه أنه يخلو من ميل طفيف للبهجة، رغم بدانته المفرطة التي بدا للسيد الرئيس أنها لا تتيح له فرصةً للمرح، ففي أثناء بحث السيد الرئيس عن مستندات الإنهيار الإقتصادي في خزانة مكتبه، كان الأخ الوزير يغني: "الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر". سلمه السيد الرئيس تقارير البنك الدولي، وصندوق النقد، ونادي باريس، وصور العقودات التي باع حاج الأمين حسن ساتي بموجبها الوطن كله، وصور إقرارات الأمانة التي قدمها التجار الذين باع لهم محصول الذرة حتى قبل أن تهطل قطرة واحدة من أمطار ذلك الموسم الذي باع محصوله، وتقارير حول أداء مشروعات التنمية، وطريق أسفلت بورتسودان الذي تم إنشاءه للحد من خطورة مرفق السكة حديد أو كما أوضح السيد الرئيس : حتى لا يستطيع كائناً من كان أن يلوي ذراعنا! . بدت أفكار الوزير الأولى تقشفية لا تتناسب مع رخاء جسمه، فقد اقترح إيقاف إستيراد السلع الكمالية لوقف تدهور العملة الوطنية، وتخفيض الإنفاق الحكومي، وتقليص البعثات الدبلوماسية بالخارج، ورفع الدعم تدريجياً عن سلع الوقود والخبز والسكر، فاقترح السيد الرئيس مبتسماً: هذه خطة للثورة لا للإصلاح!! كان السيد الرئيس يفكر فيما الأخ الوزير يغني : "الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر"، وكان يدق بأصبعه على مكتب السيد الرئيس أثناء غنائه : " الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر"، مبروك، قال السيد الرئيس أخيراً : فلتبدأ العمل فوراً، وأردف مبتسماً : أرجو ألا يكون مستوى أداءك الإقتصادي بنفس مستوى غناءك! تأبط الأخ الوزير أوراقه وخرج وهو يغني : الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر، ورغم أن السيد الرئيس أصبح منذ هروب حاج الأمين حسن ساتي يشعر بالخوف كلما قام بتسليم خزانة الوطن إلى وزير جديد، إلا أنه شعر للمرة الأولى براحة هائلة فيما الوزير الجديد يغادر مكتبه وهو يغني، حتى أن السيد الرئيس وجد نفسه يغني أيضاً : الليلة مسافر .. ما جبر الخاطر، ويدق بأصابعه على مكتبه وهو يستمع إلى التقارير التي بدأت تنهمر عليه منذ اللحظة التي غادر فيها الأخ الوزير مكتبه : هذا الرجل قدمه خضراء سيدي الرئيس، ففي اللحظة التي كان يؤدي فيها القسم، بدأت الأمطار تهطل وتقدم الفاصل المداري حتى تجاوز مدينة وادي حلفا، وبدأت زهور القطن في التفتح، وحتى أسراب الجراد التي تحاصر الوطن بدأت فجأةً في التراجع. كأنه ساحر سيدي الرئيس، فرغم الأستعدادات الأمنية المكثفة التي أعددناها لمواجهة الموقف إثر قراره بزيادة أسعار الخبز بعد رفع الدعم عنه، إلا أن أحداً في الشارع لم يحتج كأن القرار لا يخص أحداً في الوطن سيدي الرئيس، واصل الجميع أعمالهم ولم تخرج سوى مظاهرة صغيرة من جامعة الخرطوم وقبل أن تغادر المدخل الرئيسي، تولى العقيد مصطفى سراج الدين أمرها. فيشعر بخواء روحه يتفاقم في مقابل إرتياحه الإقتصادي، يستمع إلى تقارير رجال أمنه: الأمن مستتب سيدي الرئيس، والوطن كله في حالة إنتعاش، بعد أمطار كثيفة غسلت حتى صحراء العتمور النائية، والدينكا يرقصون رقصة ملوال والمسيرية يرقصون على إيقاع المردوم، ونوبة الجبال يرقصون الكمبلا، ونوبة الشمال يرقصون كوركين أرجيد، والشايقية يرقصون الدليب. فيما السيد الرئيس يشعر بتفاقم فراغ روحه، فيقرر السفر إلى جنوب الوطن لحضور إحتفالات عيد الوحدة، وأثناء رقصة النجبانديلي التي أداها شباب من قبيلتي الزاندي والشلك، وفي حمى الرقص أشار السيد الرئيس إلى فتاةٍ رشيقة القوام، رائعة الجمال، فهمس أحد مرافقيه محذراً : حذار سيدي الرئيس، الفتاة من سلالة الملك المقدس نيكانج العظيم الذي لم يمت بنفس الطريقة الكلاسيكية حينما انتقل إلى الدار الآخرة، بل تحول إلى ريح واختفى، ومن يقترب من الفتاة سيدي الرئيس قد يصاب بمرض الجذام. لدى نهاية العرض قام بمصافحة الفرقة واحداً واحداً، وحاول أن يبدو متماسكاً أمامها وهو يسأل عن اسمها : إسمها الأميرة مينيساري سيدي الرئيس، أمسك بيدها مسافة أطول ولم يكن في حاجة ليدقق في وجهها ليتأكد من أنها نفس الملكة المتوجة على عرش الأبنوس التي ظل يراها أثناء نومه في مشهدٍ واحدٍ لا يتغير طوال ثلاثة ليال. وللمرة الأولى منذ إختفاء الدكتورة صفاء، شعر بحمى القلب، دون أن تؤرقه الآثار الجانبية المحتملة لهذا الوجد المقدس، وإن أقدم على إجراء إحترازي؛ فحص جلد يديه بعد مصافحتها ليتأكد من عدم إصابته بالجذام، ثم دعا الفرقة للحضور إلى العاصمة للمشاركة في مهرجان الثقافة والفنون الذي سيبدأ بعد أسابيع وأمر مرافقيه بتنظيم سفر المجموعة وصرف تذاكر السفر لهم. في نفس الليلة رأى الأميرة في نفس المشهد الأسطوري الذي ظل يراه لثلاث ليالٍ متتالية، رأى الملكة في عرشها الأسطوري المشيد من أشجار الأبنوس ترتدي ملابس بيضاء باهرة فيما هو راكعُ أمامها يمد يده لها بوردةٍ بيضاء في طوفان الضوء الذي يتدفق من حول المشهد الرهيب. فصل جديد للمرة الأولى منذ وفاة زوجها، أقدمت سعاد بت خير الله، أم بتول الجميلة، على تفتيش مقتنيات زوجها الراحل التي حفظتها طوال سنوات في حقيبة حديدية، ورغم آلام الحمى في مفاصلها إلا أنها قامت بسحب الحقيبة الثقيلة من أسفل السرير في غرفة نومها المهجورة ونظفتها من التراب وأنسجة العنكبوت قبل أن تفتح قفلها الصدئ بسبب مرور السنوات. إنفتح القفل بعد أن صبت عليه قليلاً من الكيروسين، رفعت غطاء الحقيبة فرأته يحدق فيها عاتباً بسبب سنوات الإهمال، وارتجفت أمام يقين ومضة حنين مكثفة انطلقت من سكون عينيه، تأملت الصورة الملونة ثم وضعتها جانباً، فحصت بدلته العسكرية فوجدتها سليمة تماماً، تفحصت النياشين والأوسمة والميداليات التي حصل عليها منذ أن كان طالباً متفوقاً في الكلية الحربية. وفجأةً عثرت على ما تبحث عنه، مسدس صغير عثرت عليه بعد مقتل زوجها في جيب بذلته العسكرية التي تركها في البيت قبل خروجه الأخير، أخرجت المسدس ثم أعادت ترتيب الأشياء كما كانت وفجأةً سمعت صوت زغاريد تنطلق في الشارع، شعرت بإرتباك حينما إكتشفت المسدس في يدها قبل أن تخفيه أسفل فراشها وتتسلل على أطراف أصابعها لتشاهد ما يدور في الخارج من خلال ثقب في باب البيت. شاهدت أهل القرية يصطحبونه إلى بيت الزين ود حاج النور، رغم أنه لم يكن راغباً في الذهاب معهم، وكان يلتفت أثناء سيره بحثاً عن حجر الاسمنت الذي وجده في الخريطة دون أن يكون له وجود على الأرض. لم يبد ولا حتى على سبيل المجاملة، أدنى إهتمام بمظاهرة الإحتفال به، حتى أنه سقط أرضاً حينما طلب منه أن يقفز فوق ثور ذُبح له خصيصاً، وللمرة الأولى حينما امتدت الأيدي ترفعه من على الأرض، لاحظ أنه بدون سلطة، وأن سقوطه لم يكن رسمياً، وأن هذا الإحتفال الخاص به كان دافعه العطف لا الوفاء، رغم أنه حينما حدق في وجوه مستقبليه حينما رفعوه من على الأرض لم ير إشارات الحب بل الخوف. وفجأةً رأى بين وجوه مستقبليه وجهاً ضخماً نشط لديه شريطاً منسياً في الذاكرة، فرأى وزير المالية الأسبق حسن عبد الرحمن الزين، لم يتعرف عليه لكنه عرف من هالات المجد المصاحبة في ذاكرته أن الرجل كان واسع النفوذ دون أن يتمكن من تحديد عصر الجفاف الذي ظهر فيه الأخ الوزير، رغم أنه رآه يغني في عتمة الذاكرة وهو يدق على خشب مكتبه: (الليلة مسافر ما جبر الخاطر )، ورآه يعمل في دأب منقطع النظير، يواصل الليل بالنهار، يعيش على القهوة وسندوتشات الفول، ورأى حقيبة ملابسه وزوج حذاء ضخم ملقى بجانبها في غرفة مكتبه بالوزارة. رآه بوجهه الضخم الطيب يشارك في لقيط القطن في مشروع الجزيرة، ورآه يمسك الواسوق في بقعةٍ نائية في شمال الوطن مشاركاً المزارعين في عمليات زراعة القمح،وكان يمسك الواسوق كأنه وَلد مزارعاً، رآه يرقص الكيرنق في جبال النوبة مشاركاً في إحتفالات حصاد الذرة، ورآه يعزف على ربابة أم كيكي مع رعاة المسيرية،ورآه في منطقة الأنقسنا يشارك الشباب في عزف أبواق الوازا في موسم الحصاد، رآه جالساً على الأرض يأكل الكجيك مع اللاجئين الأثيوبيين في القضارف مشاركاً في عمليات الكديب. شعر ببعض الانتعاش الذي أنساه لحظة فقدان السلطة الحاضرة، شعر ببعض الانتعاش الذي كان يحس به في عصر الجفاف الوسيط، فيخفف عليه ذلك الشعور فراغ روحه الذي تفاقم منذ أن رأى الأميرة مينيساري تعزف على آلة قبادوليو في جوبا، منذ أن رآها في الحلم ملكة متوجة على عرش أشجار الأبنوس وهو راكعٌ أمامها يقدم لها وردةً بيضاء. رأى ضباب الزمن الحاضر ينزاح من فوق صورته وهو جالس في مكتبه في أحد أزمنة سلطته، غارقُ في ضوء القيلولة الشفاف المتسرب من النافذة من خلال الوردات الحمراء لأشجار التاهيتي مصحوباً برائحة رطوبة قيظ الساعة الثالثة بعد الظهر، وهو يستمع لتقارير رجال أمنه حول "الوزير الوحيد الذي يعمل في حكومتي" كما كان يسمي الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين: إلا أنه يسبب لنا مضايقات كثيرة سيدي الرئيس، فقد شاهدناه يتتبع بنفسه مصدر البضائع الممنوع إستيرادها والتي تغرق الأسواق، ويتتبع أرقام النقود التي تخرج من المطبعة الخاصة بالقصر، وفجأةً انهار العالم كله من حوله لدى إستماعه للخبر الصاعق: سيدي الرئيس العقيد مصطفى سراج الدين قتل في تبادل لإطلاق النار لدى مداهمته لوكرٍ لبعض المتآمرين على السلطة. شعر بنفسه جالساً فوق ركام بيت منهار، وبأول أعراض شيخوخة مفاجئة : إلفة خارقة مع الموت كأنهما توأم، وجده مسجىً في المستشفى العسكري وقد استعاد بريق براءته الأولى، هدوءُ خارقُ كأن صفاء وجهه لم يكن يوماً مرآةً لوجدان مضطرب، لحياةٍ كانت منذ نشأتها الأولى أشبه بالموت وفق تواز مكتمل ووحدة ديناميكية. فور دمعقولة بسه، اختبر السيد الرئيس إحساساً غريباً، التقطه من أنفاس الأشخاص الذين تقاطروا لإلقاء نظرة أخيرة على العقيد الراحل، لم ير دمعة واحدة تسقط ولو على سبيل المجاملة، فعرف أن كل الذين تقاطروا لإلقاء النظرة الأخيرة على العقيد مصطفى سراج الدين، جاءوا في الواقع ليتأكدوا بأنفسهم بأنه إنتقل إلى العالم الآخر، وأن رفيقه الراحل لم يجد صديقاً لا في الحياة ولا حتى في الموت، بادر السيد الرئيس برفع يديه وأمر: الفاتحة. أمر أن يلف الجثمان بالعلم الوطني، وينقل على عربة عسكرية، وأم بنفسه الصلاة على جنازة العقيد الراحل حتى يتأكد من أن كل موظفي الدولة سيقفون في عشرة صفوف خلفه، حتى وإن كانوا سوف يقفون في الصلاة دون وضوء. وفور فراغ إجراءات الدفن باشر بنفسه تحقيقاً سرياً حول علاقة العقيد مصطفى بزملائه ومرؤوسيه فعرف أنه لم يكن يثق في أيٍ من الذين يعملون معه وأنه كان يتعمد إهانة الضباط أمام الجنود، وأنه في اليوم السابق لمقتله وبسبب بعض أوراق الشجر المبعثرة في الفناء انهال ضرباً على كل من صادفه من الضباط و الجنود. وأثناء التحقيق الذي أجراه السيد الرئيس قام بزيارة مكاتب الجهاز السرية التابعة للعقيد مصطفى سراج الدين، فشاهد آلات التعذيب البدائية مرصوصة بنظام وبينها قصارى الورد الإنجليزي والنباتات الظلية، وشاهد سماعات الصوت المبثوثة بين النباتات الظلية وعرف أن العقيد مصطفى سراج الدين كان يهوى الإستماع إلى أغنيات الحقيبة أثناء حفلات إنتزاع الإعترافات. شاهد بقايا آثار إهمال نظافة التعذيب: بقع دم متناثرة وأظافر اقتلعت من جذورها، لم يقشعر بدنه من آثار المشاهد المحزنة لذلك الجحيم الوطني بقدر ما أدهشته مقدرة العقيد الراحل على الجمع بين الحب والتعذيب . وفي نفس اليوم تلقى أخباراً مبهجة : وصلت الفرقة الزاندية سيدي الرئيس، وفور وصولهم قام بإستقبالهم في مكتبه بالقصر الجمهوري وصافحهم واحداً .. واحداً، وبعد أن أكمل مصافحة الفرقة التي وقف أفرادها في صفٍ واحد، شعر بخلل ما فقام بإعادة المصافحة من حيث إنتهى، ولدى وصوله نهاية الصف اكتشف أن الأميرة مينيساري لم تكن ضمن الفرقة، سأل عنها فعرف أنها : لم تكن أصلاً في الفرقة سيدي الرئيس وإنما شاركت في إحتفالات عيد الوحدة بصفة خاصة. قدمت الفرقة عرضاً خاصاً ضمن فعاليات مهرجان الثقافة والفنون، لرقصة المانجنجي مصحوباً بعزف على آلة قبادوليو، شاهد السيد الرئيس العرض دون إكتراث، وبسبب رداءته غادر المكان فجأةً دون أن يعطي حتى مرافقيه الفرصة للخروج معه. وطوال أسبوع عاوده فراغ روحه، وفاقم ذلك عدم مقدرته على إشهار إفلاسه الوجداني، ولم يخرجه من تلك الدوامة سوى ورود أخبار متوسطة الإثارة من قبيل : إنقلاب عسكري سيدي الرئيس، وكانت تلك أولى بركات رحيل العقيد مصطفى سراج الدين الذي أحصى على الوطن أنفاسه، ولم يخرجه من تلك الدوامة سوى : إضراب عمال السكة الحديد لا يزال مستمراً بعد مضي أكثر من خمسة أعوام سيدي الرئيس، فيشعر بفراغ روحه يتحول إلى ذاكرته وهو يتساءل مندهشاً: ألا يزال عمال السكة حديد مضربين عن العمل ! فيأتيه الرد : نعم سيدي الرئيس، نفس العمال الذين حاول الوزير الهارب حاج الأمين حسن ساتي رشوتهم بعشرة جوالات من النقود المزيفة، فيطرق، يشعر بخجل طفيف، رغم بدء تعالي أصوات الرصاص في الخارج، لأنه اكتشف للمرة الأولى أن الحياة يمكن أن تمضي أو تتوقف دون علمه، تساءل بحذر: ألم يفرغ بعد إنشاء طريق الأسفلت الذي يربط ميناء بورتسودان بالعاصمة، جاءه الرد: اكتمل الطريق سيدي الرئيس. فقال دون إكتراث: إذن فليستمروا في إضرابهم! ويسحب جسده الضخم من أسفل السرير حينما يستمع إلى صوت آخر طلقة تعلن إندحار المتآمرين، يعود للبحث عن شخص يتولى مسئولية حماية ظهره، يفكر: لو أن هذا الوغد يعود من الموت‍، وقال أمام‌ رجال أمنه بعد أن أكمل استعراض المتآمرين وأشرف على إعترافاتهم على آلات التعذيب: لو كان مصطفى سراج الدين حياً، لجلب لي هذه الأميرة على طبق من الفضة! قالها بنبرة يأسٍ، لا أمل، فاعتبر رجال أمنه المتنافسون على مقعد مصطفى سراج الدين الشاغر كلامه إشارةً لبدء السباق. وبعد أسبوع حينما وصل إلى البيت وجدها في البهو، تجلس داخل طبق ضخم من الألمونيوم بسبب تعذر الحصول على طبقٍ من الفضة، ترتدي فستاناً من الدمور المصبوغ باللون الأحمر وحول عنقها قلادة تيقو، كانت الفتاة لاتزال نائمة فيما هو يستمع لتقرير رجال أمنه عن العملية: خطفناها أثناء إحتفالات تنصيب رث الشلك الجديد سيدي الرئيس بالقرب من خور أريبارجو، وعلمنا أنها كانت سوف تتزوج هذا الأسبوع مباشرةً بعد نهاية إحتفالات تنصيب الرث، كانت تغني مع مجموعة من الشباب: أجاك أقرع الطبل قرعاً ليدوي على أرواح جدودنا. فيأمر بتعيين ثلاث خادمات لها، وأن تنقل للإقامة في بيت الضيافة، وللمرة الأولى منذ مقتل العقيد مصطفى سراج الدين شعر بأن الزمن بدأ يمر من حوله بوتيرةٍ عادية، فقرأ بعض التقارير التي رفعها الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين وزير المالية الذي يغني وهو يعمل، وبفضله بدأ الوطن يقف على قدميه، وقرأ تقارير حول الجهود التي يبذلها بعض معاونوه من أجل عودة المعارضة من خارج الوطن، وظهر في جهاز التلفزيون في نفس اليوم ليعلن إستعداده لإقتسام كعكة السلطة مع المعارضة. بعد ذلك اتجه إلى قصر الضيافة حيث تقيم الأميرة مينيساري، وجدها جالسة على مقعد أبيض، ملكةً حقيقة، تبدو في نفس الهيئة التي رآها فيها في الحلم: ملكة جمال متوجة على عرشٍ أسطوري من أشجار الأبنوس، ملكةُ سوداء مثل الجوهرة، لم يؤثر على جمالها الخارق، حزن عينيها، الذي كان يثير في المكان من حولها كآبة السافنا، شعر بأنه يختنق في مرجل هذا الحزن الاستوائي الخارق فجلس أمامها دون أن يجرؤ على أن ينبس بكلمةٍ واحدة، وتلمس في سطوة جمالها الأبنوسي الرهيب، عظمة أخطائه التي اعتقد أن النسيان تجاوزها. شعر بنفسه يتلاشى في حضرتها حتى أنه تحسس رأسه ليتأكد من أنه لا يزال موجوداً، واكتشف للمرة الأولى حينما سحب أقدامه بصعوبة وتسلل خارجاً شاعراً بتلاشي ذكرى أخطائه العظيمة من ذاكرته بمجرد خروجه من قصر الضيافة، اكتشف أن سطوة أخطائه كانت تتداعى في ذاكرته لا بسبب الزمن، بل بسبب بدء نشوء ضعف في ذاكرته، حتى أنه كان يضطر لقراءة تقارير الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين عدة مرات ليفهم أن الحالة الإقتصادية في الوطن تحسنت قليلاً لكن الوضع لايزال سيئاً، وأن الديون الوطنية تزداد بسبب فوائدها الكبيرة، التي تتضاعف مع مرور كل يوم. يستمع لتقارير رجال أمنه حول ممارسات رجال المعارضة: التي فتحت لها أبواب حزب الوطن تمارس فيه صراعاتها المقيتة سيدي الرئيس، يمارسون نقداً حائطياً للنظام، في صحفٍ معلقة على الجدران، يحررونها بنفس الخط المتعجل الذي كانت تكتب به المنشورات السرية المعادية للنظام، يكتبون مقالات طويلة لا يقرأها أحد، وحتى إن قرأها شخصاً ما فإنه لن يفهم شيئاً بسبب كثرة الأخطاء الإملائية سيدي الرئيس، فقد نسوا بسبب جراحات المنفى وأيام الكفاح الطويلة في الأحراش وفي الفنادق المعتمة الرخيصة حيث لا سلوى في قيظ سبتمبر سوى إجترار أحقاد أحلام العودة، نسوا حتى الحروف الأبجدية سيدي الرئيس. يطلب صوراً لصحفهم الحائطية فيحضرونها له على مضض لأنها: كلها أكاذيب سيدي الرئيس، فيلتقط ما بين أسطر المقالات، خيوط فساد معاونيه، ويقرأ تفاصيل أخطاء عهده مموهة في أخطاء إملائية متعمدة، فلا ترهقه الآثار الجانبية المحتملة لهذه الحرية الحائطية بقدر ما يؤرقه إتساع رقعة فساد معاونيه. ومن المعلومات التي استقاها من صحف المعارضة الحائطية، طلب معلومات عن شركات وهمية فاكتشف أنها مسجلة بأسماء مستعارة له، ومن صحف المعارضة الحائطية عرف للمرة الأولى بأنه سوف يتزوج الأميرة مينيساري يوم الثامن والعشرين من أغسطس وأن هذا اليوم تم إختياره بواسطة الشيخ الحسين الضرير، شيخه الذي أهداه العصا العاصمة من الموت، ليوافق السابع عشر من شهر مسرى الذي يوافق ذروة موسم الدميرة. لم تربكه فكرة ربط مصيره شخصياً بموقف موسم محتمل للجفاف، بقدر ما أربكته فكرة تدخل محتمل في حياته الشخصية من صحيفةٍ حائطية، حتى تنتزعه من مخاوفه أصوات رجال أمنه يقدمون له التقرير اليومي حول ممارسات معارضة حزب الوطن: يطالبون بزيادة المقاعد المخصصة لهم في البرلمان سيدي الرئيس، وبتعيين رئيس للوزراء من التكنوقراط، يكون متخصصاً في إدارة الكوارث .. لإدارة الوطن ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!، وبستة مقاعد على الأقل في مجلس الوزراء، رغم أنهم لا يفعلون شيئاً سوى النوم سيدي الرئيس، حتى تحول حزب الوطن إلى شئ أشبه بعنبر لمرضى مرض النوم، يستنفدون كل قواهم الخطابية في شجارٍ صباحي ثم يخلدون لنومٍ جماعي بعد أن يتناولوا الفول المصري في أطباق ضخمة تصلح لغسيل الملابس سيدي الرئيس، وهم أول من اقترح تصنيف الفول بإعتباره كارثة وطنية، لأن الوطن كله حسب زعمهم يخلد للنوم بعد طعام الإفطار، ورغم أن الثورة التي فجرتها سيدي الرئيس بدأت فجراً، إلا أنهم يجزمون أن الفول كان السبب الرئيسي وراء استيلاءكم على السلطة، لأن الوطن كله كان يغط في النوم حينما وقع ما أسموه بإنقلاب الحادية عشرة والربع سيدي الرئيس !. تجعله هذه الترهات يستغرق في التفكير: يشككون في شرعية سرقة الوطن !، ويعزي نفسه عن الآثار الجانبية لهذه الحرية الفولية بالحب، رغم الخوف الغامض الذي يجتاح قلبه كلما جلس في حضرة الأميرة مينيساري، يقرأ في سحر عينيها وفي صمتها الثقيل الذي يبدو له وكأنه يزحف على الوطن كله، صمتُ مشوبُ بالموت، حتى أنه كان يضطر ليطرقع بأصابعه بجانب أذنيه ليتأكد من أنهما كانتا لا تزالا تعملان. يقرأ في سحر هذا الصمت الأبدي، كل أخطاءه العظيمة، كأنها أخطاء إله، ويرى كل ضحايا عهده الزاهر، حتى الموتى يفرضون وجوداً كثيفاً في حمى هذا الصخب الإستوائي الصامت، حيث يعبق الجو برائحة أشجار الباباي والأبنوس التي تذكره بالحرب الأهلية الأولى، وبسبب وطأة أخطاء الذكريات كان يغرق في حمى عرقٍ كثيف رغم أجهزة التكييف، ولتخفيف سطوة هذا الحب القاتل، توقف عن زيارتها منفرداً وأصبح يصطحب معه خمسة حراس مدججين بالسلاح من حرسه الخاص، كانوا يحضرون معه العرض اليومي الصامت، لا للحب، بل لعدم الثقة. غرق في أتون هذا الحب المسلح، حتى أنه أهمل قراءة تقارير معارضة حزب الوطن الحائطية، واكتفى فقط بالتوقيع على قرارات لم يقرأها، وبسبب إرهاق حبه الجماعي المسلح، أصبح يخلد للنوم في إجتماعات مجلس الوزراء ولم يستيقظ إلا فجأةً بعد عدة أشهر . تفرس في وجوه الجالسين كأنه يراهم للمرة الأولى، وكان أول ما اكتشفه هو غياب الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين، وجد في مكانه شخصاً غريباً ذكره بريق عينيه المراوغ بالأستاذ حاج الأمين حسن ساتي، ودون أن يسأل عن هويته وجّه إليه لكمةً صاعقة أطاحت به أرضاً. سأل عن الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين فووجه بذهول وزرائه: الأستاذ حسن أقيل من منصبه قبل عدة أشهر بقرار جمهوري أذيع في نشرة أخبار الساعة الثالثة ونَشر في الصحف الرسمية وفي نشرة أخبار الساعة التاسعة بالتلفزيون !. تمالك نفسه حذراً مخافة أن يكون اتخذ القرار أثناء إحدى نوبات الحب لا النسيان، أثناء إحدى نوبات الحب الجماعي المسلح، التي فرضت عليه إلفة مشتركة مع حراسه قوامها مواجهة حائطية لجفاءٍ إستوائي مقدس، حتى أنه ظهرت عليهم بعد شهور نفس أعراض الحب من طرف واحد التي تؤرقه. استدرك نفسه وتساءل بحذر: ومن الذي عين هذا الوغد ؟ وأشار نحوه حيث كان لا يزال ملقىً أرضاً يئن من وطأة الضربة الصاعقة، فجاءه الرد الجماعي الساحق: صدر قرار تعيينه بتوقيعكم شخصياً سيدي الرئيس وأَذيع القرار في كل نشرات الأخبار، فاستعاد دفعةً واحدة كل خيبات سلطة الحب، أدرك أنه كان واجهه حتى في الحب، وأن حراسه كانوا غارقين معه في الحب بإخلاص يفوق إخلاصه، فأصدر قراراً باستبدالهم يوميا، ثم أجرى تحقيقاً سرياً ليحدد الجهة التي أصدرت قرار إقالة الأستاذ حسن عبد الرحمن الزين. إلا أن اللجنة التي كونها من بعض الضباط المقربين منه قدمت له تقريراً مبهماً لم يلق بمسئولية القرار على أحد، فظهر في جهاز التلفزيون مساءً ليؤكد على المسار الديمقراطي للثورة وأن أبواب المشاركة مفتوحة في حزب الوطن لكل من يرغب في التعبير عن رأيه متجاهلاً تقارير رجال أمنه اليومية ذات التفاصيل المتكررة: أصبح حزب الوطن مثل الهايد بارك سيدي الرئيس، الجميع يتحدثون في نفس الوقت، وباعة الليمون المثلج يتصايحون في الزحام كأننا في سوق الجمعة، وتلاميذ مدارس يصفقون، ورجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ جئن للثأر السماعي، في عيونهن آخر بقايا خجل العزلة التي عشن فيها منذ إعدام أزواجهن الذين شاركوا في مؤامرات إنقلابية ضد النظام سيدي الرئيس، يزغردن كلما أبرز أحد أقطاب المعارضة وثيقةً تثبت أرقام فساد الثورة، إضافةً إلى عشرات الألوف ممن أقصتهم الثورة من مناصبهم في الخدمة العامة للصالح العام. فيصدر قراراً جمهورياً بتعيين أثنين من أقطاب المعارضة في مناصب وزارية: الدكتور التجاني عبد العظيم وزيراً للرعاية الاجتماعية، في الوزارة التي لم يدخلها أحد منذ وفاة البروفيسور عثمان محمد صالح، والدكتور كمال الدين حسن أحمد وزيراً للمالية، وفور تسلمهما للعمل بدأت التقارير عنهما ترد إليه: سيدي الرئيس الدكتور التجاني عبد العظيم شرع منذ لحظة أداء القسم في العمل وشارك العمال في إزالة أنسجة العنكبوت من المكاتب التي لم يدخلها أحد منذ وفاة الوزير الراحل عثمان محمد صالح. وأثناء عمليات النظافة وترتيب الأوراق عثرنا في درج مكتب الوزير الراحل على صورة له في حديقة منزله مع ابنته الدكتورة صفاء سيدي الرئيس، وما أن شاهد الدكتور التجاني عبد العظيم الصورة حتى أوقف عمليات النظافة وقرأ الفاتحة على روح الوزير الراحل، الذي كان أستاذاً له في الجامعة كما ذكر، ثم جفف دموعه وأمر بوضع الصورة داخل إطار وتعليقها على جدار مكتبه سيدي الرئيس.
  13. الفصل التاسع وبعد موته استمع السيد الرئيس إلى تقارير جهاز أمنه حول حياة الوزير الراحل الخاصة: ورغم بخله الشديد على الوطن كله سيدي الرئيس، إلا أنه كان كريماً جداً في بيته، فقد شاهدنا في بيته أيام العزاء إمبراطورية كهربائية تعمل بنصف طاقة الوطن، أربعة وعشرين مكيفاً للهواء، وسبعة عشر تلفزيوناً ملوناً، حتى في الحمام اكتشفنا وجود تليفون وتلفزيون ملون، واكتشفنا وجود سبعة وعشرين غسالة أوتوماتيكية ضخمة تكفي لغسل الوطن كله من نيمولي وحتى وادي حلفا واكتشفنا وجود عشر ثلاجات وخمس عشرة ديب فريزر، واكتشفنا وجود ستة وأربعين جهاز راديو وثلاثة وعشرين جهاز فيديو أحصينا معها تسعمائة وأربعين شريط فيديو، كما استطعنا إحصاء أربعة وستين جهاز تسجيل من ضمن أشياء لا حصر لها من الأجهزة الكهربائية، في الوقت الذي كان يصدر فيه إعلانات يومية يحث فيها المواطنين على خفض استهلاك الطاقة الكهربائية، بسبب نقص إنتاج الطاقة الكهربائية الناجم عن تدني منسوب مياه النيل الأزرق، وشوهد عدة مرات وهو ينزل من عربته ليطفئ بنفسه مصابيح الشوارع التي يكتشفها مضاءةً نهاراً، ويتشاجر مع ربات البيوت حينما يكتشف المصابيح المضاءة نهاراً في واجهات المنازل. وفي الفوضى التي نجمت في نهاية الأسبوع عن انقلاب عسكري، وفي لحظة الارتباك التي سادت أثناء انعقاد مجلس الوزراء انطلقت رصاصة أثناء تبادل الحرس الرئاسي لإطلاق النار مع بعض الانقلابيين، وقد تغافل السيد الرئيس عن التحقيق في الإشاعات التي ذكرت أن الرصاصة التي أردت الدكتور عز الدين الزين وزير المالية قتيلاً لم يطلقها الإنقلابيون وإنما انطلقت من أسلحة بعض المقربين، وتغافل عن التحقيق في الإشاعات التي ذكرت أن الوزير الجريح ترك طريحاً حتى نزف آخر قطرة من دمه قبل أن يتم استدعاء الإسعاف. تنفس السيد الرئيس الصعداء، فلمدة خمسة أعوام _ كما أعلن _ كنا مثل التلاميذ، نقف صباحاً لنستجدي من الأخ وزير المالية مصروفات البيت، يقول لماذا ألف جنيه سيدي الرئيس ؟ تكفيك خمسون جنيهاً، ويضطر السيد الرئيس ليعدد له مستلزمات البيت الضرورية: نريد اليوم شراء قريب فروت لأنني مصاب بالزكام، وشراء دواء للزكام، ونريد أيضاً شراء ملوخية وبطاطس وكيلو واحد من اللحم العجالي، فيرد بهدوء: لو استمر الحال هكذا سيدي الرئيس فسوف يصار أمرنا للإفلاس، ويعدل الطلبات: لا داعي لدواء الزكام سيدي الرئيس، لدي دواء بلدي ممتاز، إنه القرض سيدي الرئيس ما أن تستنشق دخانه حتى يخف الزكام تماماً، ويعدل في باقي الطلبات: تكفي ربطة ملوخية واحدة سيدي الرئيس وماذا لو كنت متزوجاً، كأنك لا تعيش وحدك بل في مدرسة داخلية، ويكفي ربع كيلو لحم عجالي سيدي الرئيس، لماذا لاتجرب أكل مرقة الدجاج التي يقتات عليها الوطن كله ورغم ذلك فالمواطنون كلهم أصحاء وقبضاتهم مثل الحديد، إنها صحية أكثر من هذا اللحم الأحمر المملوء بالكوليسترول!. يتنفس السيد الرئيس الصعداء لأنه الوزير الوحيد الذي لم يقدم على إقالته بقرار جمهوري، فقد خشي ألا يعثر خلفه على نقود الوطن التي أخفاها طوال خمسة أعوام، ويتنفس السيد الرئيس الصعداء فيما الحرس الرئاسي يسحبون جثته وينظفون آثار المحاولة الإنقلابية الأخيرة، يعلن: حتى الإنقلابات أصبحت لها فوائد!، ويتنفس الصعداء فيما رجال الأمن يحفرون بلاط مكتب الوزير الراحل لاستخراج نقود الوطن، رجال الأمن الذين رفض طوال أكثر من عام أن يدفع مرتباتهم، طالباً قبل أن يدفع لهم أن يتقدموا لإقناعه بالإجابة على سؤال: ماذا يفعلون بالضبط ليصرف لهم مالاً في المقابل. وكان يقول : إذا ظللنا ندفع أجراً لكل من يجلس في مكتب مكيف ويمسك بسماعة تليفون ويقرأ في تقارير تافهة مكتوبة بخط ردىء عن فلان الذي خرج من بيته ثم توقف ليشرب كأساً من البيرة في مطعم أتينيه ويتناول طبقاً من الكفتة، قبل أن يتجه إلى شارع النيل ويتسلل بين أجمة أشجار الطرفاء والهبيل جوار الكشافة البحرية ليتبول واقفاً ! ثم ينهي المناقشة بحكمة أزلية: من راقب الناس مات هماً! تنفس السيد الرئيس الصعداء، وهو يأمر بأن يكفن الوزير الراحل بالعلم الوطني وأن يعلن الحداد لمدة ثلاثة أيام، وتصدّر بنفسه مساء نفس اليوم جنازة الوزير الراحل، حيث وضع الجثمان على عربة مدفع، وشوهد في المقبرة وهو يمسح دموعه بمنديل ضخم، دون أن يعرف أي من مساعديه إن كانت تلك دموع حزن حقيقي أم كانت دموع فرح. فصل جديد وفيما كان السيد المشير مشغولاً بفحص شجرة جميز في المكان رآها في الخريطة وإن لم يرها في الواقع، بدأ الاستقبال الرسمي من حوله، حيث رحب الزين ود حاج النور رئيس اللجنة الشعبية بالقادم لزيارة مسقط رأسه ، رغم أعباء السلطة، وهنأه بذكرى الثورة المجيدة، ولأن الزين ود حاج النور لم يكن واثقاً من اسم الشهر الذي وقعت فيه الثورة المجيدة التي شارك القادم الكبير في تفجيرها فقد اكتفى بتهنئته بالثورة، وأعلن شجب القرية الكامل لكل المؤامرات التي تحاك ضد الثورة ودعا بالموت على كل الخونة والعملاء. لكن السيد المشير لم يبد تجاوباً يذكر مع هذا الاحتفال غير البروتوكولي حيث بقي البعض أثناء الاحتفال وهم يجلسون فوق حميرهم، وبدا له هذا الاحتفال النهاري منتميا إلى زمان آخر أكثر من انتمائه لهذا الزمن الحاضر الذي ينساب من حوله دون أن يتسن له الإمساك بإشارة واحدة تحدد بدء وقائع جديدة، لدرجة انه شعر ببقايا ذيول فراغ روحه الذي تفاقم في عصر الجفاف الوسيط حتى في أوج صخب أيام مهرجانات الثقافة والفنون، حينما كانت صورة الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف تقفز فجأة إلى حمي ذاكرته في اللحظة التي كان يركن فيها إلى قناعة انه نفاها نهائيا من ذاكرته، تقفز فجأة إلى واجهة ذاكرته وهو يرقب عروض فرقة الاكروبات الوطنية التي تدربت علي ألعابها في الصين، يعلق بإعجاب على الفتاة التي تسير على الحبل: هذه الفتاة كأنها صنعت من العجين!، وتقفز إلى واجهة ذاكرته وهو يشاهد رقصة الكمبلا تؤديها فرقة الفنون الشعبية، وفي زمان الدكتور عز الدين الزين وزير المالية الراحل، كان يستجدي الأخ الوزير لإقامة مهرجان دائم للفنون، يغرق الوطن كله من أقصاه إلى أدناه في الصخب، لينسى الوطن كله أحزانه، فيرد الأخ الوزير: هذا النسيان سيكون مكلفاً سيدي الرئيس، ويخرج على الفور آلته الحاسبة الصغيرة التي أهداها له صديق واعتبرها هو لحظة استلامها كنزاً إلكترونياً صغيراً لسبب وحيد: أنها تعمل بالطاقة الشمسية ولا تستهلك أي نوع من الطاقة سوى قدر قليل من الضوء ورغم ذلك لم يكن يستخدمها إلا نادراً، خوفاً من إجهاد إلكتروني محتمل لذاكرتها، قد يجعلها تخلط وقائع الأرقام. كان الأخ الوزير يخرج على الفور آلته الحاسبة ويبدأ في حساب تكلفة النسيان، ويختم قراره النهائي بقوله: أفضل أن نبقى على أحزاننا سيدي الرئيس، يعيد الآلة الحاسبة إلى جيبه ويقول مستوحياً حكمةً شعبية: " من الأفضل أن نسمع كلام من يبكينا .. بدلاً من أن نسمع كلام من يطربنا"!. لكن السيد الرئيس يفضل أن يحتفظ بموقعه المحايد خلف أذنيه، يستمع إلى تقارير رجال أمنه: لا جديد سيدي الرئيس سوى أن السيد وزير الرعاية الاجتماعية توفى في المعتقل اثر نوبة قلبية لم تمهله طويلاً رغم أننا نقلناه على الفور إلى مستشفى السلاح الطبي، فيصدر قراراً بإعادته إلى العمل بأثر رجعي، وتنشر له صحيفة اليوم التالي تصريحات حول مؤتمر قريب سوف يعقد من أجل دراسة الفقر وتأثيراته السالبة على المجتمع، وبعد بضعة أيام أعلنت وفاته، نعاه السيد الرئيس في بيان رسمي ووصفه بأنه كان دمث الأخلاق ومحبوباً من كل من عاشره في القصر طوال السنوات الماضية، ونشر في الصحيفة تقرير طبي يفيد بأن السيد الوزير توفي بسبب نوبة قلبية حادة، أثناء مؤتمر صحفي أمام مراسلي وكالات الأنباء العالمية، أعلن الحداد لمدة ثلاثة أيام ونكست الأعلام، وفي حفل التأبين الذي أقيم في القصر الجمهوري رغم اعتراضات الدكتور عز الدين الزين وزير المالية على ما وصفه بالحزن المكلف، أعلن السيد الرئيس في حفل التأبين قراره الجمهوري بتعيين الدكتورة صفاء ابنة الوزير الراحل، وزيرة للرعاية الاجتماعية في مكان المرحوم والدها، وفاءً لذكرى رجل أفنى عمره في خدمة الوطن الذي يظل وفياً _ كما أعلن _ لكل أبنائه البررة. وفي أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد تعيين الدكتورة صفاء عثمان محمد صالح وزيرةً للرعاية الاجتماعية، يلمح مقعدها شاغراً، رغم أنه يتمنى أن يملأ هذا المقعد ولو بمعجزة، حتى أنه يفكر في استدعاء العرافين الذين فشلوا في تحديد مكان اختفائها، وفيما ظل مقعدها شاغراً طوال شهور، ظلت الصحيفة الرسمية تنقل تصريحات الوزيرة الوهمية حول تحسن موقف الفقر في الوطن، وحول مؤتمر المرأة الذي سيعقد قريباً، وظهرت في الصور وهي تجلس في اجتماع مجلس الوزراء على يمين السيد الرئيس، وشوهدت في الصور وهي مجتمعة مع مندوب اليونسيف، ومع مندوب اليونسكو، ومع معتمد اللاجئين، الذي بحثت معه قضايا اللاجئين الأريتريين، وظهرت وهي تقص الشريط إيذاناً بافتتاح معارض للزهور ومهرجانات لأناشيد الأطفال. عندها شعر ببعض الراحة الخادعة، شعر بفراغ روحه يتراجع وهو يتأمل صور الوزيرة في صحفه الرسمية، لا يبدي إعجابه بهذا التزييف المتقن بل تستغرقه الأكذوبة، فيبدأ يشعر بأعراض خريفها تتسرب في أروقة القصر، متجاهلاً حقيقة الجفاف الذي يتسرب حتى إلى روحه. عندها رأى أنه ليس هو وحده بل الوطن كله بحاجة إلى جرعة من الصخب، من أجل بداية عهد جديد، فاستجاب لاقتراحات معاونيه بإقامة احتفالات الثورة على نسق تاريخي يحقق الحلم الذي رآه الشيخ الحسين الضرير الذي أهداه العصا الحافظة من الموت، فقد رآه الشيخ حسب رواية معاونيه وهو متوج على إيقاع نحاس الشبالنكيت في هيئة لم يكن ينقصه فيها سوى الطاقية أم قرنين ليبدو شبيهاً بالسلطان بادي أبو شلوخ، وكان يجلس على كرسي الككر الذي كان يجلس عليه ملوك السلطنة الزرقاء، ومن أجل الاحتفال تمت صناعة ككر من خشب الأبنوس المطعم بالعاج بعد أن تعذر الحصول على الككر الذي صنعه الشيخ تاج الدين البهاري. جلس السيد الرئيس على الككر وفي يده سوط من العنج يضرب به نحاس المنصورة الذي كان يخص ملوك الفور، وسط الصخب الذي أثارته فرقة الفنون الشعبية ووسط الضجة المعدنية التي تكاد تقتلع الآذان التي أثارتها فرقة سلاح الموسيقى بضرب نقارة النحاس المزينة بالذهب التي زعم أنها كانت تخص السلطان عبد القادر بن أونسة والتي أهداها له ملك الحبشة سوسينوس. كان السيد الرئيس يجلس على الككر باتجاه القبلة حسب عادة ملوك سنار يرقب الاستعراض الضخم المصاحب باستعراض عسكري واستعراض جوي، وفي عصر نفس اليوم شاهد مهرجان الفروسية وشاهد في المسرح القومي مساء نفس اليوم افتتاح مهرجان الثقافة والفنون الذي استمر ثلاثة أيام دون توقف، ووزعت أوراق إعلانات برامجه على الشوارع والميادين ليتسنى للوطن كله أن يغرق في الفرح الذي دفع تكلفته بسخاء الأخ وزير المالية الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي، الذي لولا هروبه من الوطن بعد عامين من احتلاله لوزارة المالية ( لكنا اضطررنا لبيع ملابسنا من أجل تسديد الديون التي تراكمت على الوطن ) كما أعلن السيد الرئيس . الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي الذي باع عدة كيلومترات من صحراء بيوضة لشركات أجنبية لتدفن فيها النفايات الذرية، والذي باع مشروعات التنمية لشركات أجنبية، فشاهد الجميع منتجات تلك المشروعات تباع للمرة الأولى في الأسواق مغلفةً في علب أنيقة وقد كتب عليها باللغة الإنجليزية made in Sudan ، الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي الذي اشترى للجيش ستة طائرات هليوكوبتر، وصفها في اجتماع مجلس الوزراء بأنها صفقة العصر، زاعماً أنها صنعت في الولايات المتحدة،إلا أنه اشتراها بسعر رخيص من تاجر سلاح عربي، وبعد هروبه اكتشفوا أن الطائرات تم تصنيعها في المنطقة الصناعية بالخرطوم من الصاج المستخدم لصناعة أبواب المنازل وصهاريج المياه ومن البراميل الفارغة، وبدلاً من محركات الطائرات ركبت لها ماكينات ديزل ماركة بلاك ستون قوة 47 حصان من التي تستخدم لسحب المياه في المشروعات الزراعية شمال الوطن، وركبت لبعضها ماكينات بستميان التي تستخدم في عربات الكومر القديمة. وقد رآه بعض الشهود وهو يتعجل عمال التجميع ليفرغوا من عملهم، ويساعدهم بنفسه في طلاء هيكل الطائرات، واستخدم بنفسه مطرقة ضخمةً كان يحاول بها إصلاح الاعوجاج في هياكل الطائرات التي لم ترتفع عن الأرض سوى ثلاثين متراً سقطت بعدها وتحطمت وكانت حصيلة القتلى ستة عشر جندياً من القوات الخاصة، وكان يستخدم حوله جيشاً من الفتيات سكرتيرات له ويدفع لهن دون حساب حوافز لا تنتهي بمناسبة عيد الحصاد وعيد الوحدة وأعياد الوطن اليومية الأخرى التي لا حصر لها، وفي اجتماعات مجلس الوزراء كان هو الوحيد الذي يجرؤ على الحضور متأخراً وكان يخلد فور دمعقولة بسه للنوم، كان يحضر محاطاً بجيش سكرتيراته اللائى يحملن مجموعة ضخمة من مستندات إنتعاش مزعوم في الاقتصاد الوطني، ويعلن قبل أن يجلس في مقعده ويخلد للنوم: نحن دائماً مستعدون. لكن لا أحد يكلف نفسه محاولة فحص هذه المستندات، كان يمدد قدميه في مقعد وزير الرعاية الاجتماعية الغائب ويستسلم للنوم، لأنه لا يخلد للنوم طوال الليل ويظل يتنقل من حفل إلى حفل حتى تشرق الشمس، ويصادق على كل طلبات القصر دون تردد حتى أن السيد الرئيس يقول: ألا يوجد حل وسط .. في عهد المرحوم الدكتور عز الدين الزين نموت من الجوع وفي عهد حاج الأمين حسن ساتي نموت من التخمة! . كان الأخ الوزير مستعداً ليدفع بسخاء لكل من يرغب في المال، يقول لا تبالي سيدي الرئيس مطبعة النقود الجديدة تعمل ليلاً ونهاراً مثل الكلب، وحتى عندما نفد الورق المخصص لطباعة النقود، طبعناها في أوراق كراسات المدارس وفي ورق الصحف. وفجأةً ذات صباح استيقظ أثناء اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي أثناء مناقشة صاخبة بسبب إضراب عمال السكك الحديدية، سحب حقيبة أوراقه واستأذن بسبب ارتباطه بميعاد مع مندوب صندوق النقد الدولي ولأنه سيغادر الوطن مساءً لإكمال مباحثاته مع الصندوق من أجل الحصول على قرض جديد لإعادة تأهيل السكك الحديدية. في المساء استقل الطائرة إلى لندن ولدى وصوله عقد مؤتمراً صحفياً أعلن فيه أنه قدم طلباً للجوء السياسي للمملكة المتحدة، وشرح الأسباب التي حملته علي اتخاذ قراره، بسبب انتهاكات النظام المعلنة لحقوق الإنسان، وبسبب الفساد المستشري في الإدارات الحكومية والذي منعه من تنفيذ كل الخطط التي حاول تطبيقها لإنقاذ الاقتصاد المنهار. فصل جديد بتول بت عثمان حاج أحمد خرجت صباحاً لتجمع الحطب من أجل إعداد طعام الفطور، تركت أمها في الفراش بعد أن أعدت لها مغلي الحرجل والعرديب لعلاج الحمى وعصبت لها رأسها بشريط من القماش لتخفيف الصداع. رأت سليمان حاج علي الأعرج واقفاً في مكانه المعتاد في انتظار حضورها، لم تلق بالاً لعشاق الساعة السابعة والنصف الذين يخلدون للنوم واقفين متكئين على جذوع أشجار السنط، يكتفون بتنسم رائحة عطرها، لم تهتم بسليمان حاج علي الأعرج الذي حاول مساعدتها في جمع جريد النخيل الجاف، لم تكترث له حتى بعد أن قال لها: " أنا عرفت الكتل أبوك " فهي لا تذكر عن والدها شيئاً فقد كان عمرها أربعة أعوام حينما غادر البيت في المرة الأخيرة، لم تره بعد ذلك أبداً ولم تبق في ذاكرتها سوى صورة غائمة لرجل طويل القامة يرتدي ملابس عسكرية وهو يلوح بيده في ظهيرة نائية يغرد فيها القمري. لم تره بعد ذلك، رأت أمها تلبس ثياباً بيضاء وتقبع في البيت لعدة أشهر ثم تستبدلها بعد فترة بملابس سوداء ظلت عليها بضعة أعوام، ثم رأتها ذات يوم بعد سنوات من غيابه تعلق صورته في صالة البيت بعد أن خلعت ملابسها السوداء واستأنفت حياتها، بتول اعتقدت آنذاك أن أمها علقت صورة والدها ليتسنى له رؤية دموعها كل صباح حينما تستيقظ وتكتشف استمرار غيابه دون أن تلاحظ أن أمها علقت صورته حتى لا تنساه في دوامة مصاعبها اليومية . لم تهتم بكلام سليمان حاج علي الأعرج، حسبته يحاول التقرب منها بإحدى أكاذيبه اليومية، لكن سليمان حاج علي أشار إلى هيكل ضخم كان يعبر في تلك اللحظة وقال لها ( أهو ده الكتل أبوك ! ) . عندها رأته للمرة الأولى في ضوء الصباح المتسرب بين أغصان الجميز، رأته للمرة الأولى، ففي المرة التي تسمرت فيها لدى مروره، لم تر سوى شحنة الموت الخارقة في بريق عينيه . عندها رأت العجوز الغارق في وحدة نهائية دون أمل، دهشت أن شخصاً مثله لا حول له ولا قوة استطاع يوماً أن يمتلك إرادة القتل، حاولت أن تكرهه فلم تجد مبرراً لذلك، ذلك أنه عبر من أمامها مثل جذع شجرة ميتة، دون ومضة واحدة تفيد بأنه على قيد الحياة سوى رسم قدمه الضخمة مثل قدم فيل. حينما عادت إلى البيت ألقت بحزمة جريد النخيل الجاف أرضاً ثم أعدت عجين " القراصة "، خلطت دقيق القمح بالماء وقليل من الملح ثم أشعلت النار أسفل ( الدوكة )، استخدمت قليلاً من الزيت لمسح الدوكة، ثم صبت فوقها العجين، لبثت تراقب فقاعات الهواء تنطلق من العجين قبل أن تقول دون اهتمام : الليلة أنا شفت الكتل أبوي يمة !. أجفلت المرأة المريضة وهبت واقفة على قدميها رغم الحمى التي كانت تدب مثل النمل في مفاصلها، فتحت باب البيت فرأته يعبر من على البعد فيما الصبية يتبعونه، ورغم إنهاك الحمى إلا أنها تعرفت على وجهه الخالي من أي تعبير، عرفت أنه فراغ الروح. فراغ الروح الذي فشل في السيطرة عليه في كل عصور الجفاف، رغم كل مهرجانات الطرب التي كان يرعاها الأخ حاج الأمين حسن ساتي وزير المالية الذي كان السيد الرئيس يطلق عليه لقب: صديقي الحاج الأمين، لأنه كان وزير المالية الوحيد الذي لا يتحدث عن الديون مطلقاً، يقول : هراء سيدي الرئيس، لا تصدق مزاعم أعداء الثورة، لا توجد أية ديون علي الوطن، أتحدى من يستطيع أن يثبت أنه يريد منا مليماً واحداً، لا تحمل هماً سيدي الرئيس، الوطن كله ما عدا قلبكم يعمل سيدي الرئيس، ويقنعه ليخرجا سوياً ليشاركا في حفل نهاري في حدائق الإذاعة . كان يقول : لا توجد أية ديون، وماذا نفعل حتى نغرق في الديون، نأكل الويكة التي ننتجها والقراصة سيدي الرئيس، نأكل الكول والملوحة ونلبس الدمورية القنجة التي تغزل في شندي وننتعل المراكيب الفاشرية، نتعالج بالقرض والحلبة، فما الذي يغرقنا في الديون . ولدى هروبه اكتشفوا أنه باع كل شئ، وأن تجاراً أجانب ظلوا يقدمون كل يوم إقرارات أمانة تثبت أنهم اشتروا أجزاءً من الوطن، وحتى كرسي الككر المصنوع من خشب الأبنوس المطعم بالعاج الذي جلس عليه السيد الرئيس يوم إعادة تتويجه بمناسبة احتفالات عيد الثورة، اكتشفوا أنه كان مباعاً لسائح إنجليزي. تفاقم فراغ روحه في تلك الفترة التي مضى يملي فيها على محرري الصحيفة الرسمية بنفسه التصريحات الوهمية لوزيرة الرعاية الاجتماعية، لا لأنه كان يرغب في خداع الشعب، بل لخداع نفسه، لأنه استسلم كلياً في تلك الفترة لسحر الأكاذيب، حتى أنه لم يكن يصدق فقط تصريحات وزيرة الرعاية الاجتماعية التي تنشر في الصحيفة الرسمية مع صورتها، بل كان يصدق حتى تصريحات وزراء حكومته في الصفحات الداخلية. يصدق صور المصانع التي تعمل والمحصولات الزراعية التي تحصد، ويصدق التصريحات التي تؤكد: استتباب الأمن وانشغال المواطنين بالإنتاج. استرخى تماماً داخل العالم الوهمي الذي كان يشرف على إنشائه شخصياً حتى شعر بأطراف جسمه تذوب في مستنقع سعادته السماعية، ولم يوقظه سوى هدير مظاهرة صاخبة عبرت وسط الوطن. استيقظ مرتبكاً ونفض عن أذنيه غبار الوهم قبل أن يوجههما باتجاه المظاهرة حتى لا تنطلي عليه أكاذيب رجال أمنه، دهش لأن المتظاهرين لم يكونوا يطالبون بالخبز رغم شحه، ولا بالسكر رغم ارتفاع أسعاره، بل كانوا يطالبون برأسه شخصياً، كان هتافهم واضحاً ومؤكداً حتى أنه تحسس رأسه الضخم فوق كتفيه ليتأكد من أنه كان لا يزال موجوداً. يطالبون بالحرية، ورغم أنه لم ير المظاهرة، إلا أنه شعر بهديرها يهز الوطن كله، ورعم ذلك أتت تقارير جهاز أمنه مخالفه: كانت مظاهرة هزيلة سيدي الرئيس، قادها بعض الطلاب هم الآن رهن الاعتقال، وانضم لهم بعض الشماسة الذين يقطنون داخل المجاري، وقد فشلت المظاهرة في استقطاب أي مواطن سيدي الرئيس، ولم يقدم لها المواطنون أي دعم سوى أنهم كانوا يخلون لها الطرقات ويهربون بعرباتهم خوفاً من تحطيمها بالحجارة. يستمع إلى التقرير اليومي للعقيد مصطفى سراج الدين الذي أتى بفكرة تفريغ العاصمة القومية من الشماسة و المتعطلين، ولم يدر أحد في النهاية إن كان يريد تفريغ العاصمة من المشردين والنازحين من مناطق الجفاف والحرب الأهلية أم كان يرمي إلى تفريع الوطن كله. فقد كانت عربات النقل الضخمة تحمل كل من تيسر إلقاء القبض عليه لأنه لا يحمل بطاقة هوية، أثناء المداهمات المفاجئة في الشوارع والأسواق ولا تتركهم إلا خارج حدود الوطن، فبفضل مجهودات العقيد مصطفى سراج الدين أصبحت العاصمة فارغة حتى من أهلها، وتيسر الاستمتاع بغروب الشمس في شارع النيل، بعيداً عن العشاق الذين طردوا خارج الوطن، العشاق الذين كانوا يرددون نفس كلمات الحب الجوفاء حتى بعد أن أصبحت الحياة نفسها لا تطاق، ويحلمون بصوت مرتفع دون أدنى رصيد لا من الحب، بل من الذكريات، ودون حتى أدنى رغبة لتقديم تضحيات صغيرة خارج حدود أحلام اليقظة. وتيسر المشي دون قيود في شارع الجمهورية، بعد أن اختفى باعة كل شئ الذين يفترشون الأرض، وفي شارع المك نمر وفي شارع القصر حيث اختفت النسوة اللائى يبعن سندوتشات الفول والطعمية والبيض المسلوق لرواد سينما كلوزيوم، وخلا الوطن حتى من المرضى، لأن الجميع لاذوا بالفرار حتى المرضى نسوا أمراضهم المستوطنة التي كانت تعوقهم عن الحركة، نسوها في حمى المطاردات غير المتوقعة، ولاذوا بالفرار، وتحقق للمرة الأولى شعار الثورة القديم: الانفتاح على الريف، رغم أن الهاربين الذين أصابهم الهلع، لم يتوقفوا حتى في الريف نفسه، وواصلوا هروبهم، وحتى أهل الريف أنفسهم، اندفعوا يجرون حينما شاهدوا الوطن كله يركض. وهو يشعر بتفاقم فراغ روحه الذي لا يخفف من أواره ولا حتى ضجة الأقدام التي كانت تهرب من الوطن، يجلس ليحصي عدد السنوات على أصابعه ليتأكد من أنه بالفعل: مرت ثمانية أعوام على إعلان قرار تعيين الدكتورة صفاء عثمان محمد صالح وزيرةً للرعاية الاجتماعية خلفاً للمرحوم والدها الذي توفي أثناء تأدية واجبه، لا يؤرقه مرور هذه السنوات الطويلة بقدر ما تدهشه مقدرة هذه الفتاة على مقاومة إغراء فخ السلطة. في اليوم التالي أعلن وزير الداخلية في مؤتمر صحفي، أن مجموعة مسلحة قامت باختطاف الدكتورة صفاء وزيرة الرعاية الاجتماعية أثناء توجهها للقصر لحضور اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، وأن كل قوات الأمن والشرطة قد أستنفرت لتعقب الجناة. ومع البيان الذي نشر في الصحيفة الرسمية، نشرت صورة السيدة الوزيرة مع نداء إلى كل المواطنين ليتعاونوا مع أجهزة الأمن من أجل العثور عليها، بالتبليغ الفوري عنها إذا شوهدت في أي مكان . وفي نفس اليوم شنت أجهزة الأمن بحثاً شمل العاصمة كلها، تم تفتيش المنازل دون جدوى، وكانت تقارير الفشل في العثور عليها تصله تباعاً وأولاً بأول: لم نعثر لها على أثر في ضاحية الحاج يوسف سيدي الرئيس . لم نعثر لها على أثر في ضاحية أركويت، لا أثر لها في منطقة الصحافة سيدي الرئيس . فيما يشعر هو بانهيار مقاومته أمام تيار فراغ روحه الجارف، حتى أنه للمرة الأولى منذ مقتل الدكتور عز الدين الزين وزير المالية الأسبق الذي كان السيد الرئيس يذكره دائماً بعبارة: لقد علمنا الاقتصاد في كل شئ وكان يذكر دائماً قصص بخله الرسمي وأنه حتى في أثناء الحفلات الرسمية كان لا يزعجه شئ مثل منظر شخص يلتهم الطعام حتى أنه يحكي أنه انتزع فخذ دجاجة من فم أحد رجال الأعمال أثناء مأدبة رسمية قائلاً له بجدية:هل تعطينا ثمن القطن بالشمال لتستعيده باليمين!وكان يعلن دائماً أن المعدة غير مهيأة وظيفياً من أجل هضم اللحم الذي ينحيه جانباً كلما جلس ليتناول الطعام أثناء اجتماعات مجلس الوزراء والحفلات الرسمية ويعلق قائلاً: هذا طعام الحيوانات المفترسة!، وكان يوصي دائماً بشرب الماء قبل وأثناء الأكل لكبح جماح الشهية. للمرة الأولى منذ وفاة الدكتور عز الدين الزين وزير المالية الراحل، استعاد رغبته الأزلية في العراك مع اكتسابه لعادة أخرى أكثر هدوءاً: النوم أثناء اجتماعات مجلس الوزراء، العادة التي بذرها فيه حاج الأمين حسن ساتي وزير المالية الأسبق الذي باع الوطن بالتقسيط المريح ولم يترك خلفه شيئاً بعد هروبه سوى عشرة جوالات مليئة بالنقود المزورة، كان ينوي بها رشوة عمال السكة الحديد المضربين. استيقظ في اللحظة التي كان يتأهب فيها الوزراء لمغادرة المكان، بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء، نظر حواليه بحقد وانهال بلكماته الصاعقة عليهم، بدأ بوزير المالية الجديد الدكتور عبد المجيد عبد الرحمن فأطاح به أرضاً، ثم غادر المكان، وفي المساء تلقى التقرير الأسوأ من العقيد مصطفى سراج الدين : سيدي الرئيس، الأمن مستتب، لكن الفاصل المداري تراجع، بعد أمطار يوم الثلاثاء الرابع من مايو والتي اعتقدنا أنها مقدمة لخريف مبشر هذا العام، لكنها لم تخلف شيئاً سوى مستنقعات البعوض فانتشرت الملاريا في الوطن بصورة وبائية، وانتشرت الأوبئة في كل مكان، حتى الأبقار أصيبت بالالتهاب الرئوي البلوري والحمى الفحمية، والحمير والخيول أصيبت بمرض النجمة، والكلاب والثعالب والقطط أصيبت بداء الكلب، والدواجن أصيبت بمرض النيوكاسل، وتشكيلات الجراد قضت على الكميات القليلة التي نمت من محصول الذرة. شعر بنفسه واقعاً في مصيدة لا فكاك منها، بحث حوله عن شخص يصلح ليلعب دور متآمر، ليفرغ فيه شحنة غضبه، فلم يعثر إلا على الأخ وزير الصحة الذي ساقه حظه السيئ للقاء السيد الرئيس في ساعة نحسه، واجهه والغضب يتطاير من عينيه: الوطن كله مريض وأنت الوحيد الذي لا يشكو شيئاً، ما الذي تسرقه حتى انتفخ جسمك مثل العجل، ذهل الدكتور الفاتح عبد الرحيم من ضراوة الاستقبال وتراجع على أعقابه حتى غادر المكان وفي نشرة الساعة الثالثة سمع نبأ إقالته . أصدر أمراً جمهورياً بأن يتولى هو شخصياً وزارة الصحة، وبدأ عمله بتفقد مرضى الملاريا، وساهم بنفسه في توزيع حبوب عقار الكلوروكوين على المواطنين في الشوارع، عشر حبات للوقاية من الملاريا، بمعدل حبتين كل يوم لمدة خمسة أيام. وشارك مع الأطباء البيطريين في تطعيم الأبقار ضد مرض الالتهاب الرئوي البلوري وتطعيم الدواجن ضد مرض النيوكاسل وحقن الدجاجات المريضة بزهري الطيور بالزرنيخ وقاد بنفسه حملةً قومية للقضاء على الكلاب المسعورة على امتداد الوطن. وبعد أسابيع من العمل الشاق بدأت الأحوال تتحسن وبدأت الأوبئة تنحسر، استمع بأعصاب هادئة إلى تقارير رجال أمنه: وتحسن موقف الخريف سيدي الرئيس، والجراد طاردناه بطائرات الرش حتى غادر حدود الوطن!. كانت الأخبار طيبة حتى اعتقد أنهم سيكملون: وعثرنا على الدكتورة صفاء وزيرة الرعاية الاجتماعية وهي على وشك أن تغادر الوطن على ظهر سنبوك من مرفأ خليج فلامنقو على ساحل البحر الأحمر متجهةً إلى الأراضي المقدسة. لكن أحداً لم يجرؤ على ذكر اسمها، لا خوفاً من إثارة غضبه، بل أشواقه، ورغم شعوره بتحسن موقف فراغ ذاكرته، وأنه لم يعد يجد مصاعب تذكر في التعرف على أسماء معاونيه، وعلى أماكن أشيائه الشخصية التي يحفظها في مكان ما ثم ينساها، إلا أنه لاحظ وجود مخطط مواز لإفراغ ذاكرته، كان يدبر بهدوء من حوله، لاحظ أن مقعد وزيرة الرعاية الاجتماعية الشاغر قد سحب من اجتماعات مجلس الوزراء وجلس مكانها وزير الخارجية الأنيق تفوح منه رائحة عطر أراميس، وحتى صوت الطلق الناري الذي دوى في القصر وأردى المرحوم الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية الأسبق قتيلاً، بدأ صوته يتلاشى في دوامة هائلة من ضوضاء غناء عصافير بدا له مفتعلاً، مفتقداً للتناغم الموسمي الطبيعي، وشاهد حتى لافتات التأييد التي يحملها المنافقون للترحيب به لدى دمعقولة بسه إلى حزب الوطن بيضاء دون أي كتابة عليها، ولاحظ أنه يلتقي أثناء اجتماعاته التي يرتبها القصر مع ممثلي النقابات والفعاليات الشعبية، لاحظ أنه يلتقي أشخاصاً باهتي الوجوه، دون هوية، يصعب تذكرهم مرةً أخرى حتى أثناء وجودهم، حتى أنه شعر بعد بضعة اجتماعات أنه عاد يكتسب مقدرة عدم التمييز بين الناس، لأن سحنات كل من يلتق بهم كانت متشابهة، ولا تبدأ ملامح الوجوه تدب فيها الحياة من حوله، إلا بحلول المساء، مع مهرجانات الفرح الصاخبة التي انتظمت الوطن والتي لم يلاحظ أبداً أنها كانت تستهدف مسح ذاكرته. أبقى إحدى أذنيه مفتوحة لتلتقط حتى همس معاونيه، وأسلم قلبه للطرب، كانت مغنية بدينة مثل المدفع تغني أغاني البنات، وتعزف لها الفرقة الموسيقية، فيما تتمايل الراقصات الأثيوبيات في ليلة ذكرته بليالي الوزير الهارب حاج الأمين حسن ساتي الذي باع الوطن بالتقسيط المريح، وباع محصول القطن قبل جنيه، ومحصول الصمغ العربي قبل جمعه، وباع حتى الأبقار المصابة بمرض الجفار المملوكة لشركات تتبع للدولة، وباع أشجار المهوقني و البودو. يستمع إلى المغنية البدينة تغني أغنيات جافة لا تتناسب مع بدانتها المفرطة، التي رجح أن تكون أصابتها نتيجة مرض، لا نتيجة رخاء في وطن يتراجع فيه الفاصل المداري كل يوم جنوباً، وحينما يتقدم الفاصل المداري شمالاً، يتقدم الجراد جنوباً !، إستمع لصوتها الذي بدا كأنه لا يصدر عنها : " أنا ما بدور المزارعية .. بدور البركب العربية ! " . فشعر فجأةً أنه ينسى الدكتورة صفاء في خضم هذا الانحدار الفني، شعر بأنها تتلاشى من ذاكرته كأن لم تكن، لدرجة أنه بدأ ينقب في ذاكرته عن صورتها، ليتأكد من أنه رآها بالفعل يوماً ما، وأنها كانت تجلس في إحدى غرف القصر في الأيام الخوالي، تؤدي عملها بانضباط عسكري، تاركةً الخريف يتسرب منها مع رائحة عطرها . بدأ يبحث عنها في ذاكرته، ليتأكد من أنه رآها بالفعل يوماً ما، وأنها لم تكن إحدى ألاعيب الوزير حاج الأمين حسن ساتي، بحث عنها بين صفوف الموتى الذين رآهم يقفون في طوابير طويلة في عتمة الذاكرة بنفس هيئتهم لحظة إطلاق الرصاص عليهم، تعرف على بعضهم ولم يتعرف على أكثرهم. بحث بينهم عن الدكتورة صفاء فلم يعثر لها على أثر، وفجأة رأى وجهاً يكرهه وانتبه إلى أنه يراه في جهاز التلفزيون لا في الذاكرة، كان وجه مذيع ذائع الصيت يقدم سهرةً على الهواء من حدائق التلفزيون، وللمرة الأولى اكتشف حقده الشخصي عليه حينما قربت الكاميرا وجه المذيع، حتى لم يعد هناك أي حاجز بينه وبين العيون الذئبية التي تنطوي على وقاحة يغلفها بإدعاء التهذيب، والعمامة الضخمة التي تخفي رأسه الأصلع، والأنف الشبيه بأنف شمبانزي، أغلق جهاز التلفزيون وغادر البيت على عجل دون حراسة. توقف أمام حدائق التلفزيون واقتحم المكان، كان المذيع يواصل تقديم فقرات برنامجه حينما تقدم منه ولكمه على الهواء لكمةً دوت في أرجاء الوطن، وتركه طريحاً بين المقاعد وكومة الأحذية والساعات والحلي الذهبية التي خلفها حضور البرنامج، لكمةً دوت في أرجاء الوطن حتى أن العمدة خالد بدر الدين المزارع في جزيرة نائية في شمال الوطن، وكان قد ترك جهاز التلفزيون الصغير الذي يعمل بالبطارية والذي أرسله له شقيقه الذي يعمل في المملكة العربية السعودية ليراقب فيضان نهر النيل، عاد ليكتشف أن الجهاز كان ملقىً أرضاً من فرط قوة اللكمة التي دوت في أرجاء الوطن كله. في اليوم التالي ظهر في جهاز التلفزيون ليعلن أن الثورة ستضرب بيد من حديد كل من يحاول تعويق مسيرتها، وكان بيانه بمناسبة إضراب عمال السكة الحديد في مدينة عطبرة الذي شل حركة نقل الوقود والبضائع في الوطن كله. وللمرة الأولى منذ سنوات شاهد الناس وجهه في جهاز التلفزيون، فبسبب الإجراءات التقشفية التي تبناها الدكتور عز الدين الزين وزير المالية الراحل، توقفت الاحتفالات في الوطن حتى أن الناس نسوا صخب أعياد الثورة والاستقلال والوحدة، أما في عهد الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي فقد تبدلت الأحوال، كان شعاره الأوحد : نحن نقفز فوق البيروقراطية، وظل يقفز حتى قفز في النهاية خارج الوطن، كان يصرف لكل من يطلب مالاً على الفور ومن جيبه دون الالتزام بروتين تقديم طلبات أو الحصول على إمضاءات وكان يقول: هذه الإجراءات البيروقراطية هي الشيء الوحيد الذي ورثناه عن الاستعمار الإنجليزي، لم نرث منهم انضباطهم في العمل ولا انضباطهم في الالتزام بالمواعيد . وفي اجتماعات مجلس الوزراء كان يبدأ الاجتماع –قبل أن يخلد للنوم – بإفراغ ما في جيبه من الأشياء التي يشتريها للسيد الرئيس، فيبدأ في استعراضها غير عابئ بالوزراء المنتظرين بدء الاجتماع : هذه زجاجة عقار فولتارين إنه ممتاز لعلاج الروماتيزم، وهذه زجاجة فيتامينات مقوية، وهذا دواء لخفض حمض اليوريك في البول ولكن المهم ألا تأكل الحمام، وأن تقلل من أكل اللحوم الحمراء. ثم يعرض عليه سلسلة الكتب الملونة الأنيقة التي كانت تصدر عن حزب الوطن تبين إنجازات الثورة في كل المجالات، ويسلمه نسخة من الكتاب الأول في السلسلة والذي خصص لنفي الإشاعة التي روجها الشيوعيون بأن السيد الرئيس حينما قبل في الكلية الحربية لم تكن معه من الشهادات سوى شهادة الجنسية، فأثبت الكتاب بالوثائق وبشهادات بعض المعلمين المتقاعدين أن السيد الرئيس حينما قبل في الكلية تم استثناءه من كل شروط الدمعقولة بس بسبب تفوقه في الشهادة الثانوية، ولأنه أحرز في اللغة الإنجليزية درجة لم يحرزها أي طالب من قبله. طمأنه الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي حينما وجده منزعجاً بسبب إضراب عمال السكة الحديد: لا تنزعج سيدي الرئيس، لا توجد معضلة في هذا العالم لا يمكن حلها بالمال، وأشرف بنفسه على مطبعة النقود التي ظلت تعمل طوال الليل حتى التهمت كل كمية الورق المتوفرة لطباعة النقود، وفي الصباح شحنت عشرة جوالات من النقود وهي لا تزال ساخنة في الطائرة العسكرية التي أقلت الأخ الوزير إلى مدينة عطبرة، الأخ الوزير الذي عاد بخفي حنين، ليعلن: ما يطلبونه ليس متوفراً عندي سيدي الرئيس، إذ أنهم يطلبون الحرية، يطالبون بعودة النظام الديموقراطي . يتضورون جوعاً سيدي الرئيس، ويسكنون في أكواخ من القش، يأكلون شيئاً شبيهاً بالغائط، ورغم ذلك يطالبون بالحرية، عودة الحريات العامة وإلغاء قانون الاعتقال التحفظي. ورغم صخب الاجتماع أخلد الأستاذ حاج الأمين حسن ساتي للنوم، وقبل أن يخلد للنوم أخرج من حقيبته مسحوقاً أصفر في مظروف من ورق شفاف وقدمه للسيد الرئيس: هذا مسحوق الحنظل سيدي الرئيس لعلاج النقرس، تصنع منه لبخة توضع فوق المفاصل. أصدر السيد الرئيس قراراً في ختام جلسة مجلس الوزراء التي انسحب منها الوزير حاج الأمين حسن ساتي متعذراً بمهام يتعين عليه إنجازها لأنه مسافر في مساء نفس اليوم، أصدر السيد الرئيس قراره بأن يخلي عمال السكة الحديد منازلهم الحكومية ويفصلوا من العمل خلال ثلاثة أيام إذا لم يعودوا للعمل، ثم قام بتكليف العقيد مصطفى سراج الدين بالسفر إلى عطبرة لمتابعة الموقف. ومنذ لحظة وصوله بدأت تقاريره تصل عن طريق الهاتف: وجدنا الموقف متأزماً سيدي الرئيس واضطررنا للاستعانة بالجيش لمحاولة تهدئة الموقف، وجدنا الإضراب محكماً للغاية حتى أننا فشلنا في تحديد قادته، وكلما القينا القبض على مجموعة تحل محلها بنفس السرعة مجموعة أخرى أكثر قدرةً على إدارة العصيان، حتى امتلأت السجون سيدي الرئيس، ولم نجد بداً من إطلاق سراح اللصوص والمجرمين وإخلاء السجون من أجل إفراغ أماكن لقادة العصيان المدني، ورغم ذلك لا يزال الإضراب مستمراً، فاستعنا بجنود من الجيش لتحريك القطارات التي بدأت تصدأ، لنقل البضائع المكدسة في ميناء بورت سودان، ونقل الوقود إلى مختلف أرجاء الوطن.
  14. الفصل الثامن بدت له الظاهرة في النهاية جديرة بالاستنكار بسبب ما فيها من امتهان لكرامة الإنسان، لأنه بدا واثقا من انهما كانا لا يأكلان طوال اليوم ولا يقضيا حاجتهما، تسلم السيد الوزير وزارته من المستشار الذي بادره : هذه وزارتكم سيدي الوزير، ثلاثة مكاتب وبهو صغير ودورة مياه، سحب السيد الوزير نفسا طويلا، خليط من رائحة الطلاء ورائحة مطهر الديتول قبل أن يسأل : وأين الموظفين ؟ فجاءه الرد : سوف نعتمد عليك يا سيدي في تعيين كل موظفي وزارتك، وربما كان من الأفضل أن تبدأ بتعيين سكرتيرة لتنظم المواعيد، ويفضل أن تكون من أقربائك ، ابنتك مثلا، لأنها معتادة علي كل عادات سيادتكم . في اليوم التالي جاءت صفاء، صفاء عثمان محمد صالح، الدكتورة صفاء كما سوف يطلق عليها السيد الرئيس، كريمة الوزير وسكرتيرته الخاصة، جاءت صفاء تسير بثقة وبنفس طريقتها في وضع قطع أثاث البيت، بنفس طريقة تنسيق زهورها، كل شئ ينبض في مكانه وفق إيقاعه الخاص، كل الأشياء تعمل وفق أبعاد ثلاثية لحركة ساكنة، واثقة ومنظمة . في اللحظة التي خطت إلى داخل القصر تبدل الجو الداخلي مع هبة ريح غير منظورة، حملت إلى داخل القصر عبق رياحين خريف منسي، تفتح نبات صباح الخير فجأة عن زهور جديدة، وبدأت الضفادع النائمة في بياتها الشتوي تغني وظهرت تشكيلات من طيور الرهو والسمان المهاجرة، وبدأت تنمو في حديقة القصر نبتة السيكران التي تنمو في الخريف، واجتاح المكان كله شعور خارق بالخريف رغم الجفاف المخيم في الخارج. عندها فقط شعر بفراغه الداخلي يبدأ في التلاشي، حينما اكتشف أن خريف الفتاة الخاص داخل القصر كان يخفف من ضراوة الجفاف الذي يضرب الوطن كله، يتظاهر وكأنه يقرأ تقارير الانهيار الاقتصادي وهو يرخي أذنيه مستمعا لتقارير رجال أمنه وفجأة أزاح الأوراق جانبا وقال : ولكن المشكلة تكمن في خطيبها، ثم قام بتغيير موضوع كلامه ليسأل عن احد مستشاريه الذي لم يظهر في القصر منذ عدة أيام، قالها مرة واحدة : ولكن المشكلة تكمن في خطيبها وتعمد أن يبدو ساهما وهو يعلن ذلك، فتم اعتقاله في نفس اليوم : وجدنا في مكتبه سيدي الرئيس مطبعة رونيو صغيرة وكمية من منشورات الحزب الشيوعي، تحض المواطنين علي الثورة علي النظام القائم . يتظاهر بأنه مستغرق في قراءة التقارير فيما هو غارق حتى أذنيه في وهم الحب، يقرأ السطر عشر مرات دون أن يفهم شيئا، يشعر بجسده الضخم يتلاشي في مظاهرة الخريف المخيم داخل القصر، فيسترد بعض نشاطه الغابر، يبدأ يومه مبكرا داخل القصر بشراب القهوة مع الأخ الوزير، رغم أنه يكتشف لدي دمعقولة بسه إلى مكتب الوزير انه يضع لافتة مكتوب عليها : لقد شربت القهوة، حتى لا ينسي ويشرب القهوة مرة أخرى بسبب إصابته بارتفاع ضغط الدم ومرض التهاب المصران . لكنه يستجيب لرغبة السيد الرئيس الذي يمازحه قائلا : نحن الموظفون إذا لم نشرب القهوة في مكاتبنا ..فماذا سنفعل ؟، يتجاهل تحذيرات ابنته من الإفراط في شراب القهوة، ويقول للسيد الرئيس : أنجزنا كل شئ، المكاتب جاهزة، اشترينا ثلاثة مقاعد ومنضدتين وستة منافض للسجائر، واشترينا ورقا ودفاتر وأقلاما، كما احضروا لنا قصارى من البلاستيك الأبيض من الأسواق الحرة لنغرس فيها النباتات الظلية، وقمنا بتعيين ثلاثة موظفين بعثهم لنا مكتب العمل، وسكرتيرة واحدة وساع واحد، واشترينا ساعة حائط وخزانة حديدية للأوراق، واحضروا لنا موكيت فرشناه علي أرضية المكاتب، واحضروا لنا أيضا أجهزة تكييف صحراوية . كل شئ اكتمل تماما، لكن بقيت مشكلة أخيرة، هي أننا لا نعرف ماذا يجب علينا أن نفعل بعد ذلك ؟!، واثناء حديثه كان ينسي أحيانا أن السيد الرئيس يجلس بجانبه، يبطئ في شرب القهوة حتى يطيل من جلوسه في المكان، يشعر بجسده الضخم يسترخي داخل البزة العسكرية الضخمة فيما يتحول جسده إلى ماء . ينسي أن السيد الرئيس جالس بجانبه، يغادر المكان دون مقدمات واضعا لافتة كتب عليها : أنا ذاهب إلى دورة المياه، ليعود بعد قليل واضعا علي صدره لافتة مكتوب عليها : أنا عائد إلى مكتبي، أحيانا كان يخطئ في حضرة السيد الرئيس ويضع لافتة مكتوب عليها : سوف اخلد قليلا للنوم، أو أرجو الامتناع عن الإزعاج، أو يضع خطأ لافتة مكتوب عليها : لم يحضر بائع اللبن اليوم، أو لافتة أخرى مكتوب عليها : اليوم لا نستقبل زوارا ! . ويبتسم السيد الرئيس، فما كان له أن يحتمل هذه الإهانات المكتوبة، لولا وجود هذه الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف، فيسلم جسده اكثر لمتعة الاسترخاء الكسول في وهج هذا الخريف الداخلي، دون أن تؤرقه احتمالات أن يؤدي الانهيار المفاجئ للقلب لإحداث شرخ خطير في جدار وقار صرامته . بل انه حدث ما هو أسوأ، ففي أحد الأيام كان السيد الرئيس يجلس بجانبه يقرأ الصحيفة الرسمية، فسمع الأخ وزير الرعاية الاجتماعية يخرج ريحا بصوت مرتفع من مؤخرته !، رفع رأسه ببطء من خلف الصحيفة حتى لا يشعره بأنه ابتلع الإهانة الرسمية فوجده يغط في النوم، تصوروا وزير يغط في النوم في حضرة رئيس الجمهورية ! لكن كل شئ يهون من اجل الفتاة التي تملك مفاتيح خريف خاص بها يحل دون الحاجة لفاصل مداري أو رياح تجارية جنوبية غربية . ترك والدها يغط في النوم واقتحم مكتبها، وجدها منهمكة في عملها، رفعت رأسها فرأته جاثما أمامها، يغلق ليس فقط كل منافذ الهواء، بل أيضا كل أبواب الحياة، اشتكي من رداءة الطقس، فاندهشت لقدرة هذا الجسد الضخم علي التأثر بالقيظ، لاحظت حبات العرق تغطي وجهه ويديه، سحب كرسيا والقي عليه جسده الضخم، وللوهلة الأولى لاحظ أن ضراوة خريفها توارت قليلا، عرف السبب حينما لاحظ ذيول الحزن في عينيها، وطوال عشر دقائق لبث صامتا ولم يتمكن من النطق ولا بحرف واحد، فيما انهمكت هي في عملها، تجاهلت وجوده تماما . سحب جسده بعد قليل وعاد إلى مكتب والدها فوجده لا يزال يغط في النوم، ولدي دمعقولة بس السيد الرئيس، استيقظ فجأة وقال مواصلا حديثه : بقيت مشكلة واحدة هي أننا لا نعلم ماذا ينبغي علينا عمله، ثم قام بتثبيت النظارة التي انزلقت في وجهه قبل أن يتذكر : شئ آخر سيدي الرئيس، أود سؤالك معروفا، لقد اختفي خطيب صفاء ابنتي منذ أربعة أيام أهله لا يعلمون عنه شيئا، وجدوا مكتبه مفتوحا بعد أن تأخر عن العودة إلى البيت حتى وقت متأخر من المساء، واكتشفوا في المكتب آثار عراك، الكتب واوراق القضايا مبعثرة أرضا ووجدوا ربطة عنقه وفردة من حذائه وبعض أزرار قميصه، لم يعثروا له علي اثر حتى بعد أن طافوا علي كل المستشفيات وكل أقسام البوليس . أجري السيد الرئيس اتصالا فوريا بوزير الداخلية أملاه الاسم : بهاء الدين عبد الرحيم، محام عمره ثلاثون عاما، ثم استجمع رباطة أوهامه ليعود يجلس أمامها، يشعر في حضرتها بنفس الشعور الذي كان يداهمه في حضرة المغفور له النقيب اكرم نور الدين أنه لا شئ، انه يتلاشي في لمح البصر بجسده الضخم، يشعر بأنه بحاجة إلى لافتة يحملها ويعلن فيها أنه موجود، لكي يثبت وجوده الضخم الذي يحجب حتى منافذ الضوء، يحاول أن يحادثها في موضوعات عادية، في تنسيق الزهور، في القراءة، يحاول أن يتذكر مطالعاته المرتبكة أيام مجلس قيادة الثورة، ليوهمها بأنه يعرف الكثير، لكنه يلاحظ أنها لا تكترث لوجوده، وأنها تعامله بنفس طريقة والدها والفرق الوحيد أنها لم تكن تخلد للنوم في وجوده، ولا ترفع لافتات تعلن فيها عن ضيقها من وجوده، رغم أنه كان يري ذلك واضحا في عينيها بعد أن اكتشف السيد المشير أن الموقع الذي حدده بناءً على الخريطة القديمة التي يحملها، كان أرضاً فضاءً ولا توجد ولا حتى آثار قديمة لبيت في المكان، عاد مرةً أخرى ليراجع الخريطة التي كانت على وشك أن تتفتت، ثم خطرت له فكرة أن يكون هناك خطأ في السهم الذي يشير إلى اتجاه الشمال، فقرر أن يجرب تغيير اتجاه سهم الشمال. وفي اللحظة التي كان يتهيأ فيها لإعادة حساباته بعد أن وجه سهم الشمال نحو الشرق، وصل الوفد الرسمي الذي يمثل أهل القرية يتقدمهم الزين ود حاج النور رئيس اللجنة الشعبية، واكتشفوا بذهول أن السيد المشير كان لا يزال يبحث عن بيته. لم يكترث هو بهذه الجمهرة ومضى في عمله يفحص الأحجار والأشجار في الموقع مجرداً من خواء الروح الذي نغص عليه حياته في الزمن الغابر، دون أن يلاحظ أن خواء روحه لم يكن سوى ثرمومتر يقيس حرارة براكين رغبته في التسلط، مكتفياً طوال عدة سنوات، بمحاولة مكافحة هذا الفراغ باستخدام حشوات مؤقتة من ومضات الوجدان، دون أن تؤرقه حقيقة بدء خلطه لذكريات منسية مع ذكريات وقائع لم تحدث بعد، ولا شعوره اليقيني الذي كان يداهمه أثناء فترات انهيار نزوات القلب، من أن فراغ روحه لم يكن خوفاً من الحياة كما توهم، بل من الموت، حتى أنه شعر بتحسن شامل، وبانحسار نطاق خواء روحه بمجرد أن أهداه الشيخ الحسين الضرير، العصا التي عصمته من الموت . عندها رأى وقائع ذكرياته واضحةً وناصعة كأن لم تمسسها يد الزمان، فشاهد تفاصيل أول يوم للاستبداد بالسلطة، وتدفقت في ذاكرته دماء أصدقائه التي أريقت من أجل أن يبقى هو في سدة الحكم . عندها اكتشف محاسن فراغ روحه، وأن الماضي نفسه ليس مشرقاً بالضرورة، رأى الوقائع الأكثر حزناً لعصري الجفاف الأول والثاني، شاهد رجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ محطات الشمس المحرقة يفترشن أثوابهن في أرصفة محطات الصحراء النائية في انتظار قطارات لن تأتي أبداً، في انتظار مفقودين لن يروهن مطلقاً، ورأى يتامى نشرة أخبار الساعة السادسة والنصف، رآهم منتشرين في أزقة وحواري الوطن، رآهم في مدينة أم درمان القديمة، وعلى شاطئ نهر النيل يطاردون العصافير بملابسهم المهلهلة في الجريف، رآهم في صحارى شمال الوطن يأكلون سمك الكور النتن الرائحة ويلعبون شليل في ليالي قمر أبريل يغنون : شليل وين راح .. أكلو التمساح، رآهم على ضفاف النيل الأبيض يلعبون بسمك التامبيرة ويغنون : التامبيرة بت عم الحوت .. لابتحيا ولابتموت، رأى الموتى في ظلمات القبور المجهولة المدفونين في قبور جماعية. عندها جفف دموعه، وشعر للمرة الأولى أنه أصبح سيداً على فراغ روحه، وأنه لن يكون ضرورياً بالنسبة له لكي يتحكم فيه أن يضطر للانصياع لنير القلب، دون أن يجرؤ على الاعتراف بأنه كان قد تغلب على فراغ روحه لحظات التيه العاطفي، أيام الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف، حينما كان بالإمكان الاستمتاع بخريف خاص داخل القصر الجمهوري، فيما الجفاف يضرب الوطن كله من نيمولي وحتى وادي حلفا، في تلك الأيام كان الأمن مستتباً بفضل جهود العقيد مصطفى سراج الدين، رئيس جهاز الأمن الوطني الذي انتزعه من مقبرته التي يصنع فيها المناجل والسكاكين وهو يتعفن في وحدة لا صديق فيها سوى مرارة أحقاد الذكريات، ولا رفيق سوى لصوص المواشي الذين يتناول معهم عصيدة الدخن وملاح الكول في وهج الضياء الخفيف لشمس سبتمبر الباهتة على ضفاف النيل الأبيض في أواسط الوطن . العقيد مصطفى سراج الدين الذي علمه السيد الرئيس كيف يتعامل في أوساط المجتمع الراقي، أوساط الدبلوماسيين ورجال الأعمال الأجانب، وكيف ينظف حذاءه، وكيف يزيل القمل من شعره الأكرت بدهنه بكميات قليلة من سم الجمكسين، وعلمه السيد الرئيس كيف يتعامل وفق البروتوكول في حفلات الاستقبال في السفارات الأجنبية، رغم أنه كان لا يتخلى أحياناً عن جلافة سارقي المواشي، فقد مضى يتجشأ مرةً في حضرة السفير الفرنسي، بصوت مفزع مثل صوت بغل ومن رائحة جشائه عرف السيد الرئيس أنه أفرط في شرب المريسة رغم أنه يحاول أن يعلمه شرب الويسكي، بدلاً من المريسة . العقيد مصطفى سراج الدين الذي استتب الأمن تماماً في عهده، بسبب قدرته الخارقة على التنبؤ ببدء نشوء بذور الخيانة، حتى قبل أن يفكر فيها منفذوها وبناءً على تقاريره الموثوقة كان يتم يومياً اكتشاف أماكن المطابع السرية التي يستخدمها الشيوعيون في طباعة المنشورات وأماكن تخزين السلاح والاجتماعات السرية للمتآمرين . وبفضل الأخ وزير المالية العقيد الفاضل محمد عبد الكريم سرت نسمة رخاء ارتجف لها جسد الوطن كله، تم تأهيل مشروعات التنمية، واستحدثت زراعة محصولات نقدية جديدة، زرع التبغ في راجا ووضعت الخطط لتنفيذ مشروعات زراعة الأرز في جنوب الوطن، وتم استخراج زجاجة نفط واحدة، عرضت على مشاهدي التلفزيون . وتوقف تدهور العملة الوطنية، وأمكن التحكم في الفساد المالي في الوطن بسبب اللجنة التي شكلها الوزير من مجموعة من القانونيين أحصت على شركات القطاعين العام والخاص أنفاسها، ولم تترك مجالاً لأية تجاوزات أو إستثناءات في عملية استيراد السلع الممنوع استيرادها دعماً لاستقرار عملة الوطن . أيام الفتاة التي كانت تملك مفاتيح الخريف والتي كانت الفتاة الوحيدة في العالم التي قالت له لا، رغم أنهم عرضوا أمامها شريط فيديو يظهر فيه خطيبها يحتضر من التعذيب متوسلاً إليها أن تقبل بالسيد الرئيس زوجاً حتى لا يفقد هو حياته. ورغم ذلك لم تقبل، وخرجت من البيت المراقب من رجال أمنه، خرجت في ملابس رجل وفي منتصف النهار واستقلت القطار واختفت إلى الأبد، دون أن تخلف أثراً يقتفيه رجال أمنه الذين عادوا إليه بعد عدة أيام من اختفائها يجرجرون أذيال نصر زائف : كأننا نبحث عن إبرة في كومة قش سيدي الرئيس، بحثنا عنها في مجاهل السافنا حيث غناء فتية الدينكا يتصاعد في ساعات القيلولة : إنا لنصلي لأم الآلهة من جمع سحري هادي في أرض كواك لياث جوك . وبحثنا عنها في سفوح جبال ناكاشوت حيث كنا قد علمنا أنها شوهدت ترقص رقصة الحصاد نياكورث مع فتية من قبيلة الدادينجا، بحثنا عنها بين فلول الهاربين من أواسط القارة بسبب انتشار وباء إيبولا في الكونغو، يحملون أطفالهم وطيورهم الداجنة وينطلقون دون هدف سوى الهروب من مخالب الوباء القاتل . بحثنا عنها في كرتالا، في جبال النوبة حيث ذكر لنا بعض الأعراب الرحل أنها شوهدت تعزف على آلة الكيتا أثناء عرض لرقصة الكمبلا بمناسبة تتويج صانع جديد للمطر، واقتفينا خطواتها حتى نطاق رياح الهارمتان غرب القارة حيث فقدنا ذات يوم أثر أحد رموز المعارضة والذي لا يزال يتعفن في المنفى حتى اليوم سيدي الرئيس بعد أن مضت ذاكرته تذبل تدريجياً، حتى أصبح يربط نفسه بحبل حتى لا يخرج من البيت ويهيم على وجهه كما يفعل كل مساء . بحثنا عنها في لوساكا وفي ساحل القارة الغربي، وفي لواندا اقتفينا خطواتها على ضفاف نهر الكوانزا بين أشجار الجاكارندا والباوباب وفي السهول الخضراء بالقرب من ميناء موسي ماديس، وفي شارع ميجيل دي بومباردا في مابوتو حيث زعمت أخبار غير مؤكدة بأنها شوهدت تتجول مساءً بين أشجار النارجيل والباوباب برفقة شاب من قبيلة البانتو، وبحثنا عنها في جوهانسبيرج في أحياء السود الفقراء المنسية، بحثنا عنها على عمق ألف متر في مناجم الذهب وكنا نحمل مصابيح الأستيلين الصغيرة وكدنا نفقد حياتنا إثر وقوع انهيار مفاجئ في المنجم . وحينما فقدنا الأمل حاولنا العثور على بديل بنفس الصفات سيدي الرئيس، وبنفس خاصية إثارة الشعور بخريف خارج حدود الفاصل المداري، فقطعنا مسافة طويلة لنصل إلى ميناء سانت أنطونيو دوزايراس عند ملتقى نهر الكونغو بالمحيط، ورغم الحرارة الكثيفة والضباب الذي أخفى شهر سبتمبر، إلا أننا بحثنا في أرصفة الميناء بين السفن الراسية منذ عصور القراصنة. وفي النهاية عثرنا عليها في جزيرة ساوتومية تعمل نادلة في كازينو صغير يطل علي المحيط، وحين صافحتنا اعتقدنا في البداية أنها نفس الفتاة التي نبحث عنها، ذلك أنها أيضاً تملك مفاتيح الخريف، ثم يزيحون ثوب القرمصيص عن وجهها، فتبدأ الضفادع في نفس اللحظة في أداء سيمفونية نقيق جماعي في حديقة القصر، وتهب أنسام الدعاش الخريفية في بهو القصر، ويشاهد الجميع رذاذاً خفيفاً يتساقط في الحديقة رغم أن الشمس كانت ساطعة ولا توجد ولا حتى سحابة واحدة شاردة في السماء، ويتعالى هدير رعد خاص داخل القصر. يزيحون ثوب القرمصيص عن وجهها، فيشهق جميع الحاضرين حتى السيد الرئيس تكسو وجهه مسحة من الذهول، ليس فقط من دقة التشابه، ولكن بسبب امتلاكها لنفس مزايا حشد الخريف، رغم أن خريف الفتاة المزيفة كان فوضوياً، دون ترتيب : رعد في البداية ثم يأتي البرق، وحتى غناء الضفادع كان يفتقر إلى التناسق، يشير بيده لسحبها خارجاً، يشعر بتجدد فراغ ذاكرته حتى أنه يخلط في اجتماع مجلس الوزراء بين الأخ وزير المالية والأخ وزير شئون القصر، يحدق في الأخ وزير الرعاية الاجتماعية الجالس منزوياً في ركن بعيد وقد وضع على صدره لافتة كتب عليها : أنا أبحث عن صفاء، ويرد السيد الرئيس سراً: وأنا أيضاً، يعرف أن الرجل المسن ينظر إليه بحقد مشوب بالخوف، وأنه يحمله شخصياً مسئولية اختفاء ابنته، رغم أن السيد الرئيس هو الذي أصر على إبقائه ضمن التشكيل الوزاري فيما كان كل معاونيه يحبذون إقصاءه من الوزارة. أصر على إبقائه بجانبه بسبب شعور يقيني أن صفاء سوف تظهر ذات يوم، تخطر في ردهات القصر بأعراض خريفها الخاص، يشعر في وجوده بالاطمئنان لوجود شخص واحد يتفوق عليه في الحزن على غياب الفتاة التي تملك مفاتيح المطر، والتي اختفت دون أن تترك أثرا واحدا يحدد وجهتها، نشروا دون جدوى إعلاناً في الصحف اليومية بإسم خطيبها ممهوراً بإمضائه رغم أنه كان قد انتقل إلى الدار الأخرى، وقام المارة الذين عثروا على جثته ملقاة على قارعة الطريق بالبحث عن ذويه دون جدوى، لأنه لم تبق في وجهه أية ملامح تكشف شخصيته وفي النهاية وبعد أن أبلغوا الشرطة قاموا بدفنه بعد الصلاة عليه. ورغم ذلك لم تظهر الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف، بقي يردد دون وعي : كيف يفشلون في العثور عليها وهو يتنشق كل ذرة هواء من حوله، بحثاً عن رائحة خريفها، يشعر به يهب قريباً من أنفه حتى أنه ينتهي إلى حقيقة: أشعر بها قريبة جداً، وأنها لم تتجاوز خط الاستواء كما زعم العرافون الدجالون، الذين أبرزوا من أجل إثبات مزاعمهم أدلة شفهية لا يرقى إليها الشك. وفي النهاية أتى له معاونوه بعراف خبير أعلنوا أنه : لم يطلب سوى صحن به ماء سيدي الرئيس، لم يطلب زجاجة فلور دامور وقطعاً من قماش السكروتة بناءً على طلب خدامه من الجان كما طلب سابقوه، طلب فقط صحناً به ماء سيدي الرئيس، ورآها تستقل قطاراً متجهاً نحو السافنا، يتوقف في المحطات النائية التي يهبط فيها مئات المسافرين يشقون طريقهم بصعوبة وسط الباعة الجوالة والنسوة بائعات الزلابية والطعمية، وحين يصل القطار محطته النهائية في أقاصي السافنا، كانت هي الراكب الوحيد الذي لم يغادر القطار، لأنها عادت في نفس القطار سيدي الرئيس. وفي الصورة التي وصفها كما تظهر في الماء تماماً صبي صغير سيدي الرئيس طلب العراف إحضاره لمشاهدة الصور المائية، واشترط ألا يكون قد بلغ الحلم وألا يكون قد تعرض مرة لصدمة خوف من كلب. شاهدنا معه الصور التي وصفها لنا بدقة سيدي الرئيس، شاهدنا معه الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ المسنات يتفحصن وجوه المسافرين بحثاً عن وجوه المفقودين من أيام الحرب الأهلية، رغم أن الحرب توقفت منذ سنوات، وشاهدنا أطلال خريف كان يتراجع بسرعة توازي ضعف سرعة القطار، شاهدنا الشلك يرقصون البول، والجور يرقصون الأدو، ورأينا النوير يعودون إلى قراهم وهم يحملون معهم أواني جديدة من الفخار، ورأينا ضمن الوجوه التي تظهر بسرعة أثناء مرور القطار بعض المعارضين الذين نقبنا عنهم الأرض دون جدوى. وحينما عاد القطار مرة أخرى إلى العاصمة، اقتفينا خطواتها وهي تعبر قلب العاصمة في عربة تاكسي صغيرة من نوع تويوتا كورولا اتجهت نحو كوبري النيل الأبيض، ثم اتجهت غرباً نحو ضاحية ام بدة سيدي الرئيس، حيث فقدنا أثرها، قمنا بتفتيش المنطقة شبراً شبراً دون جدوى. بحثنا عنها في محلات سوق ليبيا بين باعة السجاد وباعة الأقمشة، وبين النسوة بائعات الشاي والمنتجات اليدوية، وفي حلقات المداحين على إيقاع الطار ودققنا في كل الوجوه التي تجمعت حول مجنون كان يشتم الحكومة في أغنيات قصيرة كان يعزفها على الربابة مثيراً أثناء استعداده الغريزي للفرار في أية لحظة، مثيراً من الغبار أكثر كثيراً مما يثير من أشواق مستمعيه، دون أن نعثر لها على أية أثر سيدي الرئيس . و يطرق هو مفكراً لينتهي إلى: سأعرف كيف أجبرها على الظهور، أمر بإحضار العرافين الذين اقتفوا خطواتها، ورسم أمامه خريطة للمنطقة التي حامت الشكوك حول اختفاء الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف فيها، طالباً إحداث زلزال محدود في المنطقة لإجبارها على الظهور مشدداً على أن يتم الأمر: بأقل عدد ممكن من الضحايا. طلبوا إمهالهم ساعة للتشاور مع خدامهم، وبعد ساعة عادوا للاجتماع معه مرة أخرى وأعلنوا استحالة إحداث زلزال أرضي لأنه خارج مدى قدرات خدامهم من الجن وأن أقصى إمكانياتهم سوف يسخرونها من أجل مطر كثيف سوف يجبر سكان المنطقة على النزوح يوم الأربعاء السادس والعشرين من أكتوبر في الساعة الحادية عشرة والربع صباحاً. صباح يوم الجمعة التالي تلقى أول تقرير عن الكارثة : سيدي الرئيس هطلت أمطار رهيبة في نفس الميقات الذي حدده العرافون، بلغت قوتها أكثر من مائة وسبعين مليمتراً واستمرت طوال يومين كاملين ولم تتوقف إلا هذا الصباح بعد أن مسحت الضاحية كلها من الوجود تماماً، وحتى سوق ليبيا نفسه جرفته المياه الكثيفة وشاهدنا الأجهزة الكهربائية غارقة مع تلال من الموكيت والسجاد والحقائب الجلدية، فيما انهمك رجال الشرطة والدفاع المدني في مساعدة ضحايا الكارثة. وفي نفس اليوم قام بنفسه بتفقد الكارثة، وأمر بسرعة صرف المواد الغذائية للمتأثرين ومساعدتهم لإعادة بناء منازلهم، وأثناء طوافه الجوي بطائرته العمودية، أمر الطيار بأن يهبط إلى أقل ارتفاع ممكن ليتفحص بنفسه وجوه عشرات المواطنين المنهمكين في محاولة إنقاذ أمتعتهم القليلة من تحت الجدران المنهارة، فيما رجال العقيد مصطفى سراج الدين يمشطون صفوف ضحايا الكارثة بحثاً عنها، وفي المساء جاءوا يجرجرون أذيال الخيبة : لم نعثر عليها سيدي الرئيس كأنها ذابت في ماء المطر، فيشعر بتفاقم فراغه الروحي لدرجة أنه يعجز حتى عن إصدار أي أمر، يرقب فقط محاولات رجال أمنه الذين أعلنوا في الصحف في اليوم التالي عن اعتقال وزير الرعاية الاجتماعية لاتهامه بالمشاركة في مؤامرة لقلب نظام الحكم . وفي اليوم التالي نقل الأخ وزير الرعاية الاجتماعية من القصر مباشرةً إلى سجن كوبر وفي صدره كان لا يزال يضع اللافتة التي كتب عليها : أنا أبحث عن صفاء . ولكن دون جدوى فلم يظهر لها أية أثر، فيشعر بتزايد وطأة فراغ روحه، لا تخفف عنه محاولات معاونيه التي تمهد لحمله على النسيان: كأن قلبها قد من حجر سيدي الرئيس، لم تظهر حتى قتل خطيبها والآن يبدو أنها لا تأبه أيضاً لمصير والدها !، يشعر بضراوة فراغ روحه يرفع الغطاء عن رغباته الأزلية في العراك حتى أنه ينهال ضرباً دون تمييز على كل من حوله. وفي اجتماع مجلس الوزراء الذي أعقب الإعلان عن المحاولة الانقلابية الوهمية التي تمت بتدبير من وزير الرعاية الاجتماعية كما جاء في الإعلان الرسمي، انهال لكماً على الأخ وزير الداخلية الذي نفى أمام مراسلي وكالات الأنباء العالمية أن يكون لديه أية معلومات حول وجود مؤامرة انقلابية، واستهل تعليقه في اجتماع مجلس الوزراء على القضية بقوله: يبدو أن رجال أمننا يكذبون ثم يصدقون أكاذيبهم نفسها !، لم يستمر اجتماع مجلس الوزراء طويلاً، وانتهى بعد دقائق عاصفة باستقالة الأخ وزير المالية الفاضل محمد عبد الكريم . فصل جديد في تلك اللحظة وصل الوفد الرسمي الذي يمثل أهل القرية، يتقدمهم الزين ود حاج النور رئيس اللجنة الشعبية، واكتشفوا بذهول أن السيد المشير كان لا يزال يبحث عن بيته، وللوهلة الأولى اكتشفوا أن الخريطة التي اعتمد عليها لتحديد موقع بيته كانت قديمة جدا، وأنها رسمت في زمان آخر، قبل إعادة تخطيط القرية بعد كارثة الزحف الصحراوي التي شلت الحياة في القرية طوال سنوات، ولتزويده بمعلومات معاصرة حول الكارثة بادر الزين ود حاج النور بالحديث : واجهنا في البداية سيدي المشير كارثة الزحف الصحراوي التي غيرت وجه الحياة في قريتنا لسنوات، حتى أننا كنا نستيقظ من النوم صباحاً، لنجد أنفسنا مدفونين في الرمال، حتى أصبح كل من يخلد للنوم يثبت جوار عنقريبه شاهداً من فرع شجرة لتعثر عليه فيما بعد فرق الإنقاذ المحلية التي شكلناها من شباب القرية، واضطررنا في النهاية إلى نقل أبقارنا وأغنامنا إلى مناطق قريبة من نهر النيل . وفجأة فاض النهر سيدي المشير فاضطررنا للنزوح من القرية وخرجنا بملابسنا التي كنا نرتديها فقط، وحينما انحسر نهر النيل بعد بضعة أسابيع، عدنا إلى منازلنا فوجدنا كل شئ في مكانه معلباً في الطمي الذي خلفه الفيضان . وجدنا الدجاجات التي كانت تحضن بيضها وقد تجمدت مع البيض في قطع صلبة من الطمي، ووجدنا أواني الطبخ السوداء وصحون الطلس والألمونيوم وقد تجمدت في قطع الطمي ولا تزال عليها آثار عشاء يوم الخامس من أغسطس الأخير، واكتشفنا أن القرية كلها أصبحت قطعة واحدة ضخمة من الطمي وأن معالم البيوت قد اختفت تماماً، ولم نستطع الاستدلال على مواقع بيوتنا القديمة إلا بالأشجار. بدأنا في إعادة تخطيط القرية وإعادة بناء المنازل، ولم يكن صعباً الاتفاق بعد الكارثة على نسيان خلافات الأراضي القديمة، بحيث لم يعترض أحد حينما حددنا قطعة أرض لإقامة سوق أسبوعي عليها، وقطعة أرض خصصناها للشباب ليلعبوا عليها الكرة، ورغم حمى الملاريا التي أصابت الجميع بسبب المستنقعات التي خلفها الطوفان والتي أدت لتوالد البعوض، ورغم ظهور مرض اللشمانيا الجلدي بسبب آفة الذبابة الرملية، إلا أننا وبعد عمل جماعي شاق استمر ثلاثة أشهر بدأنا نعيد الحياة إلى مجراها وبدأت معالم القرية تتضح مرة أخرى . وفي اللحظة التي حملنا فيها أثاثاتنا القليلة التي خلفها الطوفان واتجهنا إلى بيوتنا منهكين من السهر وحمى الملاريا، وصلت قافلة حكومية تحمل بعض مواد الإغاثة سيدي المشير : جوالين من الذرة وجوال واحد من الذرة الشامية وعشرة آلاف قرص كلوروكوين لمعالجة الملاريا وسبع خيم ولا شئ آخر . وفيما لم يبد السيد المشير تعاطفاً يذكر مع هذه الرواية الشعبية للكارثة وبدا لاهياً بالتدقيق في خريطته التي لم يقتنع بأنها لم تعد صالحة لتدل على أي شئ، بدأ الاستقبال الرسمي من حوله، ضرب النحاس الذي كان يخص الملك طمبل آخر ملوك مملكة أرقو، ثم رحب الزين ود حاج النور بالقادم لزيارة مسقط رأسه، ودون أن يشعر وجد المشير نفسه جالساً على مقعد في قلب احتفال لم يرغب في المشاركة فيه، وفجأة شاهد الوجوه تنساب وتذوب في مشهد سريالي أمام عينيه، وشاهد شخصاً يتحدث ولكن دون صوت، عندها أدرك للمرة الأولى أن فراغ روحه هزمه منذ اللحظة الأولى وقبل عدة سنوات، وأنه مضى يفرغه تدريجياً من الحياة حتى استحال عليه أن يلحظ أنها كانت تمر من حوله بنفس إيقاع مرورها حتى قبل أن يبدأ عصر الجفاف الأول. وفي لحظة الفوضى التي اجتاحت وجدانه شاهد مرور شريط وقائع منسية تدافعت دون ترتيب إلى ذاكرته، فعرف للمرة الأولى أن رجال أمنه خدعوه في أيام الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف والتي اختفت فجأة ودون أن تترك أدنى أثر. اكتشف أن رجال أمنه كانوا يكذبون عليه حينما كانوا يقدمون تقارير مليئة بالأكاذيب حول الجهود التي بذلوها من أجل العثور عليها، وأن الفواتير التي قدموها لمنصرفات السفر والإقامة في الفنادق كانت كلها مزورة وأنهم لم يغادروا حدود الوطن، واكتشف للمرة الأولى فضيحة أنهم اتفقوا مع راقصة أثيوبية لتمثل دور شبيهة الفتاة التي تملك مفاتيح الخريف في محاولة أخيرة لخداعه بإيحاءات خريف مزيف. وأنهم ضبطوا أجهزة التزييف لتعمل في نفس اللحظة التي يكشف فيها ثوب القرمصيص عن وجه الفتاة، فتردد أجهزة التسجيل صوت الرعد ونقيق الضفادع، ويعمل جهاز بدائي يدار باليد لضخ رذاذ خفيف من الماء في حديقة القصر ليشيع جواً خريفياً مزوراً. وشاهد في الشريط الذي عبر في قفر ذاكرته حيث لم تبق من الذكريات سوى شواهد من الكرتون كأنها مقبرة في حلم، شاهد في الشريط العقيد الفاضل محمد عبد الكريم في اجتماع عاصف لمجلس الوزراء دون ان يتبين من الصور المصاحبة زمان ذلك الاجتماع الصاخب. العقيد الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية الأسبق الذي قال في معرض استقالته وكان هو الوحيد من مجلس الوزراء الذي لم يجرؤ السيد الرئيس على ضربه، وفيما كان مجلس الوزراء كله ملقىً أرضاً، كان العقيد الفاضل محمد عبد الكريم هو الوحيد الذي بقى جالساً بهدوء في مواجهته، تحدث دون مقدمات: كأن الوطن أصبح ضيعة تملكها سيدي الرئيس، الخراب يعم كل مكان والمؤسسات الحكومية كلها منهارة ينخرها الفساد، وخيرة أبناء الوطن إما تحت التراب أو في معتقلات الموت فيها أمنية غالية، وحتى المعتقلين في المحاولة الانقلابية الأخيرة الذين وعدت بإطلاق سراحهم، أمرت بترحيلهم سراً إلى وادي الحمار في الصحراء الشمالية حيث أعدموا ودفنوا هناك دون أن يمنحوا فرصة ليودعوا ذويهم. والمعتقلين السياسيين الذين وعدت بإطلاق سراحهم، أطلقت بدلاً منهم سراح مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق الذين عرضهم التلفزيون على أنهم معتقلون سياسيون أخلى سبيلهم، وأعلنوا أنهم اقتنعوا بالنهج الرشيد للثورة وأنهم مستعدون للانخراط في ركب الثورة وخدمة الوطن من داخلها. كانت مهزلة سيئة الإخراج، حتى الأطفال تعرفوا عليهم، وقالت طفلة في جوارنا لأمها : هذا الرجل يشبه الحرامي يا أماه !. ومن أجل خداع من ؟ وفي هذه الظروف السيئة، حيث الوطن لا يزال يلعق جراحات مواسم متكررة من الفشل، تدعو لانتخابات مكلفة لرئاسة الجمهورية، ولا تسمح لكائن من يكون بأن يحاول الترشيح ضدك رغم أن الدستور الذي فصله مستشاروك على مقاسك، يسمح بوجود مرشح آخر، فيدفع الوطن عشرات الملايين يحتاجها يتامى عهدك السعيد، يحتاجها الجوعى ومرضى الملاريا وضحايا التشريد الرسمي والكوارث الوطنية، من أجل مداواة جروحهم، في أجسام أصبحت كلها جروح، حتى أصبح كل جرح جديد ينشأ يصادف في مكانه جرحاً قديماً لم يلتئم بعد. يدفع الوطن عشرات الملايين فيما مشروعات التنمية تحتاج لكل مليم لإعادة تأهيلها وبسبب توقفها وعدم وجود مشروعات بديلة بسبب الجفاف، هجر الناس قراهم فنفقت الحيوانات وتشتت شمل الأسر. يدفع الوطن عشرات الملايين في انتخابات يحدد المنافقون نتيجتها سلفاً :99,99 % قالوا نعم سيدي الرئيس، بينما الموظفون الذين يقومون بالإشراف على عملية الاقتراع يقولون للمواطنين المساكين: لا داعي للحضور لمراكز التصويت لأننا قمنا بالتصويت لكم! وحتى قول كلمة لا غير مسموح به، لأن هذه الانتخابات الوحيدة في الدنيا، التي لا يوجد في لجان إقتراعها سوى صندوق واحد، صندوق مكتوب عليه نعم، وعليه صورتكم، نفس الصورة المطبوعة في عملة الوطن لتذكر الناس في كل لحظة وحتى في أسوأ لحظات المعاناة، حيث أصبح من الصعب تأمين لقمة العيش التي تقيم الأود، لتذّكر الناس مبتسماً بأن لا مهرب منك إلا إليك . ألم تسمع قصة الأعرابي الذي اقتحم مركز الانتخابات في إحدى قرى الغرب النائية، شاهراً سيفه وطلب أن يرى ذلك المرشح: الذي يجرؤ علي منافسة سيدي الرئيس الذي أنقذنا من العطش فيما لسانه يتدلى خارجاً مثل كلب من العطش، ووفر لنا الكساء: فيما مواطن عورته واضحة للعيان من مزق سرواله، ووفر لنا الدواء: فيما رأسه يكاد يسقط من فرط إعياء حمى الملاريا، أين ذلك المرشح الذي يجرؤ على الوقوف ضد السيد الرئيس حتى أروي سيفي من دمه، قالوا له: بامكانك ان تطمئن، لا يوجد مرشح آخر! فقال وهو يعيد السيف إلى غمده: (طيب يا أولادي لماذا كل هذا التعب مادام لا يوجد مرشح آخر! وفي حين يتضور الوطن كله جوعاً، ويموت العشرات كل يوم بسبب المجاعة الناجمة عن الجفاف وسوء الإدارة، يصرف جهاز أمنك عشرات الملايين في تجوال عبر القارة، بحثاً عن فتاة لا تبحث عنها بدافع الحب بل الحقد، لأنها جعلتك تتذكر دفعة واحدة كل هزائمك القديمة، حينما اعتقدت أنك تجاوزت كل آثار فشلك بالجلوس في قمة السلطة، وبسبب وفاءك الخفي للفشل، تحاول إذلال كل المتعلمين، وفوجئت وأنت في قمة السلطة بأحدهم يقول لك لا، فأيقظ ذلك فيك كل أحقاد فشل الماضي، ورأيت الحقيقة الواضحة مثل الشمس والتي يستحيل إخفاءها كل الوقت : أنك فاشل وسوف تظل فاشلاً حتى لو جلست على عرش إله.قال العقيد الفاضل محمد عبد الكريم ذلك ثم نهض من مقعده وجمع أوراقه التي تناثرت أمامه، دون أن يتمكن من سرد محتوياتها من تفاصيل الانهيار الاقتصادي، وضعها في حقيبته الجلدية، ثم كتب على ورقة بيضاء وهو لا يزال واقفاً استقالة من سطر واحد، دفعها بقوة فاصطدمت بوجه السيد الرئيس قبل أن تستقر على المنضدة. نظر إلى ساعة الجدار فرآها تقترب ببضعة ثوان من الساعة الثانية عشرة منتصف النهار: الوقت الذي سيداهمه فيه ملك الموت، ثم استدار مغادراً القصر بخطوات واثقة، وقبل أن يصل باب الخروج من غرفة الاجتماعات الواسعة حيث لم يبق سوى السيد الرئيس في مكانه على رأس مائدة خشب التيك الطويلة، فيما كان مجلس الوزراء كله لا يزال منطرحاً أرضاً، وفي اللحظة التي وصل فيها العقيد الفاضل محمد عبد الكريم للباب، دوى طلق ناري، وفي نشرة الساعة الثالثة نعى السيد الرئيس العقيد الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية الذي توفي أثر نوبة قلبية حادة داهمته أثناء انعقاد جلسة مجلس الوزراء أثناء مناقشة تفاصيل الخطة الخمسية التي وضعها الأخ الوزير الراحل لمحاولة إنعاش اقتصاد الوطن. دوى الطلق الناري في أرجاء القصر وسمعه المارة في شارع الجمهورية فتوقفوا لبرهة أمام قوة الطلق الناري الذي دوى في أرجاء الوطن، وسمعه باعة الحبوب في السوق العربي، وحائكو الملابس المنتشرون في فرندات السوق العربي، فتوقفت سمعه المواطنون وهم محشورون في بصات التاتا القديمة فوق كوبري النيل الأبيض، عيار ناري بلغ من قوته أن الجميع شعروا بالكوبري العتيق يهتز من تحت أقدامهم، وسمعته النسوة في أسواق الصمغ العربي في غرب الوطن، والقوافل التي تحمل العطرون في قلب الصحراء، وسمعته النسوة اللائى يجمعن الزنجبيل والحطب الذي حمله نهر القاش المنحسر، سمعه الصبية في مجاهل السافنا وهم يلعبون لعبة الأليبوك بين أشجار المانجو والباباي، وسمعه الصبية في صحراء الشمال وهم يلعبون شليل، لأن شليل نفسه اختفى في ذلك الزمان، حيث لا سلوى في ذلك القفر البعيد سوى النسيان. ولإزالة أثار الطلق الناري الذي كان لا يزال صداه يدوي في أرجاء القصر، أمر بفتح الأبواب العتيقة المغلقة منذ العهد الاستعماري، واستقبل داخل القصر فرقة الفنون الشعبية التي قدمت عرضاً صاخباً لرقصة الكمبلا، وشاهد عرضاً لفرقة الأكروبات الوطنية التي تدرب أعضاءها في الصين، كان يشاهد مندهشاً الفتاة التي تسير على الحبل، فلا يصدق المعجزة يقول : كأن جسمها من عجين . واستقبل فرقة أثيوبية غنت بمصاحبة المغنّية مريم ماكبا، أحدثت فرقة الفنون الشعبية على إيقاع النقارة ضجة اهتزت لها جدران القصر حتى أصمت أذنيه الأصوات العالية، ضجة كانت كافية ليس فقط لتنظيف القصر من دوي الطلق الناري، بل لتنظيف الوطن كله من الذكريات المرفوضة . ولكن بعد انسحاب الفرقة اكتشف أن صوت العيار الناري كان لا يزال يتردد بصوت مكتوم، بصدى موجي يزداد قوة كلما دقت الساعة الثانية عشرة منتصف النهار لحظة إطلاق العيار الناري على الوزير الراحل، يشعر بتفاقم فراغ روحه، يصل مداه في الثانية عشرة منتصف النهار حتى أنه يضطر لاستقبال العقيد مصطفى سراج الدين في حديقة القصر يستمع إليه بارتباك فيما زهور الجهنمية وورد الحمير وزهور الورد الإنجليزي واللانتانا تنكمش كلها لحظة أن تدق الساعة الثانية عشرة منتصف النهار، لحظة انطلاق العيار الناري، يستمع إلى العقيد مصطفى يقول : قمنا بإحباط مؤامرة لاغتيالك سيدي الرئيس أثناء مخاطبتك للاحتفال الحاشد بمناسبة عيد الاستقلال المجيد، واعتقلنا المتآمرين وصادرنا كمية من المتفجرات تكفي لنسف قطار، كانت معدة لنسف المنصة التي ستلقي فيها كلمتك سيدي الرئيس . ويطرق السيد الرئيس مستمعاً بدون أدنى اهتمام فيما دوي العيار الذي أودى بحياة وزير المالية العقيد الفاضل محمد عبد الكريم لا يزال صداه يتردد في جوف ذاكرته، مصحوباً بصور المشهد الأخير لحياة الوزير الراحل، المشهد الذي كان يتكرر بإيقاع موجي ثابت في ذاكرته حتى أنه فشل في إقصائه من واجهة الذاكرة . كان العقيد الفاضل محمد عبد الكريم يخطو خارجاً بعد أن ألقى باستقالته في وجهه، كان يخطو بخطوات واثقة، خطوات رجل، حينما اخترقته الطلقة من الظهر فلم يهتز جسمه، واصل سيره بنفس خطواته الواثقة، وحينما خطا في الخارج نحو أول درجة من درجات السلم انهار وسقط جسمه فوق درجات السلم وتناثرت الأوراق من حقيبة يده وتساقط جزء منها في مياه النافورة، وتبعثر آخر مشروع جدى من أجل إنقاذ الوطن . انتبه السيد الرئيس حينما استمع فجأةً إلى أنين خافت من خلفه وهو يعيد مسدسه إلى جيبه إلى مجلس الوزراء الذي كان مبعثراً أرضاً، فانهال عليهم ضرباً وطاردهم حتى سلالم القصر الخارجية حيث لازالت جثة العقيد الفاضل محمد عبد الكريم تنزف دماً في شمس يناير . يستمع دون اهتمام للتقرير اليومي للعقيد مصطفى سراج الدين : ضبطنا مائة ألف نسخة من هذا المنشور، يختلس نظرة عجلي إليه فيرى نفسه ببزته العسكرية يتبول واقفاً فوق خريطة الوطن .. يا للفضيحة !، وضبطنا خمسين ألف نسخة من هذا المنشور، يختلس نظرةً إليه فيشاهد الأرقام المفزعة لفساد عهده، وضبطنا سيدي الرئيس عشر مطابع رونيو تدار باليد وواحدة تدار بالكهرباء، وستة آلات كاتبة صغيرة، ثم يضع أمامه تقريراً من سبع وأربعين صفحة ويقول : هنا قمنا بتفريغ الشرائط التي سجلنا عليها اجتماعات مجلس نقابة المحامين، حيث أصبحت دارهم سيدي الرئيس مهداً مكشوفاً للتآمر، ورغم أننا اعتقلنا عدداً من رؤوسهم إلا أن اجتماعاتهم التآمرية تتواصل ليلاً ونهاراً ونصف المنشورات التي نصادرها صادرةً عنهم . ثم يختم العقيد مصطفى سراج الدين تقريره اليومي يقدم عصا سوداء من الأبنوس لها مقبض من العاج : هذه العصا أرسلها الشيخ الحسين ود عثمان الضرير ، ذكر أنها تحميك من الرصاص، ويتأبط السيد الرئيس العصا يشعر في وجودها في يده بأن فراغ ذاكرته يبدأ في الانحلال، ذلك الفراغ الذي ما كان له أن ينشأ لولا ظهور تلك الفتاة التي تمتلك مفاتيح الخريف ، يتأبط عصاه فيشعر بها تخفف من دوي الطلق الناري في ذاكرته ، رغم أن صداه لا يزال يتردد في ردهات القصر خاصةً كلما دقت الساعة الضخمة عند حلول الثانية عشرة منتصف النهار ، فيأمر بإيقاف الساعة ورغم ذلك يزداد إيقاع صدى العيار الناري عند حلول الساعة الثانية عشرة منتصف النهار. يتأبط العصا فيشعر بها تخفف من فراغ ذاكرته حتى أنه يلمح بدايات بعض الوقائع المنسية تبدأ في النمو بين ثنايا خيوط العنكبوت على جدران ذاكرته، يصدر قراراً بتعيين أحد مستشاريه وزيراً للمالية: الدكتور عز الدين الزين، فيؤدي الأخ الوزير الجديد القسم فيما كان رجال الأمن يسحبون جثة العقيد الفاضل محمد عبد الكريم وينظفون الأرض من آثار الدماء، والإذاعة تذيع القرآن الكريم والموسيقى العسكرية، بعد إعلان الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام. يؤدي الدكتور عز الدين الزين القسم وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني، الوزير الوحيد الذي استطاع أن يبقى في منصبه طوال خمس سنوات، والذي لولا مقتله بعد سنوات، (لوصل بنا الحال إلى بيع ملابسنا) كما أعلن السيد الرئيس مرةً والذي كان يمكن أن يستمر في منصبه إلى الأبد لولا عناية الله، لأنه ببساطة أمسك في يديه كل مفاتيح الوطن، حتى أن السيد الرئيس ووزرائه كانوا يقفون صفاً كل يوم ليتسلموا منه مصروفاتهم، فيفاصل معهم : تكفي خمسمائة جنيه سيدي الرئيس ,, يمكن أن تمشي بها حالك حتى تتحسن الأحوال!، حتى نتمكن من تشغيل ماكينة طباعة النقود التي تعطلت، حتى نتسلم إيراد القطن الذي بعناه بشيكات آجلة الدفع لنرفع من سعره قليلاً، حتى نتسلم قيمة حبوب عباد الشمس التي بعناها لتاجر عربي ولم يعطنا قرشاً واحداً بل أخذنا منه وصل أمانة سيدي الرئيس، وحتى نتسلم قيمة محصول الصمغ العربي الذي بعناه لشركة من جنوب شرق آسيا أعطتنا مقابله كمية من العربات اليابانية المستعملة عرضناها للبيع في سوق الجمعة. كان يتعامل في منتجات الوطن وكأنه تاجر في سوق الملجة أو الكرين، ويفاصل مع مندوبي الشركات الأجنبية مثل تجار الماشية يقول فجأةً أثناء النقاش: يفتح الله، هذا السعر" ما بيخارج معانا "! يستمع السيد الرئيس كل صباح إلى تقارير رجال أمنه عنه: لا نقود إلا في محفظته سيدي الرئيس والنقود التي قمنا بطباعتها في مطبعة جهاز الأمن، لم يعد أحد يستخدمها بسبب الإعلانات التي ينشرها في الصحف اليومية يوضح فيها الفروق الدقيقة بين العملة التي يصدرها بنك الوطن والعملة التي نقوم بطباعتها، حتى أن الناس أصبحوا يدققون في كل قرش قبل استلامه، ويستمع إلى مندوبي شركات القطاع الخاص التي تنفذ بعض الأعمال للحكومة: أنه بخيل جداً سيدي الرئيس فمن أجل أن يصدق لنا بصرف النقود التي أصبحت مستحقة لنا منذ عدة أشهر، اضطررنا للذهاب إلى مكتبه يومياً طوال ثلاثة أشهر وفي النهاية رفض أن يصدق لنا إلا بثلث المبلغ وقال لنا: "باركوها يا جماعة .. المال تلتو ولا كتلتو"! كأننا في سوق سعد قشرة سيدي الرئيس . وفي فترة توليه للوزارة أصدر قراراً أن كل الإيرادات الحكومية في مختلف أقاليم الوطن تورد أولاً إلى وزارته، حتى إيرادات معدية جزيرة لبب ومعدية مدينة كريمة في إقليم الشمال، كانت تورد في وزارة المالية المركزية مع كل إيرادات الضرائب والرسوم على امتداد الوطن، وبعدها حينما يصل مندوبو الأقاليم، تستمر المفاوضات عدة أيام، قبل أن يلقي إليهم بفتات قليل، حتى أن الاختلاسات توقفت في الوطن كله، لا بسبب انتشار الأمانة والخلق القويم كما كانت الصحف الرسمية تعلن، ولكن لأنه لم يكن يوجد مال لاختلاسه، لأن الدكتور عز الدين القصير القامة الذي يتحرك بخطوات قصيرة كأنه لعبة تتحرك بزنبرك، لأن الدكتور استولى على كل شئ، وللمرة الأولى منذ سنوات ارتفعت قيمة العملة الوطنية ليس لأن مشروعات التنمية كانت تعمل بقوة إنتاج مضاعفة كما أشاعت بعض الدوائر الرسمية، لأن مشروعات التنمية ظلت مغلقة، وبقيت الماكينات تختفي تحت غطاء كثيف من الطحالب والغبار منذ اللحظة التي دوى فيها العيار الناري الذي أودى بحياة العقيد الفاضل محمد عبد الكريم وزير المالية السابق، وليس بسبب اكتشاف وتصدير البترول كما أشاعت بعض الجهات، لأن كل ما عرض منه كان لتراً واحداً في زجاجة ويسكي، ولكن لأن النقود لم تكن موجودة لا في الأسواق ولا في جيوب الناس، وكان الموظفون يبقون عدة أشهر قبل أن يتسلموا مرتباتهم حتى أن المواطنين في المناطق النائية عادوا لأسلوب المقايضة لإجراء عمليات البيع و الشراء.
  15. (الفصل السابع) بعد أن بذل جهدا شاقا حدد السيد المشير موقع بيته في نهاية الشارع، ألا انه اكتشف أن الموقع الذي حدده كان خاليا تماما ألا من مجموعة من أشجار العشر وبعد أن أعاد حساباته عشرات المرات كان يعود في كل مرة إلى نفس المكان، حتى انه اضطر لطرق اقرب باب بيت مجاور ليتأكد من موقع بيته . فتحت له الباب الأرملة دار المقام بت الشيخ عثمان، وبسبب شحوب القيظ في وجهه وملابسه الخضراء الداكنة، اعتقدت في البداية انه زوجها الغائب منذ اندلاع مارشات أول انقلاب عسكري فاشل ضد السلطة العسكرية، فألقت بنفسها في حضنه، ألا أنها اشتمت في كثافة رائحة عرقه رائحة اللبن المتخثر تفوح مع أنفاسه فعرفت بسبب خبرتها أنها إشارة لمجد ضائع . دعته ليجلس في فناء البيت علي مقعد خشبي تحت شجرة النيم وأعدت له كوبا من القهوة، ولأنها لم تستطع تذكر هويته الذائعة الصيت في القرية، لأنها أغلقت جهاز الراديو منذ عدة سنوات للمرة الأخيرة حينما سمعت اسم زوجها الجندي بالجيش يرد ضمن مجموعة حكم عليها بالإعدام . أغلقت جهاز الراديو وأغلقت معه قلبها حتى تحجر، ولم تترك له سوي منفذ وحيد لدمعقولة بس الهواء حتى لا تتعفن ذكرياتها، وأغلقت باب دارها وتفرغت لتربية الأطفال الثلاثة بإرث قليل ورثته عن المرحوم والدها وبمساعدات قليلة ظلت تتسلمها دون انتظام من شقيقها الذي هاجر من الوطن . أعدت له القهوة دون أن يدر بخلده وهو يرقبها تعد القهوة علي نار حطب السنط، انه أن كان هناك عدو واحد في الدنيا لهذه المرأة التي جلست أمامه أرضا تنفخ النار فيما تناثرت خصلات شعرها المصبوغة بالحناء، فسيكون هو، وأن زوجها هو أحد الجنود الذين أمر بالحكم عليهم بالإعدام، رغم أن القانون لا يجيز إعدام الجنود لأنهم ينفذون تعليمات الرتب الأعلى، في ذلك الانقلاب الذي أطلق عليه هو نفسه الانقلاب التافه، انقلاب لم تحتج قواته من اجل القضاء عليه ألا لاطلاق طلقة واحدة في الهواء . انقلاب معزول لم يجد مساندة من أحد، حتى الفنيين في الإذاعة تسلقوا الجدران وهربوا حينما شعروا بارتباك مجموعة الضباط والجنود التي اقتحمت الإذاعة، انقلاب انتهي حتى قبل أن يبدأ، وحتى البيان الأول لم تتم إذاعته لأن البيان الذي اعد في الليلة المنصرمة ضاع فجأة، وفيما كان الانقلابيون عاكفين داخل الإذاعة علي وضع بيان جديد اقتحمت قواته المكان . أمر بإعدام الجميع، حتى الضابط الذي كان مشاركا في الانقلاب لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة وابلغ جهاز الأمن بتفاصيل التحرك الانقلابي مما كان له الأثر الحاسم في فشل الانقلاب، ورغم ذلك أمر بأن يعدم الواشي في البداية، لأن من يخون أصدقائه لا يمكن لنا أن نأمن غدره، كما أعلن . شعر ببعض الاستقرار النفسي، نفس الأعراض التي تنتابه عقب دحر كل محاولة انقلابية، وعقب القضاء علي كل محاولات تنظيم انتفاضة تأتي من الشارع، نفس الأعراض التي تنتابه كلما تأكد من أن مجموعة أخري من أعداء الثورة كما تطلق عليهم البيانات الرسمية أصبحت خارج حلبة الصراع، تم تحييدها إلى الأبد . ينفض عن يديه غبار الموت ويواصل الحياة، نفس الأعراض التي تنتابه كلما تولت أجهزة أمنه كنس آخر آثار المؤامرة الدنيئة علي مكتسبات الشعب كما تسميها أجهزة إعلامه، ويتم القبض علي آخر المتعاطفين المدنيين مع المحاولة ويزج به إلى النسيان، وبعد تمزيق آخر المنشورات التي تطبع لتهيئة الشارع لتقبل الوضع البديل، وبعد أن يوقع علي القرارات الجمهورية بالتغييرات الروتينية في قيادة جهاز أمنه عقب كل محاولة فاشلة، ويقرأ تقارير اللجنة المختصة التي شكلها للتحقيق في الثغرات التي نفذ منها الانقلاب الأخير، يقرأه دون اهتمام، دون حتى أن يلاحظ أن التقرير كان مطابقا لكل التقارير السابقة، يقرأه دون اهتمام ثم يضعه في درج مكتبه وينساه . يشعر ببعض الاستقرار النفسي، فيستمع بهدوء لوزير ماليته : سيدي الرئيس منعنا استيراد ثلاثين سلعة كمالية دعما لاستقرار العملة الوطنية، ورغم ذلك فإن المعروض منها في الأسواق تضاعف، الفرق فقط هو أن أسعارها تضاعفت رغم أننا علمنا أنها صارت تدخل إلى البلاد دون دفع جمارك عليها، وهذه صور لأوامر صدرت من القصر بإعفاءات جمركية لبعض المتعاملين في هذه السلع، فيلقي نظرة عجلي علي أسماء هؤلاء المتعاملين فيكتشف فيها ثلاثة من أسمائه المستعارة التي يستخدمها بعض مساعديه فيحتفظ بالورقة ويطمئن الوزير بابتسامة محاولا إنهاء المناقشة بقوله : سوف أحقق في الأمر . ألا أن الأخ الوزير استرسل : هناك شئ أخير سيدي الرئيس، وهو أمر خطير جدا، لقد اكتشفنا أن لجهاز الأمن مطبعة نقود خاصة به، وفسر لنا ذلك أسباب تدهور العملة الوطنية رغم أننا نفذنا كل المقترحات التي أوصي بها نخبة من الخبراء وأساتذة الجامعة من أجل الحد من السيولة بتخفيض تسهيلات البنوك الممنوحة للمتعاملين وبرفع الرسوم والضرائب والجمارك، ورغم ذلك ظلت العملة الوطنية تتدحرج حتى اكتشفنا وجود أوراق جديدة في السوق، لم تتم طباعتها تحت إشراف بنك الوطن، ولاحظنا الفرق الواضح في صورتك سيدي الرئيس، أن نقود جهاز الأمن جعلتك مبتسما سيدي الرئيس !. يبتسم هو أيضا ويفكر : ماذا لو علم الأخ الوزير أننا في القصر أيضا بصدد استيراد مطبعة خاصة بنا، يعده بدراسة الأمر واتخاذ الإجراءات المناسبة، ويتسلم من الأخ الوزير ورقة مالية فئة خمسة وعشرين قرشا لكي يري صورته مبتسما بدلا من صورته في عملة بنك الوطن التي جعلته يبدو حزينا علي نحو ما، فيما جعلته عملة جهاز الأمن يبدو في المظهر الاكثر واقعية : يبدو سعيدا، في المظهر الذي يليق بمتطلبات المرحلة حيث لا هم لأعداء الثورة سوي البحث عن ثغرة تنبئ عن عدم استقرار النظام . وحتى لا يفقد أواصر تواصله الشعبي، فقد واصل ظهوره المفاجئ في أماكن عامة فزار خلال أسبوع مصنعا للنسيج واستمع لشرح المهندس المسئول حول طريقة عمل الماكينات، وحول أسباب توقف بعض خطوط الإنتاج بسبب نقص قطع الغيار وشوهد في جهاز التلفزيون وهو يستمع بصبر لشكاوي العمال، وهو يطمئنهم إلى انه قام بتكوين لجنة لوضع اقتراحات من اجل تخفيف أعباء المعيشة . كما شوهد في جهاز التلفزيون وهو يشارك في توزيع شهادات التفوق والجوائز في مدرسة ابتدائية في منطقة أم ضوا بان، وهو يشارك مع التلاميذ في إنشاد ديني لقصيدة السراي، وهو يشاركهم في أداء نشيد وطني، وهو يصفق لتلميذ صغير قدم عزفا علي صفارة مصنوعة من البوص لاغنية مرت الأيام، وشوهد وهو يرقص في حفل زفاف في ضاحية الحاج يوسف مشاركا العريس رقصة السيف . دون أن يلاحظ أن رجال أمنه قاموا بتفريغ المكان قبل وصوله بدقائق من كل المدعوين واستبدلوهم برجال أمن مع نسائهم وأطفالهم ولم يتركوا أحدا سوي العروسين، لم يلاحظ شيئا مريبا رغم انه شعر بأنه يختنق في مرجل فرح رسمي ونقل جهاز التلفزيون مشاركته في حفل تتويج رث الشلك في قرية ديبالو بالقرب من مدينة فشودة، وشوهد وهو يرتدي العاج المقدس مشاركا مع جيش نيكانج في المعركة الرمزية مع جيش الرث بالقرب من خور اريبارجو، واثناء احتدام المعركة التي استخدم فيها جيش نيكانج جريد النخيل في ضرب جيش الرث اقترب منه احد حراسه وابلغه بهدوء صاعق : سيدي الرئيس وردت اشارة من العاصمة تفيد وجود تحرك عسكري مضاد في العاصمة ! . لم يرتبك فالخبر اصبح مألوفا لديه، لكنه تلفت حواليه بحذر خوفا من وجود مؤامرة لاغتياله في غمار هذه الحرب الرمزية، شاهد رجال جيش الرث يلقون نحوهم بسنابل الذرة، فيما كان رجال جيشه يضربونهم بجريد النخيل دون هوادة، اصدر تعليماته لرجال الامن بالاتصال فورا بالقيادة الجنوبية ومتابعة الاخبار، فيما استمر هو في مشاركة جيشه في ضرب جيش الرث بجريد النخيل وبسبب توتره فقد ازدادت ضراوة ضرباته حتى انه أطاح ثلاثة من جيش الرث بضربة عصا واحدة . تمزقت عصاه فتم استبدالها بعصا أخرى، حتى تفرق جيش الرث كله، وشاهد بمشاعر مرتبكة الرث الجديد وهو يدور حول دائرة في الأرض وتمثال نيكانج فوق كتفه ، تابع قلقا بقية إجراءات التتويج أمام قبة نيكانج في فشودة ، وحينما شاهد الرث يجلس علي كرسي التتويج المغطي بقماش ابيض وحول رأسه تمثالا نيكانج وداك المزينان بريش النعام الأسود، تذكر فجأة عرشه، الذي ربما يجلس عليه الآن شخص ما . انسحب ببطء وقبل اكتمال اجراءات التنصيب ، كان لا يزال يرتدي ثوبا من ريش النعام حينما استقل السيارة العسكرية التي كانت في انتظاره واتجه الي قيادة الفرقة الجنوبية لمتابعة الموقف ولحظة دمعقولة بسه أبلغوه بعدم توفر معلومات كافية عن التحرك حتى تلك اللحظة، سأل بحذر عن هوية قائد التحرك فجاءه الرد الفاجع : العميد صلاح محمد عبد الرحمن سيدي الرئيس . العميد صلاح محمد عبد الرحمن، اقرب أصدقائه، نشأا سويا في حواري مدينة أم درمان القديمة، كانا يشكلان فريقا منفصلا هما الاثنان في مباريات كرة الشراب مع أولاد الحي، وقرب المغيب كانا يتسللان سويا إلى حي المسالمة ليشاهدا فتيات المسالمة البيضاوات الجميلات، الوحيد الذي لم يحقد عليه حينما كان يتفوق عليه في مباريات الجري حيث المجال الوحيد الذي لا يسمح لكائن بمنافسته فيه لأنه مجال تفوقه الأوحد، وهو الذي وصف رياضة الجري يوما أثناء استعراض عائلي لمهارته الوحيدة بالهروب الإيجابي، وكان صديقه العميد صلاح محمد عبد الرحمن يمازحه قائلا : انه الشيء الإيجابي الوحيد الذي تقوم به ! العميد صلاح محمد عبد الرحمن الأول في المدرسة، الأول في الشارع، الأول في الكلية، بينما يرزح هو في المؤخرة، الأخير في المدرسة، يجلس في الفصل مع انداده في الفشل وضخامة الجسم، يجلسون في الصف الأخير داخل الفصل، يتصبب عرقهم من رهق عدم الفهم، يكتفون بالمراقبة لا يشاركون في أية مناقشة أو يجيبون علي أي سؤال منذ بداية العام الدراسي وحتى نهايته كأنهم مضربون عن الكلام، يسميهم مدرس الرياضيات : الصحفيون الأجانب !، لأنهم يكتفون بالمشاهدة والاستماع باتجاه واحد، يكتفون بتمرير ما يستمعون له داخل آذانهم ليخرج مباشرة من الأذن الأخرى، دون بذل ادني جهد لمحاولة تمريغه في وحل الذاكرة، التي يحتفظون لها بصفة مراقب . الأخير في الشارع عدا المصارعة التي يتفوق فيها دون جهد، الأخير في الكلية، الأخير حتى في الحساب يوم القيامة . لم يصدق في البداية إن العميد صلاح محمد عبد الرحمن يمكن إن يخونه، استغرقه التفكير فيما رجال حراسته يحاولون دون جدوى الاتصال بالعاصمة : الخائن، عينته قبل سفري وزيرا للدفاع أعطيته ما لم أعطه لاحد من مساعدي وأصدقائي، أعطيته السلطة وكان يتعفن قبل إن أتذكره في أرشيف حكومي لا يلتقي فيه إلا بأرباب المعاشات من المحاربين القدامى الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى ليصرف لهم مستحقاتهم التي لن تكفي ولا حتى لتأمين تكلفة المواصلات التي سوف تعيدهم إلى بيوتهم، ويصدق لهم قطعا سكنية وهمية في مناطق لم تطأها بعد قدم بشر، ويوزع عليهم بطاقات لصرف حصص صغيرة من زيت الطعام والسكر والصابون بأسعار زهيدة من التعاونيات التابعة للجيش . أعطيته السلطة وكان يركب قبل إن أتذكره سيارة فورد قديمة صنعت في أوائل القرن ولا يوجد مثيل لها إلا في المتاحف حتى إن الصبية كانوا يزفونها ويسابقونها فيجرون أسرع منها ويقذفونها بالحجارة كلما ظهرت في مكان ما . أعطيته أوراقا ممهورة بإمضائي يمكن إن يستخدمها حتى في استيراد الأفيون لو أراد رغم إن قرارات الأخ وزير التجارة تحظر حتى استيراد الهواء نفسه من اجل محاربة انهيار العملة الوطنية، الأخ وزير التجارة الذي كان يردد دائما : إذا ما استمر الحال في نفس وتيرة تدهوره فلن يكون هناك شئ في متناول المواطنين بعد سنوات سوي الهواء سيدي الرئيس ! جعلته نائبا لرئيس الجمهورية وشريكا في الحكم، في وطن لا يمكن إن يحكمه اثنان لأن قانون ( ريسين بيغرقوا المركب ) الأزلي هو الذي يحكمه ، ورغم ذلك قبلت إن أتنازل له عن جزء من الدفة فإذا به يحاول الاستئثار بها كلها. العميد صلاح محمد عبد الرحمن الذي نقلته فوق كتفي لمسيرة يوم كامل وهو مصاب بطلق ناري في صدره ودماءه تنزف مثل نافورة، وكنت احمله فوقي وازحف قريبا من الأرض حتى لا أصاب برصاص المتمردين الذي كان يتطاير من حولي مثل البعوض . ولمدة يومين ظلت الإذاعة صامتة، ظل فيها السيد الرئيس تحت رحمة القيظ والبعوض يستمع إلى أصوات الشلك يغنون للرث الجديد : اجاك اقرع الطبل قرعا ليدوي .. علي أرواح جدودنا . وبعد مرور يومان علي الانقلاب لاحظ إن الجنود بدءوا يتجاهلون تحيته عسكريا، كان يسمعهم يغنون بأصوات مخمورة وهم يعبرون من حوله، يغنون أغنية, حبايبي الحلوين أهلا جوني وأنا ما قايل .. حلوين زي دول بدوروني، يلوكون المقطع نفسه عشرات المرات مثل اسطوانة مشروخة، يترنحون ويستندون عليه أثناء مرورهم، تفوح منهم رائحة المريسة التي يشربونها في قطاطي السافنا، حيث الرائحة الراكدة لمستنقعات خريف منسي، تتصاعد في ساعات القيلولة مصحوبة بعزف حزين علي آلة امباية وبغناء عصافير الحب فوق أشجار الباباي . في اليوم الثالث اتخذ قرارا بالعودة إلى العاصمة مهما كلف الأمر، رغم ثقته من انه سيتم اصطياد الطائرة قبل دمعقولة بسها أجواء العاصمة، أصدر أوامره بتحرك القيادة الجنوبية لإنقاذ الوطن، إلا إن الضباط ترددوا في تنفيذ أوامره متعللين بقولهم : سيدي الرئيس إن تحركنا قد يهدد الوحدة الوطنية التي ضحينا من اجلها كثيرا، والمعلومات المتوفرة لدينا تؤكد تجمع أعداد كبيرة من المتمردين في بعض الدول المجاورة، بينهم أعداد من حركة الانيانيا ممن لم يتم استيعابهم في الجيش حسب بنود اتفاقية أديس أبابا، وسحب الحاميات من الجنوب في هذا الوقت بالذات قد يؤدي إلى كارثة . وفجأة في حمي القلق والانتظار بدأت الإذاعة تعمل : بثت في البداية مارشات عسكرية، تم إحباط المحاولة وتم اعتقال جميع المتآمرين، استقل طائرته وقبل إن تهبط الطائرة رأي الشوارع تغص بالمتظاهرين فحسبهم خرجوا تأييدا له، لكنه علم فيما بعد إن المحاولة كانت خطيرة جدا وان الشارع تعاطف معها تماما ولولا حدوث خلافات بين بعض الانقلابيين تسربت علي أثره شائعات بأن قادة الانقلاب سوف يطردون نصف ضباط الجيش من الخدمة مما جعل القيادة الشمالية والقيادة الشرقية تتدخلان لإنهاء الانقلاب . طلب إن يري المجموعة الانقلابية علي الفور، كانوا محتجزين في مدرعات الشجرة، ولدي اقتحامه الغرفة فوجئ بالعقيد محمد النور عبد الهادي، وزير المالية، وفي البداية حياه معتقدا انه جاء مثله لتفقد المتآمرين، لكنه انتبه بعد قليل للدوائر السوداء حول عينيه، نظر خلفه فشاهد العقيد كمال الدين محمد علي وزير الزراعة، ثم شاهد نائبه وصديقه وزير الدفاع العميد صلاح محمد عبد الرحمن، كان واقفا بكبرياء رئيس منتخب، نظر إليه نظرة عابرة دون إن يحاول إن يحدق في عيني العميد، وللمرة الأولى لم يأمر بتحويل المعتقلين ليحقق معهم بنفسه قبل تقديمهم للمحكمة العسكرية التي انعقدت علي الفور حتى تعد الأرملة دار المقام القهوة، جلس المشير قلقا علي مقعد خشبي بدا واضحا أن الأرملة صنعته بنفسها فقد كانت رؤوس المسامير البارزة تعوق أية محاولة للاسترخاء عليه . أما الأرملة فلأنها لم تستطع تذكر هويته الذائعة الصيت في القرية، بسبب السنوات الطويلة التي توقف فيها تواصلها الاجتماعي مع أهل القرية منذ إعدام زوجها، فقد حاولت كشف هويته عن طريق مقايضة الذكريات، فسردت أدق تفاصيل ذكرياتها، منذ المرة الأخيرة التي شاهدت فيها زوجها يغادر البيت بملابسه العسكرية إلى الأبد . حكت انه اقدم للمرة الأولى والأخيرة طوال حياتهما معا علي شئ لم يفعله من قبل رغم كثرة أسفاره، فقد لوح لها بالقبعة العسكرية وهو يغلق الباب وقال لها : اهتمي بالولدين ولا تتهاوني في تعليمهما حتى لو اضطررت لبيع الافدنة الخمسة التي ورثتها عن المرحوم والدي . ثم سردت تفاصيل المصائب اليومية التي واجهتها حتى كبر الأطفال، وكيف أنها أبقت باب بيتها مغلقا طوال ست أعوام أقدمت خلالها علي تنفيذ وصية زوجها الراحل وباعت افدنته الخمسة ، وأنها كانت ترسل ابنها الأكبر علاء الدين يوم الأربعاء ليقوم ببيع الحلوى التي تصنعها من السكر في قوالب من الخشب ، ويشتري اللوازم القليلة التي تكفيهم بالكاد، حتى نسي الناس صورتها . وحكت انه رغم أنها كانت غريبة عن أهل القرية ولا أقارب لها، إلا أنها كانت تكتشف مطلع كل شهر جديد أن أحد المحسنين قد وضع فوق جدار البيت جوالا صغيرا تجد في داخله كمية من المستلزمات المنزلية دون أن يتسنى لها قط أن تعرف هوية ذلك المحسن رغم أنها كانت تسهرعدة ليالي وتراقب المكان دون جدوى، فقد كانت تخلد للنوم فجأة لتستيقظ علي مشهد الجوال فوق الجدار . ستة أعوام ظل فيها باب بيتها مغلقا حتى انه حينما تعين عليها أن تغادر البيت للمرة الأولى منذ إعدام زوجها لتقوم بتسجيل علاء الدين في المدرسة بعد أن بلغ الثامنة، تعين عليها أن تستعين ببعض الأعراب الغرباء ليزيحوا الرمال التي سدت مدخل البيت وليقتلعوا أشجار الطرفاء التي نمت وأغلقت المدخل، وحكت له أن أحدا لم يتعرف عليها حينما اخترقت شوارع القرية وحينما تجولت في السوق يوم الأربعاء التالي . ورغم أنها كانت تركن للصمت لتعطيه فرصة لسرد ذكرياته، لتحاول أن تحدد منها هويته الأصلية التي بدت لها مختلفة تماما عن صورته الماثلة أمامها، عجوزا متهدما يجهل حتى اسمه . أحضرت له ماء ليغسل وجهه، وأعدت له القهوة، شرب القهوة وكأنه يتجرع سما، ثم لبث ممسكا بالفنجان الفارغ حتى امسكته منه، حاولت أن تقرأ خطوط ذاكرته علي فنجان القهوة، وللوهلة الأولى لاحظت الخط النشط للنسيان الذي بدأ في اختراق أهم خطوط دفاعات ذكرياته، التي بدت لها تفتقر إلى الترابط وأنها مبعثرة في بيداء ذاكرته دون رابط . ولأن خطوات النسيان كانت بطيئة وواثقة، فقد عرفت أنها لم تكن سوي الخطوات المموهة للموت، حتى أنها عادت لتحدق في عينيه، وفي إحصاء تجاعيد وجهه لتتأكد انه كان لا يزال علي قيد الحياة، دون أن تدري لماذا داهمتها فكرة أن هذا الغريب الذي يبدو زاهدا حتى في الحياة، كان يجهل انه علي قيد الحياة، حتى أنها أحضرت له مرآة صغيرة نظر فيها آليا دون اكتراث، فرأي وجهه . شاهد الآثار الأكثر دمارا لا لمرور الزمن بل الموت، واكتشف فجأة أن وجهه الهرم كان يبدو اكثر شبها بصورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، رغم انه لاحظ دون اكتراث أن بريق عينيه كان بدون هوية، فراغ قاحل يبدأ من الخارج ويتغلغل حتى قاع عينيه، مفرغا نظراته من بقايا الحزن القديم الذي قال له العقيد الزبير سليمان شيخ الدين عنه يوما : كان ذلك الحزن في عينيك في أول صورة لمجلس قيادة الثورة هو نبوءة بحجم الدماء التي تعين عليك سفكها لكيما تظل في السلطة، حتى انه بعد سنوات قليلة كاد الوطن أن يصبح خاليا من سكانه سوي النسوة الرجالم ودوهم الجنوب ولا شنو؟ اللائى بقين علي أمل عودة المفقودين، سنوات طويلة وهن في انتظار أن يسمعن خطواتهم تمزق صمت ليالي الشتاء الطويلة، حيث لا شئ سوي صوت الريح التي تكاد تقتلع البيوت من الأرض، يحاولن إبقاء جذوة الحياة متقدة من حولهن، يرقبن دون جدوى كل صفارة قطار عابر وكل صفارة باخرة . المفقودون الذين لم يجرؤ نظامه علي إعلان موتهم، لا خوفا من منظمات حقوق الإنسان، ولكن لأنه هو نفسه انتهي به الأمر لأن يصدق أكاذيب أجهزة إعلامه التي كانت تعلن صباحا ومساء أنه لايوجد في الوطن ولا سجين سياسي واحد، وان الحرية مكفولة للجميع، مثل الهواء، ومنابر حزب الوطن مفتوحة لكل أبناء الوطن ليعبر كل مواطن عن رأيه دون قيد . ويواصل اللواء الزبير سليمان : فيما تحول حزب الوطن سيدي الرئيس إلى كارثة وطنية أخرى، مجرد مقهى يلتقي فيه المنتفعون من النظام لاستخراج رخص الاستيراد والحصول علي وقود السيارات فيما الوطن كله يقف أما في طوابير الوقود أو في طوابير الخبز، تركت المنافقين يحومون حولك مثل الذباب، يبايعونك علي المنشط والمكره، فيما الشرفاء أما تحت الأرض بدون حتى شاهد يوضح هويتهم بعد الموت، كأنك تخشى أن ينهضوا فجأة فلا يستطيعون تذكر أسمائهم . أو في السجون التي تعفنوا فيها حتى نسوا أسباب اعتقالهم، أو يشيخون في المنافي الباردة تصيبهم أمراض الانتظار فلا يبقي لهم سوي مرارة الشوق وقائمة الأطعمة التي يمنعهم الأطباء من تناولها حتى لا ترتفع نسبة الكوليسترول في دمهم، وقائمة أخرى يكتبون فيها أسماء الأصدقاء حتى لا تختلط أسماءهم مع أسماء الأعداء عند بدء انحلال الذاكرة . وحتى نسمة الرخاء الرقيقة التي هبت علي الوطن وأدتها دون رحمة، وأعدمت أفضل وزيرين ارتضيا العمل معك، وغامرا بسمعتهما الطيبة بالعمل مع نظام مشبوه، نظام وزراؤه سماسرة يقتطعون عشرة في المائة من كل معاملات الوطن وقروضه . وفجأة انتبه للمرأة الماثلة أمامه، تنتظر في صبر انتهاء نوبة الذكريات التي داهمته، لم يتذكر أين رآها، وما مناسبة وجوده في هذا البيت ذو الفناء الواسع المفروش بالرمل الأحمر حيث يزدهر في أحواض صغيرة نبات صباح الخير بوروده الحمراء، وحيث شجرة النيم الضخمة تخفف من جحيم قيظ ينبئ عن بدء تحرك الفاصل المداري نحو الشمال منهيا العصر الثالث للجفاف، رأي عصافير الرهو والسمان تبدأ موسم رحلتها العكسية شمالا، وتلمس طعم زمان غريب شعر به يعبر من حوله بينما هو ثابت في مكانه مثل جذع شجرة مقطوعة . رأي للمرة الأولى البدايات الأولى للفراغ الذي شعر به يبدأ في دواخله منذ إعدامه لوزيري المالية والزراعة العقيدين محمد النور عبد الهادي وكمال الدين محمد علي، دون أن تفلح كل ضجة عصور الجفاف وقصص الحب الرسمي الفاشلة في تخفيف سطوة ذلك الفراغ، منذ أن تطلع إلى خريطة الوطن من أقصاها إلى أدناها بحثا عن صديق واحد، فلم يعثر علي شئ، تطلع إلى الوطن كله، من أقصى إقليم الصحراء شمالا وحتى حدود الغابات الاستوائية، فلم يجد ولا حتى صديقا واحدا . لم يجرؤ علي الاعتراف بأنه قتل مع الوزيرين آخر احتمالات بقاءه في السلطة، فشعر بالفراغ يدب من حوله، فراغ يبدأ من الذاكرة، جعله يتوجس خيفة من احتمال أن يفقد الذاكرة نهائيا، حينما اكتشف فجأة انه اصبح يخلط أسماء الأشياء، وحتى يوقف نزيف الذاكرة قرر وقف استخدامها لتجنب أي إجهاد محتمل قد يؤدي لظلام شامل . اصبح يتعمد عدم مناداة الذين يتعامل معهم يوميا بأسمائهم، حتى أولئك الذين كان تذكر أسمائهم لا يسبب له أية إجهاد، يستخدم عبارة أخي الوزير، لأفراد طاقم وزرائه، ويقول صديقي لكل معاونيه ومستشاريه . يستمع إلى أكاذيب أصدقائه : الأحوال تتحسن سيدي الرئيس، والسوق امتلأ بالسلع التي كان المرحوم العقيد محمد النور عبد الهادي قد حرم الناس منها، وكانت النساء الأكثر تضررا من سياساته فقد اختفت من الأسواق مواد وأدوات التجميل واختفت الملابس الفاخرة والأحذية الإيطالية والتايوانية والباروكات، فبسبب قرارات الوزير الراحل رحمه الله، ارتفعت معدلات الطلاق سيدي الرئيس ولم تكن حالات الطلاق بسبب الغيبة أو الإعسار كما تزعم إعلانات المحاكم الشرعية في الصحف اليومية بل بسبب انعدام مواد التجميل في الأسواق، بحيث أمكن لمعظم الأزواج رؤية زوجاتهن علي صورهن الأصلية !، ولم يعد بالإمكان مداراة آثار مرور الزمن علي الوجوه، بسبب انعدام مواد التجميل، حتى أن النسوة اضطررن للجوء لأساليب كلاسيكية عفا عليها الزمان، مثل الحناء لاخفاء شيب الشعر، والترمس لتبييض البشرة، وزيت السمسم لترطيب الشعر والبشرة، ولولا موته لاصبحت نصف نساء الوطن مطلقات خلال اقل من عام سيدي الرئيس . السوق ملئ بالسلع والناس سعداء، وفي سوق سعد قشرة والسوق الشعبي يتعذر المرور بسبب الأعداد الهائلة للبشر الذين هرعوا للأسواق بمجرد أن علموا أنها امتلأت مرة أخرى بالسلع، والناس سعداء والسكارى يرقصون طوال الليل في الشوارع، ومشروعات التنمية تعمل بصورة افضل بعد أن تسلم الدكتور حسب الرسول وزارة الزراعة وقام بوضع خطة علمية لتطوير أساليب الزراعة وزيادة الرقعة المزروعة علي امتداد الوطن، ومطابع العملة تعمل ليلا ونهارا، وجيوب الناس ملأي بالنقود حتى أن التجار في سوق مدينة أم درمان يرسلون نقودهم لإيداعها في البنوك في جوالات الخيش سيدي الرئيس! . لا تبهجه هذه الأكاذيب بقدر ما يؤرقه فراغ ذاكرته، يشعر به في معدته في صورة نوبات مترددة من الجوع، فيحاول إفراغ شحنات توتره في الأكل حتى يشعر بازدياد وزن جسمه، ورغم انه يرتدي حذاء يصنع له خصيصا في سوق الجلود بمدينة أمد رمان بسبب عدم توفر قياس قدمه من الأحذية الجاهزة، إلا انه يشعر بالحذاء الضخم يكاد يتمزق من وطأة ازدياد ضخامة قدميه . يطوف داخل القصر طوال اليوم، فتصيب عدوي قلقه مستشاريه وجيش الموظفين والسكرتارية، يبحث عن شئ ما يملأ الفراغ الملح الذي يغزو دواخله، يكتشف أن الملل كان يخيم فوق كل شئ من حوله، فخرج في مساء اليوم نفسه متنكرا. مر بتجمعات المداحين علي إيقاع الطار في السوق العربي، ودفع خمسة وعشرين قرشا ليشارك في رقصة العرضة، واستمع إلى واعظ تجمع حوله عدد من الناس بدافع الفضول لا الورع كما اعتقد في البداية،فشعر للمرة الأولى بأنه بدأ يحدد جذور فراغه الداخلي، كان الخطيب الأعرج الذي يدور داخل الحلقة مثل النحلة، مستندا علي عصاه، كان يتحدث عن الموت والحياة الأخرى . شعر السيد الرئيس بأن فراغ روحه اصبح محتملا قليلا، وبعد قليل حينما بدأ الواعظ يشرح أوصاف الحياة الأخرى في الموت، فبدت شبيهة بأوصاف الحياة في عصر جفافه، بدأ الناس ينسحبون، حتى اكتشف بعد قليل انه يقف وحيدا في مواجهة الواعظ الذي انتهز الفرصة فأفرغ في وجهه شحنة تحذير مركزة بعواقب الأعمال السيئة، ذكره بيوم الحساب، ثم انتقل محاولا هدايته إلى الطريق القويم بعبارات مبسطة وبالغة الصرامة في الوقت نفسه، ذلك أن الواعظ قصير القامة خطرت له فجأة فكرة أن هذا الكهل الضخم الجثة الذي يرتدي ملابس قبيلة البني عامر، سروال ابيض ضخم له تكة طويلة من الصوف الملون يسحبها علي الأرض، وجلبابا قصيرا فوقه صديري ازرق وعمامة ضخمة تخفي معظم تفاصيل وجهه . بدا له هذا الكهل الضخم الجثة جاهلا بأبجديات الفروض الدينية، سادرا في خطيئة دائمة ألهته حتى عن تذكر الموت، حتى أنه شرح له كيفية الوضوء الصحيح وأشار له علي اتجاه قبلة الصلاة باتجاه الكعبة في مكة المكرمة، فقد بدا له أن هذا الكهل الغارق في الخطيئة حتى أن اقتنع بأداء الصلاة فإنه سيصلي علي اتجاه يحدده هو بنفسه . وفجأة انسحب السيد الرئيس تاركا الواعظ يواصل صياحه دون مستمعين، وفي مساء اليوم التالي حضر حفلا لتوزيع الدرجات العلمية في جامعة الخرطوم، شاهد فتاة ارتجف لها قلبه، وشعر بتبدل يقينه حول أصول فراغ روحه الذي حسبه ذو صلة بالموت، علق بصوت هامس بثلاث كلمات : فتاة رائعة الجمال ! ألقت الفتاة الكلمة الأولى في الحفل، ثم تراجعت إلى مقعدها في المقدمة في مواجهته، وللمرة الأولى اكتشف أن قلبه كان لا يزال يعمل، فقد شعر به يومض وميضا خفيفا من داخل عتمته الحجرية . شعر بألم في معدته، وبفراغه الداخلي يتآكل وهو يستمع إلى تقرير هامس حول الفتاة : كانت الأولى ضمن المتخرجين في كلية الاقتصاد سيدي الرئيس، والدها من سلالة المك نمر ملك الجعليين السابق الذي هاجر إلى الحبشة بعد أن اقدم علي قتل إسماعيل نجل محمد علي باشا حاكم مصر مطلع القرن التاسع عشر سيدي الرئيس، وهو أستاذ بالجامعة، وهي مخطوبة لمحام شاب من أقاربها له مكتب في مدينة أم درمان . شعر أن فراغه الداخلي بدأ ينحسر أمام بدء اشتعال نار العاطفة، فيتظاهر بأنه مشغول بقراءة تقارير الموقف الاقتصادي فيما يرخي أذنيه لتقارير رجال أمنه الشفهية : والدها أستاذ في كلية الزراعة، حصل علي درجة الدكتوراه عن أبحاثه في البصل سيدي الرئيس، تصيبه خيبة أمل طفيفة : كل هذا المجد تصنعه بصلة ! ، لكن خيبة أمله سرعان ما تبددت تحت إلحاح فضول القلب فيواصل الاستماع، حينما ذهبنا لرؤيته وجدناه عجوزا جدا حتى أننا لم نصدق في البداية أنه كان حيا، لولا أنه كان يتحدث عن أشياء لم نفهم منها شيئا سيدي الرئيس، ليس فقط بسبب خلطه المصطلحات العلمية مع كلامه العادي، ولكن لأنه كان ينسي وجودنا بجانبه، ولاحظنا انه كان يوجه كلامه أحيانا إلى المنضدة أو إلى النافذة، وفي إحدى نوبات نسيانه تركنا وغادر المكان، وحينما عاد بعد اكثر من ساعة، قام بالسلام علينا مجددا وكأنه يرانا للمرة الأولى، رغم انه واصل حديثه الذي قطعه بخروجه من نفس المكان الذي توقف فيه . يتظاهر بأنه يقرأ في تقرير الموقف الاقتصادي، يقلب صفحة أخرى دون أن يقرأ كلمة واحدة، فيما يرخي أذنيه للتقرير الشفهي : عرفنا أن شخصيتها قوية سيدي الرئيس، لاحظنا ذلك حتى في طريقة تأثيث البيت، كل شئ في مكانه الصحيح الذي لا يمكن تخيل وجوده في مكان آخر غيره، حتى في ألوان الستائر والأبواب، حتى في حديقة البيت الصغير، كل شئ ينبض مثل الساعة ولم يحدث تخريب للنظام الدقيق في المكان حتى حينما انقطعت الكهرباء، ظل كل شئ ينبض في مكانه، قدمت لنا أكواب الشاي واعتذرت بسبب انشغالها في التحضير لرسالة الماجستير . يتظاهر بأنه يقرأ في التقرير، يقلب صفحة أخرى دون أن يقرأ كلمة واحدة ثم يلقيه جانبا ويملي قرارا جمهوريا، فأصبح والدها بقرار جمهوري أذيع في نشرة الساعة الثالثة وزيرا لوزارة صنعت خصيصا من اجله : وزارة الرعاية الاجتماعية، مقرها داخل القصر الجمهوري . خطا السيد الوزير مرتبكا خطوته الأولى داخل القصر دون أن يلاحظ مطلقا أنها الخطوة الأولى في الدرب الذي سيتعين عليه أن يقطعه منذ تلك اللحظة والذي سيقود به إلى حتفه والي تشتت شمل عائلته، استقبله السيد الرئيس في مكتبه ونبهه ضاحكا إلى الورقة الصغيرة المعلقة حول عنقه وقد كتب عليها : أنا ذاهب إلى دورة المياه ! . انتزع السيد الوزير الورقة محرجا ووضعها في جيبه، أوضح انه ينسي أحيانا الاتجاه الذي يسير فيه أو السبب الذي جعله يخرج من مكتبه، لذلك يقوم بوضع هذه اللافتات ليستخدمها تلاميذه في الكلية لاعادته نحو الوجهة الصحيحة، ضحك السيد الرئيس واقترح عليه لافتة جديدة : أنا ذاهب لاداء القسم، واكمل فقد أصبحت يا عماه وزيرا للرعاية الاجتماعية، وزارة جديدة لنج!، حتى أنه لا تفوح في أرجائها سوي رائحة الطلاء الذي قمنا بعمله علي عجل، حتى أننا اضطررنا بسبب عدم وجود عمال يوم الجمعة، إلى العمل بأنفسنا، واستطرد مازحا : جربنا من قبل كل أنواع الضرب، إلا أن هذه المرة الأولى التي نجرب فيها ضرب الطلاء! ثم أشار لاحد مساعديه فسحب خلفه الرجل العجوز الذي سأل عدة مرات عن الوجهة التي يقصدها وعن سبب وجوده في هذا القصر القديم الذي تفوح في أرجائه رائحة السلطة ورائحة زمان راكد منذ الأزل، والذي لم يعجبه فيه لحظة دمعقولة بسه، سوي منظر الجنديين اللذين يقفان وقفة واحدة طوال النهار دون حتى أن تهتز رموش عيونهما .